الجزء 1 · صفحة 7
الطراز المذهب في ترجيح الصَّحِيحِ مِنَ المَذهَبِ
تأليف الإِمَامِ الفَقِيهِ مُحَمَّد بَدْر الدِّينِ الشَّهَاوِي الحَنَفِي المِصْرِي
(كَانَ حَيَّا سَنَة 961هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة والتوفيق، والحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده.
وبعد:
فهذه مقدمة وضعتها لكشف ما يشتبه على بعض طلبة العلم في هذا الزمان من الحنفية المقلدين لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى فيما إذا ذُكِرتْ مسألة في كتب المذهب وكان فيها اختلاف بين المشايخ المتأخرين، ولم يوجد فيها نص عن المتقدمين في ظاهر الرواية عنهم، ماذا يكون الحكم في ذلك؟
فأحببتُ أن أبين ما هو المذهب في ذلك بياناً شافياً بحسب ما وصل إلينا من قواعد المذهب وفروعه وصولاً وافياً آخذاً من الصدور وتتبع المسطور وسميتها بـ:
الطراز المذهب في ترجيح الصحيح من المذهب.
فقلت مستعيناً بالغفور الشكور: لابد أولاً قبل الشروع في ذلك من ذكر ما صرحوا به من الألفاظ الدالة على الترجيح؛ ليعتمد الواقف على ذلك، ويعرف مرتبة الضعيف من الصحيح.
قد شرح في شرح القدوري المسمّى بالمضمرات والمشكلات فقال: أما العلامات المعلم بها على الإفتاء: فقوله: وعليه الفتوى. و به يُفتى. وبه يعتمد. وبه نأخذ. وعليه الاعتماد. وعليه عمل الأمة. وعليه عمل الناس اليوم. وهو الصحيح. وهو الأصح. وهو الظاهر. وهو الأظهر. وهو المختار في زماننا. وعليه فتوى مشايخنا. وهو الأوجه. وهو الأشبه وغيره من الألفاظ المذكورة في متن هذا الكتاب في محالِّها.
وفي حاشية البزدوي قوله: هو الصحيح، يقتضي أن يكون غيرها غير صحيح. ولفظة الأصح تقتضي أن يكون غيرها صحيحاً. انتهى.
قلتُ: وهو حسن جداً، وصرح بذلك غيره أيضاً وهو في غاية الجودة؛ لكونه مرجعاً ضابطاً للألفاظ الدالة على الترجيح حتى لا يشتبه على الطالب موارد هذه الألفاظ الدالة على الترجيح ذلك عوناً وسبباً لاستيقاظ الحفاظ.
فإذا تقرر هذا فقد قال الشيخ الإمام العلامة الشيخ قاسم الحنفي رحمه الله تعالى في تصحيح
الجزء 1 · صفحة 9
القُدُوري ما نصه: وقد قال بعض من لا يدري مراد الفقهاء وقد قالوا: إذا كان الإمام في جانب وهما في جانب فالمفتي والقاضي بالخيار.
فقلت: ليس الأمر كما يزعم. فقد قال الإمام قاضي خان في كتاب الفتوى له: رسم المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي عن مسألة إن كانت مروية عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنه يميل إليهم ويفتي بقولهم ولا يخالفهم، وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنّ الظاهر أن يكون أصحابنا ولا يعدوهم واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مخالفهم، ولا يقبل حجته؛ لأنهم عرفوا الأدلة، وميزوا بين ما صح وثبت وبين ضده.
وإن كانت المسألة مختلفاً فيها بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه يؤخذ بقولهما؛ لوفور الشرائط واستجماع الصواب فيها.
فإن خالف أبا حنيفة صاحباه فى ذلك فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان، كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقول صاحبيه؛ لتغير أحوال الناس.
وفي المزارعة والمعاملة ونحوها يختار قولهما؛ لاجتماع المتأخرين على ذلك، وفيما سوى ذلك يخير المفتي المجتهد، ويعمل بما أفضى إليه رأيه.
وقال عبد الله بن المبارك: نأخذ بقول أبي حنيفة، وإن كانت المسألة في غير ظاهر الرواية إن كانت توافق أصول أصحابنا نعمل بها.
وإن لم تكن فيها رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيء نعمل به.
وإن اختلفوا يأخذ بقول من هو أفقه الناس عنده ويضيف الجواب إليه.
