الجزء 1 · صفحة 7
الكتاب: التذكرة لأولي الألباب في مسائل البسملة والاستعاذة
للشيخ الإمام العالم العلامة المحقق المدقق، وحيد دهره، وفريد عصره: أبو عبد الله محمد محيي الدين بن سليمان الكافيجي الحنفي
فسح الله في مدته ورحمه
توفي سنة (879هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الأسماء الحسنى، والصلاة والسلام على نبيه الذي له المقام المحمود الأسنى، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان.
بوأهم الله في دار السلامة، والرضوان؛ وبعد.
فقد سألني بعض الأصحاب أن أجمع له كلاماً محرراً في شأن «البسملة» على سبيل التحقيق والإتقان؛ فلم يسعني إلا إسعاف سؤله بحسب قدر الوسع والإمكان؛ فشرعت فيه مستعيناً بالله الكريم الوهاب، إنه هو المعين الجواد مفتح الأبواب؛ ورتبته - مشتملا- على ثلاثة أبواب، وسميته بـ «التذكرة لأولي الألباب».
1. الباب الأول: في «المبادئ»
فالبسملة: فعللة مأخوذة من: (بِسمِ اللهِ) كما أن الحمدلة، والحسبلة، والحوقلة، مأخوذة من: (الحمدُ للهِ)، ومن (حسبنا الله)، ومن: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
الفرق بين البسملة، والتسمية
فإن قلت: ما الفرق بين البسملة، والتسمية؟
قلت: الأول أخص من الثاني استعمالاً، كما أن الأول من باب الفعللة، والثاني من باب التفعيل.
فمعنى البسملة ها هنا هو ذكر اسم الله تعالى)، كما أن معنى الحمدلة: هو التكلم بالحمد لله، لكن المناسب لما نحن بصدده: أن يراد منها - ها هنا- نفس (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) بشهادة قول الفقهاء:
يخفي البسملة في الصلاة، كشهادة قول من قال: إنها جزء من كل سورة.
الاشتقاق، ومناسبة المعنى
فإن قلت: فكيف يتصور الاشتقاق ها هنا مع فقدان التناسب في أصل المعنى - على ما لا يخفى-؟
? - قلت: لا استبعاد ها هنا؛ لأن الأخذ أعم من الاشتقاق، ومعلوم عندك أن شرط الأخص من حيث هو أخص لا يكون شرط الأعم؛ ولذلك قلنا: إنها مأخوذة من: اسم الله احترازاً عن توجه مثل هذا الاعتراض.
الجزء 1 · صفحة 9
? - ولا يبعد أن يقال ها هنا أيضاً: إن التناسب المعنوي مرعي -ها هنا- في الجملة قال الشاعر:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خفية الرقباء
كما قال الآخر:
الزر والعنبر معناهما ... زر هکذا مختفياً في الظلام
وقال أهل البيان: المعاني منها أول، ومنها ثوانٍ، ومنها ثوالث؛ ولذلك تراهم يَصِفُون المعنى بالوضوح تارة، وأخرى بالخفاء، وبالرقة، واللطافة، والمتانة، والإحكام إلى غير ذلك. وأنت تعلم أن قول من قال: إن القول ذُو نَفَيان، وإن المعنى أخو معانٍ، يكاد أن يكون مثلًا مشهوراً في مثل هذا.
3- ويمكن أن يقال هاهنا - أيضاً - إنها من قبيل الرموز إلى المقصود على سبيل الإيجاز والاختصار، كرموز أهل الإلهية برقوم «كج له» إلى الميل الكلى.
فإذا عرض عليك ها هنا هذه الوجوه فاختر منها ما هو أجلى عندك، لكن المناسب لمباحث الصرف والاشتقاق، أن الوجه الأول هو الأظهر.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون البسملة بمعنى: (ذكر اسم الله تعالى)؟
قلت: يجوز، وإن كان المقروء أمراً ممتداً كالسورة -مثلاً-؛ فيكون ذكر اسم الله جزءاً من ذكر ذلك الممتد، كما أن: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» جزء من القرآن، أو من كل سورة منه، على اختلاف قولين فيه.
(الكلام على باء «باسم»)
ثم إن الباء حرف من حروف المعاني، ومعناها -هاهنا – المصاحبة والملابسة، كما في قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ).
ويجوز أن تكون للاستعانة كما في نحو قولك: «كتبت بالقلم». ومتعلقها محذوف وهو الابتداء، تقديره عند البصريين: ابتدائي كائن (بسم الله)، كما أن تقديره عند الكوفيين: ابتدأت (بسم الله).
وأما تقديره عند الزمخشري: (بسم الله) اقرأ، كما إذا قال المسافر - في وقت ارتحاله -: (بِسْمِ الله)، فإنه يتعلق بالارتحال أي: (بسم الله) ارتحل، قال الله تعالى: (بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَيهَا)
(قضية السبب، وخواص أسماء الرب)
الجزء 1 · صفحة 10
ثم إن الله - تعالى - يجعل بلطفه وكرمه الأمور بعضها سبباً لبعض، وإن كان المؤثر (?) فيها – في الحقيقة- هو الله وحده تيسيراً على العباد، وإظهاراً لمنافع مودعة في الأشياء، قال الله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى)؛ فعلى هذا قد ظهر أن كلاً من: الإجراء والإرساء يحصل «بسم الله» بلا مزية؛ فكيف لا، وقد اتفق القوم على أن لكل اسم من أسماء الله تعالى -بل لكل حرف منه أيضاً - أسراراً لاهوتية، وخواص ناسوتية، وآثاراً غريبة.
التذكرة لأولي الألباب
وقد اعترف به جميع أولوا البصائر، والألباب وكل ذلك مشروح في كتب معتبرة.
ولا يتوقف ذلك على آلات جسمانية كما نشاهده في المغناطيس؛ فليكن أسماء الله تعالى كذلك، بل هي أولى، وأحرى بذلك؛ فقد ظهر أن التوسل إلى الله تعالى باسمه في تحصيل الأمور أقرب، وأسهل، وأسلم. قال الله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وكل ذلك تيسير منه ورحمة، قال الله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
فالحاصل أن في كل اسم من أسماء الله تعالى سراً لا يعلمه بالكنه) إلا الله وحده، لكن يشار إليه بالاسم؛ فيكون الاسم هو المناط ظاهراً، كما أن السفر مناط الرخصة، والقصر ظاهراً؛ لحكمةالتيسير.
ففيما ذكرنا كفاية عن الإطناب؛ فإن فيه معاني لطيفة، ودقائق غريبة شريفة يفهمها أولوا الألباب. وخير الكلام ما دلّ وقل.
(اشتقاق «الاسم»، والابتداء بالساكن)
هذا وإن الاسم أصله سمو، عند الصريين حذف آخره، ونبي أوله على السكون، وأدخل عليه - مبتداً به - همزة الوصل؛ لأن عادة العرب أن يبتدء وا بالمتحرك ويقفوا على الساكن؛ لسلامة لغتهم من كل لكنة، وبشاعة، ولبنائها على غاية من الرصانة، والإحكام.
فإن قلت: الابتداء بالساكن، هل هو ممتنع أو ممكن؟. قلت: الحق هاهنا هو التفصيل؛ بأن يقال: إن كان السكون لازماً لذات الساكن يمتنع كالألف اللينة، وإلا فهو ممكن لكنه لم يقع في لغتهم لما ذكرنا.
(مسألة الاسم، والمسمى)
ثم إن الناس قد اختلفوا هاهنا اختلافاً كثيراً حتى تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ.
الجزء 1 · صفحة 11
ووقعوا في حيص بيص، وصار كلامهم كيت كيت؛ فقال بعضهم:
1- الاسم عين المسمى، لكنه غير التسمية.
2- وقال الآخر منهم: بالعكس.
3- كما قال إمام الحرمين: إن الاسم قد يكون عين المسمى كقولنا: إن الله تعالى ذات، وموجود.
