الجزء 1 · صفحة 7
فتاوي مصطفى الزرقا
للعلامة الفقيه مطصطفى أحمد الزرقا الحنفي
ولد سنة (1322) ه وتوفي سنة (1420) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
الشيخ مصطفى بن أحمد الزرقاء
بقلم مجد مكي
هو العلامة الفقيه الأصولي الأديب النحوي الشاعر الشيخ مصطفى بن العلامة أحمد بن العلامة الشيخ محمد بن السيد عثمان بن الحاج محمد بن الشيخ عبد القادر الزرقا.
? - ولادته:
ولد بمدينه حلب في عام 1322 هـ الموافق 1904 (4) م من أبوين صالحين، (1904) فوالده هو العلامة الفقيه الكبير الشيخ أحمد الزرقا، ووالدته السيدة زينب بنت الحاج محمد جلب، وكانت امرأة أميَّةً صالحة، ولما حملت به والدته، ولم تكن تشعر بحملها، رأت في الرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبشرها بأنها حامل بذكر، وأوصاها أن تسميه باسم أخيه الذي توفي قبله مصطفي.
? - نشأته:
ولد أستاذنا الزرقا في بيئة إسلامية، وأسرة علمية، أسس دعائم العلم فيها جده العلامة الكبير الفقيه العُمدة الشيخ محمد الزرقا (ت (1343) هـ)، وورثه ابنه والد شيخنا العلامة الفقيه الشيخ أحمد الزرقا (ت (1357) هـ) رحمهما الله تعالى، وتسلسل العلم في الأسرة، وحمل راية العلم من بعدهما أستاذنا الجليل فقيه العصر الأستاذ مصطفى الزرقا، حفظه الله تعالى.
واستمر العلم في هذه الأسرة، فابن شيخنا الأستاذ الدكتور أنس الزرقا من علماء الفقه، ومتخصص بالدراسات الإقتصادية الإسلامية، وقد أطلق شيخنا الأديب العلامة الفقيه الأستاذ علي الطنطاوي على هذه السلسلة العلمية: (سلسلة الذهب).
فنشأ الشيخ مصطفى في تلك البيئة الصالحة، والجو العلمي الذي يقدح العزائم، ويحرّك الهمم، ويدفع إلى العلم النافع، والعمل الصالح، في بيت جده العلامة الكبير الفقيه العمدة الشيخ محمد الزرقا وتحت رعايته، وفي ظلال والده الفقيه الشيخ أحمد الزرقا.
بداية دراسته:
بدأ دراسته في كتاتيب القرآن الكريم، فكان الكتاب الذي التحق به هو الذي تخرج منه والده رحمه الله تعالى، ويقوم عليه العبد الصالح الشيخ محمد الحجار من كبار الحفاظ المقرئين المتقنين، وتلقى فيه القراءة والكتابة والحساب.
الجزء 1 · صفحة 9
وقرأ في أول مراحل دراسته على العلامة المحقق الرُّحلة الشيخ محمود بن سعيد السنكري، «الكفراوي على الآجرومية».
ثم ألحقه والده - رحمه الله تعالى بمدرسة الفرير الفرنسية بحلب، وهو دون سن العاشرة، وتلقى فيها مبادئ اللغة الفرنسية، لأنَّ والده كان يشعر بالتطور السريع الذي يستدعي تزويد النشء بالثقافة الحديثة إلى جانب الثقافة الشرعية الأصيلة، وكانت الفرنسية تعتبر - آنذاك - لغة الثقافة العالمية. وكان والده - رحمه الله تعالى - واعياً للخطر التبشيري الذي تنطوي عليه تلك المدارس، واثقاً من قدرته على تحصين ابنه من تلك الأخطار. وتوجهت رغبة الشيخ إلى التجارة، ولكنَّ جده العلامة الشيخ محمد الزرقا، أصر على والده أن يسجله في المدرسة الخسروية الشرعية التي جددتها مديرية الأوقاف في حلب في عهد مديرها مرعي باشا الملاح، وكان رحمه الله تعالى من أهل الإيمان والبصيرة.
أساتذته:
من أبرز شيوخه الذين أثروا في حياته العلمية والده العلامة الفقيه الشيخ أحمد الزرقا، درس عليه الفقه الحنفي، وقواعد المجلة، والعلامة المؤرخ الشيخ محمد راغب الطباخ، درس عليه الحديث والسيرة النبوية، وقرأ على العلامة الشيخ محمد الحنيفي، ودرس عليه في التوحيد شرحه لجوهرة التوحيد: المنهاج السديد» و «رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، كما درس عليه التفسير والبلاغة، وهؤلاء الثلاثة هم أبرز شيوخه، وأعظمهم تأثيراً فيه، وسيأتي ذكر جوانب من سيرتهم، وبيان أثرهم في تكوين الشيخ العلمي. ومن شيوخه الذين تلقى عليهم العلم في تلك المرحلة: العلامة المحدث الفقيه الأصولي النحوي الشيخ أحمد المكتبي الشافعي ((1263) - (1342) هـ)
وقد درس عليه الألفية في النحو مع شرح ابن عقيل بحاشية الخضري تلقاها العلامة المكتبي بالجامع الأزهر شفاهاً عن شيخ الأزهر العلامة الأنبابي ((1240) - (1313) هـ) رحمهما الله تعالى.
ومن أساتذته أيضاً: الشيخ أحمد الكردي ((1299) - (1373) هـ) أمين الفتوى بحلب الشهباء، درس عليه النحو، وكان رجلاً فقيهاً مستوعباً والشيخ إبراهيم السلقيني (الجد) (????) - (1367) هـ) درس عليه الفقه والحديث والشيخ عيسى البيانوني ((1290) - (1362) هـ)، درس عليه النحو أيضاً، والشيخ أحمد الشماع (????) - (???? هـ) درس عليه التفسير مدة يسيرة، والشيخ محمد الناشد (ت (1362) هـ). الملقب بـ (الزمخشري)، درس عليه النحو والبلاغة وسائر علوم الآلات، وكان عالماً متفنناً
الجزء 1 · صفحة 10
في العلوم الشرعية كلها.
طريقة الدراسة:
وكانت معظم دراسته الأولى على الرُّكب والحصير والبساط، على طريقة الأولين من طلاب العلوم الإسلامية.
وكانت مدة الدراسة ست سنوات يرتقي الطالب فيها من سنة إلى أخرى بصفوف ومراحل متتابعة حتى ينتهي إلى التخرُّج، ويتعاقب عليها مدرسون في حصص يومية، ومقررات نظامية تشمل مختلف العلوم والفنون.
وكانت الخسروية قد أدخلت إلى مناهجها بعض العلوم العصرية كالحساب والجغرافيا والتاريخ والصحة، ليكون طلاب العلم على معرفة بالثقافة الحديثة العامة.
وكان الخريجون من هذه المدرسة توليهم إدارة الأوقاف عنايتها وتعينهم في وظائف الإمامة والخطابة.
حرصه على دروس والده:
ولم يقتصر الشيخ خلال دراسته في الثانوية الشرعية على دروسها، بل كان يتابع دروس والده في مختلف المساجد، علاوةً على دروسه التي كان يتلقاها منه في المدرسة، حيث كان يدرسهم فيها مقررات الفقه.
- متابعته للدراسة العصرية: لم تصرفه الدراسة الشرعية والعربية عن متابعة الدراسة العصرية، وتعلم اللغة الفرنسية، فقد اتفق مع بعض الأساتذة النصارى على متابعة تقويته فيها لقاء أجر معلوم. وكان كثير التطلُّع للإلمام بمجريات الثقافة الحديثة العامة، وخاصة أن لديه من اللغة الفرنسية الأساس الذي لا بد منه لتحقيق ما يصبو إليه. واتفق مع صديقه ورفيق صباه معروف الدواليبي على متابعة الدراسة الثانوية العامة.
واتفقا مع بعض أساتذة الثانوية العصرية الوحيدة في حلب، فرتبوا لهما جدولاً دراسياً، فحصص للفيزياء، وأخرى للرياضيات .. وهكذا في سائر المقررات.
الجزء 1 · صفحة 11
وصبرا أنفسهما في هذا السبيل حتى أنهيا المقررات الدراسية كلها وتقدما إلى الامتحان على نظام البكالوريا الرسمية. وأحس الشيخ أثناء دراسته الثانوية أنَّ السلاح الوحيد الذي يعوز المؤمنين لمواجهة هجوم المنحلين والملحدين، والوقوف أمام التيار الإلحادي ومقاومته ومقارعته، هو الجمع بين حقائق الإسلام وحقائق العلوم الكونية. وقد دخل الامتحان في شعبتي البكالوريا الأولى (العلوم والآداب معاً. وقدَّر الله تعالى له النجاح بالدرجة الأولى على طلاب سورية جميعاً. على الرغم من دراستهم النظامية طوال سني المنهاج.
ومن ثم توجه إلى دمشق سنة ????، لأنه لم يكن في سورية كلها إلا صف واحد بدمشق الدراسة البكالوريا الثانية - قسم الفلسفة، وقدَّر الله نجاحه بتفوق، إذ أحرز الأولية على طلابها جميعاً.
? - حضوره دروس الشيخ بدر الدين الحسني: ولما أنهى البكالوريا الثانية ودخل الجامعة كان يتردد على دروس العلامة المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني اليومية بعد المغرب في منزله، كما كان يحضر درسه يوم الجمعة في الجامع الأموي.
دراسته الجامعية:
التحق بعد إحرازه البكالوريا الثانية بالجامعة السورية التي سميت فيما بعد جامعة دمشق.
وقد جمع بين كليتي الحقوق والآداب، فكان يحضر دروس الحقوق قبل، ودروس الآداب بعد الظهر.
تخرجه من كليتي الحقوق والآداب العليا:
وفي عام ???? م تخرّج من الكُليّتين معاً، وأحرز الدرجة الأولى في كلتيهما بفضل الله تعالى، فكان بذلك أول من جمع في سورية بين الثقافات الثلاث: الشرعية والقانونية والأدبية.
ثم حاز في عام (1947) م دبلوم الشرعية الإسلامية من كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول جامعة القاهرة حالياً.
أَبْرَزُ العلماء الَّذِيْنَ لَهُمْ أَثَر فِي تَكوينِهِ العِلمِيَّ
الجزء 1 · صفحة 12
- العلامة الجد الفقيه الكبير الشيخ محمد الزرقا المولود سنة (1258) والمتوفى سنة (1343) هـ رحمه الله تعالى:
أعمق الناس تأثيراً في نفسه جده العلامة المحقق المكين الشيخ محمد الزرقا وهو لم يدرس عليه، لأنه لما بدأ الدراسة في مطلع شبابه كان جده اعتزل التدريس لتقدم إلا درساً واحداً في الأسبوع يتطوع به في منزله لكبار أهل العلم من طبقة والده وانتقل إلى جوار ربه سنة (1343) هـ، وكان حفيده أستاذنا مصطفى الزرقا في السنة الثانية من الثانوية الشرعية، وله من العمر تسعة عشر عاماً.
- العلامة الوالد الفقيه الكبير الشيخ أحمد الزرقا المولود نحو سنة (1285) والمتوفى سنة (1357) هـ رحمه الله تعالى:
ثم يأتي بعد جده ـ رحمه الله تعالى - في التأثير في نفسه: والده العلامة الشيخ أحمد الزرقا، وبخاصة من الناحية الفقهية.
وكان والده - رحمه الله تعالى - فقيهاً، لا يكاد يوجد كتاب من كتب الفقه وأمهاته الأولى إلا ودرسه دراسة، بل وحرثه حراثة، ولا يعلم بعد جده - رحمه الله تعالى - مثل والده في سَعَة الاطلاع، وجودة الفهم ودقة النظر في تخريج وتنزيل المسائل والحوادث على القواعد.
ولم تقتصر علاقته بوالده على الدروس النظامية في المدرسة الخسروية، بل لازمه في دروسه خارج المدرسة في جامع آل الأميري جامع الخير
وفي الجامع الأموي الكبير بمدينة حلب.
ومما قرأه على والده حاشية ابن عابدين في المدرسة الشعبانية، خارج الدروس النظامية، وكان يحضر درس والده من هم في سن أبيه، وكان هو أصغر الموجودين.
كما لازم والده في البيت، فقد كان يقضي معه الليالي الطوال، وربما امتد السهر إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، في نقاش فقهي، يبلغ بهم أحياناً إلى التشاد، كلّ مع دليله وطريقة فهمه، وقد ينحاز الوالد إلى رأي ابنه بعد طول جدال، وقد ينحاز الابن إلى رأي أبيه أخيراً، فارتفعت الحُجُب بينه وبين أبيه في نطاق المناقشات العلمية، مع الحفاظ التام على كرامة الأبوة ووقارها. كان والده معه مثل المدرب الرياضي، يمرنه تمرين خبير أُوتي صبراً وطول أناة، فكان يشجعه على النقاش والجرأة في إبداء الرأي، ويدربه على استخلاص الأحكام من خلال الأدلة والحجج.
الجزء 1 · صفحة 13
وقد كان والده ذا ولع شديد بالأدب والشعر، ولم يعرف عنه أنه مارس نظمه. ولم تكن مذاكرته كلها في حقول الفقه، بل كانت متنوعة الأشكال، متعددة الألوان، فربما أمضى مع والده الساعات والأيام والليالي في مطالعة الروائع من كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد، وما إليهما كسقط الزند، واللزوميات لأبي العلاء المعري.
ومما قرأه على والده في الأدب أيضاً الطراز» لأمير المؤمنين الزيدي في البلاغة، وشرح بانت سعاد. (3) - العلامة المفسر المتكلم النظّار الشيخ محمد الحنيفي المولود سنة (1292) والمتوفى بجدة سنة (1342) هـ رحمه الله تعالى:
ومن الذين تركوا أثراً قوياً في تكوين الشيخ الفكري والاجتماعي، وكان
لأسلوبه العلمي يدٌ لا تنسى في بنائه العقلي، هو العلامة الشيخ محمد الحنيفي رحمه الله تعالى، وقد تتلمذ على جده العلامة الشيخ محمد الزرقا، ثم التحق بالأزهر، وجاور فيه أربع سنوات، وتخرج على علمائه، وقرأ على شيخ الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي في التوحيد والأصول، وقرأ على الإمام محمد عبده رسالته في «التوحيد»، وكثيراً من التفسير، ثم عاد إلى حلب سنة ???? ليكون من رواد الإصلاح، ومن الرعيل الأول الذين قاموا بالتدريس في الخسروية أول نشأتها، فكان يدرس فيها التفسير والتوحيد والبلاغة.
- العلامة المحدث المؤرخ الشيخ محمد راغب الطباخ المولود سنة (1293) والمتوفى سنة (1370) هـ رحمه الله تعالى:
ومن المشايخ الذين تركوا أثراً واضحاً في حياة الشيخ العلمية، العلامة المؤرخ المحدث الشيخ محمد راغب الطباخ
يقول عنه شيخنا الزرقا: وكان ذا ولع كبير بكتب الحديث ومخطوطاته، وله تتبع في مخطوطات التاريخ والسيرة النبوية، يحرص على أن يستخرج العظات من حوادث السيرة، فيقف بنا على مواطن العبرة فيها مما يسمى اليوم بفقه السيرة، وكذلك يعمل في درس الحديث الشريف، إذ كان ينبهنا إلى العميق من علومه وكنوزه .. هذا إلى تنورٍ في الفكر، وانفتاح على حاجات الزمن، كشأن شيخنا الحنيفي، رحمهما الله جميعاً، ومن هنا كان أثره في توجيهي إلى حرية التفكير والبحث، وإلى ربط العلم بالحياة. . فلهذين
الجزء 1 · صفحة 14
الأستاذين بعد والدي أكبر الأثر في تثبيت خطاي في الطريق العلمي الصحيح.
وظائفه العلمية:
تولى الشيخ مصطفى التدريس مكان والده العلامة الشيخ أحمد الزرقا في المدارس التي كان يدرّس فيها، كما تولى القيام بالدرس الذي كان لوالده في الجامع الأموي بحلب، وكذلك في جامع الخير، والمدرسة الشعبانية، والمدرسة الخسروية النظامية التي سميت فيما بعد بالثانوية الشرعية.
ولما تولى التدريس مبكراً بالمدرسة الخسروية بعد تخرجه منها درس الأدب العربي والفقه الدرر شرح «الغرر ودرّس الأصول في كتاب «كشف الأسرار» للبزدوي.
كما اشتغل الشيخ في المحاماة لمدة عشر سنين بعد تخرجه من كلية الحقوق أمام المحاكم الوطنية والمختلطة (الفرنسية) بحلب، فاكتسب خبرة عميقة في أحوال الناس.
تدريسه في كلية الحقوق والشريعة في الجامعة السورية بدمشق: انتقل إلى دمشق للتدريس في الجامعة السورية، وعين مدرساً للحقوق المدنية والشريعة في كلية الحقوق في أول عام (1944) م، ودرس القانون المدني والشريعة الإسلامية، وبقي فيها أستاذاً للحقوق المدنية والشريعة، ورئيساً لقسمه إلى حين بلوغه سن التقاعد (المعاش) في آخر عام (1966) م. وعندما أُنشئت كلية الشريعة سنة (1954) م في الجامعة السورية كان له فيها عدد من المحاضرات، كما حاضر في كلية الاداب لعدة سنوات في مادة الحديث النبوي وأصدر كتابه في الحديث النبوي. وعُهد إليه في سنة (1954) م بإلقاء محاضرات عن القانون المدني السوري في معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، ووضع فيها كتاباً طبعته إدارة المعهد.
تولى رئاسة لجنة موسوعة الفقه الإسلامي في كلية الشريعة بجامعة دمشق، التي بدأت عام ((1374) هـ ـ (1955) م) بالمحاولة الأولى لموسوعة الفقه الإسلامي، ووضعت خطة العمل، ونفذت بعض الخطوات التجريبية، وأشرفت على إصدار معجم فقه ابن حزم والدليل لموطن المصطلاحات الفقهية
إدارته لمشروع الموسوعة الفقهية في الكويت: اختارته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت سنة ((1966) م) خبيراً للموسوعة الفقهية فيها ... وبقي في الكويت خمس سنوات قائماً بهذه المهمة.
الجزء 1 · صفحة 15
تدريسه في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية: دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة، وذلك عام ???? م، وظل بها حتى عام ((1409) هـ - ???? م) قائماً بتدريس مادة المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.
مشاركته في وضع مشروع القانون المدني العربي المستمد من الفقه الإسلامي: الأمانة العامة بجامعة الدول العربية، عضواً في اختارته الدائرة القانونية في لجنة الخبراء لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي، في الفترة (1981) - (1984).
مشاركته في المجامع الفقهية:
اختارته رابطة العالم الإسلامي عضواً في المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة منذ إنشائه عام (???? هـ ـ ???? م)، كما اختير عضواً خبيراً في مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة.
وقدم للمجمعين دراسات فقهية عديدة لمواضيع معاصرة.
اختياره عضواً في مؤسسة آل البيت:
اختارته المملكة الأردنية عضواً في مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) في عمان، منذ عام عام ???? م. نشاطات علمية أخرى:
- عضو اللجنة الرسمية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري المستمد من الشريعة الإسلامية عام (????هـ ـ (1952) م) وهو لا يزال ((1372) هـ، واقتبسته عدد من البلاد العربية.
- رأس اللجنة الثلاثية التي ضمت مفتي الديار المصرية الشيخ حسن مأمون رحمه الله ووكيل مجلس الدولة بمصر الدكتور عبد الحكيم فرّاج، والتي وضعت في عامي (????) - ????هـ، (1959) - (1960) م) مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية لمصر وسورية خلال وحدتهما؛ وقد وضع لهذا المشروع مذكرة إيضاحية إضافية، تبسط ما يتعلق به من الفقه، وتشرح نواحي الإصلاح - الذي أدخل فيه - ومستنداتها الشرعية.
يتميّز هذان المشروعان بالاستمداد من مجموع المذاهب الفقهية، وبأحكام إصلاحية مهمة وبخاصة في المشروع الثاني. كما شارك بأبحاث فقهية وإسلامية في كثير من المؤتمرات والندوات في بلدان إسلامية
الجزء 1 · صفحة 16
وغربية.
مشاركته في تأسيس وتطوير مناهج عدد من الجامعات العربية:
شارك في تأسيس وتطوير مناهج عددٍ من الجامعات العربية، ومن ذلك: كلية الشريعة في جامعة دمشق، عام (????هـ ـ (1954) م)، وكليتا الشريعة وأصول الدين في الأزهر عام ((1960) - (1961) م) والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكلية الشريعة بمكة المكرمة عام (1963) / (1964) م.
حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية:
مُنح جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام (1404) هـ تقديراً لإسهاماته المميَّزة في مجال الدراسات الفقهية، ولكتابه المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي، وهو الجزء الثالث من سلسلة (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد).
نشاطه السياسي:
انتخب عن مدينة حلب نائباً في المجلس النيابي السوري لدورتين تشريعيتين عام (1954) ثم (1961).
كما أسندت إليه وزارتا العدل والأوقاف في عهود دستورية (في عامي (1956)، ثم (1962)).
بعض تلامذته:
درس الشيخ منذ يفاعة شبابه، حين حلّ مكان والده بالتدريس كما أسلفت، أي أنه بدأ عالم التدريس منذ سنة ??? (5) م إلى أن توجه إلى دمشق لمتابعة دراسته العصرية سنة (1929) م.
ودرس في كليتي الحقوق والشريعة منذ سنة (1944) م إلى آخر سنة ?? (66) م. ثم درّس في الجامعة الأردنية منذ سنة (1971) م إلى سنة (1989) فكان تدريسه لمدة تنوف على الأربعين سنة.
وقد نبغ من تلاميذه الأوفياء كثير، من أشهرهم العلامة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى، والعلامة الفقيه الحنفي الضليع الشيخ محمد الملاح الذي تتلمذ عليه وعلى والده من قبل، والعلامة الأديب اللغوي الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا رحمهما الله تعالى.
ومنهم
الجزء 1 · صفحة 17
العلامة الفقيه الأصولي اللغوي الدكتور الشيخ محمد فوزي فيض الله حفظه الله تعالى.
آثاره الأدبية والعلمية
آثاره الأدبية: تميّز الشيخ بمواهبه الأدبية وملكته الشعرية، وأحب الشعر من طفولته، وأولع بحفظ طائفة كبيرة من أصيله، وقضى مع والده الليالي في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، والعقد» لابن عبد ربه، و «الحيوان» و «البيان والتبين» للجاحظ، ودواوين المتنبي والبحتري والنابغة الذبياني، والخنساء ومراثيها أخيها صخر، وديواني سَقط الزند، واللزوميات لأبي العلاء المعري اللذين كان مولعاً بهما أشد الولع. ثم لما دخل الجامعة السورية بدمشق صار يمارس قرض الشعر في مختلف المناسبات. وقد تعددت موضوعات شعره وتنوعت من إخوانيات ووطنيات ومراث ومدائح وغزل ومنوعات، ورأى بعد أن بلغ التسعين أن يجمع بعض أشعاره المتفرقة وأن ينشرها في ديوان سماه «قوس قُزَح» لكثرة موضوعات شعره وتنوعها.
آثاره العلمية:
عندما عُيّن الشيخ في جامعة دمشق أستاذاً لتدريس الحقوق المدنية والشريعة الإسلامية كان أساس هذه الحقوق مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الفقه الحنفي، ولما كُلّف بتدريسها شعر بالحاجة إلى عرض أحكامها بأسلوب عصري جديد، على نسق الأحكام التي تعرض في القانون المدني وشروحه، وقد ضاعف من شعوره هذا ولعه الفطري بعرض الأفكار مرتبة بحيث يتدرج من البسيط إلى المركب، إضافة إلى ذخيرته من الدراسة القانونية وبحوثها ومناهجها ونظرياتها.