فإن كان أفقه الناس عنده في مصر آخر يرجع إليه بالكتاب ويتثبت في الجواب، ولا يجازف خوفاً من الاجتراء على الله بتحريم حلال وضده. وأما اتباع الهوى في الحكم والفتوى فحرام إجماعاً، وأما الحكم والفتوى بالمرجوح فخلاف الإجماع.
وقال من لا يدري مراد العلماء: قد فُقد المجتهد والأفقه؟
قلت: فيما فيه الروايات يعمل بقول ابن المبارك مع أن المجتهدين لم يفقدوا حتى نظروا في المختلف ورجحوا وصححوا، فشهدت مصنفاتهم بترجيح دليل أبي حنيفة والأخذ بقوله إلا في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدهما، وإن كان الآخر مع الإمام، كما اختاروا قول أحدهما فيما لا نص فيه للإمام للمعاني التي أشار إليها القاضي رحمه الله. بل اختاروا قول زفر في مقابلة قول الكل
الجزء 1 · صفحة 10
ونحو ذلك. وترجيحاتهم وتصحيحاتهم باقية، فعلينا اتباع الراجح والعمل به كما أفتوا به في حياتهم به.
قيل: ففي غير ظاهر الرواية عن الأئمة قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح.
قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق بالناس.
فمن يميز هذه حقيقة لا ظنّاً بتبعية فيَرْجِعُ من لم يميز لمن يميز لبراءة ذمته. انتهى كلام الشيخ قاسم مع حذف.
قلت: فتحرر لنا من هذا كله أن العمل والفتوى على كتب ظاهر الرواية عن أئمتنا الله تعالى إلا أن يختار المشايخ رحمهم المتأخرون الفتوى على خلاف ذلك لعلة اقتضت ذلك، كما قد تقرر في موضعه، وفروع المذهب شاهدة لذلك، وسيأتي مزيد بيان على ذلك.
ثم كتب ظاهر الرواية عن أئمتنا الثلاثة هي الجامع الصغير و «الجامع الكبير» و «الأصل» الذي هو المبسوط و «الزيادات) والسير الصغير».
وأما زيادات الزيادات» و «الهارونيات» و «الجرجانيات» و «الكيسانيات» وما أشبه ذلك من مؤلفات محمد بن الحسن فليست من كتب ظاهر الرواية، كما صرح به شراح الهداية وغيرهم.
فإن كانت المسألة في غير كتب ظاهر الرواية فإن اجتمع المتأخرون فيها على شيء يعمل به ولا يعدل عنه؛ فإنهم أعلم وأدرى بمذهب أئمتنا المتقدمين.
وإن اختلفوا يعمل بقول الأكبر ثم الأكبر. أي من هو أعلى مرتبة وعلماً لا سنًا. ثم بقول الأكثر فالأكثر، أي أكثرهم، كان الأكثر في جانب يعمل به ولا يعدل عنه إلى القول الآخر، كما سيأتي التنبيه على ذلك في محله.
ولوكان ذلك القول الذي اختاره المتأخرون وأجمعوا عليه قول زفر أو قول الحسن أو قول غيره من المشايخ المتأخرين خلاف ظاهر الرواية يعمل به ولا يعدل عنه، ولا يسعنا إلا اتباعه؛ لأنا مقلّدون ومتبعون لا مبتدعون، ونترك ما هو ظاهر الرواية، ونتبع المتأخرين فيما اجمعوا عليه من ذلك، وفروع المذهب شاهدة لما قلنا، فمن ذلك ما صرحوا به في كتاب النكاح: أنها إذا تزوجت بغير كفؤ فللأولياء حق الاعتراض في ظاهر الرواية عن أئمتنا الثلاثة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أن العقد لا ينعقد. قال المتأخرون: وعليه الفتوى. وعللوا لذلك بأنه ليس كل ولي يحسن المرافعة إلى الحاكم، ولا كل حاكم يعدل، فَسُدّ هذا الباب أسد. وكما قالوا في البيع فيمن اشترى دارا ورأى صحنها: يكتفي برؤيته عن رؤية داخل البيوت عند أئمتنا الثلاثة في ظاهر الرواية
الجزء 1 · صفحة 11
عن زفر: لا بد من رؤية داخل البيوت.