وقد يكون غير المسمى كقولنا: إنه خالق ورازق، فإنه يدل على الخلق والرزق، وهما غيره.
وقد يكون بحيث لا يقال إنه المسمى، ولا هو غيره كقولنا: عالم وقادر، فإنهما يدلان على العلم والقدرة، وصفات الله تعالى لا يقال: إنها هو الله، ولا إنها غيره.
فالظاهر أن الاسم غير المسمى، وغير التسمية؛ لكون هذه الثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة؛ لكون معنى كل واحد منها غير معنى الآخر، ولتعدد الأسماء، والتسمية كثيراً مع اتحاد المسمى كالأرض، والسماء، والماء، وغير ذلك.
ومن هاهنا قيل: إن الأشياء وجودات أربعة:
?. اثنان منها: لا يتبدلان بتبدل الملك والأزمان، وهما الوجود العيني، والوجود الذهني.
2. كما أن اثنين منها: يتبدلان بحسمهما، وهما الوجود اللفظي والوجود الخطي)، وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى:
الاسم غير المسمى ... والحق أبلج واضح
فإن شككت في ذا وذا ... فانظر لسيرة صالح
فإن قلت فهل يمكن القول بالتفصيل هاهنا؟.
قلت: نعم، قال الله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم)، كما قال: (تبَرَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، (سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)
فإن قلت: فهل يمكن التوقف هاهنا؟
قلت: نعم، فإن الأحكام الشرعية لا تتعلق بإثبات ذلك ولا بنفيه؛ فيكون التوقف فيه كالتوقف في الأحكام العقلية التي لا ينوط بها أحكام الدين على ما بين في موضعه، قال الإمام الرازي: إنا لم نجد
الجزء 1 · صفحة 12
شيئاً معتداً به في هذا النزاع). فإن قلت: فكيف يفيد إضافة الاسم إلى الجلالة مع إنها اسم ليس لها اسم؟.
قلت:
1 إنها من إضافة العام إلى الخاص كخاتم فضة.
2. وقيل: المضاف ها هنا، مقحم دخوله وخروجه سيان، جيء به لإرشاد حسن الأداء مع رفع الالتباس، وتوهم الاختصاص.
3. وقيل: إنه مضاف إلى الجلالة لكونها دالة على معناها، لا لكونها اسماً حتى يتوجه ما ذكر.
(الكلام على لفظ الجلالة «الله»)
و «الله»: اسم لذات الباري تعالى تحيّر فيه العقلاء، كما تاهوا في ذات الله تعالى وصفاته؛ لاحتجابها بأنوار العظمة، والكبرياء، وأستار الجبروت؛ فكأنه انعكست إليه من مُسمَّاه أشعة من تلك الأنوار، فبهرت أعين المستبصرين عن إدراكه.
فاختلفوا في: اسميته ووصفيته، وغيرهما على ما فصل في موضعه.
أ - فالظاهر المختار إنه اسم غير صفة:
1. لقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
2. ولأنه لو كان وصفاً لما أفاد قولنا: لا إله إلا الله التوحيد، كقولنا: لا إله إلا الرحمن، ولا إله إلا هو.
ب - وقيل: إنه صفة، واستدل على ذلك بأنه: لفظ دال على الذات باعتبار معنى كاعتبار المعبودية هاهنا مثلاً.
وأجيب عنه بأن يقال: لا نسلم إن كل لفظ دال باعتبار معنى يجب أن يكون صفة؛ لجواز أن يكون اسماً غير صفة كالكتاب، والإمام، والخاتم؛ ولا شك أن الإله والجلالة إنما هو من هذا القبيل؛ فإذن قد ظهر التقريب بلا مرية.
فإن قلت: فهل العلم الوضعي هو محل النزاع ها هنا؟.
الجزء 1 · صفحة 13
قلت: نعم؛ إذ لا نزاع ها هنا في الاختصاص الحاصل الآن بحسب طريقة غلبة الاستعمال؛ وقريب من هذا قول العلماء: المجاز إذا كثر وشاع استعماله يكون حقيقة، كما أن الحقيقة إذا قل استعمالها يكون مجازاً.
فإن قلت: هل يمكن أن يحمل النزاع هاهنا على النزاع اللفظي؛ دفعا للتدافع، وسلوكاً في طريق الأصل والوفاق بأن يقال:
? - إن القائل بالعلمية هاهنا يقول بها على سبيل غلبة الاستعمال، دون العلمية بحسب الوضع الشخصي العلمي.
2 - كما يمكن أن يقال: إن مانع العلمية هاهنا، نفيها على سبيل الوضع العلمي بدون منع العلمية بحسب غلبة الاستعمال وإلا لبطل كل واحد من القولين على إطلاقه بلا صرف عن ظاهره. قلتُ: نعم.
فإن قلت: فهل يجوز التوقف في هذه المسألة أيضاً؟.
قلت: نعم، لا سيما في حق القطع بها؛ إذ لا سبيل إليه أصلاً مع قيامالاحتمال فيها.
ثم إن مسمى الجلالة لا يتصور فيه شركة أصلاً لا بالحقيقة، ولا بالمجاز؛ ولأجل هذا يعرف سائر الناس بالإضافة إليه، فيقال: الصبور، والجبار، والملك، أسماء الشكور، والصبور؛ لأن ذلك من حيث هو أدل على كُنه من المعاني الإلهية، وأخص بها، وأظهر؛ فاستغنى عن التعريف بغيره، وعرف غيره بالإضافة إليه.
فإن قلت: فما تقول فيما قال بعض المتأخرين - حين التكلّم على قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ - من أن اسم الله تعالى استعارة بالكناية؟
قلت: الواجب على أهل الشرع والعقل أن يصون لسانه على ارتكاب مثل هذا القول، فكيف لا، وأنه مخالف للنقل والإجماع)، مخالف - أيضاً - لقول علي كرم الله وجهه:
إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره؛ فليس كل سامع نكر يطيق - إن سمعه- عذراً.
وأما الذي صدر عنه، فإنما وقع عنه على سبيل الهفوة (1) والزلة؛ باقتصار نظره على ظاهر قول «الزمخشري» في تفسير قوله: {يُخَدِعُونَ اللَّهَ) حيث قال: الوجه الثالث: أن يذكر الله تعالي ويراد به
الجزء 1 · صفحة 14
الرسول.
فإن قلت: فماذا تقول أنت في مثل هذا؟.
قلت: إنه محمول على التشبيه والتمثيل قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، إِنما المعنى: تقرير عقد الميثاق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله)
(أسماء الله، وحظ العبد منها)
هذا؛ وإن الغزالي - رحمه الله - روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: [تَخلَّقوا بأخْلاقِ اللهِ تعالى].
وهذا يشير أن يكون للعبد من كل اسم من أسمائه حظ يليق به.
والحكماء المتقدمون قالوا: الفلسفة هي: التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية.
إذا عرفت هذا الأصل؛ فأقول: ينبغي أن يكون حظ العبد من هذا الاسم: (التأله)، وأعني به أن يكون مستغرق القلب، والهمة بالله -تعالى- لا يرى غيره، ولا يلتفت إلى ما سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه. وكيف لا يكون كذلك، وقد فَهم من هذا الاسم أنه هو الموجود الحقيقي، وكل ما سواه فإنه هالك وباطل. قال الله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ])، وإليه أَشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: أصدق بيت قالته العرب بيت لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل .....
ولأجل هذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: [إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله].
تنبيه
كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله، وفي التحلي بمعاني صفاته وأسمائه، بقدر ما يتصور في حقه؛ لكن من لم يكن له حظ من معاني أسماء الله تعالى إلا بأن يسمع لفظاً، ويفهم في اللغة تفسيره ووضعه، ويعتقد بالقلب وجود معناه لله تعالى، فهو منحوس الحظ (?)، نازل الدرجة، ليس يحسن به أن ينجح بما ناله؛ لأن:
- سماع اللفظ لا يستدع إلا سلامة حاسة السمع التي تدرك الأصوات، وهذه رتبة يشاركه فيها
الجزء 1 · صفحة 15
البهيمة.