لقد كان الفقه محجوباً عن الملأ و مقصوراً على أهل الفقه، وأحب الشيخ أن يقرّبه، ويُسلس قياده، ويُسلس قياده، ويُسهّل أحكامه، ويحل عقده، ويجعله في متناول غير رجال الاختصاص.
ولقد يسر الله له خلال تدريسه إخراج سلسلة «الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد»، جزءاها الأولان هما المدخل الفقهي العام، الذي شقّ في صياغة الفقه وتدريسه جامعياً للطلاب غير ذوي الخلفية الشرعية طريقاً لم يكن معهوداً قبله، ثم لقي قبولاً واسعاً حتى صار هو الطريقة الشائعة في أكثر الجامعات العربية وجزؤها الثالث هو المدخل إلى النظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي، الذي فاز بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام (1404) هـ.
وأما الجزء الرابع من السلسلة فهو: «العقود المسماة في الإسلامي عقد البيع طبع في دمشق ((1367)
الجزء 1 · صفحة 18
هـ ـ (1948) م).
وقد بذل جهداً في تلخيصه وتنسيقه من مصادره الفقهية القديمة، ويعد نموذجاً للكتابة في شرح العقود الأخرى بشكل موضوعي مع مقارنة المذاهب، وتبسيط الأحكام الشائكة، وربطها بالقواعد والضوابط والأصول. وستصدر له طبعة جديدة مزيدة ومنقحة.
أما السلسلة الثانية في ثلاثة مجلدات فهي في شرح القانون المدني السوري.
وأهم الكتب الأخرى للشيخ هي التالية:
1ـ أحكام الأوقاف.
2 - في الحديث النبوي.
3 - الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي.
4ـ الفعل الضار والضمان فيه.
5 - نظام التأمين، والرأي الشرعي فيه.
6 - الفقه الإسلامي ومدارسه (بتكليف من اليونسكو).
7 - رسالة بعنوان: عظمة محمد مجمع العظمات البشرية.
8 - عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
9 - صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.
وغير ذلك من البحوث الفقهية والفكرية والتربوية.
فتاوى
متصلة بالعقائد
عقيدة البعث والحساب في الإسلام تعقيب على محاضرة الدكتورة بنت
الشاطيء في القرآن وحرية الإرادة
الجزء 1 · صفحة 19
عقيدة البعث والحساب في الإسلام
أرسل إلينا السيد علي أرسلان آيدين الذي يكتب رسالة للدكتوراه بإشراف الدكتور سليمان دنيا بجامعة الأزهر أرسل إلينا أسئلة تتعلق بالحياة الآخرة في العقيدة الاسلامية، وهل هي بالروح فقط أم بكل من الجسم والروح؟ وقد تفضّل الأستاذ مصطفى الزرقا بالإجابة على ذلك وفيما يلي نص الجواب:
السلام عليكم:
وبعد فقد تلقيت رسالتكم الكريمة؛ التي تقدمون بها إليَّ سؤال الباحث السيد علي أرسلان آيدين الذي يهياء رسالته للأستاذية تحت إشرافكم عن عقيدة البعث وإني أجيب فيما يلي على السؤال الموجه إليَّ في الرسالة بغاية
ما يمكن من الإيجاز:
(1) - إن البعث في عقيدة الإسلام هو جسماني وروحاني ولم يقل أحد فيما أعلم أنه جسماني فقط لا، روحاني، وإنما وجد من قال من أهل الفرق المبتدعة: إنه روحاني فقط والدليل النصي الذي لا يترك مجالاً للجدل في نفي القول بروحانية البعث فقط قوله تعالى في سورة يس: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمُ الله قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ}
فإذا كان روحانياً فقط فما معنى المناقشة في إحياء العظام؟! إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة في القرآن والسنة.
? - وهنا أجد من المفيد الإشارة إلى أنَّ عقيدة البعث والحساب والعقاب، هي عمود خيمة الإيمان وثمراته في مراقبة النفس، وتوجيهها إلى الأعمال، واجتناب المفاسد ولو دَعَا إليها الهوى. ولولا هذه العقيدة عقيدة البعث؛ التي تجعل المؤمن يثق بما عند الله تعالى للمتقين ثقة يستهين معها بكل مصاعب الحياة وكوارثها في سبيل القيام بالواجب، لما كان في الإيمان تلك القوة الدافعة إلى العمل الصالح، والمصابرة في سبيله. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَنَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [سورة المؤمنون: (115)]. ومن ثم يعرف مبلغ المكر الهدام، أو الغفلة الفادحة في الفكرة التي يقول فيها بعض الشاكين أو المشككين: إنّ الإيمان يتحقق في العقيدة بالله سبحانه وتعالى لأن كل ذي عقل يشعر بقوة عظمى تسير هذا الكون المنظم، عقيدة اليوم الآخر فليست ضرورية لصيرورة الإنسان مؤمناً. ولا يخفى ما في هذه الفكرة الهدّامة من خطر
الجزء 1 · صفحة 20
يجعل الإيمان بالله كعدمه سواء بسواء، فإذا كان هذا يكفي ليخرج الإنسان من حظيرة الكفر أو الإلحاد، ويعتبر في المؤمنين فما الفرق عندئذ بينه وبين من لا يعتقد بوجود الله تعالى، ما دام ذاك الاعتقاد لا ثمرة له في يوم آخر؟ وإذا ارتكب الجاحد أو المعتقد بوجود الله تعالى دون البعث ما يشاء من موبقات ومفاسد وجرائم في هذه الدنيا، فما ما دام مصيرهما هو والمؤمن بالآخرة والثواب والعقاب واحداً إلى غير مسؤولية سوى ما في هذه الدنيا؟
فهذه العقيدة الناقصة هي كالجحود لوجود الله تعالى من حيث النتيجة فالإيمان باليوم الآخر قوة دافعة إلى الخير ومحاسبة النفس محاسبة تغني عن
إقامة رقيب من جانب الحاكم فوق رأس كل إنسان، ولن يمكن ذلك، ولكنه يمكن عن طريق الإيمان وعقيدة اليوم الآخر.
(3) ـ أما الروح الإنساني فهو في عقيدة الإسلام شيء غير الجسد ذو وجود وخلود، وليست حياة الإنسان مجرد تفاعلات كيمياوية بين أجزاء بدنه بشرائط معينة كما يرى الماديون الملحدون. وأدلته الشرعية كثيرة في القرآن والسنة، ولكن حقيقة الروح وماهيته مجهولة؛ لأنها مما استأثر الله تعالى بعلمه كما يقول تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قليلا} [سورة الإسراء: (85)].
تعقيب على محاضرة الدكتورة بنت الشاطئ في القرآن وحرية الإرادة.
نشرت جميعة الإصلاح الاجتماعي في الكويت في الحلقة التاسعة من رسائلها محاضرة للكاتبة الكبيرة الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطيء بعنوان القرآن وحرية الإرادة كانت ألقتها في الكويت بدعوة من الجمعية. وقد نقلت هذه المحاضرة أيضاً مجلة حضارة الإسلام في العدد الأول من السنة الصادرة في شهر ربيع الأول من العام الهجري الحالي (1387). قدمت الدكتورة المحاضرة محاضرتها القيمة بكلمة بيّنت فيها انصرافها منذ سنوات إلى تدبر آيات القرآن الكريم، والتخصُّص في خدمته، ودراسته من حيث هو كتاب العربية الأكبر، ومعجزة الإسلام البيانية الباهرة الخالدة.
وتطرقت إلى ما داخل فهم كتاب ديننا العظيم من مدسوس الإسرائيليات، وبدع التأويلات، مما حجب عنا كثيراً من نور هداه، بما يؤول كل بحسب هواه، بانتزاع آيات منه، يبترها المؤول من سياقها
الجزء 1 · صفحة 21
لتساير مذهبه، وتخدم مصالحه!
ثم تناولت الدكتورة الكريمة موقف القرآن من قضية حرية الإرادة في أفعال الإنسان وهي القضية الشهيرة في علم العقيدة والكلام، الخطيرة في أثرها في سلوكنا همة وتوكلاً أو قعوداً وتواكلاً، وما ترتب عليها من قول بالجبر أو بالاختيار. ثم رسمت الطريق الصحيحة التي ستسلكها في بحثها، وهي: استقراء جميع آيات الإرادة وما يتعلق بها في القرآن، ثم تدبر
دلالات ألفاظها وحكم سياقها دون التزام قول سابق في القضية، ولو بدا من المسلمات البديهية.
وإني لا أكتم سروري وتقديري لأن تنصرف الدكتورة بنت الشاطيء الكاتبة الكيبرة إلى القرآن دراسة، وبحثاً، وتأملاً واستقراء، واستنطاقاً، واستخراجاً بهذه الطريقة النيّرة الحرة والنفس المتطلعة! إذاً لعادت جولاتها في آفاق القرآن بالنتائج الثمينة على قراء العربية وعلى بني الإسلام وبناته من رواد الثقافة المتطلعين إلى الحقائق والمتشوقين إلى المعرفة الصحيحة النقية من الشوائب، في مناهج الحياة الإنسانية، وخط السلوك القويم.
ومن صميم هذا التقدير والإعجاب وجدت حاجة إلى تعليق ملاحظتين اثنتين على بعض ما جاء في محاضرة الدكتورة الأديبة الكبيرة، إحداهما تصحيحية، والثانية تكميلية.
أ - فأما ملاحظتي التصحيحية:
فهي أنه في أوائل المحاضرة حين أشارت إلى ما طرأ على الأمة الإسلامية من تعطل وشلل وفهم خاطئ للتوكل، وتوزع المسلمين فرقاً شتى في قضية الجبر والاختيار، قالت الدكتورة الكاتبة ما يلي:
قالت القدرية بالجبر المطلق، وأن ليس للإنسان من أمره شيء، وإنما هو مسيَّر بقضاء الله وقدره لا مفر ولا مهرب
والصواب أن الذين يقولون بذلك هم الجبرية لا القدرية. فأما القدرية فهم نفاةُ القَدَر بهذا المعنى يقولون: إن الإنسان يتصرف في أعماله بمحض حريته واختياره وليس خاضعاً فيها لقدر إلهي سابق، وإلا لما أمكن توجيه مسؤوليته عن أعماله، و من ثم سمي المعتزلة بالقدرية لأنَّ هذ هو مذهبهم في عدم القول بالقدر. وعكسهم الجبرية الذين يرون أنَّ الإنسان مجبر بقدر إلهي سابق يسيره دون أن يكون له أي اختيار
الجزء 1 · صفحة 22
في شيء من أفعاله.
جاء في المعجم الوسيط» (مادة: قدر) ما نصه:
والقدرية قوم ينكرون القدر ويقولون: إن كل إنسان خالق لفعله ولتنظر
أيضاً كتب الفرق وعقائدها كالملل والنحل لابن حزم والشهرستاني، وكتاب کشاف مصطلحات الفنون للتهانوي باب القاف فصل الراء في كلمة: (قدر).
ب ـ وأما ملاحظتي التكميلية:
فهي أنَّ الدكتورة بنت الشاطاء حفظها الله لتحديد مفهوم الإرادة المقصودة في كتاب الله، استقرأت جميع الآيات التي ورد فيها التعبير بمادة الإرادة ومشتقاتها؛ لأنَّ هذه الآيات الكريمة هي مستند جميع الاتجاهات الاعتقاد المتضادة في بين مذهب الجبر المطلق ومذهب الاختيار المطلق (القدرية) وما بينهما من حدود فانتهت من تتبع هذه الآيات وسياقاتها إلى أنه حيث ورد التعبير بأحد مشتقات الإرادة في القرآن مسنداً إلى البشر المخلوقين، فالمراد به معناها اللغوي الأصلي وهو المشيئة التي من لوازمها العزم والرغبة. وحيثما ورد التعبير بأحد مشتقات الإرادة مسنداً إلى الله تعالى الخالق الحاكم، جل شأنه، فالمراد به معنى الأمر النافذ والحكم المبرم الذي لا راد له {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: ??]. وكثيراً ما تأتي في مقام بيان سنة الكون؛ التي هي من حكم الله وأمره المبرم في أن يترتب على مسالك الناس من مستقيمة ومنحرفة نتائجها الحتمية من خير وشر، فليس في إرادة الله تعالى معنى إجبار الناس، وسلب اختيارهم في أفعالهم، وإنما هي حكم حتمي عليهم بأن تلزمهم نتائج أفعالهم و مسالكهم؛ التي اختاروا سلوكها من طاعة أو معصية.
وقد استعرضت الدكتورة بنت الشاطيء كثيراً من الآيات القرآنية الواردة في شتى المناسبات، وأوضحت تنزيلها على هذه المفاهيم التي تختلف فيها طبيعة الإرادة المضافة إلى المخلوقين عن طبيعة الإرادة المضافة إلى الله تعالى؛ الحاكم عليهم بنتائج أعمالهم جل شأنه لكني وجدت أنها لمست بقلمها لمساً خفيفاً جداً بعض آيات كريمة من شواهد الجبرية التي يتعثر فيها ذلك التأويل، فبقيت هذه الآيات محل تساؤل لدى القاراء كيف يمكن توفيقها مع هذا التأويل الجديد للدكتورة بنت الشاطاء بصورة يزول منها إشكال الجبرية؟
الجزء 1 · صفحة 23
? - فمن ذلك قوله تعالى على لسان نوح لقومه: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: (34)] فقد اكتفت الدكتورة في تأويل هذه الآية وتنزيلها على المفهوم الذي شرحته بأن تقول:
هذه الآية التي طالما احتج بها القائلون بالجبر، إنما نزلت في الملأ الذين كفروا من قوم نوح، وقد نصح لهم، فضاقوا بنصحه.
وواضح للقاراء أن هذا غير كاف لقطع حجة الجبرية في ظاهر هذه الآية؛ لأن مناط احتجاجهم إنما هو في تسليط الإرادة الإلهية على الإغواء وتعلقها به فلو كان متعلقها غير الإغواء من عذاب أو سوء عاقبة لصح للسيدة بنت الشاطاء تأويلها كما لو كانت الآية مثلاً: «إن أراد الله أن يعذبكم إذ يقال بحسب تأويل الدكتورة: إن إرادة الله تعذيبهم بعد تكذيبهم لنبيهم نوح عليه السلام وتحديهم له هي حكم من الله عليهم عادل جزاء لما صنعوا.
أما والمتعلق هو الإغواء فيبقى الإشكال، وهو أن التكذيب نفسه لرسولهم إنما هو نتيجة لإرادة الله أن يغويهم بأي معنى فسرنا هذه الإرادة، ما دامت نافذة لا مرد لها.
(2) - وكذلك آية يس: {أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ الهَةٌ إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَيْ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ} [يس: ??]. فقد اقتصرت الدكتورة في تأويلها على قولها: الآية أبطلت شفاعة آلهة تتخذ من دون الله أرباباً، وهيهات تنقذ من حكم الرحمن. وهذا أيضاً ـ كما ترى - غير كاف في دفع ما يتمسك به الجبرية من مدلول هذه الآية بحسب سياقها، ووجه الإشكال فيها أنها حوار بين الرجل المؤمن والمشركين المحكي عنهم: يبيِّنُ لهم أنَّ العبادة إنما يستحقها الإله القادر على النفع والضرر بإرادته المطلقة فلو أراد أن يوقع به ضرراً لكان قادراً عليه،
وكانت تلك الآلهة المزعومة الزائفة عاجزة عن دفعه عنه، وليس السياق سياق جزاء على سيئة؛ ليمكن القول بأن الإرادة هنا حكم مبرم جزاء على السيئة، بل السياق فيها هو موازنة بين قدرة قادر وإرادته المطلقة، وعجز العاجزين استدلالاً بأنَّ القادر هو الإله الحق، فيبقى في ظاهر الآية متمسك للجبرية في أن ما يقع للناس من خير وشر ونفع وضر إنما هو بإرادة الله تعالى؛ التي لا محيص لهم منها.
هاتان الآيتان وأمثالهما مما جاء فيه إسناد وقوع المكاره إلى الإرادة الإلهية في غير مقام التعبير عن جزاء
الجزء 1 · صفحة 24
الانحراف واقتراف السيئات تبقى ثغرة في التأويل الذي ذهبت إليه السيدة بنت الشاطيء.
والذي أراه في تأويلها بصورة واضحة مقبولة ومزيلة لكل إشكال هو ما يلي:
أن هذه الآيات جاءت كلها في مقام التعبير عن قدرة الله تعالى المطلقة في ذاتها، وليست تعبيراً عن واقع؛ ولذا جاءت في صورة الشرط: {إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ} [يس: (23)] {إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: (34)] الخ .. فالمراد بيان أن قدرته وإرادته تعالى لا يستطيع أحد أو شيء أن يحد من سلطانهما، حتى لو أراد الله أن يغوي أحداً أو يضره أو يظلمه؛ لما استطاع أن يدفع عن نفسه ما يريده الله به؛ لأن قدرته وإرادته مطلقتان، كما أنَّ علمه محيط، وهذا لا يدل على أنَّ الله تعالى يظلم فعلاً، أو يلحق بأحد ضرراً دون استحقاق.
فهو تعالى قادر على العدل والظلم ولكنه لا يظلم، ولو أراد إغواءنا وتضليلنا لفعل، لكنه لا يغوي ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يسوقهم إليه: {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: ???] {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: (49)] بل يبين لهم طريق الخير والشر ليختاروا ويحملوا مسؤولياتهم، وذلك كما تقول: إن فلاناً يستطيع أن يفعل كذا وكذا من خير أو شر، ولو أراد أن يقتل فلاناً لفعل، ولا يفهم أحد ذلك أنه فعل أو يفعل ما يستطيعه.
فالمقصود بيان شمول القدرة والإرادة الإلهيتين وسلطانهما المطلق
وهو أسلوب مألوف في اللسان العربي وبيانه وليس فيه دلالة على ما يريد الجبرية تحميله إياه من دلالات ليست هي المقصودة بهذا الأسلوب من البيان.
هذه ملاحظة تكميلية لسد بعض الثغرات التي لا يكفي تأويل السيدة الدكتورة بنت الشاطيء لتغطيتها.
يبقى بعد ذلك فجوات في قضية حرية الإرادة، لا يكفي رأي السيدة بنت الشاطاء، ولا هذه الملاحظة التكميلية مني لدفع الإشكال الذي يتراءى من خلالها، وهو الإشكال الذي يتراءى من خلال بعض آيات أخرى في القرآن الكريم يتمسك بظاهرها الجبرية، الذين يؤدي قولهم إلى تعطيل التكليف، من مثل قوله تعالى:
الجزء 1 · صفحة 25
(أ) - وكَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ} [الأنعام: ???].
(ب) - إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ} [النمل: (4)].
(ج) - {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: ???].
(د) - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ وَآيَةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: ??].
فهذه الآيات مما لم تأت فيه إرادة الله تعالى ومشيئته حكماً لقوم، أو على قوم بأعمالهم {جَزَاءً وفاقا} [النبأ: (26)] وليس فيها تعليق على إرادة الله مثل: {وإِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: (34)] لكي تفسر بأنها تصوير لمدى القدرة الإلهية المطلقة، فلا تدل على أنَّ الله تعالى يغويهم فعلاً وإن كان قادراً عليه، ولا راد لإرادته لو أراده.
هذه الآيات، وأمثالها القليلة، قد أسند فيها أصل السلوك الصالح أو الخاطاء من هداية أو ضلال إلى فعل الله تعالى ومشيئته: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ [النمل: (4)] يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى} [النحل: (93)] فمن ثم كانت مشكلة على التأويلين جميعاً.
والذي أرى أن أمثال هذه الآيات أيضاً إذا تأمل الناظر في سياق كل منها،
لا تستعصي على التأويل الذي ينسجم مع المألوف من طريقة البيان العربي، ولا ينافي حرية الإرادة لدى المكلفين، ولا ما تقرره النصوص الأخرى للقدرة والإرادة الإلهيتين من سلطان مطلق:
أ - فتزيين الأعمال يمكن فهمه بمعنى تحويطها بما يجذب إليها، ويغري بها من متع وملذات ومنافع عاجلة وانفلات من القيود الملجمة، في مقابل ما وضع الله في الإنسان من قوة العقل والتمييز والتبصر في العواقب، مما يفرض عليه التقيد وعدم مجاراة الهوى، وذلك لكي تستحق طاعة أوامر الله تعالى في الإيمان وما يستلزمه من أعمال ثواباً كما يستحق عصيانه عقاباً؛ لأنَّ الطاعة إذا كانت غريزية لا مقاومة فيها ولا مشقة، فلا مبرر فيها عندئذ للثواب.
ب - وكذلك هَدي الله تعالى من يشاء وإضلاله من يشاء، وعدم إمكان إيمان أحد دون مشيئة الله سبحانه، يتوقف فهم المقصود به على تحديد معني المشيئة. والمشيئة يمكن أن تأخذ معاني تختلف حدودها
الجزء 1 · صفحة 26
في كل مقام بحسب متعلقها الذي تدل عليه القرائن والسياق، وينسجم مع آيات أخرى، ومقررات قطعية تقررها الشريعة القرآنية نفسها فمتعلق المشيئة هنا هو عدم الحيلولة بينهم وبين الإيمان واتباع طريق الهدى المدعو إليه، فقوله تعالى: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الأنعام: ???] يكون معناه المقبول لغة، والمنسجم مع القرائن الأخرى والمقررات القطعية ما كانوا ليؤمنوا إلا إذا شاء الله إيمانهم، ومشيئته هذه تتحقق بأن لا يريد الله تعالى استعمال قدرته في صرفهم الإيمان، والحيلولة بينهم وبينه وإن كان قادراً على ذلك. فهذا القدر من التخلية بين المكلف والمنطلقات التي أمامه في الخير أو الشر، يدخل في حدود المشيئة متى كان صاحب هذه المشيئة قادراً على الحيلولة.
وعلى أساس هذا الفهم يمكن تنزيل النصوص ذات العلاقة بهذا الموضوع، بصورة تجمع وتوفق بين ضرورة الحفاظ على مبدأ حرية إرادة المكلف لتصحيح التكليف خروجاً من الجبرية وبين عقيدة السلطان المطلق
لإرادة الله تعالى وقدرته وسيطرته على العباد وأفعالهم في ضوء النصوص القرآنية ودلالاتها.
هذا ما أراه مكملاً للموضوع إجمالاً، وساداً للثغرات التي تلوح للقاراء في محاضرة السيدة الكريمة الدكتورة بنت الشاطاء، وأرجو أن أكون وفقت فيه إلى صواب، والله سبحانه أعلم بمراده {و لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: ??] و {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: (60)] وهو الحكيم الخبير.
ترجمة المؤلف بقلم مجد مكي
الجزء 1 · صفحة 27
فتاوى شرعية في العبادات
(?) الطهارة والصلاة
((2)) الزكاة
(?) الصيام
((4)) الحج
الطهارة والصلاة
الطُّهر غير ناقض للوضوء
حكم الدم الذي تراه المرأة التي بلغت سن اليأس.
نجاسة الخمر.
العبادة في الإسلام لا يجوز أن ترافقها الموسيقا.
صلاة المسلمين لماذا لا تجوز إلا بالعربية فقط.
أوقات الصلاة والصيام في البلاد القريبة من القطب.
حكم صلاة الجمعة في معمل خارج المدينة.
حكم قراءة القرآن من المنارة والمدائح النبوية وحكم ستر الرأس للخطيب.
القربات التي تصل من الأحياء إلى الأموات.