قال المتأخرون: وعليه الفتوى. وما ذاك إلا للعلة التي اقتضت ذلك، وهي: تغير العرف وأحوال الناس في ذلك، إلى غير ذلك من الفروع الدالة عليه.
إذا علم هذا وتقرر، فاعلم أنه إذا ذُكرت مسألة في الفتاوى من كتب المذهب، وكان فيها ما يخالف أصول أصحابنا في كتبهم المدونة لا يعمل بها.
ومن قال: إنه إذا وُجدت مسألة في كتب الفتاوى تخالف كتب المذهب وذكر فيها التصحيح، يكون العمل عليها، فذاك جهل من قائله لعدم اطلاعه على كتب أصحابنا وقواعدهم.
ومن أمعن النظر في ذلك علم أن ما قلناه صواب.
فمن ذلك ما صرحوا به في بعض كتب الفتاوى من: أن القضاء على الغائب أو له ينفذ في أظهر الروايتين. وغالب طلبة العلم في هذا الزمان يعتقد ذلك، ويترك كتب المذهب التي هي عمدة المذهب؛ لأنها صارت كالمتواترة عن أئمتنا الثلاثة. كما صرح به خاتمة المحققين الشيخ كمال الدين ابن الهمام وغيره.
وإذا كان كذلك فلا يفتى بذلك، ولو صرح فيها بالتصحيح؛ لأنه لا شك ولا ريب أن كتب المذهب من المتون والشروح قاطبة بعدم نفاذ القضاء على الغائب أو لَه إلا بالشرط الذي ذكروه في الكتب، وإذا كان كذلك فكان هذا مخالفاً لها فلا يعتبر.
على أنني بفضل الله اطلعت في بعض كتب من الكتب المعتبرة أنه لا ينفذ في الرواية الصحيحة وممن صرح بذلك صاحب المحيط» في كتابه المسمى «بالوجيز» وهو عندي في مجلدين ضخمين، فكان ذلك دليلاً ومؤكدًا لما ادعيناه من تلك القاعدة المتقدمة.
ومما يؤيد ذلك أيضا ما صُرح به في «أنفع الوسائل» حيث قال: وإذا دار الأمر بين أن يفتى بقول الفتاوى وبين أن يفتي بما هو نص المذهب، لا يفتى بقول الفتاوى بل نقول: الفتاوى إنما يستأنس بها إذا لم يوجد ما يعارضها من كتب المذهب، أما مع وجود غيرها فلا يلتفت إليها خصوصاً إذا لم يكن فيها نص على الفتوى.
قلتُ: فهذا كله دليل على أن العمل والفتوى على كتب المذهب لا على قول الفتاوى.
هذا وما ذكره الشيخ قاسم في التصحيح في كتاب الحجر حيث قال: (وقال القاضي يعني قاضي خان في كتاب الحيطان: وعندهما يجوز الحجر على الحر، والفتوى على قولهما.
قلتُ: وهذا تصريح، وهو أقوى من الالتزام. لا يجدي نفعاً ولم يقع موقعه حيث جعل العلة والمدرك
الجزء 1 · صفحة 12
في ذلك إنما هو التصريح دون الالتزام.
ولا شك أن العمل والفتوى على كتب المذهب من المتون والشروح كما صرح به هو وغيره.
ألا ترى أنهم يقولون في أحكام كثيرة يقع فيها مصادمة من بعض الكتب ببعض على رواية كتاب البيوع، الحكم كذا، وعلى رواية كتاب الصلاة، الحكم كذا وكذا يقولون على رواية شرح الطحاوي الحكم كذا، وعلى رواية القدوري الحكم كذا، إلى غير ذلك.
والمشايخ رحمهم الله تعالى إنما اعتمادهم على المتون وشروحها؛ لأنها موضوعة لما هو المعتمد في المذهب.
ولو عملنا ما ذهب إليه الشيخ قاسم من هذا البحث لزمنا إلغاء جميع روايات الكتب التي عليها العمل، إذا وجدنا نقلا عنها ونقلا عن الفتاوى مصرحا بالتصحيح فيه.
وليس الأمر كذلك إذا لم يقل به أحد من أئمتنا ولا هو المدرك في المسألة بل المدرك فيها ما صرح هو أي: الشيخ قاسم به في صدر مقدمة التصحيح من أن ذلك اختلاف عصر و زمان، وفيه يفتى بقولهما كما اختاره المشايخ المتأخرون وأجمعوا عليه. كما تقرر في موضعه.