وأما فهم وضعه في اللغة، فلا يستدعي إلا معرفة العربية، وهذه رتبة يشاركه فيها الأديب اللغوي، بل الغبي البدوي.
- وأما اعتقاد ثبوت معناه لله - تعالى - من غير كشف، فلا يستدعي إلا فهم معاني هذه الألفاظ والتصديق بها، وهذه مرتبة يشاركه فيها العامي بل الصبي؛ فإنه بعد فهم الكلام إذا ألقيت عليه هذه المعاني تلقاها، واعتقدها بقلبه وصمم عليها، وهذه درجات أكثر العلماء، فضلًا عن غيرهم.
ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لا يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث، ولكنه نقص ظاهر بالإضافة إلى الكمال؛ فإن (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، بل حظوظ المقربين من معاني اسم الله تعالى ثلاثة:
1. الحظ الأول: معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة، حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ، وينكشف اتصاف الله سبحانه وتعالى انكشافاً يجري في الوضوح مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة، التي يدركها بمشاهدة باطنه، لا بإحساس ظاهره.
وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين - تقليداً، والتصميم عليه، وإن كان مقروناً بأدلة جدلية كلامية.
2. الثاني من حظوظهم استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث من الاستعظام شوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات؛ ليقربوا بها من الحق قرباً بالصفة، لا بالمكان؛ فيأخذوا من الاتصاف بها شبهاً من الملائكة المقربين عند الله تعالى ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام، صفة، واستشرافها إلا ويتبعها شوق إلى تلك الصفة، وعشق لذلك الكمال والجلال، وحرص على التحلي بتلك الصفة إن كان ذلك ممكناً للمستعظم بكماله؛ فإن لم يكن ممكناً له، فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة، ولا يخلو عن هذا الشوق أحد إلا لأحد أمرين:
- إما لضعف المعرفة، واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال.
- وإما لكون القلب ممتلئاً بشوق، آخر مستغرقاً به. والتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به إلا إذا كان مملوءاً بالجوع - مثلاً -؛ فإن استغراق باطنه بشوق القوت، ربما يمنع انبعاث شوق العلم؛ ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله -تعالى- خالياً بقلبه عن إرادة ما
الجزء 1 · صفحة 16
سوى الله عز وجل؛ فإن المعرفة بذر الشوق، ولكن مهما صادفت قلباً خالياً عن مقتضى الشهوات أنجح، فإن لم يكن القلب خالياً لم يكن البذر منجحاً.
الحظ الثالث - من حظوظ المقربين -: هو السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات، والتخلق بها والتحلي بمحاسنها. وبه يصير العبد ربانياً: أي قريباً من الله تعالى؛ فإنه يصير رفيقاً للملأ الأعلى من الملائكة، فإنهم على بساط القرب، فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئاً من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم من الحق تعالى.
فإن قلت: طلب القرب من الله تعالى بالصفة - أمر غامض يكاد تشمئز القلوب عن قبوله والتصديق به؛ فزده شرحاً تنكسر به سَوْرة إنكار المنكرين، فإن هذا كالمنكر عند الأكثرين إن لم ينكشف حقيقته؟.
فأقول: لا يخفى عليك، وعلى من تزحزح عن درجات عوام الخلق أن: الموجودات منقسمة إلى: كاملة وناقصة، والكامل أشرف من الناقص، ومهما تفاوتت درجات الكمال، واقتصر منتهى الكمال على واحد حتى لم يكن الكمال المطلق إلا له، ولم يكن للموجودات الأخر كمال مطلق، بل كانت لها كمالات متفاوتة، بالإضافة إلى الكمال المطلق، فأكملها أقرب – لا محالة- إلى الذي له الكمال المطلق، أعني: قرباً بالرتبة لا بالمكان ثم الموجودات منقسمة إلى: حية وميتة، وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت، وأن درجات الأحياء ثلاثة:
? - درجة الملائكة.
2 - ودرجة الإنس.
3- ودرجة البهائم.
1 - فدرجة البهائم قاصرة في إدراكها، وفي فعلها:
- أما قصورها في الإدراك؛ فإن إدراكها مقصور على الحواس، وإدراك الحس قاصر؛ لأن الحواس لا تدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها، والحس معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة له ولا قرب ألا يُرى أن الذوق واللمس يحتاج إلى المماسة، والسمع والبصر والشم يحتاج إلى القرب، وكل موجود لا يتصور فيه مماسة ولا قرب؛ فالحس معزول عن إدراكه في الحال.
الجزء 1 · صفحة 17
- وأما بيان القصور في فعالها؛ فلأنه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما، وليس لها عقل يدعو إلى أفعال مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب.
2- وأما الملك فدرجته أعلى الدرجات؛ لأنه عبارة عن موجود لا يؤثر البعد والقرب في إدراكه، بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد؛ إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام، والأجسام أخس أقسام الموجودات.
ثم هو مقدس عن الشهوة والغضب فليست أفعاله بمقتضى الشهوة والغضب، بل داعية إلى أمر أجل من الشهوة والغضب، وهو: طلب القرب إلى الله تعالى.
3- وأما الإنسان، فإن درجته متوسطة بين الدرجتين، وكأنه مركب من بهيمية وملكية والغالب عليه في بداية أمره هو البهيمية، كما أن الغالب عليه في نهاية أمره هو: الملكية، فمهما اقتدى بطريقة الملائكة يكون قريباً منهم، والملك قريب من الله تعالى والقريب من القريب قريب.
فإن قلت: فظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين الله تعالى؛ لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيهاً له، ومعلوم شرعاً وعقلاً أن الله تعالى لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء؟.
قلت: المراد من نفي المشابهة هاهنا هو: نفي المماثلة، وهي: الاتحاد في النوع والماهية، فمعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يكون مماثلا له بهذا المعنى. ألا يُرى أن بين الإنسان، والفرس مشابهة في الجملة، ليس بينهما مماثلة، بل بينهما مباينة؛ كما أن بين البياض والسواد كذلك؛ فإنهما يشتركان في كون كل منهما: عَرَضاً، ولوناً، ومُدرَكاً بالبصر، مع أن بينهما غاية البعد الذي لا يتصور بعد فوقه.
وقريب من هذا قولهم: إن لله مَثَلاً وليس له مِثْل، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى)، كما قال: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وإذا لم يكن {له مثل فلا يعرفها غيره على ما هو عليه في الواقع؛ فإذا القول قول الجنيد - رحمه الله تعالى، قال: [لا يعرف الله تعالى إلا الله]
فإن شئت الاطلاع على هذا بتمامه فانظر إلى كتاب: «الأسنى شرح الأسماء الحسنى) للإمام الغزالي - رحمه الله.
وقيل لذي النون المصري - رحمه الله تعالى-، وقد أشرف على الموت ما تشتهي فقال: أن أعرفه قبل أن أموت، ولو بلحظة.
الجزء 1 · صفحة 18
وهذا الآن يشوش قلوب أكثر الضعفاء، ويوهم القول بالنفي والتعطيل، وذلك لعجزهم عن فهم هذا الكلام.
وأنا أقول: لو قال قائل: لا أعرف إلا الله لكان صادقاً، ولو قال: لا أعرف الله، قيل: كان صادقاً.
ومعلوم أن النفي والإثبات لا يصدقان معاً، بل يتقاسمان الصدق والكذب؛ فإن صدق النفي كذب الإثبات، وبالعكس، ولكن إذا اختلف وجه الكلام تصور الصدق في القسمين قال الله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).