الطَّهر غير ناقض للوضوء ناقض حكم ما يخرج من المرأة من رطوبة سائلة
جاءنا سؤال من بعض القراء عن حكم ما يخرج من المرأة في الحالات العادية من رطوبة سائلة وهو ما يسمى بين الناس وعند النساء: الطهر، هل ينقض الوضوء؟ فيجب على المرأة أن تتوضأ للصلاة بعد خروجه، أو أنه غير مع ملاحظة أنه لا يمكن التحرُّز منه وهو يخرج بصورة طبيعية في معظم الأوقات،
الجزء 1 · صفحة 28
فما هو حكم الشريعة فيه؟
وقد تفضّل الأستاذ مصطفى الزرقا بالإجابة التالية رداً على هذا السؤال: سُئلت فيما مضى كثيراً. عن هذا الموضوع، وكنت أبين شفهياً للسائلين من رجال ونساء أنَّ هذا السائل اللزج الذي يخرج من المرأة في الحالات العادية (لا) في الحالات المرضية ويسميه الناس ـ الطهر ـ ليس بنجس شرعاً ولا ينقض وضوء، المرأة، كما يقرّره الفقهاء ومن السائلين من يستغرب هذا الجواب؛ لأنهم متصورون خلافه، ويتأكَّد مني فأؤكد لهم .. كأنما كل ما فيه تيسير وتسامح ودفع للحرج والمشقة فيما يتّصل بواقع الحياة الطبيعية، يراه أناس غريباً، حتى كأن معنى الشريعة لا يتحقق إلا في الإرهاق والمشقة، أنَّ هذه الشريعة الغراء السمحة أساسها التيسير ودفع الحرج.
وأخيراً جاءني سؤال خطي، ولم يقنع صاحبه بجوابي، فطالبني بالمستند من النصوص! لذلك سأنقل الآن للحضارة جواباً على هذا السؤال النصوص
التالية:
قال في كتاب الطهارة من "الدر المختار" أول بحث نواقض الوضوء: وينقضه خروج كل خارج نجس. وقال أيضاً في بحث الغسل: (صفحة ??? الطبعة البولاقية الأولى): وسيجيء أن رطوبة الفرج طاهرة عنده». أي:: عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه خلافاً لصاحبيه. ثم أوضح ابن عابدين رحمه الله في الحاشية هنا أن محل الخلاف بين أبي حنيفة والصاحبين إنما هي رطوبة الفرج الداخلي - وهو الذي لا يجب غسله في حال لزوم الغسل من الجنابة - أما رطوبة الفرج الخارجي فهي طاهرة بالاتفاق، لأنها كرطوبة الفم والأنف والعرق.
ونقل ابن عابدين في مكان آخر بعد ذلك (صفحة (208) من الطبعة المذكورة عن ابن حجر في شرح منهاج الإمام النووي الشافعي) تفسير رطوبة الفرج بأنها:
هي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق يخرج من باطن الفرج الذي لا يجب غسله، أما ما يخرج من المكان الظاهر الذي يجب غسله فإنه طاهر قطعاً» (أي: بلا خلاف). وقال أيضاً صاحب الدر» في الصفحة ??? من الطبعة المذكورة: رطوبة الفرج طاهرة خلافاً لهما» أي: للصاحبين.
وقال ابن عابدين في الحاشية تعليقاً عليه:
ولذا نقل في التتارخانية أنَّ رطوبة الولد عند الولادة طاهرة، وكذا السخلة إذا خرجت من أمها،
الجزء 1 · صفحة 29
وكذا البيضة فلا يتنجس بها الثوب ولا الماء» أهـ.
نقد وتعقيب:
بعد صدور هذه الفتوى من فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا في حكم المائع اللزج الذي يخرج من قبل المرأة، وجزمه بعدم نقضه للوضوء، و ترجيح جانب الطهارة كتب فضيلة العلامة الفقيه الشيخ محمد الحامد الحَمَوي رحمه الله تعالى رداً مفصلاً في كتاب ردود على أباطيل» ص 82 - 88 بعنوان: «الطُّهر ناقض للوضوء» اطّلع عليه فضيلة الأستاذ الزرقا، وكتب التعقيب الآتي: بعد ما نشرت فتواي هذه في مجلة حضارة الإسلام» نشر الأخ الكريم الأستاذ الشيخ محمد الحامد (من مدينة حماة) رداً بيَّن فيه أنَّ الطهر المذكور الأبيض؛ الذي تراه المرأة في حالة الصحة العادية، هو ناقض الوضوئها ولو كان طاهراً.
وقد استشهد على ذلك بنقول فقهية نقلها من المذاهب الأربعة، رآها في نظره مؤيدة لرأيه، وأطال في رده، لكني لا أراها تؤيده، وتخالف ما ذهبت إليه أنا من أنه لا ينقض وضوء المرأة إذا لم يصحبه سيلان آخر غير طبيعي ناشيء عن التهابات مرضية. وسأجيب فيما يلي عما بينه الأستاذ، دفعاً للشبهة:
أولاً: إن الأستاذ الحامد بنى رأيه على نقطة أساسية هي أنه: لا ارتباط بين أن يكون الخارج من أحد السبيلين نجساً وبين كونه ناقضاً للوضوء. فقد نص الفقهاء على أنّ الحصاة والدودة طاهرتان، ومع ذلك إذا خرجتا من الدبر تنقضان الوضوء.
وجواباً على ذلك أقول: إنَّ مراد الفقهاء بأنَّ الدودة والحصاة طاهرتان أنهما طاهرتان في ذاتهما، أما إذا خرجتا من الدبر فإنهما لا تكونان حينئذ طاهرتين بل متنجستين؛ لأنهما قد مرَّتا من مقر النجاسة الرطبة فتنجستا ولو أنهما في ذاتهما طاهرتان بحيث لو غسلهما الإنسان بعد خروجهما وحملهما، وصلى، فصلاته صحيحة.
أما ما فهمه الأستاذ الكريم من أنهما تخرجان من داخل الدبر طاهرتين فهو فهم غير صحيح، فهما خارج، نجس، ومتنجس، فتنقضان الوضوء. وهنا نقطة مهمة يجب التنبه لها وهي ذات تأثير في الموضوع، فإن الطهر الأبيض اللزج الذي يخرج من المرأة دائماً في حال الصحة، هو إفراز طبيعي إنما يفرزه المهبل ويخرج منه؛ ولذلك كان طاهراً، بينما الدودة إنما تخرج من الدبر مجتازة معدن النجاسة، فمن المعقول أن تنقض الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 30
ثانياً: احتج الأستاذ الحامد أيضاً بأن الريح التي تخرج من الإنسان هي أيضاً طاهرة، فصح أنها تنقض الوضوء. وجواباً على ذلك أقول: إنَّ الريح غاز كالهواء، وليست جسماً كثيفاً، فلذلك كانت طاهرة لكنها اعتبرت ناقضة للوضوء بنص الحديث النبوي لحكمة خاصة، فلا تكون قاعدة في النواقض، ولو اعتبرت نجسة؛ لأنها من تبخّرات النجاسة، لكان في ذلك حرج عظيم.
ثالثاً: نقل الأستاذ الحامد أيضاً في ردّه المذكور عن الإمام الشرنبلالي من الحنفية أنَّ المرأة إذا ولدت ولم ينزل منها دم لا تعتبر نفساء؛ لارتباط النفاس بنزول الدم، لكنها يجب عليها الوضوء للرطوبة التي تصاحب الولادة، فإنها تنقض الوضوء.
وجواباً على ذلك أقول: إنَّ الرطوبة المقصودة في كلام الشرنبلالي المصاحبة للولادة هي رطوبة سائلة من السائل الذي كان الجنين يسبح فيه، وهو سائل نجس، وينزل قبل نزول الولد فأين هذا من الطهر الأبيض اللزج الذي تراه المرأة في حالات الصحة الطبيعية وهو طاهر؟!
فإذا قلنا: إنَّ هذا الطهر ينتقض به وضوؤها فمعنى ذلك أنه لا يستقر للمرأة وضوء!! وهذا أبعد ما يكون عما تتّسم به الشريعة من اليُسر، ودفع الحرج.
حكم الدم الذي تراه المرأة التي وصلت لسن الياس
فضيلة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا زاده الله علماً وجزاه خيراً:
ما حكم الدم الذي تراه المرأة التي وصلت لسنّ اليأس ولم ينقطع حيضها لأنها تأخذ إبر الهرمونات حسب الطريقة المتّبعة حالياً. . . أفادت الطبيبة التي أعطتها الهرمونات أنَّ المبايض توقفت عن العمل لذلك يعتبر دمها استحاضة، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب:
إنَّ سنّ اليأس ليست محدّدة تحديداً منضبطاً فقد تتأخر أو تتقدم فترته، ولم يكن فقهاؤنا يعلمون الصلة بين الحيض والمبايض مما كشف عنه الطب الحديث.
والذي يبدو لي في الموضوع المسؤول عنه أعلاه أنَّ الدم الذي تراه المرأة بعد وصولها إلى سن اليأس إن كان يأتي على حسب عادتها الشهرية موعداً ومدة فإنه يعتبر حيضاً وتترتب عليه أحكام الحيض.
الجزء 1 · صفحة 31
أما إن كان دماً مستمراً، أو متقطعاً على غير عادتها في الموعد واللون فهو نزف استحاضة. والله أعلم.
الرياض (7) من المحرم/ (1419)
نجاسة الخمر
السؤال:
أثبتت بعض التجارب العلمية الحديثة أن الخمر عند تحضيرها: تمرُّ على عمليات كيميائية تشبه إلى حد كبير جداً العمليات الكيميائية التي يمر بها الطعام في الجهاز الهضمي إلى أن ينتهي بالفضلات البراز ما رأي الشرع إذن بعد هذه النتائج التحليلية في نجاسة الخمر؟. (حسين عبد الجليل - المحرر العلمي بجريدة البلاغ)
الجواب:
جمهور الفقهاء والمذاهب الأربعة متفقة على الحكم بنجاسة الخمر كالدم والبول، لأن القرآن وصفها بأنها رجس وأمر، باجتنابها، ومعنى الرجس في اللغة: القذر، واستعمله القرآن فيما يجب الابتعاد عنه بتاتاً، وهذا يوجب في نظرهم الحكم بنجاسة الخمر والقذارة فيها اعتبارية للتنفير.
وهناك من الفقهاء والمجتهدين من يرى عدم نجاستها، بحجة أن الآية الكريمة لا تدل على النجاسة، لأن الأمر باجتنابها، إنما يدل على التحريم ولا يلزم منه النجاسة، بدليل أنها قرنت في الآية بالميسر والأنصاب والأزلام ولم يقل أحد منهم بنجاسة شيء من هذه الأشياء، والميسر لعب لا يقبل الحكم بنجاسة ولا طهارة وإن كان حراماً. كما أوضحه الإمام النووي الشافعي في المجموع ((564) / (2)).
أما مراحل التفاعل الكيماوي التي يمرُّ بها العصير إلى أن يتخمر فلا عبرة له في قضية النجاسة والطهارة التي مصدرها النص الشرعي، ومهما كان هذا التفاعل فإن التخمر في نهايته لا يشبه تحول بقايا الطعام إلى فضلات وبراز.
الجزء 1 · صفحة 32
العبادة في الإسلام عمل عقلي وتفكير، فلا يجوز أن ترافقها الموسيقا
نقل إلي أحد الأساتذة المحترمين سؤالاً من أحد الموسيقيين الفنانين الأجانب؛ الذين اعتنقوا الإسلام في العصر الحاضر: إنه لمزيد إعجابه بتلاوة القرآن العظيم، وتأثره بترتيله وتجويده يريد أن يصوغ بعض سور القرآن في مقطوعات موسيقية من الموسيقا المجردة الصامتة على طريقة السمفونيات بحيث تكون القطعة الموسيقية الواحدة تعبر ألحانها عن السورة الفلانية من القرآن، وتخلّدها في لحن فني، وذلك لأنَّ الرجل هو من الموسيقيين البارعين فيريد أن يخدم القرآن من ناحية اختصاصه الفني، فهل هذا العمل مستحسن من الناحية الإسلامية؟ وهل يكون بذلك قد أدى لعقيدته الإسلامية الجديدة التي اعتنقها بعض حقها عليه؟
وقد أجبته: بأنَّ هذا العمل لا يجوز شرعاً، فالقرآن خالد بإعجازه القائم على بلاغته وصياغته وحقائقه العليا وحكمته وإحكامه، وليس خلوده بقائم على الألحان والأنغام.
قال الأستاذ: وما حكمة هذا الحظر؟ وبماذا نقنع مثل هذا الرجل الأجنبي أن الموسيقا لا يجوز أن تدخل في العبادة الإسلامية؟ فإن الأجنبي لا نستطيع إقناعه إلا بشيء معقول، فقد يقول لنا: أليس القرآن يرتل ترتيلاً في الصلاة، وهذا الترتيل فيه من الموسيقا ما يزيد القرآن روعة وتأثيراً؟! فإذا دعمنا موسيقا التلاوة القرآنية القائمة على الترتيل والتجويد بموسيقا خارجية تصاحبها وتقويها لا نكون قد أدخلنا شيئاً غريباً ليس له أصل في نظام عبادتنا، فما هي حجتنا المقنعة في الموضوع؟
قلت لصاحبي: إنَّ الحجة نجدها في الرجوع والنظر إلى مبنى نظام العبادة في الإسلام.
فنظام العبادة في الإسلام قد بني على أساسين:
الأول يتعلق بغاية العبادة، والثاني بطبيعتها:
فأما الأساس الأول: المتعلق بغاية العبادة، فإننا بالنظر إليه نجد أن الإسلام قد بنى عباداته على أساس يكفل قيادة المكلف إلى غاية روحية يتحقق له فيها إصلاح نفسه؛ لتكون عنصراً طيباً نافعاً في هذا المجتمع البشري، ينفح بالخير والنصح، ويتوقى الشرّ والضُّرّ، وذلك عن طريق محاسبة النفس ومراقبة الله تعالى واليوم الآخر.
ولذلك جعل الإسلام بعض عباداته إنما يجب مرة في العمر كالحج، عدة وبعضها مرة في السنة كالصيام والزكاة وبعضها يتكرر يومياً كل يوم مرات كالصلاة والأصل في العبادة التكرر، لأنَّ الغاية منها
الجزء 1 · صفحة 33
ذلك التذكر للواجبات بمراقبة النفس والتوجه إلى الله تعالى؛ كي يسمو الإنسان سمواً روحياً يتغلب فيه جانب الخير على جانب الشر.
ولذا كان في الإسلام عبادات ذات ثمرة سياسية واجتماعية كالحج والزكاة؛ لأنَّ غاية العبادة تمحيض المكلف لخير نفسه وخير المجتمع، عن طريق التصفية الروحية، ومحاسبة النفس ومراقبة الله والتحذير من المصير ةالأخير.
وبحسب المشقة الطبيعية في العبادة يكون التكرر فيها:
فالحج مرة في العمر لما فيه من سفر ونفقة ووقت.
- والزكاة سنوية لتعلقها بنماء المال وهذا النماء دورته الطبيعية سنوية. - وصيام الشهر دورته سنوية أيضاً. ولو لم تكن دورته سنوية لكان مستمراً دهرياً، وعندئذ يصبح طبيعة عادية، فيزول الإحساس به، ولا تتحقق وظيفته الروحية والصحية والاجتماعية.
- أما الصلاة فهي الأخف عبئاً من حيث المشقة وهي الأكثر ذكراً ومناجاة الله تعالى وتوجها إليه؛ ولذا كانت متكررة في اليوم الواحد مرات. وقد جعلت لهذه العبادات محطات أساسية هي الفرائض في دوراتها العمرية أو السنوية أو اليومية، وترك ما يزيد عنها للتطوع الاختياري بصورة يحفظ فيها حق النفس في الحياة ودواعيها ولوازمها، وحق الله، وحق الأسرة، وحق المجتمع، دون أن يطغي فيها جانب على جانب. فإن جار المكلف على أحد هذه الجوانب لأجل الآخر أصبحت عبادته معصية، كما لو أهمل نفسه في سبيل العبادة، أو أهمل زوجه أو ولده، وفقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمن انقطع للعبادة: إن لربّك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه.
وإن دواعي الأهواء والشهوات والأطماع والمغريات وسائر أسباب الغفلة عن الله كثيرة متكررة يومياً فالصلوات الخمس إذا مورست بخشوع وتدبر كفيلة بأن تردّ الإنسان إلى الجادة وتذكره أو تنبهه كلما حدثت له غفلة؛ ليبقى دائماً مع الله تعالى.
وفي الوقت نفسه وسع الإسلام مفهوم العبادة فجعل الاستمتاع واستيفاء الحظوظ، من مطعم ومشرب ومنكح وراحة ونزهة وغير ذلك من المتع الحلال كلها تصبح عبادات ملحقة إذا استوفاها الإنسان بنية الطاعة، أي: على أساس أنها أباحها الله، وأنها وسيلة لتقوية نفسه على القيام بالواجبات.
وبذلك تكون جميع المتع اللذيذة المباحة هي من المؤمن المتذكر عملاً إنسانياً ملحقاً بالعبادات
الجزء 1 · صفحة 34
وتكون من غير المؤمن عملاً حيوانياً، كما يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَمُ} [محمد: ??] وذلك بحسب الفكرة التي تصاحب الاستمتاع.
والقصد أن يكون المؤمن دائماً مع الله، غير غافل عنه.
وأما الأساس الثاني: المتعلق بطبيعة العبادة، فإنَّ الإسلام أراد أن يجعل العبادة عملاً عقلياً وتفكيرياً، بعدما أصبحت في كثير من المذاهب الوثنية وغيرها مراسم شكلية، أو أنغاماً موسيقية.
فقد انتشرت قبل الإسلام وبعده إلى اليوم طرائق التعبد بالموسيقا، فاختلطت الأحاسيس والمشاعر الفنية الجميلة، وما ينشأ عنها من نشوة وطرب، فامتزجت بالعبادة ومناجاة الله، بينما الأحاسيس الفنية والعبادة هما أمران متباينان. فإذا أصبحت العبادة موسيقا وأنغاماً حق للفاسق في الملاهي أن يعد نفسه متعبداً بالنشوة والإحساس الفني من الموسيقا؛ التي يسمعها في الملهى كمن يسمعها في المعبد!!
وهكذا ترفع الإسلام بالعبادة عن مستوى المراسم العمياء، والطقوس الشكلية المحضة التي يقصد بها السيطرة على أوهام الناس دون معنى عقلي، كما ترفع أيضاً عن موضوع النشوة والطرب الناشئين من العمل الفني كالموسيقا، وهذا سمو بالعبادة إلى مستوى رفيع يليق بالإنسان العاقل المتميز بعقله وتفكيره عن سائر المخلوقات.
ولذا نجد العبادات في الإسلام تشتمل كلها على عنصري التفكير والعزيمة الإنشائية، فالتفكير والعزيمة هما ركن العبادة في الإسلام كما يتضح من الملاحظات التالية:
أولاً - إن العبادات كلها أعمال إرادية تنشأ بها العبادة بعزيمة إنشائية، وتنعقد في نظر الشرع كما تنعقد العقود، وتشترط لها شرائط، وتخضع للصحة والبطلان كما تخضع العقود.
ثانياً - إن العبادات في الإسلام تشترط فيها جميعها النية، والنية عمل عقلي باطني، وعزيمة فكرية.
ثالثاً - إن هذه النية العقلية هي كل شيء في العبادات الملحقة، وهي الأفعال الحيوية والمتع المباحة من مأكل ومشرب ومنكح ومتنزه، فتنقلها النية كما أشرنا إليه آنفاً من استمتاع حيواني إلى عبادة عقلية؛ ولذلك يقول علماء الإسلام: إنَّ النية هي المميز الفارق بين العادة والعبادة.
وتتجلى هذه الناحية التفكيرية في جميع العبادات الإسلامية الأربع الأساسية:
فالحج يقوم فيه المسلم بعمل فيه تفكير روحي واجتماعي وسياسي. والزكاة والصيام يتجلى فيهما
الجزء 1 · صفحة 35
كذلك ممن يقوم بهما أجلى صور التفكير الروحي والاجتماعي.
والصلاة تبرز فيها وتتجلى هذه الصورة من العمل العقلي السامي أكثر من سواها، فهي كلها أدعية وأذكار وقرآن ومناجاة وتضرع وتوجه إلى الله، والأعمال والحركات فيها مناسبة للمعاني التي يرددها المصلي.
وأما الموسيقا التي تتجلى في ترتيل القرآن وتجويده، فإنها التوقيع الطبيعي الذي يتجلى في حسن القراءة وجودة النطق الصحيح والأداء المحكم، فهي كالجمال الطبيعي والنظافة وحسن التجمل بالحدود الطبيعية. فكل كلام حسن الأداء فيه موسيقا طبيعية ذاتية، وهذا غير الموسيقا الخارجية الصناعية التي هي عمل فني مستقل.
وعلى هذا الأساس لا يقبل الإسلام أن تُصاغ سور من القرآن قِطَعاً موسيقية، كما لا يقبل أن تصحب العبادة موسيقا خارجية؛ لأن العمل العقلي في العبادة عندئذ يغيب تحت رِدَاء النَّشْوة الفنية، فنخرج من حيّز العبادة والفكر السامي إلى حيز الطرب الذي يكون حظ الحس فيه أكبر من حظ العقل،
كما قد يكون حظ غير المتعبد فيه أوفى من المتعبد، فيضيع معنى العبادة. ولذا نعى القرآنُ على الجاهليين أنَّ صلاتهم عند البيت ما كانت إلا مكاءً وتضدية، أي: مراسم من تصويت وتصفيق.
والخلاصة: أنَّ الإسلام ميّز بين الأحاسيس الفنية التي هي مشاعر نفسية غريزية لا صلة لها بالعقل والتفكير، وبين العبادة المزكية للأنفس البشرية ويجب أن تكون تأملاً وتفكيراً.
ولما رقي الإسلام بالعقيدة فجعلها عقلية محررة من الأوهام والخرافات، رقي أيضاً بالعبادة، فجعلها عملاً عقلياً سامياً وتفكيراً، وعزيمة ونية وتعبيراً.
صلاة المسلمين لماذا لا تجوز إلا بالعربية فقط فقط؟
ترجمة الأستاذ مصطفى الزرقا
من المعلوم أن المسلمين يعتمدون اللغة العربية حتماً في القيام بعمل الصلاة؛ التي تشتمل أيضاً - فيما سوى الأقوال - على حركات فيها تعبير رمزي، وأنهم يتلون مقاطع من القرآن ويتلفظون بصيغ كلامية، تؤكد عظمة الله وخضوع الإنسان يفعل ذلك العرب وغيرهم على السواء، حتى الذين لا يفهمون
الجزء 1 · صفحة 36
كلمة من العربية كان ذلك من عهد الرسول محمد، ولا يزال كذلك، مهما اختلفت الظروف والمواطن واللغة الوطنية الأم للمسلم.
قد يبدو لأول نظرة طبيعياً ومستحسناً أن يوجه المؤمن صلواته وأدعيته من أعماق ضميره وشعوره بما يقول ولغة الأم هي الوسيلة الأفضل لهذه الغاية. وقد يتصور من هذه الناحية أفضلية تأدية الصلاة باللغة التي يتكلمها المسلمون في الزوايا الأربع من العالم، ولكن اعتباراً ونظراً أعمق من ذلك، يظهر منه أن هناك أسباباً وجيهة تناقض هذا التفكير والتصور أي: توجب الاقتصار على اللغة العربية، وذلك للاعتبارات التالية:
? - فهناك أولاً مبرر اعتقادي (ميتافيزيكي) أو نفسي؛ ذلك أنه بمقتضى نص القرآن {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَتُهُمْ ... } تعتبر زوجات الرسول أمهات للمسلمين، ونحن الوعي الإسلامي السنة الثالثة العدد - (34) - (1387) هـ / (1968) م.
نعلم أن جميع زوجاته المكرمات يتكلمن العربية، فبذلك تعتبر اللغة العربية هي لغة الأم لجميع المسلمين، وحينئذ لا يبقى مجال لأية ملاحظة قائمة على أساس ضرورة أداء الصلوات بلغة الأم.
? - وإذا اعتبر هذا المبرر غير كاف، للإقناع فإننا ننطلق بالنظر إلى ما هو أبعد، فنلاحظ أنه بمقتضى العقيدة الإسلامية يعتبر القرآن كلام الله سبحانه، وأن تلاوته معتبرة بمقتضى نصوصه نفسها من القربات المطلوبة. فمن الناحية الروحية يسيح المؤمن سياحة إلى الله تعالى بوساطة تلاوة كلامه المقدس. والنص الأصلي لهذا الكلام الموحى به إلى رسول الإسلام هو عربي، فمهما تكن الترجمة له من الدقة بمكان، فإنها لا تخرج عن كونها من صنعة الإنسان وكلامه، وهذا لا يمكن أبداً أن يؤدي الغاية من تلك السياحة الروحية التي تتحقق بالصلاة.
- وبالنسبة لمن يفتشون عن سبب مبرر أقوى نقول: إنه يجب التمييز الدقيق بين الصلاة بمعنى الدعاء والصلاة بمعناها الخاص في صورة عبادة الله. فأما الدعاء - وهو المعنى الأصلي العام للصلاة، غير الصورة الخاصة بعبادة الله وهو ما يسمى (مناجاة الله) - فإنه لا اعتراض أبداً على حرية الإنسان في أن يوجه حاجاته وتوسلاته إلى ربه بأية لغة يختارها، وأي وضع يكون عليه؛ ذلك لأنَّ هذه صلة شخصية خاصة بعلاقة فردية بين المخلوق والخالق.
أما الصلاة بمعناها الخاص - أي: العبادة المفروضة في صورتها الإسلامية المشروعة - فهي عمل
الجزء 1 · صفحة 37
عام ذو صفة جماعية، يجب النظر فيه إلى بقية الرفاق المصاحبين في صلاة الجماعة فصلاة المسلم هذه يجب مبدئياً أن تؤدى بصورة مشتركة مع الآخرين (جماعة)، ذلك لأن أداء الصلاة فردياً صحيح، ولكن المطلوب المفضل أداؤها بقيادة إمام (جماعة).
(4) - لو كان الإسلام ديناً إقليمياً أو قومياً أو مرتبطاً بعرق بشري، لكان من المحتم فيه أن تستعمل في الصلاة لغة ذلك الإقليم أو العرق أو القوم، أما في ديانة عالمية، فالأمر بالعكس تماماً، حيث يتكلم المؤمنون بها مئات اللغات المحلية، ولا يفهم أحدهم لغة سواه من الأجناس البشرية الأخرى. إن حياتنا تزداد كل يوم اتساعاً نحو الصفة العالمية، وإن كل بلد في الأرض يستقبل فعلاً، ويؤوي الكثير من المسلمين من مختلف المجموعات اللغوية.
ه - في الواقع لا يوجد دين واحد على وجه الأرض سوى الإسلام يملك اليوم النص الأصلي للوحي الذي يقوم على أساسه، والنصوص الأصلية لتعليمات مؤسسه. فالمسيحيون واليهود والمزدكيون، وسواهم من الجماعات الدينية، لا يوجد لدى فئة منهم سوى ترجمة للنص الأصلي في ديانتهم، أو سوى قطع متفرقة منه على الأكثر فأي سعادة أو ثقة تعادل ما للمسلمين؛ الذين هم الاستثناء الوحيد من هذا الواقع، إذ يملكون النص الأصلي لوحي الإسلام، وهو القرآن الكريم؟!
(6) - علاوة على ما تقدم يلحظ أنَّ القرآن - وإن كان نثراً ـ هو مشتمل على جميع خصائص الشعر وعذوبته من الجرس اللفظي، وتوافق الفواصل، وجزالة التعبير، وبلاغة الأداء. . . بحيث أن حذف حرف واحد من جملة، أو إضافة حرف إليها، يورث فيها خللاً واضطراباً كما لو حصل ذلك الحذف أو الإضافة في بيت من الشعر الموزون.
7 - يرى كاتب هذه السطور شخصياً: أنَّ أيَّ مسلم لا يمكن أن يعطي أي ترجمة للقرآن من الاحترام الديني ما يعطيه لنص القرآن الأصلي الموحى به من الله سبحانه إلى رسوله؛ ذلك لأن الترجمة هي صياغة شخص عادي وليست صياغة جهة معصومة محمية من الخطأ، كما هو الشأن في نبي. ? - وختاماً نشير إلى أنه يوجد فريق من الكتاب يحتجون بأن بعض المجتهدين الكبار، كالإمام أبي حنيفة كان يرى جواز تلاوة ترجمة القرآن أداء الصلاة، ولكن هؤلاء الكتاب ذكروا جانباً وأغفلوا جانباً آخر، فإن الإمام أبا حنيفة وإن كان قد رأى هذا الرأي في بداية أمره، قد رجع عنه بعد ذلك، ووافق رأي الأئمة الآخرين (وهذا هو المذكور في كتب المذهب الحنفي، ككتاب الهداية للمرغيناني وكتاب الدر المختار
الجزء 1 · صفحة 38
للحصكفي، وحاشية رد المحتار وغيرها. .) والإمام أبو حنيفة أيضاً يقول بأنه في الحالات العادية الطبيعية لا يجوز في الصلاة تلاوة القرآن بغير العربية.
وفي الواقع يوجد حكم استثنائي للضرورة كما في حال الشخص الذي يسلم من جديد ولا يعرف العربية، فهذا يجب عليه أن يبدأ فوراً بأداء الصلوات الخمس يومياً، وهي تشتمل على تلاوة إلزامية لقسم من القرآن عن ظهر قلب، فيرخص له بتلاوة معاني بعض الآيات باللغة التي يعرفها إلى أن يتعلم ما يكفي للصلاة بالنص العربي.
وفي هذه المسألة حفظاً يوجد سابقة هامة من الصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي ترجم سورة الفاتحة إلى الفارسية لكي ترسل إلى أناس من المؤمنين الفرس، وذلك بترخيص من الرسول نفسه كما في كتاب تاج الشريعة، والنهاية حاشية الهداية فصل الصلاة، وهؤلاء الأعاجم استعملوا هذه الترجمة إلى أن ائتلفت ألسنتهم ومرنت على النص العربي. وهكذا يمكن للمسلمين الجدد أن يستعملوا ترجمة القرآن بصورة مقبولة كأصله العربي مدة أيام أو لمدة أسابيع بحسب الحاجة والحال.
يستخلص من كل ما تقدم أنَّ كل مسلم بمقتضى الوحي القرآني يختار دائماً اللغة العربية اللغة الأم للرسول، وهكذا يظل الإسلام المصدر الحي الخالد للغة العربية.
مترجمة عن المجلة الفرنسية فرنسا والإسلام» عدد آذار/ (1967) م
أوقات الصلاة والصيام في البلاد القريبة من القطب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آهل وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع في جلسته الثالثة صباح يوم الخميس الموافق (1402) / (4) / (10) هـ المصادف (1982) / (2) / (4) م على قرار ندوة بروكسل (1400) هـ / ????م؛ وقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم ((61)) في (12) / (4) / ???? هـ؛ فيما يتعلق بمواقيت الصلاة والصوم في الأقطار التي يقصر فيها الليل جداً في فترة من السنة، ويقصر النهار جداً في فترة أو التي يستمر ظهور الشمس فيها ستة أشهر وغيابها ستة أشهر. وبعد مدارسة ما كتبه الفقهاء قديماً وحديثاً في الموضوع قرر ما يلي: تنقسم الجهات التي تقع على خطوط العرض ذات الدرجات العالية إلى ثلاث:
الجزء 1 · صفحة 39
الأولى: تلك التي يستمر فيها الليل أو النهار أربعاً وعشرين ساعة فأكثر بحسب اختلاف فصول السنة.
ففي هذه الحال تقدر مواقيت الصلاة والصيام وغيرهما في تلك الجهات على حسب أقرب الجهات إليها مما يكون فيها ليل ونهار متمايزان في ظرف أربع وعشرين ساعة.
الثانية: البلاد التي لا يغيب فيها شفق الغروب حتى يطلع الفجر، بحيث لا يتميز شفق الشروق من شفق الغروب، ففي هذه الجهات يقدر وقت العشاء الآخرة والإمساك في الصوم وقت صلاة الفجر، بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان.
الثالثة: تلك التي يظهر فيها الليل والنهار خلال أربع وعشرين ساعة وتتمايز فيها الأوقات، إلا أن الليل يطول فيها في فترة من السنة طولاً مفرطاً، ويطول النهار في فترة أخرى طولاً مفرطاً.
ومن كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً لعموم قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودَ الله} [الإسراء: (78)] وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبا مَّوْقُونَ} [النساء: 103. [
ولما ثبت عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله له الا الله قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل، كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما
الجزء 1 · صفحة 40
لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان أخرجه مسلم في صحيحه.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان، فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيراً، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البقرة: ???].
ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو علم بالأمارات، أو التجربة، أو إخبار طبيب أمين حاذق أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى مرضه مرضاً شديداً، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء قال تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَسَاءٍ أُخَرَ) [البقرة: (185)]. وقال الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: (286)]. وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: ??].
والله ولي التوفيق وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [توقيع] نائب الرئيس [اعتذر لمرضه] رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان ... عبد الله بن حميد
الأعضاء
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
عبد العزيز بن باز ... محمد محمود الصواف ... صالح بن عثيمين
الجزء 1 · صفحة 41
(توقيع) ... (تخلف عن الحضور]) ... [توقيع]
محمد بن عبد الله السبيل ... مبروك العوادي ... محمد الشاذلي النيفر
[توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع]
مصطفى أحمد الزرقا ... عبد القدوس الهاشمي ... محمد رشيدي
[تخلف عن الحضور] ... [توقيع] ... [توقيع]
أبو الحسن علي الحسني الندوي ... أبو بكر محمود جومي ... حسنين محمد مخلوف
[توقيع] ... تخلف عن الحضور] ... [توقيع]
محمد رشيد قباني ... محمود شيت خطاب ... محمد سالم عدود
مقرر المجمع الفقهي الإسلامي محمد عبد الرحيم الخالد
ملاحظة من: مصطفى أحمد الزرقاء
كان رأيي في هذا الموضوع مخالفاً لهذا القرار؛ لأنَّ البلاد التي يتميز فيها ليل ونهار قد يكون هذا التميز فيها لا يزيد عن نصف ساعة أو ساعة بحيث يكون ليلها ثلاثاً وعشرين ونهارها ساعة فقط شتاء وعكسه صيفاً.
ونص الحديث المنقول الذي استند إليه القرار مفروض فيه أنه لأهل الجزيرة العربية، فالبلاد النائية شمالاً أو جنوباً لا يوجد في الحديث دلالة على رفض اعتبار الفارق العظيم فيها بين مسافتي الليل والنهار، بل الواجب اعتبارها مسكوتاً عنها، عندئذ يجب تقرير حكم لها يتناسب مع مقاصد الشريعة، وهذا التعميم الذي جرى عليه القرار بمجرد ظهور تميز بين ليل ونهار دون نظر إلى الفارق العظيم في مدة كلّ منها، يتنافى كل التنافي مع مقاصد الشريعة، وقاعدة رفع الحرج
وليس من المعقول توزيع صلوات النهار أو الليل على مدة نصف ساعة مثلاً، ولا من المعقول صيام ساعة وإفطار ثلاث وعشرين أو العكس.
وقد كان رأيي في هذه القضية الذي لم يشر إليه القرار، بل جرى على الأكثرية وقد كان من الواجب أن يشير إلى المخالفة ودليلها ... كان رأيي أن تتخذ إحدى قاعدتين لهذه البلاد النائية شمالاً وجنوباً:
الجزء 1 · صفحة 42
إما أن يعتمد لها جميعاً (سواء أكانت مما يتميز فيها ليل ونهار أو لا) أوقات مهد الإسلام الذي جاء فيه، ووردت على أساسه الأحاديث النبوية، وهو الحجاز، فيؤخذ أطول ما يصل إليه ليل الحجاز ونهاره شتاء، أو صيفاً فيطبق على أهل تلك البلاد النائية في الصوم والإفطار وتوزيع الصلوات. وإما أن نأخذ أقصى ما وصل وامتد إليه سلطان الإسلام في العصور اللاحقة شمالاً وجنوباً، وطبقه العلماء فيها على ليلهم ونهارهم في فصول السنة، فنعتبره حداً أعلى لليل والنهار للبلاد النائية التي يتجاوز فيها الليل والنهار ذلك الحد الأعلى، ففي تجاوز النهار يفطرون بعد ذلك، وتوزع الصلوات بفواصل تتناسب مع فواصل ذلك الحد الأعلى.
وخلاف ذلك فيه منتهى الحرج الذي صرح القرآن برفعه، كما هو واضح. فإن قيل: كيف نسمح لأناس في رمضان أن يفطروا والشمس طالعة وإن كانت لن تغيب إلا نصف ساعة أو ساعة؟
قلنا: هذا سيلزمكم في البلاد التي ليلها ستة أشهر ونهارها ستة أشهر، فإنكم وافقتم على أنهم يفطرون في نهارهم الممتد في الوقت الذي حددتموه لهم، على الرغم من أن الشمس طالعة.
فهذا لا يضر بسبب الضرورة. والمهم في الموضوع: رعاية مقاصد الشريعة في توزيع الصلوات وفي مدة الصوم بصورة لا يكون فيها تكليف ما لا يطاق، ويتحقق فيها المقصود الشرعي دون انتقاص.
وبيت القصيد في الموضوع والذي يكون منه المنطلق: هو أن الأحاديث الواردة التي استند إليها القرار يجب أن يفترض أنها مبنية على الوضع الجغرافي والفلكي في شبه الجزيرة العربية وليس بجميع الكرة الأرضية التي كان معظمها من بر وبحر مجهولاً إذ ذاك لا يعرف عنه شيء. بل إن هذه الأماكن القاصية والمجهولة شمالاً وجنوباً مما اكتشف فيما بعد. يجب تعتبر مسكوتاً عن حكم أوقات الصلاة والصيام فيها، فهي خاضعة بعد ذلك للاجتهاد بما يتفق مع مقاصد الشريعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرياض (13) من المحرم/ (1416) هـ الأحد (1995) / (6) / (11)
حكم صلاة الجمعة في معمل خارج المدينة
سؤال من السيد عبد الرحيم محمود الشربجي من داريا، ويتلخص بما يلي: هل يمكن إقامة صلاة
الجزء 1 · صفحة 43
الجمعة في معمل خارج المدينة أو البلدة حيث يتعذر مغادرة المعمل، فهل تصح صلاة الجمعة في المعمل نفسه، وقد أقيمت فعلاً دون أن نعرف الحكم الشرعي؟
الجواب:
إذا كان المكان خارج العمران بحيث لا يصل إليه نداء الجمعة، أي: صوت الأذان لا تجب الجمعة على من يوجد فيه، عند الحنفية، ويصلى صلاة الظهر، وإذا كان يصل إليه صوت المؤذن الجهوري الصوت تجب فيه. وعلى الشخص أن يلتحق بجامع للصلاة، وإذا كان في معمل فإنه يمكن أن يستأذن للصلاة ويخرج، ولو لم يسمح له إلا بحسم حصة من أجرته عن مدة غيابه فلا بأس؛ لأن أداء الفرائض قد يكلف صاحبه مالاً، وهذه من هذا القبيل.
على أنه إذا كان داخل المعمل عدد من المصلين كاف لإقامة الجمعة وبينهم من يحسن الخطابة والإمامة، فيمكنهم أن يعقدوا صلاة جمعة ضمن المعمل على مذهب الإمام الشافعي؛ الذي لا يشترط في الجمعة أن يكون الإمام مأذوناً من الخليفة الحاكم الأعلى في الدولة أو من ينوب عنه.
حكم قراءة القرآن من المنارة والمدائح النبوية يوم الجمعة قبل الصلاة وحكم ستر الرأس للخطيب
سؤال من السيد أحمد الحسين الجاسم من دير الزور، البصيرة، ويتلخص بما يلي:
? - جرت العادة عندنا أن يتلى القرآن بصوت عال في الجوامع يوم الجمعة قبل الصلاة، والمؤذن فوق المنارة يرتل المدائح النبوية، فهل يصح أثناء ذلك للقادم إلى المسجد أن يصلي صلاة تحية المسجد أو أن يتنفل؟ أم أن الأصح أن تقصر تلاوة القرآن على من يريد بينه وبين نفسه حتى لا يشوش على من يريد الصلاة؟!.
(2) - هل يجوز لخطيب الجمعة أن يلقي الخطبة وهو حاسر الرأس دون أن يضع ما يستره؟.
الجواب:
? - لا تجوز تلاوة القرآن في المسجد بصورة تؤدي إلى تشويش المصلين؛ لأنَّ المسجد في الأصل للصلاة.
? - وستر الرأس ليس شرطاً لصحة الصلاة ولا للخطبة، وإنما هو سنة، وكشفه مكروه إذا لم تكن
الجزء 1 · صفحة 44
عادة الناس كشفه.
فهذه السنة هي من سنن الزوائد التي تتبع العادات، وليس من قبيل سنن العبادات، فالمكروه كشف الرأس في محيط اعتمد أهله الستر، فلو في محيط ما تعورف فيه الكشف لم يبق مكروهاً. والإمام الشاطبي في «الموافقات» يوضح ذلك، ويبين أن قضية كشف الرأس وستره هو من العادات التي يتبع النظر الشرعي فيها عرف الناس، بحيث لا ينبغي أن يظهر الإنسان بمظهر ينكره الناس.
واليوم قد أصبح كشف الرأس مألوفاً عادة ورسمياً بلا نكير، بل قد أصبح أكثر شيوعاً من التغطية.
القربات التي تصل من الأحياء إلى الأموات
السؤال من السيد أحمد فهمي باتر من القنيطرة خلاصته:
إن من العادات المتبعة في القرية عندهم في حال وفاة شخص أن يقيم المتوفى ولائم ومآدب طعام فاخرة مدة سبعة أيام، يدعى إليها الوجهاء والأغنياء وعدد من القراء لختم القرآن على روح المتوفى، وأن مثل هذه العادات ترهق أهل المتوفى، وتكلفهم كثيراً، وهو يسأل: هل يصل إلى روح الميت أي ثواب من هذه الحفلات وهل يخفف من عذابه شيئاً؟
الجواب:
لا يصل إلى الميت من الأحياء إلا ما يُهدى من ثواب الأعمال التي هي طاعات وقربات إلى الله تعالى ومن جملة ذلك الصدقات التي توضع محلها من الفقراء الحقيقيين المحتاجين؛ الذين هم محل ومصرف الزكاة.
أما إطعام الأغنياء في حفلات تقام وفقاً لعادات وتقاليد عرفية، فهذه ليست من العبادات ولا من القربات إلى الله فليس فيها شيء يصل إلى الميت، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 45
الزكاة
حكم زكاة الأسهم
زكاة الرواتب الشهرية للموظفين
زكاة العمارات والآلات
حكم الزكاة على آلات المصانع
حكم زكاة الأراضي والعقارات الزكاة والمال المدخر للزواج
الزكاة الواجبة في عروض التجارة الكاسدة الزكاة الواجبة في الدين المؤجل
حكم إسقاط الدين على مدين معسر واعتباره من الزكاة.
حكم الزكاة بين شريكين في شركة تجارية.
حكم العمل أو المشاركة مع تاجر لا يخرج الزكاة.
حكم زكاة الحلي.
حكم إخراج زكاة الفطر بالنقود
حول جواز إخراج صدقة الفطر بقيمتها من النقود
حكم زكاة الأسهم
سؤال جاء من السيد عبد الله الكاتب من حلب خلاصته:
هل يعتبر ما يملكه المسلم في شركة من الأسهم مالاً سائلاً تجب عليه الزكاة في قيمتها سنوياً، أو يعتبر مالاً مجمَّداً فتجب عليه في ريعها إذا حال عليه الحول، وهو في يده كما هو الحال في عقار مرصود للأجرة، مع ملاحظة أن ربح الأسهم قلما يرتفع إلى أكثر من 7% من الثمن، فيكون ما يترتب عليه من الزكاة في حالة وجوبها على الثمن نحو نصف الريع العائدأو ثلثه.
الجواب:
الجزء 1 · صفحة 46
إنَّ الحالة المسؤول عنها دقيقة ومعقدة في عصرنا هذا، فالأسهم حصة في الشركة في رأس مالها وأرباحها جميعاً، وقد نوقشت في ندوات بحث، والرأي الذي تطمئن إليه نفسي فقهياً هو التفصيل التالي: ? - إذا كانت الأسهم قد اقتنيت للتجارة بها بيعاً وشراء، أي: أن مقتنيها - تاجر أسهم، فإنها تعتبر كسائر السلع والعروض التجارية، التي في المتاجر، فتزكى أعيانها بحسب قيمتها السوقية كالعروض التجارية في كل عام بنسبة اثنين ونصف في المئة (?? (5) ?) من قيمتها.
? - وأما إذا كانت مقتناة لأخذ عائدها من الأرباح السنوية أو الموسمية التي توزعها شركتها، فإنَّ الذي يزكي عندئذ هو عائدها الصافي الذي توزعه الشركة كلما قبض بنسبة عشرة في المئة من العائد دون نظر إلى حولان الحول ولا إلى القيمة السوقية للسهم، وذلك قياساً على الأرض الزراعية وما تنتجه، فالأرض لا تزكى عينها، وإنما يزكى ما تنتجه يوم حصاده. هذا ما أفتي به، وأراه أفضل الآراء والاحتمالات في هذه المسألة من قضايا الساعة، والله سبحانه أعلم.
زكاة الرواتب الشهرية للموظفين
هل تجب عند قبضها في كل شهر؟!
هل تجب على ذوي الرواتب الشهرية أو السنوية من موظفين في وظائف الحكومة، أو عمال أو مستخدمين زكاة عن هذه الرواتب بنسبة مبالغها عند قبضها في كل شهر؟. أرجو نشر الجواب في مجلة حضارة الإسلام عاجلاً ولكم الشكر.
عبد الكريم نجيب أطمه ـ الدانا - محافظة إدلب
الجواب:
لم تشرع الزكاة في الإسلام على المورد المالي عند استحقاقه أو قبضه كضريبة عليه وإنما شرعت على نوعين من الأموال النامية، هما الأموال الظاهرة والباطنة:
فأما الظاهرة فهي الزروع والمواشي بشرائط معينة.
وأما الباطنة فهي الذهب والفضة ولو غير مسكوكين، والنقود المسكوكة من الذهب بوجه عام مدخرة كانت أو مستثمرة، ومنها الأوراق النقدية اليوم والسلع التجارية (أي المعروضة للاتجار والاستثمار) سواء ما كان منها رأس مال أو كان ربحاً متراكماً متى بلغت نصاباً فاضلاً عن حاجة الشخص
الجزء 1 · صفحة 47
وحاجة عياله والتزاماته المالية كديونه ونفقة، أقاربه والضرائب التي عليه، وحَالَ عليها الحول أي متى انقضى عليها في ملك مالكها عام كامل. والسلعة التي تخرج في المبادلة التجارية بمقابل يحل مقابلها محلها في حساب الحول.
وبناء على ذلك ليس في الرواتب الشهرية زكاة مهما بلغت تلك الرواتب، لأنها في الأصل كفاء المعيشة. فإذا زاد من الرواتب شيء عن الحاجات المبينة آنفاً، فبلغ نصاباً من النقود ولو غير مستثمر، أو صار سلعاً تجارية تحت الاستثمار أو رصيداً في مصرف وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة. وإذا تكرر الحول عليها تكررت الزكاة فيها سنوياً.
أما ما يكون من سلع للاستهلاك لا للاستثمار كمفروشات البيوت وتجهيزاتها، فلا زكاة عليها مهما بلغت والله سبحانه وتعالى أعلم.
زكاة العمارات والالات
السؤال:
هل تخضع مطحنة الحبوب ومصانع الطوب لفريضة الزكاة؟ وإذا كانت تخضع فهل يقتصر التكليف الشرعي على الآلات والبناء أو يضاف إليه الإيراد طوال العام؟ وما حكم العمارات السكنية وغيرها من أوجه الاستثمار بالنسبة إلى الزكاة؟
صالح حسن درويش (ج. ع. م)
الإجابة:
نص الفقهاء على أن المال الذي يخضع لفريضة الزكاة هو المال النامي فعلاً أو تقديراً من حيوان ونبات وغيرها بشرائط. فأما الحيوان والنبات فلكل منهما شرعاً نظام تفصيلي خاص ليس مسؤولاً عنه الآن.
وأما سواهما فيشمل السلع التجارية والذهب والفضة ولو غير مسكوكين، ثم سائر النقود المتداولة من غيرهما يدخل فيها اليوم المسكوكات المعدنية والأوراق النقدية).
والمراد بالسلع التجارية ما هي تحت المتاجرة بالفعل لا مجرد كونها قابلة للاتجار بها.
الجزء 1 · صفحة 48
وأما الذهب والفضة وسائر النقود فتشمل المخزون المكنوز، والمستثمر فعلاً، لأنها تعتبر نامية تقديراً، والشرع يحظر النقود وتعطيلها عن الاستثمار الذي خلقت له، بخلاف السلع فإنها محل للانتفاع بعينها استهلاكاً أو استعمالاً، فميز شرعاً فيها بين النامي فعلاً وبين ما هو مخصص لوفاء الحاجات الشخصية كمفروشات البيت، وكتب القنية ولو صاحبها غير عالم.
ويستثنى من ذلك بعض مستثنيات في حالات، منها آلات الحرف والصناعات التي يستخدمها صاحبها العامل فعلاً في العمل الانتاجي بخلاف هذه الآلات إذا كان صاحبها يتاجر بها، تجارة، فإنها خاضعة للزكاة.
أما العقار فإذا كان صاحبه يتاجر بعينه تجارة بيعاً وشراء، فهو عندئذ يتبع حكم السلع التجارية ويخضع للزكاة بشرائطها وإذا كان لسكنى صاحبه أو لعمله فلا زكاة فيه، وإذا كان الاستغلال بالإيجار فلا زكاة في عينه لأنهم اعتبروا عينه حينئذ غير نامية ولكن غلته تخضع للزكاة بشرائطها من النصاب الزائد والحول.
هذه خلاصة موجزة مكثفة (دون تفصيل الشرائط غير المسؤول عنها) لما يقرره العلماء.
ومنها يعلم أن المعامل سواء أكانت للطوب أم للطحن أم سوى ذلك لا تخضع آلاتها ولا بناؤها لفريضة الزكاة بحسب ظاهر نصوص الفقهاء، ولكن تخضع المواد الأولية التي تعمل فيها وثمراتها المالية التي تنتج من استثمارها بشريطة النصاب الزائد والحول لأنها عندئذ مال تجاري نام. و شريطة الحول ليس معناها أن تبقى المنتوجات مجمدة حتى تمضي عليها سنة لكي تخضع للزكاة، بل إن الحول يسري عليها لو بقيت، ويستمر اعتباره سارياً دون انقطاع على عوضها ونمائها لو بيعت في أثنائه، لأن عوضها خلف عنها.
على أن من فقهاء العصر من يرى ضرورة إخضاع معامل الصناعة الآلية اليوم بآلاتها ومبانيها للزكاة، لأنها قد تمثل اليوم رؤوس أموال (ضخمة استثمارية (نامية بخلاف آلات الصناعة اليدوية قديماً. لكنني أرى أن هذا لا يجوز لفرد أن يفتي من تلقاء نفسه، بل يتوقف على اجتهاد جماعي من وظيفة مجمع فقهي نرجو أن يوجد في العالم الإسلامي.
على أنه إذا نظرنا إلى أعمق من الظاهر قد ندرك أنَّ المصانع الآلية المتطورة بصورتها الحاضرة الضخمة، اليوم، آلات وبناء، قد يكون في عدم إخضاعها للزكاة مصلحة لا تقل عن المصلحة الملحوظة في إخضاعها إن لم تزد، فإن ما تفتحه من أبواب العمل المنتج للعمال والفقراء، فتحرك فيهم طاقات كبرى
الجزء 1 · صفحة 49
كانت عرضة للتعطيل والشلل، وتدرُّ أرزاقاً لأولادهم وأسرهم، وتدير دولاب الاقتصاد العام في جميع أنواعه، أن هذا الأثر كله تستحق به المعامل هذا التشجيع على إنشائها بعدم إخضاعها لتكليف الزكاة لو أن أصحابها قنوا من ورائها أرباحاً وثروات ضخمة، ولا سيما إذا عرفنا أن تلك الثروات والأرباح خاضعة للزكاة إلى جانب ما تفرضه النظم المالية اليوم من ضرائب لا يفلت منها بناء ولا آلة ولادخل ولو أدى أصحابها زكاة مواردها لكان فيها خير عميم.
فلا أرى من الجائز بتفقُه فردي ومرتجل أن يفتى بإخضاع مباني المعامل وأثاثها وآلاتها لتكليف الزكاة، ولنسر على خطى فقهائنا ألاولين في الصورة الابتدائية الأولى، ففيها حكمة وروية ومصلحة تنطبق على الصورة المتطورة الحديثة لهذه المعامل. والله سبحانه أعلم.
حكم الزكاة على آلات المصانع
فضيلة الشيخ مصطفى - حفظه الله - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
المصانع الكبيرة هل تُخرج الزكاة على قيمة المصنع بما في ذلك مكائن الإنتاج علماً أن قيمة المصنع تعتبر معظمها في قيمة المكائن، ولا يمتلك - عادة - صاحب المصنع سيولة إلا قليلاً، ولا يحول الحول عنده على أي مبلغ نقدي أو بضاعة تجارية مصنّعة، لأنه عادة يقوم بشراء المكائن بشكل مستمر، فهل تعتبر المكائن مثل العدة التي لا يخرج عليها زكاة. . .؟ أفتونا جزاكم الله خيراً
وليد الزعيم (1998) / (1) / (8)
الجواب:
ما كنات المصانع اليوم لا تقاس على الآلات اليدوية قديماً كميشار النجار ومطرقته، وسندان الحداد ومطرقته، بل إن هذه الآلات والمكائن والأجهزة في المصانع اليوم هي رأس المال، فتقوم سنوياً مع ما في المصنع من بضاعة ومواد أولية، مع ملاحظة ما تنقض به الآلات بالاستعمال.
وإذا كان في ذلك صعوبة سنوياً فيمكن تزكية مردود المصنع كمحصول الأرض الزراعية: أي عُشر المردود الصافي بعد طرح المصاريف، أو نصف العشر قائماً قبل طرح المصاريف، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 50
حكم زكاة الأراضي والعقارات
فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا - حفظه الله تعالى - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير وبعد:
ماحكم الأراضي والعقارات كالبيوت والمحلات والمستودعات التي يشتريها الرجل للتجارة بحيث ينتظر حتى يرتفع سعرها فيبيعها. هل تجب فيها الزكاة؟ وكيف تقوم هل تقوم بسعر شرائها أم بسعر يوم يريد إخراج الزكاة عليها - إن وجبت - فبعضها يكون سعره قد نزل وبعضها يكون سعره قد ارتفع. وما حكم رجل عنده أراضي ولا يعلم أنها تجب فيها الزكاة هل يخرج الزكاة حين يعلم بها أم يلزم أن يخرج على ما سبق حيث أن هذه الأراضي اشتراها من سنوات طويلة. وما حكم رجل ورث أرضاً عن أبيه ... هل يخرج زكاة عنها
أفتونا جزاكم الله خيراً وليد الزعيم (98) / (4) / (11).
الأخ الكريم السيد وليد سعد الدين الزعيم المحترم.
السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.
ج ? - ما يشترى من العقارات والأراضي للتجارة بها يصير كعروض التجارة، فيزكى بحولان الحول عليه بسعرها ه الأخير.
ج (2) ـ ومن عنده أراض لا يريد بيعها حالياً ولكن يتربص بها منتظراً ارتفاع سعرها في المستقبل ليبيعها فيما بعد وهو المتربص يزكيها عندما يبيعها مرة واحدة بسعرها الأخير.
ج ? - ومن ورث فإنه لا يزكيها عند انتقالها إليه، ولكنه إذا أراد الاتجار بها، وعرضها للبيع والتداول فإنه يزكيها بعد الحول كسائر عروض التجارة.
الرياض في (15) من ذي الحجة/ (1418) هـ.
الجزء 1 · صفحة 51
الزكاة والمال المدخر للزواج
إلى فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا.
المضمون ما اجتهادكم في استحقاق الزكاة على: 1 - المبالغ الموفرة لغايات البناء والزواج، وما شابه ذلك، لو أودعت في بنك بفائدة؟
(2) - المبالغ المبدلة بسندات حكومية، كسندات التنمية، ولو بفائدة؟ - وما هي نظرة الشرع حال فوز أي من هذه السندات، بإحدى جوائز اليانصيب المخصص لتشجيع اقتنائها؟
الجواب:
? - ينص الفقهاء: على أنه إذا كان عند الإنسان نصاب من المال، فاضل عن حاجته، وحاجة عياله وقضاء ديونه، فإنه تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول.
وهكذا المال المدخر، لغايات البناء أو الزواج، يشمله هذا النص، فالظاهر أنه تجب فيه الزكاة إذا بلغ نصاباً، وحالَ عليه الحول. والنصاب يقدر بعشرين مثقالاً من الذهب، أو ما يعادل قيمتها، أو بمئتي درهم من الفضة، أو ما يعادل قيمتها. وهناك من يرى اليوم: أنَّ الفضة لم تبق نقداً، وأن أسعارها غير ثابتة، وأنه عندما ورد تقدير النصاب منها بمئتي، درهم كان الدينار يساوي عشرة دراهم فيعادل النصاب منها عشرين مثقالاً من الذهب باعتبار أن الدينار مثقال، فينفي اعتبار الذهب أساساً، وهذا رأي له وجاهته.
? - وفيما يتعلق بالسندات فهي قروض من الناس إلى الدولة، فتستحق فيها الزكاة، بشرطها المذكور إذا بلغت نصاباً ولكن زكاة الديون ومنها القروض، إنما تجب على الدائن في مبلغ الدين بعد أن يقبضه فيزكي عنه بالنسبة إلى الماضي، وأما قبل قبضه، فلا يجب عليه زكاة فيه.
أما موضوع الفائدة، فهذا أمر آخر فإن الفائدة ربا لا يجوز له أن يأخذه ويستفيد منه.
فإن أراد أن يأخذه ليتصدق به على الفقراء، دون أن يحتسب هذه الصدقة من الزكاة، بل يكون صاحبه فقط واسطة لتحويل مبلغ الفائدة إلى الفقراء، لأنه هو لا يستحقه، فلا بأس بذلك.
3 - وأما المكافأة بطريق اليانصيب، فهذه لا أرى فيها بأساً، باعتبار أنها غير مشروطة، وإنما هي من باب التشجيع على القرض، لحاجة الدولة إليه، فلا يشملها معنى الربا. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه
الجزء 1 · صفحة 52
وسلم استقرض، ولما وفي زاد صاحب الدين شيئاً على سبيل الإحسان إلى المحسن.
الزكاة الواجبة في عروض التجارة الكاسدة
كتب الأستاذ فكري أحمد نعمان دراسة جيدة بخصوص الزكاة الواجبة في عروض التجارة الكاسدة في مجلة (الجندي) الصادرة في دولة الإمارات العربية، وأرسل إلى الأستاذ الزرقا يسأله حول هذا الموضوع فقال:
السؤال:
ورغبة منا في الوصول إلى وجه الصواب في المسألة أرسلنا إلى كبار العلماء المسلمين من الذين وضع الله في أيديهم موازين ترجيح الخلاف ومنهم العلامة المحقق الشيخ مصطفى أحمد الزرقا ـ وفقه الله ـ وكان رده كالتالي:
الجواب:
«إنَّ ما سألتني عنه من رأيي في زكاة البضائع الكاسدة والتاجر المتربص رأيي فيه من القديم هو مذهب مالك رضي الله عنه، وهو الذي يشعر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - باستحسانه كما استحسنه أخونا العلامة الدكتور الشيخ القرضاوي أيضاً، وضعاً للضرر البالغ عن التاجر المتربص، فأنا أفتي به دائماً تيسيراً على الناس ولا سيما في العقارات، حيث يكثر فيها المشترون المتربصون في عهد التضخم النقدي العام اليوم، ولا سيما في عالمنا الثالث الذي استمر فيه هبوط قيمة النقود الورقية التي انفردت في وظيفة التنمية، منذ أن حلت المطابع محل مناجم استخراج الذهب والفضة!! ولم يبق أمام كثير من الناس وسيلة لحفظ قيمة نقودهم وقوتها الشرائية سوى تحويلها إلى عقار والتربص به وقد يتربصون بها مُدداً طويلة، وعدداً من السنين قد تصل إلى العشرات ثم يبيعونها عندما يحتاجون إلى قيمتها. وخلال ذلك قد ترتفع قيمتها كما كانوا يتوقعون من استمرار ارتفاع قيمة العقارات في كل مكان تقريباً، وإن لم ترتفع فإنها لا تهبط، فأنا أفتي في بأنها تزكى مرة واحدة عن سنة واحدة حين بيعها لكنها يجب أن تزكى على أساس قيمتها الحالية المرتفعة لا على أساس قيمتها القديمة التي اشتروها بها فإذا كانت قيمتها قد ارتفعت من البيع عشرة أضعاف مثلاً أو أكثر (وهذا واقع كثيراً في الأراضي فإن زكاتها تزيد أيضاً عشرة أضعاف عن زكاتها بحسب قيمتها الأولى التي اشتريت بها.
الجزء 1 · صفحة 53
وفي هذا عدل، كما أنه تيسير على المكلف ودفع للإرهاق عنه، ومثل ذلك التربص في البضائع التجارية الكاسدة.
وقد نصَّ الفقهاء على أن التاجر إذا أفرز بعض أمواله ليأخذه إلى بيته لاستعماله فيه، فإن زكاته تتوقف منذ ذلك؛ لأنه خرج من نطاق التجارة التي تنميه، فأصبح بتحويله لاستعماله غير، نام والزكاة إنما هي في المال النامي فعلاً أو تقديراً كالنقود.
ففي رأيي أن حالة التربص (خلال مدة التربص) تشبه هذه ما دام المتربص لا يريد بيع المال المتربص فيه بل تركه بمعزل عن التداول إلى أجل غير محدد، فالمال في هذه الحالة أصبح غير نام أو متوقف النماء، كالديون غير المرجوة الوفاء (ولو أنها كانت أثماناً لمبيعات رابحة وليست قروضاً حسنة)
فإنها بانقطاع الأمل من استيفائها خرجت عن أن تكون نامية ولو تقديراً.
هذا ما أراه - أيها الأخ الكريم - وأرجو من فضله تعالى أن يكون صواباً متفقاً مع مقاصد الشريعة.
بارك الله فيك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الزكاة الواجبة في الدين المؤجل
فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أفيدونا جزاكم الله خيراً.
- بعض الناس يقترضون من أماكن أعمالهم مبالغ تتعدى نصاب الزكاة، ويضعونها في البنوك لاستثمارها وهذه المبالغ تقسط على مرتباتهم شهرياً، ويرفضون دفع الزكاة عندما يحول الحول بحجة أنه مدين، فما حكم ذلك؟
بعض الناس يشترون السيارة بالتقسيط وفي الوقت نفسه يكون لديه رصيد في البنك، وحال عليه الحول وبلغ النصاب فيرفض إخراج الزكاة بحجة أنه مدين بثمن سيارة مع أنه يخصم قسط السيارة من راتبه الشهري، فما الحكم؟
الشيخ عبد الرحمن التركي إمام مسجد الإدارة العامة بشركة الراجحي
? - جواب السؤال الأول:
الجزء 1 · صفحة 54
إن الدين المؤجل والمقسط (غير الحال) لا يمنع الزكاة على المال الذي لدى الشخص، وإنما الذي يطرح الزكاة هو الدين الحال الخاضع للمطالبة حالاً حين وجوب الزكاة بحولان الحول.
وبناء عليه تحب الزكاة في المال الذي يأخذه الشخص قرضاً فيتملكه ويضعه في الاستثمار ما دام دين القرض المذكور مقسطاً على راتبه الشهري وليس مطالباً به للحال دفعة واحدة، هذا ما يبدو لي، والله أعلم.
? ـ جواب السؤال الثاني: كما قلنا في جواب السؤال الأول، نقول: إن ثمن السيارة المستدان ليس حالاً، وإنما هو مقسط على راتب مشتريها شهرياً، فكذلك لا يمنع وجوب الزكاة عن رصيده الذي له في البنك إذا حال الحول، وبلغ النصاب أو جاوزه، هذا ما يبدو لي، والله أعلم.
حكم إسقاط الدين عن مدين معسر واعتباره من الزكاة.
فضيلة الشيخ مصطفى - حفظه الله تعالى - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
هل يجوز تحويل دين مستحق على رجل مُغسر مستحق للزكاة، وهذا الدين استحق نتيجة عمل تجاري بينه وبين دائنه وهل يلزم الدائن إبلاغ مدينه بأنه حول هذا المبلغ إلى حساب الزكاة وأسقط الدين من عليه.
أفتونا جزاكم الله خيراً والسلام وليد الزعيم????/?/?
الجواب:
إذا كان الدائن يستطيع تحصيل الدين من المدين المستحق للزكاة يجوز أن يسامحه به، ويعتبره من الزكاة. وفي هذه الحال لا يجب إخباره بذلك.
وأما إذا كان لا يستطيع تحصيله لأنه مفلس لا شيء لديه يوفي منه، فهذا الدَّينُ يُعتبر مُسْتَهلكاً، فلا يجوز احتسابه من الزكاة، لأنَّ في ذلك تضييعاً لحق الفقراء.
حكم الزكاة بين شريكين في شركة تجارية
الجزء 1 · صفحة 55
سيادة العم الفاضل الأستاذ مصطفى أدامه الله لنا.
شركة تجارية مؤلفة من شخصين: الأول دفع زيادة في رأسمال الشركة، والثاني دفع قسم بسيط من رأسمال الشركة، والأرباح تقسم مناصفة بين الأول والثاني لأنَّ الثاني مسؤول عن العمل ويبذل جهداً أكبر في إدارة العمل ومسؤوليته الآن في الزكاة:
هل يدفع كلُّ شخص على حسب رأسماله في الشركة؟؟
أم يجب دفع الزكاة الكاملة عن الرأسمال وتحميل مبلغ الزكاة مناصفة (أي حسب تقسيم الأرباح وليس حسب الرأسمال) بين الأول والثاني.
منار الجلاد
دمشق ?/?/ ????
الجواب:
ابن الأخ العزيز السيد منار الجلاد، حفظه المولى.
السلام عليكم ورحمته تعالى.
تلقيت سؤالكم وإليكم الجواب:
? - إن الزكاة لا تكون على الشركاء بنسبة حصصهم من الأرباح، بل تكون بحسب ما يملكه كلُّ واحد منهم في الشركة من رأس مال وربح فمثلا إذا كان مجموع رأس المال مئة: من الأول (??) ومن الثاني ((20)) والربح مناصفة بينهما، فبلغت موجودات الشركة في نهاية العام، بعد كل مصروف سحباه منها (???)، أي أن الربح الباقي في نهاية العام بعد كل مصروف قد بلغ عشرين، فإنَّ الزكاة تكون كما يلي:
على الأول أن يزكي عن (80+10) =90
على الثاني أن يزكي عن (20+10) =30
أي بحسب ما يملكه كلُّ منهما في نهاية الحول أصلاً وربحاً.
? - وليس أحد من الشريكين مسؤولاً عن الآخر إذا لم يخرج زكاته، بل كل منهما مسؤول عن
الجزء 1 · صفحة 56
نفسه، وإثمه في عنقه.
(3) - أظن بهذا المثال قد أصبح الحكم واضحاً.
ويتبين لك منه أن تسجيل الزكاة على كل من الشريكين مناصفة بصورة متساوية خطأ بسبب تفاوت رأس مال كل منهما.
والسلام عليكم.
الرياض (7) من شوال/ (1418) هـ
(4) / (2) / (1998)
حكم العمل أو المشاركة مع تاجر لا يخرج الزكاة
فضيلة الشيخ مصطفى - حفظه الله - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
? - ما حكم عمل الموظف عند تاجر لا يخرج زكاة لماله
(2) ـ ما حكم مشاركة من لا يخرج الزكاة.
أفتونا جزاكم الله خيراً
أخوكم وليد الزعيم. (1997) / (12) / (30)
الجواب:
(1) - لا مانع من التوظف عند تاجر لا يخرج الزكاة فإن الموظف غير مسؤول عن التاجر.
(2) - لا أرى مانعاً من صحة مشاركة من لا يخرج الزكاة فهو المسؤول وحده إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، لكن الأولى عدم مشاركته، والله أعلم.
الرياض
الخميس (3) رمضان (1418) هـ
الجزء 1 · صفحة 57
حكم زكاة الحلي
فضيلة الشيخ مصطفى - حفظه الله تعالى -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
? - هل نخرج زكاة الحلي إذا زادت على (5) ??غ ذهب للزوجة و ??? غ للأولاد؟ أو ما هو النصاب الذي يلزم إخراج الزكاة عليه؟
(2) - بالنسبة للحلي التي يدخلها أحجار كريمة مثل الماس و الياقوت هل توزن مع الذهب أم تقدر قيمتها مثلاً خاتم الماس قيمته خمسة آلاف ريال ولكن وزنه لا يزيد عن (10) غ ذهب.
3 - الأولاد الصغار - أطفال غير بالغين - لهم حلي ... هل نخرج زكاة عنها. .؟
أفتونا جزاكم الله خيراً أخوكم وليد الزعيم
(1) / (6) / (1998)
الجواب:
? - زكاة الحلي مختلفٌ فيها فمذهب الحنفية أنه تجب على الذهب والفضة اللذين تحت الاستعمال، ومذهب الشافعية عدم الوجوب بشرط أن يكون مقدارها ما يستعمله أمثال أصحابها حتى لا تصير وسيلة للتهرب من الزكاة بطرق الحلي الادخارية فمازاد عن هذا المقدار يزكي. النصاب هو عشرون مثقالاً من الذهب أو مائتا درهم من الفضة والمثقال يعادل خمسة غرامات تقريباً والدرهم ثلاثة غرامات تقريباً.
(2) - الأحجار الكريمة تقدر على حدة.
(3) - حلي الأولاد الصغار كحلي الزوجة يجري فيها الخلاف المذكور. والله أعلم.
حكم إخراج زكاة الفطر بالنقود وإرسالها إلى بلد آخر
ما حكم زكاة الفطر إذا أرسلناها إلى بلادنا لشدة الحاجة الناس إليها هناك؟ ونحن إذا أخرجناها حبوباً كما هو سائد، نرى البائع الذي يبيع الحبوب وبجواره النساء اللاتي يأخذن الزكاة فنشتري منه
الجزء 1 · صفحة 58
ونعطي النشوة فيضمن بيعها مرة أخرى للبائع بنصف الثمن ألا يكون أولى أن ندفعها نحن نقوداً طبقاً لمصلحة الفقير؟ أفيدونا أفادكم الله.
الشيخ عبد الرحمن التركي إمام مسجد الإدارة العامة لشركة الراجحي
الجواب:
ليس في نصوص الشريعة دليل على أن زكاة الفطر لا يصح إخراجها إلا عيناً من القمح أو أخواته الأخرى، وذهب الحنفية أن الأفضل إخراج النقود لأن الفقير أدرى بحاجته، وأن الأموال الأخرى من قمح وشعير وتمر وزبيب إنما ذكرت في الحديث للتيسير على المكلف الذي قد لا يملك نقوداً، وليست للتعيين والتخصيص، وقد تكون حاجة الفقير وحاجة عياله إلى النقود وهي التي تحل مشكلته، وهذا أيضاً قول في مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه.
وإن تحتيم الإخراج من هذه الأموال العينية عيناً قد أدى إلى النتيجة المضحكة المذكورة في السؤال، وإلى عكس المقصود الشرعي، حيث يبيع الفقير ما أخذه من هذه الأموال العينية بثمن بخس من النقود لحاجته إلى النقود، وليس إلى القمح والشعير ونحوهما.
فالمقصود الشرعي من زكاة الفطر إنما هو سد حاجة الفقير في ذلك اليوم وهو أدرى بها، وإن المكلف يكفي أن يوافق عمله أحد المذاهب المعتبرة.
وأما إرسال زكاة الفطر إلى بلد آخر، فلا ينبغي إلا إذا كان البلد المرسل إليه أشد حاجة إليها من بلده الذي هو فيه؛ فلذلك لا بأس في إخراج زكاة الفطر بما يعادل قيمة أحد هذه الأموال العينية من النقود، والله سبحانه أعلم.
الرياض في (24) من رمضان (1415) هـ
وكتبه: مصطفى أحمد الزرقا
حول جواز إخراج صدقة الفطر بقيمتها من النقود
السؤال يتردد على ألسنة بعض العلماء عدم جواز إخراج صدقة الفطر: بقيمتها من النقود ويتساءل بعض الناس عن حكم إخراجها بالنقود في كل عام من شهر رمضان فأجاب فضيلة الشيخ الزرقا بما يأتي:
الجزء 1 · صفحة 59
الجواب:
ثبت عن النبي أنه أخرج وأمر بأن يخرج من كان مقتدراً زكاة عن فطره صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان - بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العيد - مقدارها عن نفسه وعن كل فرد تحت ولايته ومؤونته صاع من البر (القمح)، أو نصف صاع منه، بحسب اختلاف الرواية، أو صاع من الشعير أو من التمر أو الزبيب أو الأقط وذلك معونة للفقراء بمناسبة عيد الفطر عقب شهر الصيام.
وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أغنوهم في هذا اليوم. ولم ينقل في ذلك خلاف يعرف في الصدر الأول من الإسلام بين الصحابة والتابعين فكان الناس يخرجون زكاة فطرهم مما يتيسر لهم من هذه الأموال الغذائية الخمسة سوى ما نقل من اختلافهم بالنسبة إلى البر (القمح) بسبب اختلاف الرواية فيه: هل يخرج منه نصف صاع أو صاعاً كاملاً كالشعير؟
وواضح جداً من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أغنوهم في هذا اليوم» أن المقصود الأساسي من هذه العبادة المالية هو إغناء الفقير في هذا اليوم، يوم الفرحة والسرور، وليس المقصود نوعاً أو أنواعاً معيَّنة بذاتها من الأموال، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام جمع بين خمسة أنواع من الأطعمة الميسورة للناس في ذلك الوقت مختلفة الوظائف: فمنها غذاء أساسي لسد الجوع، ومنها ما هو للتحلية والتسلية في يوم الفرحة كالزبيب.
ثم ما إن نشأت المذاهب الفقهية، وتكونت حولها الأتباع، حتى بدأ الترف العلمي يذر، قرنه ويمسك بنقاط فرعية في الموضوع يقف عندها، ويتشدّد فيها ويربط بها أصل العبادة بتأويل يتمسك به، ولا يرى وجهاً لخلافه، وينسى حكمة الشارع من الأحكام وينسى التمييز بين الوسائل والغايات، بل يعطي الوسائل غير المقصودة بالذات أكثر مما يعطي الغايات الشرعية الثابتة من الأهمية!!.
فوجد من قال من أهل المذاهب لا يجوز أن يخرج زكاة الفطر إلا من: هذه الأرزاق الخمسة عيناً، ولا يصح منه إعطاء الفقراء قيمتها من الدراهم والدنانير.
وحجتهم في ذلك أن هذا هو الذي ورد في السنة النبوية، وأن زكاة الفطر من العبادات وأن الأصل في العبادات التوقيف وعدم التعليل، فيجب الوقوف عند حدود النص، ولا يجري فيها القياس والاستحسان والاستصلاح وقد كانت الدراهم والدنانير موجودة وقت التشريع ولم يذكرهما النبي، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه أخرجها بالدراهم أو الدنانير، ولو أنه حصل لنقل؛ لذلك لا تصح زكاة
الجزء 1 · صفحة 60
الفطر في نظرهم إلا من هذه الأعيان.
والجواب عن هذه الحجة واضح للمتأمل: هو أن زكاة الفطر من أصلها هي معقولة المعنى، مثل زكاة الأموال التي هي مؤونة وتكليف مالي اجتماعي لمصلحة الفقراء؛ الذين يجب أن ينهض بهم الأغنياء، فلا يكون المجتمع الإسلامي قسمين لا وسط بينهما: قسم الأغنياء المتخومين، وقسم الفقراء المحرومين.
فتشريع زكاة الفطر وزكاة الأموال معقول المعنى، ويجب عند الاشتباه النظر إلى ما هو أنفع للفقير، أو أيسر على المكلف، وليس مثل عدد ركعات الصلوات توقيفياً محضاً لا دخل للعقل فيه، بل الفارق بينه وبين عدد الركعات فارق عظيم.
ألا ترى أن تحديد المقادير في زكاة الفطر بإجماع المذاهب إنما هو تحديد للحد الأدنى الذي لا يصح أقل منه، ولو زاد المكلف فيه فأعطى أكثر منه فله فضل ثواب بينما لو زاد المصلي في ركعات فريضة الصلاة لا يجوز له ذلك ولا يقبل منه؟!
على أنَّ زكاة الفطر قد جاء في الحديث النبوي نفسه تعليلها معها، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكمتها وغايتها وسبب إيجابها حين قال: «أغنوهم في هذا اليوم وأصل الإغناء يكون بالنقود التي تصلح لجلب جميع الحاجات من أغذية وغيرها.
وأما أن النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يذكر الدنانير والدراهم في زكاة الفطر، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه أخرج بها، فذلك سببه أنها كانت قليلة في ذلك الوقت لا يتوافر منها إلا القليل لدى القليل من الناس، ومعظم أموالهم التي كانوا يتداولونها ويتبادلون بها كأنها نقود، قد كانت هذه الأنواع الغذائية التي وردت في حديث زكاة الفطر، وأنواع الأنعام لدى أهل البوادي من الإبل والغنم والبقر.
والله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا بشيء من أنواع الأموال أو الأغذية على سبيل التعيين والتخصيص تحت طائلة البطلان لو قدمنا في الواجبات المالية غيرها، وإنما تعبدنا بالمالية المطلقة، وبمقادير محددة منها، لأنها ذات هي الاعتبار الثابت لدى جميع البشر، وفي جميع الأزمنة. فربح التاجر وخسارته مثلاً لا يرتبطان بنوع معين من أمواله إذا زاد أو نقص، وإنما يرتبطان بمجموع ما عنده من أنواع المال ذات القيمة أياً كانت.
إنَّ زكاة الأموال وهي أعظم عبادة مالية في تكاليف الإسلام، مع أن الله تعالى قال فيها: {خُذْ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 61
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكيهم بها ... } [التوبة: (103)] مما يشعر ظاهره أنها يجب أن تؤخذ من عين المال المراد تزكيته، يصح بالإجماع أن يخرج الإنسان ما يعادل قيمتها من النقود، بل من مال آخر لديه، لأن مقصود الزكاة أن يتخلَّى المكلف عن قدر من ثروته محدد إلى الفقراء كيلا يبقى المجتمع الإسلامي - كما سبق بيانه - متكوناً من متخومين و محرومين. وأفضل ما يتخلى عنه المكلف من ثروته لمصلحة الفقراء هو النقود التي يستطيع بها الفقير وفاء جميع حاجاته، وتحصيلها بكل يسر، بينما لو اجتمع لديه مجموعة من الأرزاق بأعيانها لا يستطيع أن يستفيد منها ما يستفيد من النقود على أن المزكي لو أراد أن يخرج زكاته من أعيان المال الذي عنده لكان مقبولاً منه؛ لأنه قد يكون هو الأيسر عليه، وأن سياسة الإسلام التيسير على المكلف.
يقول الأستاذ الكبير العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم: كيف نتعامل مع السنة النبوية» ما نصه:
السنة بين اللفظ والروح أو بين الظواهر والمقاصد:
إنَّ التمسك بحرفية السنة أحياناً لا يكون تنفيذاً لروح السنة ومقصودها، بل يكون مضاداً لها، وإن كان ظاهره التمسك بها.
خذ مثلاً تشدد الذين يرفضون كل الرفض، ولا يجيزون إخراج زكاة الفطر بقيمتها نقداً، كما يجيزه أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن عبد العزيز وغيره من فقهاء السلف.
وحجة هؤلاء المتشددين: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها في أصناف معينة من الطعام التمر والزبيب والقمح والشعير، فعلينا أن نقف عند ما حدده رسول الله ولا نعارض السنة بالرأي.
ولو تأمل هؤلاء الإخوة في الأمر كما ينبغي؛ لوجدوا أنهم خالفوا النبي في الحقيقة، وإن اتَّبعوه في الظاهر، أقصد أنهم عنوا بجسم السنة، وأهملوا روحها.
فالرسول صلى الله عليه وسلم راعي ظروف البيئة والزمن، فأوجب زكاة الفطر مما في أيدي الناس من الأطعمة، وكان ذلك أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ. فقد كانت النقود عزيزة عند العرب وخصوصاً أهل البوادي، وكان إخراج الطعام ميسوراً لهم والمساكين محتاجون إليه؛ لهذا فرض الصدقة من الميسور لهم. حتى إنه رخص في إخراج (الأقط) - وهو اللبن المجفف المنزوع زبده - لمن كان عنده وسهل عليه مثل أصحاب الإبل والغنم والبقر من أهل البادية.
الجزء 1 · صفحة 62
فإذا تغيَّر الحال وأصبحت النقود متوافرة، والأطعمة غير متوافرة، أو أصبح الفقير غير محتاج إليها في العيد، بل محتاجاً إلى أشياء أخرى لنفسه أو لعياله، كان إخراج القيمة نقداً هو الأيسر على المعطي، والأنفع للآخذ، وكان هذا عملاً بروح التوجيه النبوي، ومقصوده» ا. هـ.
لقد آل تشدد هؤلاء المتشددين تشدداً في غير محله، حيث يطبق رأيهم، إلى أن تنعكس الآية بالنسبة إلى الفقراء فيقعوا هم في الخسارة، وينالهم الضرر من جراء هذا التشدد!! فقد سمعت ثم رأيت بنفسي أن الرجل يأتي عندهم إلى السوق في آخر رمضان فيشتري القمح والشعير والتمر بمقدار ما عليه من زكاة الفطر، ويأخذه إلى الفقراء القاعدين في زاوية من السوق فيعطيهم إياه، وقد يكونون
محترفين، وما إن يذهب حتى يقوم هؤلاء إلى البائع نفسه فيبيعونه ما أخذوا بثمن أدنى مما باع به الرجل الذي اشتراه من عنده؛ لأنَّ الفقير الذي أخذ هذه الأرزاق ليس محتاجاً إليها، بل هو محتاج إلى النقود، فتعود النتيجة عليه بالخسارة، ولو دفع المزكي قيمتها مباشرة إليه لحصل على نقود أكثر.
إن من يدفع قيمة صدقة الفطر من النقود للفقير يكون قد أعطاه عملياً أياً من الأطعمة الواردة في الحديث، مع زيادة، زيادة، وهي فرصة اختيار ما يشاء من تلك الأطعمة، أو اختيار سواها من حاجاته التي هي في نظره أهم. وبذلك يكون معطي القيمة من النقود قد أدى الواجب، وأحسن بالزيادة، فكيف يقال: إن هذا غير جائز؟!
هذا، وقد نقل العلامة المرداوي من الحنابلة في كتابه «الإنصاف» أنَّ جواز إخراج القيمة من النقود هو رواية مخرَّجة عن الإمام أحمد نفسه. تناقض هؤلاء المتشددين:
في هذا العصر وجد هؤلاء المتشدّدون أنفسهم أمام مشكلة بالنسبة إلى القمح والشعير؛ اللذين هما العنصر الغذائي الرئيسي بين الأنواع الخمسة الواردة في الحديث النبوي.
ذلك أنه في هذا العصر قد تبدلت وسائل حياة الناس تبدلاً عظيماً؛ بسبب الابتكارات المذهلة التي ظهرت خلال هذا القرن ويسرت العسير، وأحدثت الكثير مما لم يكن ممكناً في أوائل هذا القرن.
فاليوم في المدن لم يعد أحد يتموّن القمح أو الشعير، ويطحن في بيته ويخبز، بل كل أسرة تشتري خبزها وبرغلها جاهزاً من السوق، وتختار من أنواعه المتعددة ما تشاء. وهكذا غابت الرحى السوداء المتنقلة من البيوت بعد أن ظلت الرحى القرون الطوال من أساسيات كل بيت، ولم يبق لها وجود إلا في
الجزء 1 · صفحة 63
حياة البوادي والقبائل الرحل، فماذا يفعل اليوم الفقير بصاع القمح أو الشعير، وكيف يطحنه ويخبزه؟ هنا تنبه المتشددون في زكاة الفطر، فأفتوا بإضافة الرز إلى الأصناف الخمسة التي وردت في الحديث النبوي، وهنا سقطوا في التناقض!! فإنَّ حجتهم الوحيدة في الاقتصار على الأصناف الخمسة، كما سبق بيانه إنما هي أن زكاة الفطر عبادة وأن العبادات مبنية على التوقف، ولا يجري فيها التعليل والقياس، فكيف ساغ لهم أن يفتوا في هذا العصر بإدخال الرز، مع أنه لم يرد بين الأصناف الواردة في الحديث؟
إن أي حجة أو مسوّغ يلتمسونه لإدخال الرز، هي نفسها حجة لإدخال النقود التي تجلب للفقير الأنواع الخمسة ذاتها والرز وغيره أيضاً؛ مما يكون في بعض البلاد هو النوع الأساسي في غذائهم، ففي بعض بلاد أفريقية اليوم يعتبر الموز هو خبزهم ورزهم ويجففونه ويتمونونه، كما يتمون غيرهم القمح والشعير.
أسأل الله تعالى الهداية إلى سواء السبيل، وأن يبصرنا في شريعتنا بالبصيرة المنيرة التي تجنبنا التضييق والتساهل، فإن التضييق تشويه، والتساهل تضييع، وأن يرزقنا التقوى، فإنها الحفاظ لميزان الاعتدال، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمد عبد الله ورسوله إلى العالمين، وعلى آلهة وصحبه ومن تبع سنتهم الصحيحة واهتدى بهداهم.
الصيام
حكم إثبات الهلال بالحساب الفلكي في هذا العصر
هل يجب الصوم إذا رؤي الهلال في المشرق ولم ير في المغرب؟
وقت الإمساك في رمضان وحكم الإبر الدوائية
حكم إثبات الهلال بالحساب الفلكي في هذا العصر
هل يجوز في هذا العصر اعتماد الحساب الفلكي في حلول الشهر القمري؛ الذي ربط بثبوته تكاليف شرعية كبدء الصيام والفطر وغيرهما من الأحكام أو لا يجوز؟ وذلك في ضوء قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأتموا العدة ثلاثين والأحاديث الأخرى الواردة في هذا
الجزء 1 · صفحة 64
الشأن؟
الجواب:
أستهل جوابي الآن بأني لا أجد في اختلاف علماء الشريعة العصريين ما يدعو إلى الاستغراب أغرب من اختلافهم الشديد فيما لا يجوز فيه الاختلاف حول اعتماد الحساب الفلكي في عصرنا هذا؛ لتحديد حلول الشهر القمري لترتيب أحكامه الشرعية.
وأسترعي الانتباه إلى قولي في عصرنا هذا.
نعم أؤكد على قصدي عصرنا هذا بالذات ذلك لأنني لا أستغرب هذا الموقف السلبي لعلماء سلفنا من عدم تعويلهم على الحساب الفلكي في الموضوع، بل إني لو كنت في عصرهم لقلت بقولهم، ولكني أستغرب كل الاستغراب موقف السلبيين من رجال الشريعة في هذا العصر؛ الذي ارتاد علماؤه آفاق الفضاء الكوني، وأصبح أصغر إنجازاتهم النزول على القمر، ثم وضع أقمار صناعية في مدارات فلكية محدّدة حول الأرض، لأغراض شتى علمية وعسكرية وتجسسية ثم القيام برحلات فضائية متنوعة الأهداف، والخروج من مراكبها للسياحة في الفضاء خارج الغلاف الجوي الذي يغلف الأرض، وخارج نطاق الجاذبية الأرضية ثم سحب بعض الأقمار الصناعية الدوارة لإصلاح ما يطرأ عليها من اختلال وهي في الفضاء!!
إني على يقين أن علماء سلفنا الأولين الذين لم يقبلوا اعتماد الحساب الفلكي للأسباب التي سأذكرها قريباً نقلاً عنهم لو أنهم وجدوا اليوم في عصرنا هذا وشاهدوا ما وصل إليه علم الفلك من تطور وضبط مذهل، لغيَّروا رأيهم، فإن الله قد آتاهم من سَعَة الأفق الفكري في فهم مقاصد الشريعة ما لم يؤت مثله أتباعهم المتأخرين!!
فإذا كان الرصد الفلكي وحساباته في الزمن الماضي، لم يكن له من الدقة والصدق ما يكفي للثقة به والتعويل عليه، فهل يصح أن ينسحب ذلك الحكم عليه إلى يومنا هذا؟
ولعل قائلاً يقول: إن عدم قبول الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية ليس سببه الشك في صحة الحساب الفلكي ودقته، وإنما سببه أن الشريعة الإسلامية بلسان رسولها، قد ربطت ميلاد الأهلة وحلول الشهور القمرية بالرؤية البصرية، وذلك بقوله في حديثه الثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما: صوموا لرؤيته - أي الهلال - وأفطروا لرؤيته، فإذا غم عليكم فاقدروا له».
الجزء 1 · صفحة 65
وفي رواية ثابتة أيضاً: فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: «فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين وهي تفسير لمعنى التقدير المطلق الوارد في الرواية الأولى.
وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً».
فجميع الروايات الواردة عن النبي الله الله في هذا الشأن قد ربط فيها الصوم والإفطار برؤية الهلال الجديد. وإن القدر أو التقدير عندما تمتنع الرؤية البصرية لعارض يحجبها من غيم أو ضباب أو مانع آخر، معناه: إكمال الشهر القائم - شعبان أو رمضان - ثلاثين يوماً، فلا يحكم بأنه تسع وعشرون إلا بالرؤية. وهذا من شؤون العبادات التي تبنى فيها الأحكام على النص دون نظر إلى العلل، ولا إعمال للأقيسة. هذه حجة من لا يقبلون الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية ولو بلغ الحساب الفلكي من الصحة والدقة مبلغ اليقين بتقدم علمه ووسائله.
ونقول نحن بدورنا: إن كل ذلك مسلّم به لدينا، وهو معروف في قواعد الشريعة وأصول فقهها بشأن العبادات، ولا مجال للجدل فيه، ولكنه مفروض في النصوص التي تلقى إلينا مطلقة غير معللة فإذا ورد النص نفسه معللاً بعلة جاءت معه من مصدره، فإن الأمر حينئذ يختلف، ويكون للعلة تأثيرها في فهم النص وارتباط الحكم بها وجوداً وعدماً في التطبيق، ولو كان الموضوع من صميم العبادات، ولكي تتضح لنا الرؤية الصحيحة في الموضوع نقول:
إن هذا الحديث النبوي الشريف الآنف الذكر ليس هو النص الوحيد في الموضوع، بل هناك روايات أخرى ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم توضح علة أمره باعتماد رؤية الهلال البصرية للعلم بحلول الشهر الجديد؛ الذي نيطت به التكاليف والأحكام، من صيام وغيره. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها في كتاب الصيام (باب: الصوم لرؤية الهلال) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً.
وأخرج أيضاً بعده عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة (أي: طواه والشهر هكذا وهكذا يعني تمام «الثلاثين. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 66
ومفاد هذا الحديث أنه لا لا لا أشار (أولاً) بكلتا يديه وبأصابعه العشر ثلاث مرات، وطوى في الثالثة إبهامه على راحته لتبقى الأصابع فيها تسعاً، لإفادة أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً، ثم كرر الإشارة ذاتها (ثانياً) دون أن يطوي في المرة الثالثة شيئاً من أصابعه العشر؛ ليفيد أن الشهر قد يكون أيضاً ثلاثين يوماً، أي أنه يكون تارة تسعاً وعشرين، وتارة ثلاثين.
هكذا نقل النسائي تفسير هذا الحديث عن شعبة عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر. رواه النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ج (4) ص / (138) و (140)).
وكذلك ليس هذا هو كل شيء من الروايات الواردة في هذا الموضوع، فالرواية التي أكملت الصورة وأوضحت العلة فارتبطت أجزاء ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن بعضها ببعض، هي ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي (واللفظ للبخاري)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين وكلهم أوردوا ذلك في كتاب الصوم. وقد أخرجه أحمد عن ابن عمر.
فهذا الحديث النبوي هو عماد الخيمة، وبيت القصيد في موضوعنا هذا، فقد علل رسول الله الله أمره باعتماد رؤية الهلال رؤية بصرية لبدء الصوم والإفطار بأنه من أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فما من سبيل لديها لمعرفة حلول الشهر ونهايته إلا رؤية الهلال الجديد، ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين وتارة ثلاثين وهذا ما فهمه شراح الحديث من هذا النص.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج (127) / (4)): لا نكتب ولا نحسب بالنون فيهما والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته في تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم؛ لأنَّ الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير. . .
والعيني في عمدة القاري قد علَّل تعليق الشارع الصوم بالرؤية أيضاً بعلة رفع الحرج في معاناة حساب التسيير كما نقلناه عن ابن حجر. ونقل العيني عن ابن بطال في هذا المقام قوله: لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم.
وذكر القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري (ج (3) ص (359)) مثل ما قال ابن بطال.
الجزء 1 · صفحة 67
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي يشرح كلمة (أمية) الواردة في الحديث بقوله: أمية في عدم معرفة الكتابة والحساب، فلذلك ما كلفنا الله تعالى بحساب أهل النجوم، ولا بالشهور الشمسية الخفية، بل كلفنا بالشهور القمرية الجليّة. . . . (سنن النسائي بشرح السيوطي ج (4) / (140)). وواضح من هذا أنَّ الأمر باعتماد رؤية الهلال ليس لأن رؤيته هي في ذاتها عبادة، أو أن فيها معنى التعبد، بل لأنها هي الوسيلة الممكنة الميسورة إذ ذاك، لمعرفة بدء الشهر القمري ونهايته لمن يكونون كذلك، أي: أميين لا علم لهم بالكتابة والحساب الفلكي.
ولازم هذا المفاد من مفهوم النص الشرعي نفسه أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقومه العرب إذ ذاك، لو كانوا من أهل العلم بالكتاب والحساب بحيث يستطيعون يرصدوا الأجرام الفلكية، ويضبطوا بالكتاب والحساب دوراتها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله العليم القدير بصورة لا تختل، ولا تتخلف، ولا تختلف حتى يعرفوا مسبقاً بالحساب متى يهل بالهلال الجديد، فينتهي الشهر السابق ويبدأ اللاحق لأمكنهم اعتماد الحساب الفلكي. وكذا كل من يصل لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يوثق بها ويطمأن إلى صحتها.
هذا حينئذ ـ ولاشك - أوثق وأضبط في إثبات الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومين من الوهم وخداع البصر ولا من الكذب لغرض أو مصلحة شخصية مستورة مهما تحرينا للتحقق من عدالتهما الظاهرة التي توحي بصدقهما، وكذلك هو - أي: طريق الحساب الفلكي - هو أوثق الاعتماد على شاهد واحد عندما يكون الجو غير صاح، والرؤية عسيرة، كما عليه بعض المذاهب المعتبرة في هذه الحال.