وقال في «السراجية ومنية المفتي» وغيرهما من الكتب: ثم الفتوى على الاطلاق على قول أبي حنيفة، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر بن الهذيل والحسن بن زياد.
وقيل: إذا كان أبو حنيفة في جانب وهما في جانب فالمفتي بالخيار، والأول أصح، إذا لم يكن المفتي مجتهداً؛ لأنه كان أعلم أهل زمانه حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه. انتهى.
وقال في «الحاوي القدسي» ما نصه: فصل: إذا اختلفت الروايات عن أبي حنيفة فالأولى بالأخذ أقواها حجة. ومتى كان قول أبي يوسف ومحمد موافقا قوله لا يتعدى عنه إلا فيما مست الضرورة إليه.
وعلم أنه لو كان أبو حنيفة رأى ما رأيا لأفتى. به، وكذا إذا كان أحدهما معه. فإن خالفاه، قال بعض المشايخ: نأخذ بقوله. وقال بعضهم: المفتي مخير بينهما، إن شاء أفتى بقوله، وإن شاء أفتى بقولهما. والأصح أن العبرة بقوة الدليل.
وما في الكتاب من ذكر «قالا» فهما أبو يوسف ومحمد، ومتى لم يوجد في المسألة رواية عن أبي حنيفة يؤخذ بظاهر قول أبي يوسف، ثم بظاهر قول محمد، ثم بظاهر قول زفر والحسن وغيرهم، الأكبر فالأكبر، هكذا إلى آخر من كان من كبار الأصحاب. وإذا لم يوجد في الحادثة أحد عن منهم جواب وتكلم فيها
الجزء 1 · صفحة 13
المشايخ المتأخرون قولاً واحدا يؤخذ به.
فإذا اختلفوا يؤخذ بقول الأكثرين فالأكثرين ممن اعتمد عليه الكبار المعروفون منهم: كـ أبي حفص الكبير وأبي جعفر وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم ممن يعتمد عليه.
وإن لم يوجد منهم جواب المسألة نصاً ينظر المفتي فيها نظر تأمل وتدبّر واجتهاد، وليجد فيها ما يقرب إلى الخروج عن العهدة، ولا يتكلم فيها جزافًا مخافة لمنصبه وحرمته، ويخشى الله تبارك وتعالى ويراقبه؛ فإنه أمر عظيم، لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي.
ومتى أخذ بقول أحد منهم يعلم قطعاً أنه يكون آخذا بقول أبي حنيفة.
فإنه روي عن جميع أصحاب أبي حنيفة من الكبار كـ أبي يوسف، ومحمد، وزفر والحسن أنهم قالوا ما قلنا في مسألة قولاً إلا وهو روايتنا عن أبي حنيفة، وأقسموا عليه أيمانا غلاظا فلم يتحقق إذا في الفقه جواب ولا مذهب إلا له كيفما كان.
وما ينسب إلى غيره منهم فهو بطريق المجاز للموافقة، فهو كقول القائل: قولي قوله ومذهبي مذهبه. انتهى مع حذف.
قلت: فأفاد بهذا أن ما ذهبا إليه هما وغيرهما من جميع أصحاب الإمام إنما هو روايتهم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فهو حينئذ اجتهاد منهم في أقوال أبي حنيفة لا أنه اجتهاد مطلق كما ظنه البعض ممن ينتحل مذهب الإمام بلا رسوخ في المقام.
ولقد أحسن الشيخ الإمام الحبر الهمام ابن كمال باشا رحمه الله تعالى وهو في ذلك مؤكد ومقو (لما قاله في الحاوي القدسي حيث قال في مسألة دخول أولاد البنات في ذكر الواقف الأولاد، وأولاد الأولاد وما أشبه ذلك، ما نصه ومعرفة هذا موقوف على الوقوف على طبقات الفقهاء ومراتب المجتهدين، وهو المعتمد في هذ الكتاب كما لا يخفى على أولي الألباب.