وذلك أن: معرفته على ما هي عليه لا تحصل إلا لله وحده، وأما المعرفة بالتوصيف، وبالبرهان فتحصل للمخلوق؛ ومن ها هنا نشأ قول من قال: إن السبيل إلى الله - تعالى - مفتوح، كما نشأ منه قول من قال: إن السبيل إلى الله- تعالى - مسدود. فلا تتعجبن من هذا، فإنك إذا نظرت إلى شيء من هذا، فإنك إذا نظرت إلى شيء من الأشياء حقّ النظر وجدته غير خالٍ عن أحد السبيلين)
وإدراك الصبي والعنين لذة الجماع على سبيل السماع بدون ذوقه على ما هو عليه يكاد أن يوضح ما ذكر.
ألا ترى أن قائلاً لو قال لغيره: هل تعرف أبا بكر الصديق؟. فقال: والصديق ممن يُجهل ولا يُعرف؟، ويُتصور في العالم من لا يعرفه مع ظهور اشتهاره وانتشار اسمه؟ فهل على المنابر إلا حديثه؟!، وهل في المساجد إلا ذكره؟!، وهل على الألسنة إلا ثناؤه ووصفه؟! - لكان هذا القائل صادقاً.
ولو قيل لآخر: هل تعرفه؟ فقال: ومن أنا حتى أعرف الصديق!. هيهات، لا يعرف صديقاً إلا صديق مثله، أو فوقه، وإنما مثلي يسمع اسمه وصفته؛ فإما أن يدعي معرفته، فذلك محال.
فهذا - أيضاً - صَدَق. وله، وجه، وهو أقرب إلى التعظيم والاحترام. وهكذا ينبغي أن يفهم قول من قال: أعرف الله -تعالى-، وقول من قال: لا أعرفه.
وقال الغزالي -رحمه الله تعالى: ومن العجائب: أن يقول قائل: لا أعرف إلا الله تعالى، ويكون صادقاً؛ ويقول: لا يعرف الله إلا الله، ويكون صادقاً؛ ولكن هذا بوجه وهذا بوجه.
وقال أيضاً: بل أقول: يستحيل أن يعرف النبي إلا النبي، وأما من لا يعرف من النبوة إلا اسمها، وأنها خاصية موجودة للنبي، بها يُفارق من ليس نبياً. وأقول: لا يعرف أحد حقيقة الموت، والجنة والنار
الجزء 1 · صفحة 19
إلا بعد الموت، ودخول الجنة أو النار.
والحاصل أن: «ليس الخبرُ كالعِيَان».
فإن قلت: فماذا نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟
قلت: نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة، فسبحان من جعل العجز عن الشكر شكراً، كما جعل العجز عن المعرفة معرفة.
فإن قلت: فماذا تتفاوت درجات الأنبياء، والملائكة، والأولياء؟.
قلت: تتفاوت في معرفة الصفات والأسماء فليس من يعلم أنه -تعالى-عالم قادر على وجه الإجمال، كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض، وخلق الأرواح والأجساد، واطلع على بدائع المملكة، وغرائب الصنعة، مُمْعِناً في التفصيل، ومستقصياً دقائق الحكمة، ومستوفياً لطائف التدبير، ومتصفاً بجميع صفات الملائكة المقربين من الله تعالى، نائلاً لتلك الصفات نيل اتصاف بها، بل بينهما من البَون البعيد ما لا يكاد يحصى، وفي تفاصيل ذلك ومقاديره يتفاوت الأنبياء والأولياء، ولا يصل هذا إلى فهمك إلا بمثال: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى)
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك].
(الكلام على اسم «الرحمن»)
«الرحمن»: فَعْلان من فَعِل - بالكسر - صفة مشبهة، بعد نقله إلى فَعل أو بعد تنزيل المتعدي منزلة الفعل اللازم، كما في قولك:
فلان يعطي، وله نظائر كغضبان، وسكران، وشبعان، وعطشان، وريان، وعريان.
مختص استعماله بالله تعالى.
وأما قول الشاعر في حق مسيلمة الكذاب:
.... ... وأنت غيث الورى لا زلت رحماناً
فليس يُخِلُّ بذلك؛ فإنه تَقول واختراع، وتعنت في الكفر.
فإن قلت: إذا كان مختصاً به؛ فمن أين علم أن «الرحمن» ليس بعلم؟.
الجزء 1 · صفحة 20
قلتُ: من جهة أنه:
? - يقع صفة في الاستعمال.
2 - ومن جهة أن معناه البالغ في الإنعام، لا الذات المخصوص كما في الجلالة.
3- وأيضاً لو كان علماً، لكان قولنا: لا إله إلا الرحمن يفيد التوحيد، كقولنا: لا إله إلا الله.
والمشهور أن فيه من المبالغة ما ليس في (الرحيم)»؛ لما تسمعهم يقولون:
إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى، ومن ثُمَّ قيل: إن «الرحيم» يتناول دقائق النعم ولطائفها.
كما أن «الرحمن يتناول جلائل النعم وعظائمها؛ ولذلك جعل کالرديف، والتتمة له.
والمختار أنه عربي. خلافاً لثعلب، قال الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا)، وتسمية مسيلمة - وإن كانت تقولا - تدل في الجملة على أنه عربي.
واستدل ثعلب على أنه غير عربي بأن هذا الاسم لو كان مشتقاً من الرحمة لما أنكرته العرب حين سمعته؛ لأنهم لا ينكرون رحمة ربهم، لكن الله - تعالى - قد حكى عنهم الإنكار، والنفور عنه في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ).
وأجيب عنه بأن العرب إنما أنكروه حين سمعوه؛ لأجل أنهم لما سمعوا قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) توهموا أن الله غير الرحمن على ما يشهد به سبب نزول هذه الآية أي شهادة؛ فأنكروا الرحمن لهذا التوهم والخيال. لا لأجل أنهم ما عرفت هذه اللفظة.
و حاصل هذا الجواب منع الملازمة في الشرطية المذكورة.
الرحمة لغة: هو العطف والحنو، هذا في حق المخلوق حقيقة.
وأما الرحمة في حق الله تعالى فهي مجاز؛ فقيل:
1 - هو إرادة إيصال الثواب ودفع الشر؛ فعلى هذا كان الباري -تعالى- رحماناً في الأزل؛ لأن إرادته أزلية ومعنى ذلك: أنه -تعالى- أراد في الأزل أن ينعم على عباده المؤمنين فيما يزال؛ فتكون الرحمة حينئذ من صفات الإرادة.
2- وقيل: هي من صفات الفعل فيكون معناها: إيصال الخير، ودفع الشر.
الجزء 1 · صفحة 21
ثم إن حظ العبد من هذا الاسم هو: أن يسعى غاية السعي في إيصال النفع سواء كان إلى نفسه، أو إلى غيره (?)؛ ولهذا قيل: إن كمال العبودية لله تعالى بالنسبة إلى الخلق هو الإحسان إليهم لأجل الحق؛ وهذه المرتبة أعظم المراتب، حيث وصف الله -تعالى- رسوله عليه الصلاة والسلام بالرحمة، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقد مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ فبدأ بوصف أبي بكر -رضي الله عنه- بالرحمة؛ فقال: [أرحم أمتي بأمتي أبو بكر رضي الله عنه.
وقال عليه الصلاة والسلام: [الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء]. كما قال: [من لا يرحم لا يُرْحم].
وأنشد البعض مثل هذا المعنى:
الحب فيك مسلسل بالأول ... فامْنُن ولا تسمع كلام العُذَّل
ارحم عباد الله يا من قد علا من يرحم السفلي يرحمه العلي
(الكلام على اسم «الرحيم»)
و «الرحيم»: فعيل من رَحِم - بالكسر - صفة مشبهة على قياس ما عرفت في الرحمن، وكثير من الأمور التي ذكرت في اسم «الرحمن» آتٍ في اسم الرحيم»، معلوم بأدنى تأمل، فلا حاجة إلى إعادته، وتعداده.
قال جعفر الصادق رضي الله عنه:
[اسم «الرحمن» خاص بالحق، عام في الأثر؛ لأن رحمته تصل إلى البر والفاجر، واسم (الرحيم) عام في الاسم خاص في الأثر].
لأن اسم (الرحيم) قد يقع على غير الله تعالى؛ فهو من هذا الوجه عام إلا أنه خاص في الأثر؛ لأن هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين.
وقيل: (إن اسم «الله» للسابقين و الرحمن للمقتصدين، و الرحيم للظالمين).
اللهم اجعلني برحمتك من السابقين والمقتصدين، ولا تجعلني - بلطفك وكرمك - من الظالمين .... آمين يا رب العالمين، ويا أرحم الراحمين.
المبحث الحديثي حول البسملة)
الجزء 1 · صفحة 22
فإن قلت: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: [كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسم الله فهو أبتر]، يُرى مخالفاً لقوله عليه الصلاة والسلام: [كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم].
فإن الابتداء بإحداهما يفوت الابتداء بالآخر؛ فهل يمكن التوفيق بينهما؟
قلت: نعم؛ فإن الأصل هو أن لا يُترك دليلان إذا تعارضا، مهما أمكن الجمع بينهما؛ لأن الإعمال بهما بقدر الإمكان أولى من الإهمال بالكلية، ومن الإعمال بأحدهما.
? - فحُمِل حديث البسملة على ابتداء الكلام، بحيث لا يسبقه أمر من الأمور، بأن حديث البسملة أقوى بكتاب الله الوارد على هذا المنوال، وبالإجماع المنعقد عليه، كما حمل حديث «الحمدلة» على ابتداء ما عدا البسملة.
? - وقد أجاب عنه أيضاً - أهل الحديث بأن قالوا حديث البسملة - يُحمل على ابتداء الرسائل والكتب والوثائق بالبسملة؛ ويؤيد هذا وقوع كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وسائر كتبه في القضايا مفتتحة بالبسملة دون الحمدلة؛ كما أن حديث الحمدلة يُحمل على ابتداء الخطب بها، ويؤيد هذا ما حكي من خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مفتحة بالحمدلة بدون البسملة.
فإن قلت: أرى كثيراً من الأمور يبتدئ فيه «بسم الله» مع أنه لا يتم، وأرى كثيرا منها بالعكس، وكذا الحال في الحمدلة، فما المراد من الحديث هاهنا؟. قلت: المراد منه أن لا يكون معتبراً في الشرع، ألا يُرى أن الأمر الذي ابتدئ فيه بغير الله - تعالى - هو غير معتبر شرعاً، وإن كان تماماً حساً.
الباب الثاني: في المسائل، والمقاصد
أقول أجمع الكل على أن: «البسملة) بعض آية من القرآن في سورة النمل؛ لأن الآية ها هنا هي:
قوله تعالى: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بتمامه، بشهادة النقل، والسماع.
وبمعونة الرسوم أيضاً.
فيكون ما ذُكر في تفسير القرطبي من أنه: لا نزاع بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل، محمولًا إما:
1 - على السهو، والنسيان، وطغيان القلم.
2 - وإما على القول بالمجاز.
الجزء 1 · صفحة 23
3 - وإما على القول بأن ها هنا مضافاً مقدراً، وهو «بعض»؛ فيكون المعنى أنه: لا نزاع بينهم على أنها بعض آية من القرآن في سورة النمل.
(المبحث العقدي في البسملة «اعتقاد قرآنيتها»)
ثم إن الاختلاف قد وقع فيما عداها من «البسملة» الواقعة في أوائل السور على وجوه:
الأول: إنها، هل هي قرآن، أو ليست بقرآن؟
وذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- إلى أنها قرآن؛ لكتابتها في المصحف.
وأجاب الخصم عنه بأن يقول: لا نسلم أن مجرد كتابتها فيه يستلزم كونها قرآناً؛ لجواز أن تكتب فيه على سبيل الفصل بين السورة، مع قصد الابتداء بها على سبيل اليمن، والبركة، وإنما يستلزمه لو تواتر في محلها على أنها قرآن، لو كانت قرآناً لما وقع الاختلاف فيها ها هنا)، كما لم يقع الاختلاف في: «بسم الله الرحمن الرحيم الواقع في أثناء سورة النمل.
وذهب الإمام مالك - رحمه الله تعالى إلى أنها ليست بقرآن؛ لعدم تواترها في محلها على أنها قرآن.
فلو تواتر فيها على أنها، قرآن لما وقع الاختلاف فيها ها هنا، كما لم يقع في سائر آيات القرآن، وسورها.
وأجيب بأن عدم تواترها فيه، لا يقتضي سلب القرآنية عنها؛ بناءاً على جواز انفكاك التواتر عنه في حقها، وفي حق غيرها في الجملة، كما في زمن النبي، وأصحابه -صلى الله عليه، وعلى أصحابه أجمعين-.
وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأن الكلام ها هنا إنما هو بالنسبة إلى زمان التابعين، ومن بعدها؛ فلا بد من اعتبار التواتر المحلي فيه حينئذ قطعاً واحتياطاً، ولأجل هذا لا يطلق القرآن على ما نقل إلينا على سبيل الشهرة والآحاد، كقراءة عبد الله بن مسعود، وقراءة عبد الله ابن عباس رضي الله
عنهما.
قال القرطبي- في تفسير «البسملة» -: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك؛ لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه.
قال ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه.
الجزء 1 · صفحة 24
واعلم أن القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، بالاتفاق.
وأما تواتره في محله وفي وضعه، وفي ترتيبه، فهو مختلف فيه.
لكن المختار عند المحققين من علماء السنة والجماعة يجب أن يكون متواتراً في هذه الثلاثة أيضاً؛ فيتفرع على هذا الاختلاف الاختلاف في أن البسملة هل هي من القرآن؟.
أ- فمن شرط أن يكون متواتراً في محله حكم بأنها: ليست من القرآن؛ لعدم تواترها في أوائل السور على أنها فيها من القرآن؛ لثبوت الاختلاف فيها، وإن تواترت كتابةً فيها، وتلاوةً على الألسن، ولهذا حكم بأن البسملة التي في أثناء سورة النمل من القرآن بالاتفاق.
ب_ ومن اكتفى في البسملة بتواترها مطلقاً، أو بتواترها في أوائل السور - وإن لم يتواتر فيها على أنها: فيها من القرآن - حكم بأنها: فيها من القرآن. لكن لا يخفى عليك أن مطلق التواتر بدون التواتر المحلي -كيف ما اتفق - أعم من تواتر القرآن؛ فلابد في تواترها فيها من التقييد بكونها فيها من القرآن، حتى يتم التقريب، فظهر مما ذكرنا:
1 - أن النزاع هاهنا نزاع لفظي.
?- وأن المختار: قول من سَلَب القرآنية عنها هاهنا؛ نظراً إلى الغرض والمقصود من الكلام، والبحث هاهنا.
فلا يضره عدم حصول العلم بسلب القرآنية عنها في نفس الأمر؛ لأن ذلك ليس بوظيفة المجتهد، والفقيه، بل هو وظيفة الحكيم الباحث عن أحوال الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر بحسب الطاقة البشرية.
3 - وظهر - أيضاً - أن: نافي المسألة يُرى مستظهراً على مثبتها.
فإن قلت: فهل تكفر إحدى الطائفتين الأخرى في هذه المسألة؟. قلت لا؛ لقيام الشبهة القوية فيها من جهة كل واحدة منهما على لأخرى.
فإن قلت: فهل يجوز التوقف فيها؟ قلت: لا مانع من الجواز، لا سيما إذا كانت مسألة من مسائل علم الكلام)، أو ملحقة بها؛ لانتفاء دليل قطعي ها هنا على ما ترى.
ولا تثبت ها هنا زيادة حاجة ضرورية إليها، فيكاد أن يكون من قبيله مسألة حدوث العالم وقدمه؛
الجزء 1 · صفحة 25
فلو توقف هناك جاز على ما قرر في موضعه، فكذا يجوز ها هنا، قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وقال الشاعر
إذا لم تستطع أمراً فدعه ... فجاوزه إلى ما تستطيع
وأما الظن، والإقناع فلا يفيد في المسائل الكلامية على ما ذكر في موضعه، قال الله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)
فإن قلت: فهل هذه المسألة ظنية أو قطعية؟)
قلت: قد اختلف الناس فيها؛ فاختار القرطبي أنها: ظنية. ذكره في تفسير «البسملة». وقال غيره: أنها قطعية.
والمختار -عندي- هو التفصيل ها هنا بأن نقول: لو كانت هذه المسألة مسألة من المسائل الكلامية؛ فلابد من أن تكون قطعية؛ فتكون مما يطلب فيه نفس القطع واليقين. وإن كانت متعلقة بعلم الفقه تكون ظنية؛ فتكون مما يطلب فيه العمل على سبيل الظن كسنية قراءتها في الصلاة مثلاً. ويجوز أن تكون مسألة من مسائل العلوم الأخر بحيثيات أُخر. وذلك ظاهر بأدنى تأمل.
(المباحث الفقهية للبسملة)
الوجه الثاني من وجوه الاختلاف، أنها:
? - هل هي آية، أو بعض آية؟.
2 - فإذا كانت آية فهل: آية واحدة ليست بعضاً من السور، وإن كانت بعضاً من القرآن؟. - أم آيات متعددة تكون بعضاً من كل سورة، تكون هي في أولها؟. فهذه المواضع الثلاثة هي محل الاختلاف فإن معنى كون المسألة خلافية هو: أن تكون قابلة للاختلاف فيها سواء حصل الاختلاف فيها بالفعل، أو لم يحصل على ما فُصِّل في موضعه.
? - فالمقصد الأول المختلف فيه أنها آية فردة من بعض القرآن، ولم تكن بعضاً من أول كل سورة، فلما ظهر للمتأخرين من الجماعة الحنفية بالنظر في الأدلة أنها من القرآن، قالوا: الصحيح من المذهب أنها: آية واحدة أنزلت للفصل والتبرك، وليست بآية، ولا بعض شيء من السور.
وقد روي عن محمد بن الحسن أن التسمية آية منزلة من القرآن، أنزلت للفصل بين السور،
الجزء 1 · صفحة 26
وللبداية تبركاً بها؛ فعلى هذا عدم جواز الصلاة بها؛ لوقوع الشبة في كونها آية تامة.
لكن المشهور عند قدماء الحنفية أنها: ليست من القرآن أصلًا.
وهو قول ابن مسعود، ومذهب مالك- رحمه الله؛ ولأجل هذا قالوا: إن تقييد التواتر في تعريف القرآن بقولهم: بلا شبهة احتراز عنها؛ فلا تجوز بها الصلاة؛ لأجل ثبوت الشبهة في كونها متواترة عندهم.
2- الموضع الثاني المختلف فيه: أنها آية تامة، بعض من كل سورة تكون هي في أولها، وهو قول عبد الله بن المبارك رضي الله عنه، روي عنه [من ترك (بسم الله الرحمن الرحيم) من القرآن، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية].
ومنع هذا القول بأن يقال: إن القرآن ثابت - قطعاً ويقيناً لا شك فيه، ولا شبهة. فلو كانت آية تامة من رأس كل سورة لم يختلف الكبار فيها، وأدنى درجة الاختلاف إيراث الشبهة، وبالشبهة لا يثبت كونها من رأس كل سورة.
وكان الحسن البصري- رحمه الله تعالى لا يجعلها من الفاتحة، ويقول: لم يقرأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان -رضي الله عنهم-.
وكان يعد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) آية، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية أخرى؛ فتكون سورة الفاتحة سبع آيات أيضاً سواء قيل: إنها جزء من الفاتحة، أو لم يُقل. وأيضاً كان الأوزاعي يقول: ما أنزل الله تعالى في القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل).
على أنا نقول: إن قول ابن المبارك لا يخلو إما أن يكون مقصوراً عليه، أو مسنداً إلى النبي-صلى الله عليه وسلم-:
? - فإن كان مقصوراً عليه؛ فقوله لا يكون حجة علينا، فكيف وقد روي خلاف ذلك عمن هو أكبر منه: كأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم -.
? - وإن كان مسنداً إليه- عليه السلام- فكذلك؛ لأن: «عدم شهرة الحديث فيما فيه عموم بلوى دليل الافتراء، أو دليل النسخ، أو دليل السهو والنسيان).
3- ثم إن قوله محتاج في إفادة ترك هذا العدد المخصوص إلى بعض وجوه التأويل؛ فتأمل.
فإن قلت: فلِمَ تُركت البسملة في أول سورة التوبة؟
الجزء 1 · صفحة 27
قلت:
1 - لأنها نزلت لرفع الأمان، وبسم الله أمان.
2- وقيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا نزلت عليه سورة، أو آية بين موضعها، وتُوفي ولم يبين موضعها، وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال وتناسبها؛ لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها؛ فضمت إليها.
3- وقيل: لما اختلف في أنهما سورة واحدة، هي سابعة السبع الطوال، أو سورتان؟ ترکت بينهما فرجه، ولم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا وقد روي عن جعفر الصادق -رضي الله عنه- أنه قال: [البسملة تيجان السور].
وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -: هذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، ولا من غيرها. ذكره في تفسير «البسملة».
ونقل عن الشافعي رحمه الله تعالى- في البسملة قولان، وللأصحاب طريقان:
أحدهما: أن له قولين في كل سورة سوى براءة.
وأصحهما: أن له قولاً واحداً في الفاتحة، وهو: أنها آية مستقلة منها، وفي باقي السور قولان؛ لكن المشهور أنها آية من غير الفاتحة، وفي الفاتحة قولان:
أ- أحدهما أنها آية؛ لما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أنَّ-صلى الله عليه وسلم- قال: [فاتحة الكتاب سبع آيات أولهن (بسم الله الرحمن الرحيم)].
ب ثانيهما: أنها بعض آية لما روت أم سلمة- رضي الله عنها-[قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفاتحة وعدَّ «بسم الله الرحمن الرحيم»، الحمد لله: آية].
ونُقل عن الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- قولان: أصحهما: أنها ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها.
وهذه الأقوال لا تدل على المطلوب قطعاً ويقيناً، وإن دلت عليه، فإنما تدل عليه ظناً، ولكن ليس بمراد هاهنا، فإذن لا يحصل التقريب بلا شك.
الجزء 1 · صفحة 28
وأما حال الموضع الثالث المختلف فيه: فقد عرفت مما ذكر فلا حاجة إلى إعادتها هاهنا.
فإن قلت: فما الآية في العرف؟.
قلت: هي: طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل.
والفصل هو: آخر الآية.
فإن قلت: يلزم منه دَورٌ؛ لكون كل واحد من الآية، والفصل مأخوذاً في تعريف الآخر؟.
قلت: إنه تعريف لفظي، والمقصود منه التمييز والتسمية؛ لا الاكتساب حتى يتوجه هاهنا ما ذكره ألا ترى أن كتب اللغة مشحونة بمثل هذا التعريف، وإن كنت تطلب صحة ما ذكرناه هاهنا - فانظر في الصحاح» تجد فيه شاهد عدل بذلك.
فهذا الذي ذُكِر هو ما يتعلق باختلاف الفقهاء فيها.
(مبحث القراءات في البسملة)
وأما الذي يتعلق باختلاف القراء فهو: أن قراء المدينة، والبصرة، والشام على أنها ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها؛ فنافع مدني، وأبو عمرو بن العلاء بصري، وعبد الله بن عامر شامي.
وأن قراء مكة، والكوفة على أنها آية من الفاتحة، ومن رأس كل سورة؛ فابن كثير مكي، وعاصم كوفي.
فإن قلت: فما سبب تخصيص هذه الأمصار الخمسة بالذكر، من بين الأمصار الإسلامية؟.
قلت: سببه أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، رضي اله عنهم أجمعين - نزلوا بها؛ فحفظ عنهم القرآن، وانتقل منهم الشريعة والسنة إلى سائر الأمصار.
(مباحث البسملة في الصلاة) (?)
الوجه الثالث: من وجوه الاختلاف في قراءتها في الصلاة هو: أن الاختلاف فيها يقع على ثلاثة وجوه:
1 - الأول: أنها: هل تقرأ في الصلاة أم لا؟
أ فعند مالك - رحمه الله تعالى- لا تقرأ أصلاً، لا جهراً ولا سراً.
الجزء 1 · صفحة 29
ب- وعند علمائنا، والشافعي - رحمهم الله تعالى - تقرأ.
- الثاني: أنها هل تكرر أم لا؟.
أ- فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تكرر.
ب- وعند أبي يوسف-رحمه الله- تكرر، وبه أخذ الشافعي رحمه الله تعالى.
ج- وعند محمد -رحمه الله تعالى- لا تكرر فيما يجهر به، وتكرر فيما يخافت.
الوجه الثالث: أنها يجهر بها فيها أم لا؟.
أ- فعندنا لا يجهر.
ب- وعند الشافعي -رحمه الله تعالى – يجهر.
وروي عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال: [صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخلف أبي بكر وعمر، وعثمان؛ فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)].
(استطراد في منقبة أبي حنيفة)
وقد أدرك أبو حنيفة- رحمه الله تعالى- أنساً؛ وذكر في المناقب أن: أبا حنيفة - رحمه الله تعالى قال: لقيتُ من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبعة منهم:
1 - أنس بن مالك
2 - وعبد الله بن جزء الزبيدي.
- وجابر بن عبد الله الأنصاري.
- ومعقل بن يسار
ه - وواثلة بن الأسقع.
6- وعبد الله بن أنيس
وعائشة بنت عجرد- رضوان الله عليهم أجمعين.
وأما ما رُوي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[جهر بها في الصلاة] فقد طعن فيه أئمة الحديث؛
الجزء 1 · صفحة 30
لأن ندرة الحديث، وعدم شهرته فيما فيه ابتلاء، دليل الافتراء أو النسخ؛ فلا يسمع.
وقال إبراهيم النخعي: الجهر بالبسملة بدعة. وهو ممن أدرك أكابر الصحابة.
وقد روي عن سعيد بن جبيرأنه قال: كان المشركون تحضر المسجد فإذا قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قالوا: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون: مسيلمة الكذاب؛ فأمر أن يُخافت بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ونزل قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا).
قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النهار، وإن زالت العلة.
(المباحث النحوية في البسملة)
فإن قلت: لا شك أن بسم الله الرحمن الرحيم» إذا حكي على سبيل التعداد)، لا يمسه إعراب أصلا لا لفظاً، ولا تقديراً، ولا محلاً؛ لانتفاء التركيب، مع انتفاء المعاني الموجبة له، وهي الفاعلية، والمفعولية، والإضافة.
فهل يجوز أن يمسه إعراب إذا اعْتُبِرَ مع غيره، بحيث يحصل بينهما ارتباط يوجب حصول أحد هذه المعاني الثلاثة؟
قلت: نعم.
فإن قلت فأي إعراب هو؟. أهو إعراب لفظي، أم تقديري، أم محلي؟.
قلت: الظاهر أنه محلي.
فإن قلت: فهل يمكن أن يكون تقديرياً؟.
قلت: يمكن كما في العصا؛ لقيام التعذر فيها.
وقد صرح بعض العلماء بمثل هذا في حاشية الكشاف في تفسير أول سورة البقرة.
فإن قلت: فما الفرق بين الإعراب المحلي، والإعراب التقديري؟. قلت: الفرق بينهما أن المانع في الإعراب المحلي هو: الكلمة بتمامها؛ كأنا، وأنت، وهو.
كما أن المانع في الإعراب التقديري هو: الحرف الأخير كالعصا، والرحى.
الجزء 1 · صفحة 31
وإن كانت الكلمة قابلة للإعراب اللفظي فماذا هو؟ أهو رفع، أم نصب، أم جر؟
قلت: الظاهر أنه رفع.
فإن قلت: فالرفع على ماذا؟
قلت: الظاهر أنه على الابتداء.
فإن قلت: فماذا يُقدر؟.
قلت: المُقَدَّر - ها هنا - نوعان:
أ. نوع مناسب لطريقة الفقهاء.
ب. ونوع مناسب لاعتبار النحاة.
- وأما التقدير المناسب لمذهب مالك ونحوه، فهو أن يقال: (بسم الله الرحمن الرحيم» ليس بقرآن، ولا آية منه.
2- كما أن التقدير المناسب لمذهب الشافعي هو أن يقال: «بسم الله الرحمن الرحيم) قرآن، وآيةٌ من الفاتحة وغيرها- مثلاً-.
3- وأما التقدير المناسب لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله- فهو أن يقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من رأس كل سورة- مثلاً -.
4 - وأما التقدير المناسب لاعتبار الكل فهو أن يقال: «بسم الله الرحمن الرحيم) اختلف فيه؛ هل هو، قرآن أم ليس بقرآن، إلى غير ذلك من التقديرات المناسبة لآراء الفقهاء.
5- وأما التقدير المناسب لطريقة النحاة فهو أن يقال: «بسم الله الرحمن الرحيم كائن، أو حاصل، أو مفتتح به، إلى غير ذلك من التقديرات المناسبة لطريقتهم أيضاً).
فإن قلت: فهل يتصور النصب محلاً؟.
قلت: نعم نحو: بدأتُ (بسم الله الرحمن الرحيم)).
فإن قلت: فهل يتصور النصب بحذف حرف الجر، كما في قوله تعالى: (وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)، نحو: الله لأفعلن؟
الجزء 1 · صفحة 32
قلت: نعم، قال ذو الرمة:
ألا رب من قبلي له الله ناصح ... ......
كما قال الآخر:
............ ... فذاك أمانة الله الثريد
فإن قلت: فهل يجوز ها هنا - إضمار حرف الجر، وإبقاء عمله؟.
قلت: يجوز، نحو قولهم: لاه أبوك.
فإن قلت: فهل يجوز الجر، على توهم حرف الجر؟.
قلت: لا؛ لأن اعتباره ها هنا - بعيد جداً.
فإن قلت: فهل يتصور - هاهنا - وجوه أخرُ غريبة أيضاً؟.
قلت: الوجوه - هاهنا - كثيرة جداً، وإنما أوردت ها هنا بعضاً منها كقطرة من بحر؛ تنبيهاً، وتمريناً، وسداً لباب التقليد في غير محله، وتشويقاً، ودفعاً للتقاعد والتكاسل، وإطماعاً في تحصيل أمثال هذه الاعتبارات؛ قال الله تعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ، كما قال: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرُ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
(مباحث الرسم في البسملة)
ثم إن «بسم الله» يكتب بغير ألف، استغني عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط؛ لكثرة الاستعمال (?)، بخلاف أقرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فإنها لم تحذف؛ لقلة الاستعمال.
واختلف في حذفها مع «الرحمن»؛ فقال الكسائي: تحذف.
وقال يحيى بن وثاب:
لا تحذف إلا مع بسم الله فقط؛ لأن الاستعمال إنما كثر فيه.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طَوِّل الباء، وأظهر السيئات، ودور الميم.
وروي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[كان يكتب: «باسمك اللهم»، فلما نزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)، كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم»]).
الجزء 1 · صفحة 33
وقال الشعبي: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، حتى نزلت سورة النمل، فكتبها بعد ذلك]).
