الجزء 1 · صفحة 7
غاية الوجازة في تكرار الصلاة على الجنازة
للعلامة عبد الغني النابلسي الحنفي
توفي سنة (1143هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
فيقول الحقير عبد الغني النابلسي الحنفي لطف الله تعالى به آمين
هذه رسالة جعلتها في بيان حكم إعادة الصلاة على الجنازة، إذا صلى عليها أول مرة، وهل ذلك مشروع أم لا؟.
وسميتها: "غاية الوجازة في تكرار الصلاة على الجنازة"
فأقول وعلى الله تعالى القبول:
قال الإمام الخبازي في مختصر محيط السرخسي رحمه الله تعالى من كتاب الجنائز: ولا يصلي على جنازة إلا مرة واحدة خلافا للشافعي، انتهى.
وفي البحر الرائق عند قول صاحب الكنز: ولم يصل غيره بعد أي بعد ما صلى الولي؛ لأن الفرض قد تأدى بالأول، والتنفل بها غير مشروع إلا لمن له الحق، وهو الولي عند تقدم الأجنبي.
إن قلنا: إن إعادة الولي نفل وإلا فلا استثناء، وبسط الكلام في هذا المقام، ثم قال: لأن الفرض قد سقط بصلاة من له ولايتها.
وفي "المجتبى" فإن صلى عليه الولي لم يجز أن يصلي عليه بعده، انتهى.
وفي "شرح مسكين" أي إن صلى الولي لم يجز لغيره أن يصلي بعده، لأن الفرض يتأدي بالأولى والتنفل بها غير مشروع.
ولهذا رأينا الناس تركوا ممن أخرهم الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو اليوم كما وضع،" انتهى.
الجزء 1 · صفحة 9
وفي "النهاية" للإمام السغناقي رحمه الله تعالى عند قول صاحب الهداية السابق: وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده.
وتخصيص الولي ليس بمفيد، لما أنه لو صلى السلطان أو غيره ممن هو أولى من الولي في الصلاة على الميت ليس لأحد أن يصلي بعده أيضا وهو مذهبنا
وقال الشافعي: تعاد الصلاة على الجنازة مرة بعد أخرى.
لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقبر جديد وسأل عنه، فقيل: قبر فلانة، فقال: هلا آذنتموني بالصلاة، فقيل: أنها دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الأرض، فقام وصلى على قبرها، ولما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه أصحابه فوجا بعد فوج.
ولنا ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنه فاتتهما صلاة الجنازة فلما حضرا ما زاد على الاستغفار له، والمعنى هو ما ذكره في الكتاب يعني الهداية.
فإن الصلاة الثانية تقع نفلا وذلك غير مشروع، ولو جازهذا لكان الأولى أن يصلي على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يرزق زيارته الآن، لأنه في قبره كما وضع، فإن لحوم الأنبياء حرام على الأرض به، ورد الأثر ولم يشتغل أحد بهذا
فدل أنه لا تعاد الصلاة على الميت إلا أن يكون الولي هو الذي حضر فإن الحق له وليس لغيره، ولأنه اسقاط حقه وهو تأويل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الحق كان له.
قال الله تعالى: {النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.
وهكذا تأويل فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإنّ أبا بكر رضي الله عنه كان مشغولا بتسوية الأم وتسكين الفتنة، فكانوا يصلون عليه قبل حضروه وكان الحق له، لأنه هو الخليفة، فلما فرغ صلى عليه، ثم لم يصل أحد بعده عليه كذا في المبسوط.
فإن قيل: أنّ حق الميت وإن صار مقضيا بالصلاة مرة واحدة، فلا يوجب سقوطه أصلا، فيجوز أن يبقى حقه في حق المبالغة في الصلاة.
ثانيا لأنها في الحقيقة دعاء للميت، وهو باق كالوضوء شرع لإقامة الصلاة، والفرض يسقط بوضوء واحد ما لم يحدث إكفاء به.
ولكن إن عاد لكل صلاة كان حسنا وقاضيا به حق الصلاة على أكمل الوجهين.
الجزء 1 · صفحة 10
قلنا أن الأصل في الباب قوله تعالى: {وإن ليس للإنسان إلا ما سعى}.
فكان على هذا أن لا ينتفع الميت بالصلاة وإن لا يقضي حقه بعمل غيره.
وإنا عرفنا هذا القضاء شرعا بخلاف القياس، ولما كان هو ثابتا بالشرع بخلاف القياس، وأنه سقط بالمرة الواحدة فلم يتصورالثاني قضاء من عندنا بلا توقيف بخلاف الدعاء والاستغفار، فإن التوقيف به باق كما بقي الأمر بالصلاة على الرسول بعده على سبيل الدعاء.
وأما الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد روى أنه توفي يوم الإثنين ودفن يوم الأربعاء، وأخر الصلاة عليه والتأخير مكروه في غيره بالإجماع.
ثم يحتمل أن الصلاة كانت فرض عين على الصحابة رضي الله تعالى عنهم لعظم حقه كالدعاء اليوم فرض عين على المسلمين أجمع مرة واحدة بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}.