وقد وجد من علماء السلف - حين كان الحساب الفلكي في حاله القديمة غير منضبط - من قال: إنَّ العالم بالحساب يعمل به لنفسه، قال بهذا مطرف ابن عبد الله من التابعين ونقله عنه الحطاب من المالكية في كتابه مواهب الجليل (???/?) ونقل العلامة العيني الحنفي في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» عن بعض الحنفية أنه لا بأس بالاعتماد على قول المنجمين (يقصد بهم علماء الحساب الفلكي كما سبق بيانه) وذكر ذلك العلامة ابن عابدين أيضاً في رسائله ((244) / (1)).
وقال القشيري: إذا دلَّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلاً، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وأن حقيقة الرؤية ليست مشروطة في اللزوم، فقد اتفقوا على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإتمام العدة أو بطريق الاجتهاد أن اليوم من
الجزء 1 · صفحة 68
رمضان وجب عليه الصوم. أ. هـ (ينظر: عمدة القاري ج ?? (????.
ونقل القليوبي من الشافعية عن العبادي قوله: «إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته وترد شهادتهم ثم قال القليوبي: هذا ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، وإن مخالفة ذلك معاندة و مكابرة (القليوبي (49) / (2)). (ولينظر في ذلك كله الموسوعة الفقهية الصادرة في الكويت ج ?? - كلمة: رؤية الهلال ص / (34)).
وواضح أيضاً لكل ذي علم وفهم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإتمام الشهر القائم ثلاثين حين يغم علينا الهلال بسبب ما حاجب للرؤية من غيم أو ضباب أو ما، غيرهما، ليس معناه أن الشهر القائم يكون في الواقع ثلاثين يوماً، بل قد يكون الهلال الجديد متولداً وقابلاً للرؤية لو كان الجو صحواً، وحينئذ: يكون اليوم التالي الذي اعتبرناه يوم الثلاثين الأخير من الشهر هو في الواقع أول يوم من الشهر الجديد الذي علينا أن نصومه أو نفطر فيه، ولكن لأننا لا نستطيع معرفة ذلك من طريق الرؤية البصرية التي حجبت، ولا نملك وسيلة سواها، فإننا نكون معذورين شرعاً إذا أتممنا شعبان ثلاثين يوماً وكان هو في الواقع تسعة وعشرين فلم نصم أول يوم من رمضان، إذ {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: (286)] بنص القرآن العظيم.
هذا تحليل الموضوع وفهمه عقلاً وفقها وليس معنى إتمام الثلاثين حين انحجاب الرؤية أننا بهذا الإتمام نصل إلى معرفة واقع الأمر وحقيقته في نهاية الشهر السابق وبداية اللاحق وأن نهاية السابق هي يوم الثلاثين.
وما دام من البديهيات أن رؤية الهلال الجديد ليست في ذاتها عبادة في الإسلام، وإنما هي وسيلة لمعرفة الوقت وكانت الوسيلة الوحيدة الممكنة في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وكانت أميتها هي العلة في الأمر بالاعتماد على العين الباصرة، وذلك بنص الحديث النبوي مصدر الحكم، فما الذي يمنع شرعاً أن نعتمد الحساب الفلكي اليقيني الذي يعرفنا مسبقاً بموعد حلول الشهر الجديد ولا يمكن أن يحجب علمنا حينئذ غيم ولا ضباب إلا
ضباب العقول؟!
سبب رفض العلماء المتقدمين لاعتماد الحساب:
من المسلم به أن الفقهاء وشُرَّاح الحديث يرفضون التعويل على الحساب المعرفة بدايات الشهور
الجزء 1 · صفحة 69
القمرية ونهايتها للصيام والإفطار، ويقررون أن الشرع لم يكلفنا في مواقيت الصوم والعبادة بمعرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربط التكليف في كل ذلك بعلامات واضحة يستوي في معرفتها الكاتبون والحاسبون وغيرهم كما نقلناه سابقاً عن العيني والقسطلاني وابن بطال والسندي وسواهم وإن الحكمة في هذا واضحة لاستمرار إمكان تطبيق الشريعة في كل زمان ومكان.
ولكن يحسن أن ننقل تعليلاتهم لهذا الرفض ليتبين سببه ومبناه، مما يظهر ارتباطه بما كانت عليه الحال في الماضي، ولا ينطبق على ما أصبح عليه أمر علم الفلك وحسابه في عصرنا هذا.
فقد نقل ابن حجر أيضاً عن ابن بزيزة أن اعتبار الحساب هو «مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنه حدس وتخمين، وليس فيه قطع ولا ظن غالب.
ويظهر من كلام ابن حجر وابن بزيزة أن العلة في عدم اعتماد الحساب هي أن هذا العلم في ذاك الزمن مجرد حدس وتخمين لا قطع فيه، وأن نتائجه مختلفة بين أهله فيؤدي ذلك إلى الاختلاف والنزاع بين المكلفين.
ونقل الزرقاني في شرحه على الموطأ (ج (2)) ص / (154)) عن النووي قوله: إن عدم البناء على حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين، وإنما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت أ. هـ. أي: إن مواقيت الصلاة فقط يعتبر فيها الحساب.
وذكر ابن بطال ما يؤيد ذلك، فقال: «وهذا الحديث - أي: حديث لا نكتب لا نحسب - ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعوّل على رؤية الأهلة، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عياناً أو كالعيان، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون وبكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار فقد نهينا عنه وعن تكلفه (ر: العيني ج ???/??).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض احتجاجه لعدم جواز اعتماد الحساب: «إن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حساباً مستقيماً. . ولم يضبطوا سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطّرد، وإنما هو تقريب» (الفتاوى ج (183) / (25)).
وقال في مكان آخر: وهذا من الأسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة (المرجع الأهلة (المرجع نفسه ص???).
وقد أكد هذا المعنى في مواطن عديدة من الفصل الذي عقده في هذا الموضوع.
الجزء 1 · صفحة 70
هذا، ويبدو من كلام شيخ الإسلام رحمه الله أنه يعتبر اعتماد الحساب لمعرفة أوائل الشهور القمرية من قبيل عمل العرَّافين، وعمل المنجمين؛ الذين يربطون الحوادث في الأرض وطوالع الحظوظ بحركات النجوم واقتراناتها. فقد قال في أواخر الفصل الطويل الذي عقده في هذا الموضوع: فالقول بالأحكام النجومية باطل عقلاً ومحرم شرعاً، وذلك أن حركة الفلك - وإن كان لها أثر - ليست مستقلة بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشد من تأثيره وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض. .».
ثم قال: والعراف يعم المنجم وغيره إما لفظاً، وإما معنى. وقال: صلى الله عليه وسلم من اقتبس علما من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر» فقد تبين تحريم الأخذ بأحكام النجوم، وقد بينا من جهة العقل أن ذلك أيضاً متعذر في الغالب، وحذاق المنجمين يوافقون على ذلك، فتبين لهم أن قولهم في رؤية
الهلال وفي الأحكام من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك، ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك. .» (الفتاوى ج (25) / (198) - (201)).
وقد اشتد شيخ الإسلام رحمه الله على من يقول باعتماد الحساب في الأهلة، وشنّع عليه، وقال: فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون اتبع غير سبيل «المؤمنين» (الفتاوى ج (165) / (25) و (174)).
الرأي الذي أراه في هذا الموضوع:
يتضح من مجموع ما تقدم بيانه الأمور الأربعة التالية:
أولاً: أنَّ النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع، وربط بعضها ببعض - وكلها واردة في الصوم والإفطار - يبرز العلة السببية في أمر الرسول الله بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته، ويبين أن العلة أمة هي كونهم أمية لا تكتب لا تحسب أي: ليس لديهم علم وحساب مضبوط يعرفون به متى يبدأ الشهر ومتى ينتهي ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين يوماً، وتارة ثلاثين.
وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم؛ الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف، وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر، وفي أي وقت بعد ولادته تمكن رؤيته بالعين الباصرة السليمة؛ إذا انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب
الجزء 1 · صفحة 71
الرؤية، فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب، والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال، ومن الفوضى التي أصبحت مخجلة، بل مذهلة، حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام، كما يحصل في بعض الأعوام!! ثانياً: أن الفقهاء الأوائل الذين نصُّوا على عدم جواز اعتماد الحساب في تحديد بداية الشهر القمري للصوم والإفطار وسموه حساب التسيير، قالوا: إنه قائم على قانون التعديل، وهو ظني مبني على الحدس والتخمين (كما نقلناه عن العلامة ابن حجر وابن بطال وابن بزيزة والنووي والسندي والعيني والقسطلاني) وكلهم قد بنوا على حالة هذا الحساب الذي كان في زمنهم، حيث لم يكن في وقتهم علم الفلك الذي كان يسمى علم الهيئة، وعلم النجوم، أو علم التسيير أو التنجيم قائماً على رصد دقيق بوسائل محكمة، إذ لم تكن آنذاك المراصد المجهزة بالمكبرات من العدسات الزجاجية العظيمة التي تقرّب الأبعاد الشاسعة إلى درجة يصعب على العقل تصورها، والتي تتبع حركات الكواكب والنجوم، وتسجلها بأجزاء من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية الواحدة، وتقارن بين دورتها بهذه الدقة؛ ولذا كانوا يسمونه علم التسيير الذي يقوم على قانون التعديل، حيث يأخذ المنجم الذي يحسب سير الكواكب عدداً من المواقيت السابقة، ويقوم بتعديلها بأخذ الوسطى منها ويبني عليها حسابه وهذا معنى قانون التعديل كما يشعر به كلامهم نفسه.
من هنا كان حسابهم حدسياً وتخميناً كما وصفه أولئك الفقهاء الذين نفوا جواز الاعتماد عليه وإن كان بعضهم كالإمام النووي صرّح بجواز اعتماد حسابهم لتحديد جهة القبلة ومواقيت الصلاة دون الصوم (مع أن الصلاة في حكم الإسلام أعظم خطورة من الصوم بإجماع الفقهاء، وأشد وجوباً وتأكيداً).
وقد نقلنا آنفاً كلام ابن بطال بأن لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عياناً أو كالعيان. .» وهذا ما يتّسم به ما وصل إليه علم الفلك في عصرنا هذا من الدقة المتناهية الانضباط.
ثالثاً: إن الفقهاء الأوائل واجهوا أيضاً مشكلة خطيرة في عصرهم، وهي الاختلاط والارتباط الوثيق إذ ذاك في الماضي بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم (بمعنى علم الفلك) من جهة أخرى. فيبدو أن كثيراً من أهل حساب النجوم كانوا أيضاً يشتغلون بتلك الأمور الباطلة؛ التي نهت عنها الشريعة أشد النهي فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان:
الأولى: أنه ظني من باب الحدس والتخمين مبني على طريقة التعديل التي بيَّنا معناها، فلا يعقل أن تترك به الرؤية بالعين الباصرة رغم ما قد يعتريها من عوارض واشتباهات.
الجزء 1 · صفحة 72
الثانية: - وهي الأشد خطورة والأدهى - هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين؛ الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم، وترهاتهم، وشعوذاتهم.
وهذه المفسدة الثانية هي التفسير لهذا النكير الشديد؛ الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على من يلجؤون إلى الحساب حساب النجوم في إهلال الأهلة بدلاً من الرؤية واعتباره إياهم من الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين، وذلك بدليل أنه صرح باعتبارهم من قبيل العرافين، والذين يربطون أحداث الأرض وطوالع الناس وحظوظهم بحركات النجوم، وسموا من أجل ذلك بالمنجمين، وذكر شاهداً على ذلك الحديث النبوي الآنف الذكر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس علماً فقد من النجوم اقتبس شعبة من السحر».
فلا يعقل أن ينهى الرسول الله عن علم يبين نظام الكون، وقدرة الله تعالى وحكمته وعمله المحيط في إقامة الكون على نظام دقيق لا يختل، ويدخل في قوله تعالى في قرآنه العظيم) {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: ???] فليس لهذا الحديث النبوي محمل إلا على تلك الشعوذات والأمور الباطلة؛ خلط أولئك المنجمون بينها وبين الحساب الفلكي؛ الذي لم يكن قد نضج وبلغ في ذلك الوقت مرتبة العلم والثقة.
رابعاً: أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة، والكهانة، واستطلاع الحظوظ من حركات النجوم، وأصبح علم الفلك قائماً على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة، والأجهزة العملاقة التي تكتشف حركات الكواكب من مسافات السنين، الضوئية وبالحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد تلك الحركات بجزء من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية، وأقيمت بناء عليه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة وتستقبل مركبات تدور حول الأرض .. الخ .. فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته، وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية والتعديل في الماضي زمن أسلافنا رحمهم الله؟!
هل يجب الصوم إذا رؤي الهلال في المشرق ولم يُر
في المغرب؟
الجزء 1 · صفحة 73
سؤال من السيد صالح العود في فرنسا:
فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد: فلقد أثبتت المراصد الغربية عندنا أن ولادة الهلال القمري ستكون إن شاء الله يوم الأحد فبراير ?? شباط الشهر الثاني الميلادي (1993) م) على الساعة الثانية وخمس دقائق بتوقيت العاصمة الفرنسية (باريس).
هذا من حيث الولادة، أما الرؤية فمستبعدة إلا بعد أكثر من ثماني عشرة ساعة تقريباً في حالة الصحو الجوي. والمعنى: أن الرؤية غير ممكنة إطلاقاً لإثبات بدء صوم رمضان هذا العام ((1413) هـ) سواء يوم ?? أو ?? فبراير.
فما الحكم لو أن دولة إسلامية ما أعلنت الصيام في أحد هذين اليومين (??) أو (??) وقد تكون الرؤية غير ثابتة، أو حسب تقويمها، إنما فعلت لمجرد كسب قصب السبق بأنها أول دولة إسلامية أعلنت صيام رمضان، هل تصوم الجاليات المسلمة في بلاد الغرب أم لا؟ علماً أن قول «جمهور الفقهاء إذا رئي الهلال في بلد يجب الصوم على كافة البلدان.
أجيبونا بإيضاح على عجل، جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم، والسلام عليكم.
إلى الأخ الكريم السيد صالح علي العود المحترم:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
تلقيت رسالتكم المرسلة بالفاكس ( fax) والمؤرخة في (18) رجب/ (1413) هـ بشأن موعد ميلاد هلال رمضان المقبل في الحساب الفلكي، وعدم إمكان رؤيته لديكم في مساء يوم الأحد (21) من شهر شباط القادم (فبراير)، وتسألون عما تفعلون لو أن دولة إسلامية ثبتت لديها رؤية الهلال، وأعلنت أن أول رمضان يوم الإثنين (22) من شباط؟
فأفيدكم أن معظم الاجتهادات والمذاهب الفقهية تقرر أنه: إذا رؤي الهلال في المشرق فإنه يُلزم أهلَ المغرب والعكس بالعكس، توحيداً ليوم الصيام، وتسهيلاً على المكلفين، ولأن اختلاف المطالع -
الجزء 1 · صفحة 74
بالنسبة للهلال - يسير، وليس كبيراً، فلا عبرة له.
وعليه فمتى ثبتت الرؤية في دولةٍ ما فعلى القاطنين في فرنسا أو سواها أن يصوموا في اليوم التالي.
وقد بلغني أن المسلمين في الغرب وبخاصة في أمريكا وهم في بلد واحد (كهيوستن أو نيويورك) يبدؤون الصوم في أيام مختلفة، فمنهم من يمشي على الحساب الفلكي ومنهم من يمشي على إثبات السعودية، ومنهم من يتم عدة شعبان ثلاثين!! وهذا أمر منكر في منتهى الإنكار في البلد الواحد.
وإني أرى أن تترقبوا وتتابعوا أخبار الإثبات في المملكة العربية السعودية فإن كثيراً من البلاد العربية والإسلامية تترقب إثباتها، وتمشي عليه، وما أسهل هذه المراقبة للأخبار والاتصالات بالوسائل الحديثة اليوم. والعالم الإسلامي كله يتابع إثبات المملكة العربية السعودية في الحج اضطراراً، فلماذا لا يتابعها في الصيام؟.
وكل عام وأنتم بخير تقبل الله منا ومنكم والسلام عليكم ورحمة الله.
الرياض (8) شعبان (1413)
مصطفى أحمد الزرقا
وقت الإمساك في رمضان، وحكم الإبر الدوائية
الأستاذ الكريم الشيخ مصطفى الزرقا حفظه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبعد:
لقد نقل عنكم ما يلي:
(1) - تقول: إنّ الإمساك عن الأكل والشرب وجميع المفطرات عندما يضرب مدفع الإمساك، حتى إن الناقل ذكر أنكم قلتم: وإذا كان في فمه شيء، فأكد النفي، وأنكم قلتم: عند مدفع الإمساك.
(2) - تقولون: إنَّ الإبر التي تستعمل للمرضى تفطر وتفسد الصوم. فأرجو بيان رأيكم، وهل صح ما نُقل عنكم؟
أخوكم: يوسف عبد الرحمن البرقاوي
الجزء 1 · صفحة 75
مراقب التوجيه الإسلامي في لواء الزرقاء
إلى الأخ الكريم الأستاذ يوسف عبد الرحمن صالح البرقاوي المحترم مراقب التوجيه الإسلامي في لواء الزرقاء حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد تلقيت رسالتك الكريمة المؤرخة في ?? رمضان ???? هـ الموافق (11) / (4) / (1972) م فكان ما فيها من آراء سمعتها عني محل استغراب كبير لدي، وإليك جوابي:
(1) - أنا لم أقل إنَّ الإمساك عن الطعام والشراب في ليل رمضان واجب عندما يضرب مدفع الإمساك، بل قلت العكس تماماً. وقد بح صوتي في الإذاعة في برنامج (أنت تسأل والمفتي يجيب في الساعة (3) , (30) قبل الغروب
في أيام رمضان وأنا أقول وأكرر: إن أذان الإمساك ومدفعه ليس أذاناً أذان توقيتياً، بل هو تنبيهي لقرب الفجر، فليس على الإنسان فيه أن يمتنع عن المفطرات، وإنما العبرة بطلوع الفجر، حتى إنني أعلنت للناس أكثر من ذلك: أنه عندما يسمع الإنسان أذان الفجر وفي فمه لقمة لا بأس أن يبتلعها لأنَّ هذه المواقيت الشرعية لم يقررها الشرع على أساس الدقائق والثواني الفلكية، بل على ظهور ملامح الفجر، وضوئه، كما تدل عليه آثار كثيرة في. السنة القولية والفعلية.
? - بع صوتي أيضاً وأنا أقول في الإذاعة للمستمعين: إنَّ الإبرة الدوائية لا تفطر قياساً على رأي أكثر المذاهب: إنَّ المفطر هو ما يدخل إلى الجوف من منفذ طبيعي خلقي، وهو الفم والأنف والشرج. وكذلك القطرة في العين لا تفطر ولو أحس الإنسان بطعمها في حلقه كما صرح به الفقهاء، وعممت ذلك على جميع أنواع الإبر سواء أكانت تحت الجلد أو في العضل أو في الوريد، فكيف يفهم ذلك السامع الذي نقل إليك العكس؟ وأحاديثي المذكورة في أيام رمضان كلها مسجلة في الإذاعة، فلو تسنّى لك المجيء إلى عمان، واتصلت بي: لأخذتك إلى الإذاعة وأسمعتكها من الشريط المسجل.
الجزء 1 · صفحة 76
الحج
ميقات الإحرام للقادم بالطائرة
القيام بالحج عن الغير ممن يجهل أحكام الحج معلومات عما يجب عند دخول الحرم المكي أوقات رمي الجمرات في الحج.
حكم الترتيب في الرمي والذبح والحلق، وعلى أي شيء منها يتوقف التحلل الأصغر، وحكم إنابة البنك الإسلامي في ذبح الهدي
ميقات الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة
من أين يحرم القادم بطريق الجو لحج أو العمرة بالطائرة؛ التي أصبحت اليوم في عصر السرعة هي الوسيلة الأساسية للحج والعمرة ولمختلف الأسفار.
منذ أكثر من أربعين عاماً، والناس تتساءل وتسأل أهل العلم من فقهاء الشريعة عن مكان الإحرام؛ الذي لا يجوز لقاصد البيت العتيق أن يتجاوزه إلا محرماً ملبياً هاجراً ملذاته ورفاهيته التي كان يعيشها، ومتجرداً من ملابسه المخيطة، ومكتفياً من متعة هذه الحياة الدنيا وزينتها بالإزار والرداء، ذلك الرمز العظيم الذي يذكره بصورة فعلية (لا) قولية فقط) بذلك اليوم الرهيب الذي سيقبل فيه على ربه بعد أن ينتزعه الموت المحتم من قلب كل متعة أو زينة أو لذة أو نعمة أو سلطة أو وجاهة أو أموال كان يتمتع وينعم بها في دنياه.
هذا الإحرام الجليل المعنى؛ الذي أوجبه الإسلام على قاصد الحج أو العمرة، أي مكان هو ميقاته لمن يأتي جواً بالطائرة؟ تلك الوسيلة الحديثة التي لم تكن معروفة، ولا تخطر في البال حين حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدود المواقيت المكانية للقادمين إلى الحج أو العمرة من مختلف البقاع والجهات
الأرضية، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها إلا محرماً تعظيماً لشأن البيت العتيق قبل الوصول إليه.
فأقول مستعيناً بالله، راجياً أن يهديني إلى الصواب الحق من أقرب مَحَجّة، وأوضح حجة، إنه هو ولي التوفيق.
مما لا خلاف فيه بين أئمة السلف من محدّثين وفقهاء: أن المواقيت المكانية للإحرام قد حددها رسول الله الله للقادمين من جهات أربع كما يلي:
الجزء 1 · صفحة 77
? - ذو الحليفة لأهل المدينة من أراد منهم الحج أو العمرة. وهذه أبعد المواقيت مسافة عن مكة وتسمى اليوم (آبار علي).
2 - الجُحفة لأهل الشام.
(3) - قَرْن المنازل لأهل نجد القادمين من الشرق.
(4) - يَلَمْلَم لأهل اليمن القادمين من الجنوب.
وقد أعلن رسول الله حين حددها أن هذه الحدود هي مواقيت لأهل تلك الجهات، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك أي: من كان مقامه في موضع يقع بين أحد هذه المواقيت وبين مكة فإنه يحرم من مقامه ذاك، حتى إن أهل مكة يهلون من مكة (أخرجه البخاري في باب مهلّ أهل مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود، والنسائي، في ميقات أهل اليمن، كما نقله غيرهم من أئمة الحديث).
وواضح أن حديث المواقيت هذا لا يشمل بالنص إلا أهل تلك المواقيت، ومن مرَّ بها فقط، فليس فيه شيء عمن لا يمر فعلاً بأحدها، ولكنه حاذى من قريب بعض تلك المواقيت فإلحاق المحاذاة بالمرور إنما تقرر بالاجتهاد، فقد روى أئمة الحديث أن عمر رضي الله عنه هو الذي حدد ذاتَ عِرْق ميقاتاً لأهل، العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، اجتهاداً منه، وذلك بعد فتح العراق.
فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فتح هذان المصران - الكوفة والبصرة - أتوا عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين!
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرناً، وإنه جَوْر عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شقّ علينا! قال: فانظروا حذوها من طريقكم. قال: فحدّ لهم ذات عرق.
وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في «الأم» عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه، قال: لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل مشرق فوقت الناس ذات عرق». وروى الشافعي مثل ذلك عن أبي الشعثاء (ر: الأم ?/ ???).
وهناك من الأئمة من يرى أن تحديد ذات عرق مهلاً لأهل المشرق وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس اجتهاداً من عمر رضي الله عنه، ويوردون أحاديث في ذلك. ولكن جمهور أهل
الجزء 1 · صفحة 78
الحديث يقررون أنَّ الأحاديث التي ورد فيها النص على أن ذات عرق ميقاتاً لإحرام أهل المشرق كلها ضعيفة لا تنهض حجة، فالصحيح عندهم أن هذا التحديد لأهل العراق والمشرق إنما هو اجتهاد من، عمر أخذاً بالمحاذاة السَّمتية لأقرب ميقات إلى جهتهم. (ر: المجموع ????، ونيل الأوطار (332) / (4)).