الباب الثالث: في بيان فضائل «البسملة» وفي الاختتام بـ «الاستعاذة»
1- روي عن عبد الله بن مسعود–رضي الله عنه- أنه قال: [من أراد أن ينجيه الله تعالى - من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم»؛ ليجعل الله - تعالى - له بكل حرف منها جُنَّةً من كل واحد].
فالبسملة تسعة عشر حرفاً على عدد ملائكة أهل النار، الذين قال الله فيهم: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ).
وهم يقولون في كل أفعالهم: بسم الله الرحمن الرحيم»؛ فمن هناك قوتهم، و «بسم الله» استضلعو ا.
2 - وروى النسائي عن أبي المليح، عن ردف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: [إذا عثرت بك الدابة فلا تقل: تعس الشيطان؛ فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صنعته، ولكن قل: «بسم الله»، فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب].
3- وقال بعض العلماء: إن بسم الله الرحمن الرحيم تضمنت جميع الشرع؛ لأنها تدل على الذات، وعلى الصفات. وهذا صحيح.
4 - وقال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه -: [نظر إلى رجل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال له: جودها؛ فإن رجلاً جودها، فغفر له]).
5 - قال سعيد: [بلغني أن رجلًا نظر إلى قرطاس فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، فقبله، ووضعه على عينيه؛ فغفر له].
6 - ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنه رفع الرقعة التي فيها «اسم الله»، وطيّبها - طيب الله ذكره -. ذكره القشيري
7 - وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- أنه قال في: [«بسم الله الرحمن الرحيم شفاء من كل داء، وعون على كل دواء؛ وأما «الرحمن» فهو: عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره؛ وأما
الجزء 1 · صفحة 34
الرحيم» فهو: عون لمن تاب، وعمل صالحاً].
8 - وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: [سَتْر ما بين الجن، وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم ا الله].
9- وقال لعمر بن أبي سلمة: [يا غلام، سم الله، وكُل بيمينك، وكُلْ مما يليك].
والحاصل: أن ذكر اسم الله تعالى في أول كل فعل مندوب، كالأكل والشرب ونحوهما، قال الله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقال: (أَرْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ بَحْرِنَهَا وَمُرْسَهَا).
واختلفوا في وصل (الرحيم» بـ «الحمد لله»؛ فقرأ بعضهم: بإسكان الميم مع الوقف عليها، وبابتداء الألف مقطوعةً، وقرأ الجمهور: بخفض الميم، وبوصل الألف من الحمد.
(تتمة: في مباحث الاستعاذة)
هذا وإن الله -تعالى- أمر بالاستعاذة عند أول كل قراءة، فقال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ)، إذا أردت أن تقرأ: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن أوقع الماضي فيه موقع المستقبل.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَّى) ن فإن المعنى: فتدلى ثم دنا.
ثم إن هذا أمر للندب عند الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة.
واختلفوا فيه في الصلاة:
? - فحكى النقاش: عن عطاء أن الاستعاذة واجبة
2- وكان ابن سيرين، والنخعي، وقوم يتعوذون في الصلاة في كل ركعة، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم.
3- وأبو حنيفة والشافعي -رحمهما الله تعالى- يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة.
4 - ومالك- رحمه الله تعالى لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة، ويرا في قيام رمضان.
ثم المختار عند حمزة من القراء في الاستعاذة» أن يقول: «استعيذ بالله من الشيطان الرجيم).
الجزء 1 · صفحة 35
والمختار عند الجمهور أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وبه ورد الأخبار.
ويتعوذ قبل القراءة، روى أبو سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم -[كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة].
وقالت الظاهرية: يتعوذ بعد القراءة؛ تمسكاً بظاهر الأمر الوارد في الاستعاذة.
وقال أبو هريرة أن: [الاستعاذة بعد القراءة].
وقال القاضي أبو بكر العربي انتهى الغيُّ بقوم إلى أن قالوا: إذا فرغ القارئ من قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال: أجمعت القراء على إظهار الاستعاذة» في أول قراءة سورة الحمد إلا حمزة.
وروي عن أهل المدينة أنهم يفتتحون القراءة بالبسملة.
وذكر أبو الليث السمرقندي: عن بعض المفسرين أن: التعوذ فرض إذا نسيه القارئ، وذكره في بعض الحرف قطع وتعوّذ، ثم ابتدأ من أوله.
وبعضهم يقول: يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه. وبالأول مال أسانيد الحجاز والعراق، وبالثاني مال أسانيد الشام ومصر.
(مبحث في: فضائل الاستعاذة)
? - وروى مسلم عن سليمان بن صُرَد- في فضيلة التعوذ - أنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم- فجعل أحدهما يغضب، ويحمر وجهه، وينتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم].
?- وروي مسلم - أيضاً - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي)، أنه أتى النبي- صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، وقد أتى يُلَبِّسُهَا عليَّ؛ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ذاك شيطان يقال له: خِنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، وَاتَّقُلْ عن يسارك ثلاثاً. قال: ففعلت، فأذهبه الله عني].
3- وروت خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: [من نزل منزلاً، وقال: أعوذ بالله بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل] والأخبار في ذلك
الجزء 1 · صفحة 36
كثيرة.
فإن قلت: فما الفائدة في الاستعاذة من الشيطان وقت القراءة؟. قلت: فائدتها هي: امتثال الأمر. وليس للشرع فائدة إلا القيام بحق الوفاء في الامتثال أمراً، وفي الاجتناب نهياً؛ فيحصل ببركة ذلك أمن من وسوسة الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيَّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).
(مبحث في: معنى الاستعاذة)
* و «الشيطان»: واحد الشياطين على التكسير، والنون أصلية؛ لأنه مشتق من شَطَنَ إذا بعد عن الخير والشَّطَن الحبل؛ لبعد طرفيه وامتداده. وسمي الشيطان شيطاناً؛ لبعده عن الحق، وتمرده.
وقيل: أن «شيطاناً) مأخوذ من (شاط، يشيط»: إذا بطل؛ فالنون زائدة.
وحكى سيبويه أن العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل أفعال الشياطين؛ فهذا يَدلُّ على أنه: تفعيل من شطن، وقال أمية بن أبي صلت:
إنما شاطن عصاه عكاه ... ورماه في السجن والأغلال
إذ لا شك أن شاطناً من شَطَن.
والرجم القتل، وأصله الرمي بالحجارة. والمراد منه -ها هنا هو: الطرد، والشتم، والإبعاد.
والرجم يجيء أيضاً- بمعنى: القول بالظن، قال الله تعالى: (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَبِّمَا بِالْغَيْبِ).
وقال علي -رضي الله عنه -[رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الصفا، وهو مقبل على شخص في صورة الفيل، وهو يلعنه، فقلت: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: هذا الشيطان الرجيم، فقلت: والله يا عدو الله لأقتلنّك، ولأريحن الأمة منك].
فأقول: اللهم ارحمنا من شر الشيطان الرجيم، ووسوسته، ومكره؛ إنك أنت مجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، وإنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
قال المؤلف - فسح الله في مدته وحصل الفراغ من ترتيب المدارك.
الجزء 1 · صفحة 37
النفيسة السنية، مُسماة بـ «التذكرة» النافعة الحافظة اليونسية، جامعة لغرر النكت الغريبة اللطيفة العبقرية، مسلوكاً فيها طريقة الشريعة الشريعة النبوية، مشاراً بها إلى أسرار محاسن الأعمال المصطفوية)، وأنشدت فيها:
كل الفوائد قد حوته إشارتي فهو الطراز على وشاح معلم
وتناثرت فيها نجوم مسائل تهدي السبيل لمنجد ولتهم
وذلك الفراغ بالسابع والعشرين من ذي الحجة الحرام، سنة: خمس وستين وثمانمائة هجرية.
وكتب من خطه - فسح الله مدته- على ... العبد الفقير إلى الله تعالى.