ولما انجر الكلام إلى هذا الفصل واقتضى المقام تفصيل ذلك الأصل نقول: لا بد للمفتي المقلد أن يعلم بحال من يفتي بقوله، ولا يغني بذلك معرفته باسمه ونسبه ونسبته إلى بلد من البلاد؛ إذ لا يسمن ذلك من جوع ولا يغني، بل يغني بذلك مرتبته في الرواية ودرجته في الدراية وطبقته من طبقات الفقهاء؛ ليكون على بصيرة وبيئة من التمييز بين القائلين المخالفين وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين.
فاعلم أن الفقهاء على سبعة طبقات.
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول
الجزء 1 · صفحة 14
واستنباط أحكام الأصول والفروع الأدلة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع، والقياس على حسب تلك القواعد من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في ا الأصول.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كـ أبي يوسف ومحمد وساير أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع ولكن يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام غير مقلدين له في الأصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها أصحاب المذهب، كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الائمة السرخسي، وفخر الاسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم، فإنهم لا يقدورن على المخالفة الشيخهم لا في الاصول ولا في الفروع، يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب أصول قررها، ومقتضى قواعد بسطها.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي، وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل الأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو واحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، فما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية، وأمثالهم، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض أخذا بقولهم: وهو الأولى، وهو الأصح، وهو أرفق بالناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوي والضعيف، فظاهر المذهب، وظاهر الرواية، والرواية المأخوذة كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب «الكنر» وصاحب المختار» وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل. انتهى.
وقال في «شرح الطحاوي» للإمام الإسبيجابي ـ رحمه الله -: ثم على البعض الآخر بقوله: هذا أصح.
الجزء 1 · صفحة 15
وهذا أوفق، ونحو ذلك، وهم أهل الطبقة الخامسة.
وكذلك يجوز إطلاق لفظ المجتهد على من لا يقدر على شيء من ذلك أصلا لا على الاستنباط ولا على التفصيل ولا على الترجيح، وإنما يقدر على تمييز ما رجحوه والاطلاع على تصحيح ما صححوه من الأقوال، وهم أهل الطبقة السادسة.
وكذلك يجوز اطلاق لفظ المجتهد باعتبار كثرة المطالعة والقراءة والتدريس على من لا يقدر على شيء مما ذكر لا على الاستنباط ولا على التفصيل ولا على الترجيح ولا على التمييز وإنما يقدر على القراءة والمطالعة والتدريس والتعليم فقط، وهم أهل الطبقة السابعة، وهم الموجودون في زماننا هذا من علماء الحنفية المحققون منهم في مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقوله: فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل معناه من قلدهم فيما ذهبوا إليه بآرائهم وعقولهم فيما ليس لهم فيه نقل صريح من كتاب من كتب الفقه في مذهب الحنفية، وأما إذا نقلوا المسائل من الكتب المعتمدة في فقه المذهب وتحروا جهدهم عن الخطاء فيها فإنهم على الحق حيث احترزوا عن هوى أنفسهم وتباعدوا عن الأغراض الفاسدة والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى انظر الجواب الشريف: لوحة رقم 6. المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية وعندي منها مصورة.
الفتوى على الاطلاق على قول الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فهم ممن يعتمد على مذاهبهم ويقتدى بحسن سيرتهم، وهم الذين أحيوا سنة النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجهها اتفاقهم هدى واختلافهم رحمة.
أولا: يفتى بقول أبي حنيفة، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول غيرهم من أصحاب أبي حنيفة، ثم بأقاويل المشايخ من بعدهم. فإذا لم يجد، يجتهد إن كان من أهل الاجتهاد.
ثم إن أبا يوسف ومحمد وزفر والحسن كانوا تلامذة أبي حنيفة، وأبو حنيفة كان تلميذ علقمة، وعلقمة كان تلميذ عبد الله ابن مسعود وعبد الله بن مسعود كان تلميذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتهى.
قلت: فصار الحاصل بعد العلم بهذه الجملة أن العمل والفتوى إنما هو على قول أبي حنيفة دائما إلا أن يكون اختلاف عصر وزمان كما تقدم، وأن أصحاب أبي حنيفة كلهم مقلدون لأبي حنيفة ومجتهدون في أقواله، وليسوا بمجتهدين مُطْلَقِين
ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان، وأن العمل والفتوى على كتب ظاهر الرواية دائما إلا أن ينص
الجزء 1 · صفحة 16
المشايخ المتأخرون أن الفتوى على خلاف ذلك لعلة تقتضيه، وأن المشايخ المتأخرين إذا اختلفوا يعمل بقول أكثرهم.