مما تقدَّم يتضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدد مواقيت مكانية إلا للقادمين براً من أطراف شبه الجزيرة العربية الثلاثة وهي الشمال والشرق، والجنوب؛ لأنَّ هذه الجهات الثلاث هي التي يمكن إذ ذاك أن يأتي منها المسلمون حجاجاً أو معتمرين وقد حدَّد للقادمين من الشمال ميقاتين: واحداً لأهل المدينة (ذو الحليفة)، وآخر لأهل الشام (الجحفة)، لأن الشام كان فيه لأهل الحجاز رحلة الصيف التجارية، فقد يعودون من الشام قاصدين حجاً أو عمرة، فهؤلاء عندئذ إما أن يأتوا من طريق يثرب، فيتبعون ميقات أهلها، وإما أن يأتوا من طريق أخرى لا تمر بيثرب، فجعل الجحفة عندئذ ميقاتاً لهم، وهي قريب من مكة.
أما جهة الغرب فلم يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم لها ميقاتاً مكانياً؛ لأنَّ الجهة الغربية بحر، وفي الغرب منه أفريقية التي لم يصل إليها الإسلام إذ ذاك، ولا يعلم ما سيكون من أمرها إلا الله. وقد حدَّد الفقهاء فيما بعد لأهل مصر
والمغرب إذا جاؤوا بطريق البر ميقات أهل الشام وهو الجحفة، لأنه طريقهم الطبيعي إذ ذاك قبل شق قناة السويس في عصرنا هذا.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم - كما هو معروف - لا يرغب أن يقرر أحكاماً مسبقة، لأمور غير واقعية، حتى إنه لم يكن يرغب أن يُسأل عما سكت عنه، بل كان يترك ذلك للاجتهاد في ضوء سنته الشريفة، ومقاصد الشريعة المستفادة من كتاب الله تعالى الحكيم، وخاصة منها دفع الحرج، كما نوه به القرآن العظيم.
ومعروفة قصة الصحابي الذي سأل عن الحج حين أوجبه الله على من استطاع إليه سبيلاً: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال له: «لو قلت نعم لوجب عليكم ولما استطعتم). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح أحاديثه: «إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها أي: لا تسألوا عنها قبل وقوعها، فإذا وقعت فاجتهدوا برأيكم وعلمكم،
الجزء 1 · صفحة 79
أو اسألوا عندئذ أهل الذكر والعلم، وليس المراد عدم السؤال عنها أبداً، إذ لو وقعت في مستقبل الزمن، واحتيج إلى معرفة حكم الشرع فيها، لابد حينئذ من السؤال عنها والبحث فيها لمعرفة ما يجب بشأنها في ضوء أدلة الشريعة.
وفي ضوء ما تقدم يتبيَّن أن الرسول له الا الله ولم يحدد أيضاً ميقاتاً بحرياً؛ لأنَّ المجيء للحج والعمرة إذ ذاك في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يكن بالسفين من جهة البحر الأحمر (بحر القلزم فيبقى حكمه في المستقبل للاجتهاد أيضاً إذا قدَّر الله للإسلام أن يمتد غرباً إلى أفريقية، كما حصل فيما بعد، والحمد الله.
هذا وقد قرر الفقهاء أن من لم يمر بأحد هذه المواقيت، بل سلك طريقاً
بين ميقاتين فإنه يتحرى ما يحاذي أحدهما من طريقه بغلبة الظن فيحرم منه، فإن لم يتبيَّن له قال الحنفية: يهلّ عندئذ بالإحرام على بعد مرحلتين من مكة، لأن هذه المسافة هي أدنى تلك المواقيت إلى مكة (ر: الدر المختار (154) / (2) - البولاقية الأولى - والمُقْنع من كتب الحنابلة (394) / (1) والمغني مع الشرح الكبير / ط أولى / (3) / ?? (4) والإنصاف للمرداوي (427) / (3)).
في ضوء ما تقدَّم من عرض الواقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من تحديد ما حدد بالنص الصريح من مواقيت الإحرام وما سكت عنه وتركه للاجتهاد من علماء الأمة، وما حدث بعده من اعتماد المحاذاة باجتهاد عمر رضي الله عنه أقول: إن معالجة قضايا الساعة لا يصح منا أن نعالجها؛ ونقرر لها حلولاً شرعية منطلقين من خلفية مذهبية، أو فكرة مسبقة ننظر من زاويتها إلى القضية المستجدة، ونجرَّدها من ملابساتها وظروفها الخاصة لنجرها جراً إلى المقعد الذي هيأناه سلفاً إلحاقاً وتعميماً، سواء أكان ملائماً لطبيعتها وظروفها وملابساتها أو غير ملائم، ولو كان هذا الإلحاق والتعميم سيزج بالمكلفين في مشقة وحرج نفتهما النصوص القطعية في الكتاب والسنة عن هذه الشريعة السمحة الخالدة.
فقضايا الساعة (ومن أكبرها أهمية وحاجة للحلول الشرعية المناسبة اليوم موضوعنا هذا، وهو من أين يجب أن يحرم القادم جواً بالطائرة للحج أو العمرة) يجب أن تعالج بفكر فقهي حر، كأنما يريد يرى النصوص والأدلة المتعلقة بها لأول مرة مجرداً عن الخلفيات المذهبية، والآراء المسبقة؛ التي تتحكم في توجيه فكره دون أن يشعر، وعليه أن ينعم النظر في النصوص، وأن يتفهمها وفقاً للغة وأساليب البيان
الجزء 1 · صفحة 80
المعهود في وقت ورود النص الشرعي، وما يوحي به للسامع من فهم بحسب القواعد والدلالات العرفية. هذا إلى جانب الأساس المهم الآخر، وهو مقاصد الشريعة التي دلت عليها النصوص القطعية العامة والتي لا يمكن عزلها وقطع علاقتها بالنصوص الخاصة إذا أردنا أن نفهمها فهماً سديداً لا نبغي فيه سوى معرفة حكم الشارع، والحل الصحيح في القضية المستجدة، سواء وافق تصوراتنا السابقة
فيها أو خالفها، فإن التعصب لرأي، أو تصور سابق يحجب عن البصيرة الرؤية السليمة، والإحاطة بالمسألة من جميع جوانبها وظروفها. فبناء على هذا المنطلق أقول:
إنَّ حديث المواقيت المكانية الذي روته كتب السنة الصحيحة، وهو النص الأصلي الوحيد في الموضوع، لا يمكن أن يعتبر شاملاً للطريق الجوي اليوم، ولو مرت الطائرة القادمة بقاصدي الحج أو العمرة من فوق أحد المواقيت الأرضية، وبالتالي: لا يمكن فيه تطبيق حكم المحاذاة لأحد المواقيت تلك؛ المحاذاة التي ألحقها سيدنا عمر رضي الله عنه بالمرور بالميقات، وذلك لما يلي:
إن حديث المواقيت محمول على الطرق المعروفة المألوفة في ذلك الوقت وهي الطرق البرية التي يمكن أن يسلكها القادمون لحج أو عمرة من أطراف الجزيرة العربية؛ التي مدَّ عليها الإسلام رواقه، وهو في الوقت نفسه لم يحدد ميقاتاً من جهة الغرب كما سبق أن أوضحته وبينت سببه؛ فإن الرسول الله حين حدد هذه المواقيت للإحرام قد خصها نصاً وصراحة بمن يمرُّ بها فعلاً، وذلك حين قال عليه الصلاة والسلام: «هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. وهذا الإتيان لا يمكن أن يتصوره أي سامع إلا أنه المرور في الأرض. وإذا كان أهل الميقات المقيميون حوله قد وجب عليهم الإحرام منه، فمن أتى على هذا الميقات من خارجه، وكان طريقاً له، أصبح هو وأهل ذلك الميقات سواء، لأنه قد أصبح بينهم كواحد منهم، فلا يعقل يجب عليهم الإحرام منه ولا يجب عليه وهذا المعنى لا يتحقق إلا فيمن مر بالميقات نفسه أرضاً؛ لأن المرور فوق الميقات جواً كما تمر الطيور، لم يكن في بال أحد من الصحابة أهل اللسان الذين خوطبوا به، ولا في حسبانه، ولا يمكن أن يتصوره حتى يفهم أنه داخل في هذا التحديد.
بل أستطيع القول: إنَّ الطيران بالطائرات التي نسافر بها اليوم لو كان
موجوداً في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حين حدد هذه المواقيت الأرضية لأجل الإحرام، لما كان
الجزء 1 · صفحة 81
المرور جواً بالطائرة فوق بقعة الميقات مشمولاً بهذا الحديث؛ لأنَّ المرور بالميقات الذي يجعل المارّ به كأهل الميقات، لا يفهم منه في أسلوب البيان إلا المرور الأرضي فعلاً، فهذا ما يفهمه أهل اللسان الذين خوطبوا به، وهذا ـ أي ما يفهمه أهل اللسان في اللغة التي جاء بها النص - هو أساس في فهم النص عظيم الأهمية، لا يمكن تجاهله، وتجاوزه. إنَّ الإمام أبا إسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه الإبداعي الموافقات في أصول الشريعة» قد بسط القول في قسم المقاصد من كتابه هذا تحت عنوان (قصد الشارع في وضع الشريعة (للإفهام حول أساسين في فهم قصد الشارع، لا تجوز الغفلة عنهما، وهما:
أولاً: أن هذه الشريعة المباركة عربية، وأن القرآن الحكيم عربي.
ثانياً: أن هذه الشريعة المباركة أميّة، لأن أهلها كذلك.
أما الأول فلقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْهَانَا عَرَبِيًّا} [يوسف: (2)] وقد تكرر هذا الإعلان في آيات أخرى. وأما الثاني فلقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} [الجمعة: (2)]. وقد تكرر أيضاً هذا في آيات أخرى. وجاء أيضاً في صحاح الأحاديث القول الرسول ل ل للهلال: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا. . .» وقد فسر الشاطبي الأمي بأنه منسوب إلى الأم»، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتاباً ولا غيره، فهو على أصل خلقته التي ولد عليها وفسر الأمة الأمية بأنهم: ليس لهم معرفة بعلوم الأقدمين وقد يبدو لأول وهلة أن كون القرآن عربياً، والحديث النبوي عربياً هو من البديهات التي لا تحتاج إلى بسط وإيضاح وشواهد وأمثلة وتنبيهات في فصول من كتاب كما فعل الشاطبي رحمه الله في موافقاته.
ولكن الذي يرى النتائج التي بينها الشاطبي رحمه الله بناء على هذين الأصلين الأساسيين في فهم الشريعة وتنزيل نصوصها في الكتاب والسنة النبوية على منازلها الصحيحة، يدرك عندئذ أن قضية هذين الأساسيين ليست من البساطة والبداهة كما يتراءى لأول وهلة. (ر: الموافقات (64) / (2) -107)
وأول هذه النتائج وأهمها يتلخص في أن المقصود هنا من بيان الأساس الأول هو أنَّ القرآن قد نزل بلسان العرب وأساليبهم البيانية، فطلب فهمه إنما يكون بالطريق التي يفهمه من خوطبوا به حين ألقي إليهم، وهم أهل هذا اللسان خاصة على أميتهم وجهلهم بالعلوم والفلسفات؛ التي وجدت لدى غيرهم
الجزء 1 · صفحة 82
من الأمم وجهلهم بالاصطلاحات والمفاهيم الطارئة حين أسست العلوم، ووضعت فيها الاصطلاحات، وحددت لها المفاهيم العلمية في اللغة العربية بعد ذلك.
هذا يستلزم أن من يكون أكبر فقيه، وأرسخ عالم في العصور العلمية اللاحقة أن يجب يفهم النص القرآني أو الحديث النبوي كما يفهمه صحابة رسول الله، وكما يفهمه البدوي الأمي من العرب إذ ذاك؛ لأنهم هم أهل اللسان الذي خوطبوا به، ففهم أي عالم لمدلول النص بعد ذلك، مهما علا كعبه في العلوم، وطال باعه، يجب أن يكون تبعاً لفهم ذلك العربي الأول ابن اللسان الذي جاء به ذلك النص، وخوطب به.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله في. هذا المقام:
فإن قلنا أنَّ القرآن نزل بلسان العرب، وأنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فُطِرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه وبالعام يراد به الخاص، وبالظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وأنها تتكلم بالكلام ينبيء أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف
بالمعنى كما يعرف بالإشارة. وكل هذا معروف عندها، لا ترتاب في شيء منه هي، ولا من تعلّق بعلم كلامها.
فإذا كان كذلك، فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب نبه على هذا المأخذ المسألة في والذي
هو الشافعي الإمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه، وإن كثيراً ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك، وبالله التوفيق (الموافقات (66) / (2)).
أقول: ومن الواضح أنَّ مثل هذا الاعتبار يجب أن هذا الاعتبار يجب أن يراعى في فهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وتنزيل أحاديثه الشريفة - وهي من جوامع الكلم العربي - على هذا الترتيب نفسه في فهم نصوص القرآن.
ثم أفاض الشاطبي في شرح أنَّ الشريعة المباركة أمية لأنَّ أهلها كذلك، إذ لم يكن لهم معرفة بعلوم
الجزء 1 · صفحة 83
الأقدمين، وأن تنزيلها على مقتضى حال الذين نزلت عليهم من أميتهم هو الأوفق والأجرى مع رعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم.
وقد أوضح العلامة الشيخ عبد الله دراز في تعليقاته: أنه وفقاً لهذا الاعتبار ربطت الشريعة مواقيت الصلاة بالدلائل الحسية المشهودة من الزوال والغروب والشفق مما لا يحتاج إلى علوم كونية وآلات وتقاويم فلكية .... أنَّ أقول: وواضح الشريعة السمحة الخالدة إذا صلحت للأميين حتى يسهل تطبيقها عليهم صَلَحت لغيرهم من أهل العلوم وللناس أجمعين، ولا عكس وهذا من أسرار آخريتها وصلوحها للخلود ما دام لبني الإنسان وجود، فجلت حكمة الله فيما شرع لعباده.
ثم قال الشاطبي بصدد ما تفرّع عن أمية الشريعة: «إنه لابد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمّ عرف، فلا أن يصح يجري في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب». بعد هذه المتقطفات من كلام الإمام الشاطبي عن أن الشريعة أمية، وأنها
ودستورها - وهو القرآن - عربيان بالمعنى المشروح، وكذلك بيان رسولها نبي الهدى، نعود إلى موضوعنا حول ميقات الإحرام الواجب للقادم جواً بالطائرة لحج أو العمرة في ضوء ما نقلنا عن الشاطبي رحمه الله، فأقول:
إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد تلك المواقيت المكانية لأهلها، ولمن أتى عليها، ومر بها من غير أهلها وهذا منه بيان وتحديد لقوم أميين، وبلسان عربي مبين هم أهله الأصليون، وأنَّ علينا وعلى جميع الأجيال المسلمة التي تتلوهم من علماء في الشريعة وفي الطبيعة وفي مختلف العلوم من عرب وأعاجم، أن لا نفهم من نصوص القرآن وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما يفهمه إذ ذاك أولئك الأميون أهل العربية المخاطبون بها بحسب مألوفهم ومعهودهم، وعرفهم، كما يقول الإمام الشاطبي.
وإذا كان كذلك، فَمَن الذي يستطيع أن يزعم أنهم يمكن أن يفهموا من تحديد الرسول لهم تلك المواقيت المكانية أنها شاملة للقادم جواً بطائرة في مستقبل الدهر إذا اخترع البشر آلة تطير بهم ومرَّت بأحد ركابها فوق ميقات أرضي وهو في السماء، أو حاذى سَمْته؟! مع العلم أننا أوضحنا قبلاً أن الحديث
الجزء 1 · صفحة 84
النبوي المذكور لا يشمل المحاذاة من قريب أو بعيد، بل هو مقصور على أهل تلك المواقيت ومن مرَّ بأحدها، وأن إلحاق المحاذاة لأحد المواقيت بالمرور به فعلاً هو اجتهاد عمر رضي الله عنه.
ونحن نضع اجتهاده هذا فوق الرأس والعينين، وهو معقول في ذاته؛ لأنَّ ما تقتضيه حرمة البيت المعظم من أن يتهيأ من يقصده لحج أو العمرة بالإحرام قبل الوصول إليه، هو مما ينبغي ينبغي أن يستوي فيه كل، قاصد، سواء مر بالميقات الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جاء من طريق أخرى لا تمر به، فجعل المحاذاة لأحد المواقيت هي الحد لغير من يمر بالميقات، وهو قياس معقول مبني على علة متحدة.
ولكن هذا القياس السليم لا يجوز أن يخرج عن أرضية المسألة، وهي أنَّ
تلك المواقيت التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفهم منها أهل اللسان الذين خوطبوا به إلا أنها لأهلها ولن يمرُّ بها المرور المعتاد الذي لا يعرفون سواه، وهو المرور بها في موقعها على سطح الأرض؛ لأن هذا هو ما تدل عليه لغتهم التي خوطبوا بها حين قال لهم الرسول عن هذه المواقيت: «هن لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ولا يمكن أن يتصور أحدهم إذ ذاك مرور أحد من فوق الميقات، وهو طائر في الجو.
وقد رأينا آنفاً قول الشاطبي: إنه لابد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وأنه لا يصح أن يجري في فهمها على ما لا يعرفونه وأن هذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب. . .».
فاجتهاد عمر رضي الله عنه في إلحاق المحاذاة لا يمكن أن يتجاوز الأصل، فكما أنَّ النصّ الأصلي - وهو حديث المواقيت ـ معناه المرور بالميقات فعلاً على سطح الأرض، فإنَّ المحاذاة التي ألحقها به عمر معناها المحاذاة ممن يمر فعلاً حذو الميقات المرور المعتاد على سطح الأرض؛ ذلك لأن المقيس لا يمكن أن يعطى أكثر من حكم المقيس عليه. فإذا كان نص الحديث النبوي لا يتناول القدوم جواً مما لم يكن في حسبان أهل اللسان ولا معهودهم فكذلك المحاذاة الملحقة بطريق القياس والاجتهاد، لا تطبق على طريق الجو؛ الذي لم يكن يتصوره عمر نفسه صاحب هذا الاجتهاد القياسي.
القدوم جواً لا نص فيه:
الجزء 1 · صفحة 85
إنني أخلص من جميع ما تقدم بيانه إلى أنَّ القادمين اليوم بطريق الجو: في الطائرات لحج أو عمرة، لا يشملهم تحديد المواقيت الأرضية التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في الجو، فهي حالة قد سكت عنها النص لأنها لم تكن في التصور أصلاً، كما سكت عن القادمين من الجهة الغريبة إذ لم يكن إذ ذاك مسلمون يقدمون من إفريقية من وراء البحر، ولا من مصر. أما الشام فإنه - وإن لم يكن فيه مسلمون إذ ذاك - فقد كانت تجارة قريش وعرب
الحجاز قائمة مع الشام في رحلة الصيف، فقد يعودون منه قاصدين حجاً أو عمرة، فلذا حدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم للقادمين من الشام الجحفة ميقاتاً لهم، كما أسلفنا بيانه.
وإذا كان القدوم جواً ليس مشمولاً بتحديد المواقيت المكانية لما قد بينا، فهو إذاً خاضع للاجتهاد في تحديد ميقات مكاني للقادمين منه بالوسائط الجديدة المبتكرة في عصرنا هذا كسائر قضايا الساعة التي ليس عليها نص، فيجب أن يقرر الاجتهاد لها الحكم المناسب في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها، وفي طليعتها دفع الحرج.
وفي نظري أن الحكم المناسب في هذا الموضوع، والذي لا يترتب عليه حرج ولا إخلال: هو أن القادمين بالطائرات اليوم لا يجب عليهم الإحرام؛ إلا من بعد أن تهبط الطائرة بهم في البلد الذي سيسلكون بعده الطريق الأرضي، فإذا هبطت الطائرة بهم في بلد يقع خارج المواقيت، يكون عندئذ ميقاتهم للإحرام هو الميقات الذي سيمرون به أو من الموقع الذي يحاذي أحد المواقيت المحددة لمختلف الجهات إذا كانوا لا يمرون بأحد تلك المواقيت.
أما إذا كان المكان الذي تهبط فيه الطائرة بلداً يقع بعد أحد المواقيت المذكورة، أي بينه وبين الحرم، فإن ميقاته للإحرام هو ذلك البلد نفسه، فيصبح حينئذ كأهله، فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرماً.
وبما أن المطار الدولي اليوم الذي يهبط فيه الحجاج والمعتمرون هو في مدينة جدة، وهي واقعة ضمن بعض المواقيت فإنَّ القادمين بطريق الجو إلى جدة لحج أو العمرة يكون ميقاتهم للإحرام مدينة جدة، فلا يجوز أن يتجاوزوها إلا محرمين؛ لأنهم يصبحون عندئذ كأهل جدة، فيحرمون من حيث يحرم أهلها.
فلو أنَّ المطار الذي يهبط فيه الحجاج أو المعتمرون نقل فيما بعد إلى مكة؛ لأصبح القادمون جواً كأهل مكة فيحرمون من حيث يحرم المكيون. أي أن القادم بالطائرة بوجه عام من أي جهة كان قدومه،
الجزء 1 · صفحة 86
متى هبطت
طائرته في مكان آخر لكي يتابع بعده السير بالطريق البري، يأخذ عندئذ حكم أهل ذلك المكان بشأن الإحرام.
أما القول بأن عليه أن يحرم وهو في الطائرة في الجو متى مرت الطائرة بأحد المواقيت أو حاذته، فهذا لا أرى دليلاً شرعياً يوجبه، وهو مبني على تصور أن القدوم جواً بالطائرة مشمول بالحديث النبوي الذي حدد المواقيت الأرضية. وهذا في نظري رأي غير سليم في فهم النصوص فهماً فقهياً كما سبق إيضاحه، علاوة على ما فيه من حرج شديد وصعوبة قد تصل إلى حد التعذر بالنظر إلى حال الطائرات العامة ولا سيما الدرجة السياحية فيها (وهي التي تأخذها الجماهير)، وضيق مقاعدها لاعتبارات تجارية، حتى إن الراكب ينزل في مقعده كما ينزل الإسفين في الخشب، ويعسر عليه التحرك في تناول وجبة الطعام، فضلاً عن أن يخلع ملابسه المخيطة ويرتدي الرداء والإزار .. وأين في الطائرة مغتسل ومصلى ليقيم سنة الإحرام؟
وأغرب من ذلك قول من يقول: إن هذا الحرج يمكن دفعه بأن يحرم بملابسه في الطائرة، ثم يخلعها بعد الهبوط ويفدي بدم جزاء. . فمتى كانت هذه الشريعة الحكيمة السمحة تكلف أحداً ما يشبه المستحيل لتعسره أو تعذره، على أن يخالفه المكلف، ويتحمل بدلاً منه جزاء مُكْلِفاً؟ إن الشريعة الحكيمة براء من مثل هذا التكليف.
وأشدُّ غرابة من هذا رأي من يقول - وكل هذا قد سمعناه ـ أن الحل لهذه المشكلة أن هو يحرم من يريد القدوم بالطائرة من بيته قبل ركوبها! فماذا يقول هؤلاء إذا كان قاصد الحج أو العمرة من أهل موسكو أو سيبيريا قادماً الشتاء حيث درجة الحرارة خمسين تحت الصفر بمقياس سنتيغراد؟!
هذا ما يبدو لي أنه الوجه الصحيح في هذه القضية، واستنباط الحَلّ والحكم الشرعي الذي يناسبها، بعد إعمال الفكر منذ سنوات في ملابساتها، وإنعام النظر في الأدلة والاستئناس بالدلائل، فقد كثر السؤال عنها، وكلما تقدم الزمن سنة ألحت الحاجة إلى البيان الشافي فيها بصورة مدروسة بصيرة،
لا تَسَرُّع فيها ولا ابتسار، يُنظر فيها إلى هذه القضية من مختلف الزوايا لا من زاوية واحدة وما يدرينا لعل