فكان تكرار الصلاة عليه من كل أحد لأدآء فرض عليه كذا في الأسرار، انتهى.
وفي شرح الحلبي على منية المصلى ثم عدم جواز صلاة غير الولي بعده مذهبنا.
وبه قال مالك وقال الشافعي: لمن يصل أن يصلي وله في إعادة من صلى، قولان أصحهما عد استحباب عدمها، انتهى.
وفي البحر الرائق ولو أعادها الولي ليس لمن صلى عليها أن يصلي مع الولي مرة أخرى، فظاهركلامهم أن الولي إذا لم يعد فلا إثم على أحد لما أن الفرض، وهو قضاء حق الميت فقد تأدى بصلاة الأجنبي.
والإعادة إنما هي لأجل حقه لا لإسقاط الفرض وهذا أولى مما في غاية البيان من أن حكم الصلاة التي صليت بلا إذن الولي موقوف.
إن أعاد الولي تبين أن الفرض ما صلى الولي، وإن لم يعد سقط الفرض بالأولى، انتهى.
فإنه يقتضي أن لمن صلى أولا أن يصلي مع الولي وليس كذلك، انتهى.
وفي الأحكام لوالدي رحمه الله تعالى، قال وفي "القنية "أنه ليس لمن صلى عليها أن يصلي مع الولي مرة أخرى.
الجزء 1 · صفحة 11
ثم في الخلاصة والولوالجية والظهيرية والتجنيس والواقعات لو صلى رجل والولي خلفه ولم يرض به إن صلى معه لا يعيد، لأنه صلى مرة وإن لم يتابعه.
فإن كان المصلي السلطان أو الإمام الأعظم في البلدة أو القاضي أو الوالي على البلدة أو إمام الحي ليس له أن يعيد، لأنهم أولى بالصلاة منه، وإن كان غيرهم فله الإعادة، انتهى.
ونقل في البحر الرائق في جماعة النساء، أنها مكروهة إلا في صلاة الجنازة.
وعلل ذلك بأنه لو صلين فرادى فقد تسبق إحداهن، فتكون صلاة الباقيات نفلا والتنفل بها مكروه، فيكون فراغ تلك موجبا لفساد الفرضية لصلاة الباقيات فاختيرعدم كراهة جماعتهن في الجنازة، لذلك الى أخر ما قال في باب مكروهات الصلاة.
ونقل ذلك أيضا في منح الغفار شرح تنوير الابصار، فإذا للمصنف رحمه الله تعالى.
والحاصل: أن صلاة الجنازة متى صليت مرة واحدة يكره إعادتها مرة ثانية، سوآء كان المعيد لها هو الذي صلى أولا أو غيره إلا في حق الأولى بالمتقدم.
فإن له الإعادة اسقاطا لحقه لا لحق الميت، لأن حق الميت حصل بالصلاة الأولى، وهذه الإعادة نفل، والفرض هي الأولى.
والظاهر أن هذه الكراهة أعني: كراهة إعادة غير الأولى بالتقدم كراهة تحريمية بدليل تعبير بعض الكتب عنها بلم يجز كما سبق.
وهي محملها عند الإطلاق أيضا كما صرحوا به، فإذا أعاد غير الأولى بالتقدم، وارتكب الكراهة التحريمية، لا نقول أنها باطلة، بل هي نفل مكروه تحريما لأن التعبير بلم يجزلا يقتضي عدم الصحة.
لأن الجواز كما يطلق على الصحة، يطلق على الحل، فمعناه حينئذ لم يحل وإذا صلى هذا النفل المكروه تحريما، هل يثاب أم لا؟
والظاهر في جوابه التفصيل إن علم أن أحدا صلى على هذه الجنازة لا يثاب بالإعادة، لأنه أقدم على كراهة التحريم عمدا، وإن لم يعلم بذلك فصلى يثاب، بل هذا أولى مما نقله في "الأشباه والنظائر"من بحث النية في الفن الأول.
الجزء 1 · صفحة 12
قال: ولا يشترط للثواب صحة العبادة بل يثاب على نيته وإن كانت فاسدة بغير تعمده كما لو صلى محدثا على ظن طهارته، انتهى.
فلا يشترط للثواب عدم الكراهة بالأولى مع عدم العلم، لكن ثوابه الحاصل في هذه الإعادة مع العلم، ليس كثوابه إذا لم يصل أحد.
وقد شاهدت بعض الأموات توضع جنائزهم على باب الجامع، ينتظرون حضور الجماعة للصلاة عليها.
فيأتي بعض الشافعية ويصلي عليه منفردا ويذهب وربما يعلم به أهل الميت وربما لا يعلم ثم يعيدون الصلاة بالجماعة فيكون ذلك على ما ذكرنا من العلم وعدمه.
والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رب أنفع بها وبأمثالها من رسائل أهل الإنصاف لطالبين للحق والإسعاف وليس القبول فإنه المأمول وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين آمين.