وما ذكرناه وحررناه في هذه المقدمة هو المعتمد عليه، وغيره لا يلتفت إليه، فإنه منقول في السطور ومأخوذ عن الصدور، وليس عنه عدول ولا صدور، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
لا يقال: يرد على هذا ما صرحوا به في غير كتاب، خصوصاً في منظومة الشيخ الإمام العلامة سراج الملة والدين عمر النسفي رحمه الله تعالى التي وضعها في «الخلافيات» حتى أنه ذكر فيها خلاف مالك والشافعي زيادة على خلاف أئمتنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فإنه يقول فيها: باب الذي اختص به أبو حنيفة باب الذي اختص به أبو يوسف باب الذي اختص به محمد باب الذي اختص به زفر إلى آخر المقالات، وكل ذلك صريح في صريح في أن قول من ذكره بعد أبي حنيفة مخالف لقول أبي حنيفة والمتون والشروح مشحونة بالخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه.
لأنا نقول: مدار ذلك على أنه روايةٌ عن أبي حنيفة واجتهاد في أقواله، لا أنه اجتهاد مطلق من أبي يوسف، كما يظنه البعض؛ فإنه لا شك ولا ريب كما علم وتقرر في موضعه على أن أبا يوسف ومحمداً وزفر بن الهذيل والحسن بن زياد تقاسموا وتحالفوا على أنهم لا يقولون بقول إلا وقد قال به أبو حنيفة، كما تقدم في «الحاوي القدسي».
ثم قال في آخر ما نصه: (ويصدق على كل قول من هذه الأقوال أنه مذهب أبي حنيفة، فإذاً ليس هناك اجتهاد مطلق بل مقيد في قول الإمام).
ونزيدك على هذا من الإيضاح والإعلام ما ذكره الشيخ سراج الدين الإمام صاحب السراجية في الفرائض وهو من كبار المشايخ المبرزين في العلوم حيث قال في «فتاواه»: وقد اتفق لأبي حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من الأصحاب ما لم يتفق لغيره، وقد وضع هذ المذهب شورى، ولم يستبد بوضع المسائل، وإنما كان يلقيها على أصحابه مسألة مسألة فيعرف ما كان عندهم، ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد القولين فيثبته أبو يوسف، حتى أثبت الأصول كلها.
وقال في «الخلاصة»: أبو حنيفة أخذ العلم عن ألف ومائتي رجل، ذكره في قضاء القاضي بعلمه.
قلت: وما ورد من كون أبي حنيفة توقف في ثمان مسائل فقهية، وقال في جوابها:
لا أدري، وتكلم صاحباه بالحكم فيها، فهو أيضا قوله، روايتهما عنه إلا أنهما لما ترجح عندهما وجه الرواية التي روياها عنه باعتبار صحة طريقها إليهما عند نسب ذلك إليهما.
الجزء 1 · صفحة 17
وهكذا شأن الحديث إذا ورد من طرق فكل رادٍ يُرجّح ما رواه باعتبار ما صح عنده من طريق الرواية، وهذا أمر شائع وذائع، لا ينكره إلا كل من لم يطلع على النقل وكتب الشرائع.
ولا يقال أيضاً: قد صح رجوع قول أبي حنيفة إلى قول صاحبيه في مسائل مشهورة في الكتب وهذا دليل على الاجتهاد المطلق! لأنا نقول: الذي صح رجوعه فيه إلى قولهما هو أيضا روايتهما عنه كما تقدم.
وصار الحاصل بعد العلم بهذه الجملة أن كل ما روياه وقالا به هو روايتهما عن أبي حنيفة كما تقدم.
وإن اختلف ترجيح الطرق، فإذا في الحقيقة الرجوع إلى قولهما وهو روايتهما عنه، اجتهاد منه غير اجتهاده الأول، والمجتهد من شأنه ذلك، وهو الاجتهاد في الأحكام واستنباطه لها سواء وافق غيره أو خالفه. هذا حاصل ما يقال في هذ المقام لنيل المرام وهو معلوم عند الخاص والعام وذلك من فيض فضل الملك العلام ذي الجود والإكرام والله أعلم بالصواب.
قال ذلك جامعه ومحرره أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه العبد المذنب محمد بدر الدين الشهاوي الحنفي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين.