مناهج البحث الفقهي .....
........ عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
مناهج البحث الفقهي .....
........ عند الحنفية
مناهج البحث الفقهي
عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
? ? ? ?
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهداهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
وبعد:
كنت أتطلع منذ سنوات عديدة أن ييسر الله لي الكتابة في مناهج البحث عند فقهائنا الأكارم لا سيما في كيفية التحقيق للمخطوطات، حتى تأسست كلية خاصة بفقه الحنفية؛ فأردنا أن تكون متميزة في طرحها بين الأصالة والحداثة؛ ليكون مساقاً جامعياً يكتمل به المنهج لدى طلبة الكلية في كيفية البحث.
ثم رأيت أن أخصّ ذلك بالبحث في الفقه الحنفي؛ لينفتع به طلبة الكلية خاصة، وطلاب الحنفية عامة، وطلبة العلم الشرعي عموماً؛ فيكون بذلك متناسقاً مع بقيّة مساقات الكلية، ولتتحقق به الكفاية لحاجتهم من البحث في كتب المذهب الذي تخصصوا به.
واعتكفت على إعداد هذا الكتاب أياماً طوالاً محاولاً إخراج ما يمكن أن ينفع الطالب في بحثه ويمكنه من ذلك، مستفيداً من الجهد الكبير الذي بذله الدكتور مأمون في كتابته في مناهج البحث في الفقه.
وواجهت صعوبةً كبيرةً في ذلك؛ لأنّ ما فيه من مادة هي ابتكار جديد؛ لعدم وجود تأليف سابق يتحدَّث عن كيفية البحث السُّني في الفقه، فكتب البحث لا تحصى لكنها لا تتكلم عن المدرسة المذهبية في البحث العلمي، وإنما تتحدث عن المدرسة الإصلاحية المعاصرة في الفقه في الأخذ من جميع المذاهب، والاستنباط من الكتاب والسنة من قبل الباحثين.
فكان فيها صورة البحث لا حقيقته؛ لأنّ أهم ما يُميز البحث هو التخصص، ومَن يبحث في كلِّ المذاهب، فهذا غيرُ متخصص بل هو مثقف، والمثقف يعجزعن البحث العلمي وتقديم الجديد.
إذ لا بُدّ من التَّخصص في مذهب فقهي، وضبط مسائله، ومعرفة مصطلحاته، والتمكن من قواعده، والاطلاع على طبقات علمائه وكتبه ومسائله ومعرفة مناهجهم؛ حتى نستطيع أن نأتي بجديد في العلم، حيث لاحظت في كتب البحث المتعلقة بالفقه تخبطاً لا مثيل له؛ إذ إنهم يتحدَّثون عن خيالات تصوَّروها ليس لها في الواقع من وجود، ذلك أنهم تعرضوا لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وهل يعقل مثل هذا لباحث؟! فالاستنباط علم خاصّ بالمجتهدين المطلقين، كما هو مقرّر في أصول الفقه، فهل كل من أمسك بالقلم صار مستنبطاً للأحكام؟! فلو كان هذا الأمر صحيحاً لكان الدِّين عبثاً ولعباً لكلِّ المتهوسين، كما نرى هذه الأيام.
فهذا الكتابُ محاولةٌ لتأصيل الفكرة السُّنية المذهبية في البحث الفقهي على مذهب السَّادة الحنفية، وأظنها تحتاج إلى تطوير مرَّةً بعد مرّة، ولعلّ لله أن ييسر لي في المستقبل إعادة النَّظر فيه مرَّة أُخرى لتنظيمه وتطويره.
وقد سميت هذا الكتاب:
«منهج البحث الفقهي عند الحنفية»
وسعيتُ فيه إلى ربط المنهج المعاصر بالمنهج القديم، وحاكمته به، بحيث تكون الأبحاث المعاصرة استمراراً لمنهجية فقهائنا السابقين في البحث وتطويراً لها.
وذكرتُ فيه مناهج البحث الأربعة، وهي: البحث في شخصية، والبحث في جزئية فقهية، والبحث في تحقيق المخطوطة، والتأليف للكتب.
وعرضتُ الكلام في كلِّ منها على هيئة خطوات حتى يتيسر فهم ذلك للباحثين.
وحققت في هذا الكتاب أنّ البحث في هذه المناهج ليس حديثاً، وإنّما يرجع لفقهائنا السابقين، لا سيما في تحقيق المخطوطات؛ لذا كان من الضَّرورة أن نتمسك بطريقة سلفنا فيه من التعليق والتَّحشية، بحيث لا نكتفي بمجرد ذكر فروق النسخ كما هي طريقة المستشرقين.
وجعلتُ هذا الكتاب في فصلين:
الفصل الأول: في ذكر مقدمات للباحث لا غنى له عنها. وفيه مبحثان:
الأول: في التعريفات والنشأة والخصائص للمنهج الفقهي.
والثاني: في مقومات البحث الفقهي.
والفصل الثاني: في أنواع المناهج. وفيه أربعة مباحث:
الأول: في البحث في شخصية فقهية.
والثاني: في البحث في تحقيق مخطوطة.
والثالث: في البحث في جزئية فقهية.
والرابع: في البحث في التأليف الفقهي.
وأسأل لله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون لبنة أولى في البحث الفقهي العلمي المتخصص، وأنّ ينفع به البلاد والعباد، وأن يغفر لي ولأشياخي ووالدي وللمسلمين والمسلمات، وصلى لله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
19 ـ 1 ـ 2019 م
في صويلح، عمان، الأردن
الفصل الأول
مقدمات في مناهج البحث الفقهي
يشتمل على مبحثين:
الأول: في تعريف المناهج و ونشأتها وخصائها وأهميتها.
والثاني: في مقومات منهج البحث الفقهي.
المبحث الأول
تعريف المناهج ونشأتها
وخصائصها وأهميتها
مقدمة:
نعرض فيه تعريف مناهج البحث ونشأتها وأنواعها وخصائصها وأهميتها، ونبين مقومات البحث الفقهي من التخصصية في مذهب معين، ووجود الملكة الفقهية، ومتابعة الباحث للمصطلحات الخاصة بمذهبه تفصيلاً وبغيره إجمالاً، ومعرفة الكتب الخاصة ببيان مفردات كلّ مذهب، ومعرفة الكتب المعتمدة وغيرها في مذهبه خصوصاً وفي غيره عموماً، وإظهار الدقة في نسبة الأقول لأصحابها، وموافقة التوفيق العلمي، ومعرفة قواعد الترجيح للأقوال في مذهبه، وتمييز أنّ العرف من أصول التطبيق لا من أصول الاستنباط، وإدراك القسمة الثلاثية للأصول من استنباط وبناء وتطبيق، والقدرة على التكييف الفقهي، ومعرفة أسباب اختلاف الفقهاء، والقدرة على تحرير محلّ النِّزاع، وقدرته على معرفة مظان مسألة البحث، ومعرفة الكتب المساندة لعملية البحث الفقهي، وضبط قواعد الإملاء وعلامات الترقيم، وإظهار الصِّفات الخاصّة بالباحث.
* ... * ... *
المطلب الأول
تعريف مناهج البحث الفقهي
ينتشر استعمال بعض المصطلحات في زمان ومكان على حسب الحاجة والظروف، بسبب التطور الدلالي الذي يلحق الألفاظ.
وفي هذا العصر كثر استخدام مصطلح «منهج» بين فئة المثقفين، ولا سيما بين أصحاب الدّراسات العليا، وعلى الطبيعة اللغوية فقد شملها التطور الدلالي شأنها في ذلك شأن الألفاظ الأخرى، ومن خلال الدراسة تبين أن سبب ذلك راجع إلى انتشار طريقة التدريس الحديثة، بسبب الاستيراد الثقافي للمناهج الغربية، والسير على طريقتهم في التدريس.
ونذكر في هذا الفرع تعريف كلّ مفردات العنوان على حدة لغة واصطلاحاً، ثم نأت بتعريف للمركب الإضافي لمنهج البحث الفقهي على النحو الآتي:
* أولاً: معنى المنهج:
ونعرض مفهوم المنهج في النقاط الآتية:
الأولى: معناه اللغوي:
إن المتتبع لكلمة «منهج» في قواميس اللغة ومعاجمها، يجد مدارها على معانٍ ثلاثة:
أ. الطريق: قال ابن فارس: «النون والهاء والجيم أصلان متباينان: الأَوَّل: النهج: الطريق، ونَهَج لي الأمْرَ: أوضَحَه. وهو مُستقيم المِنْهاجَ والمَنْهج: الطريق
أَيْضًا، والجمع المناهج».
ب. الانقطاع: يقول ابن فارس: «وأتانا فلانٌ ينْهَج، إِذَا أتى مبهوراً منقطع النفس» (¬1).
ج. الوضوح والإبانة: قال ابنُ منظور: «طَرِيقٌ نَهْجٌ بين واضح، وهو النَّهج. وسَبِيلٌ مَنْهَجٌ: كَنَهْج. ومَنْهَجُ الطَّرِيقِ: وضَحُهُ. والمِنهاجُ: كالمَنهَجِ. والمِنهاجُ الطرَّيق الواضح ... والنَّهجُ: الطَّريقُ المستقيم. ونَهَجَ الأمرُ وأَنْهَجَ، لغتان إِذَا وَضَحَ» (¬2).
وقال الكفوي: «النَّهْج: هو في الاستعمال: الوجه الواضح الَّذِي جرى عليه الاستعمال» (¬3).
وكما هو ملاحظٌ، فإنَّ المعنى يدور في فلك الوضوح والإبانة.
وأما استعمالها في القُرآن، فقد وردت فيه مَرَّةً واحدةً، وذلك في قوله تعالى: {? ? ? ? ں} [المائدة:48]، ومعنى منهاجا: طريقاً واضحاً (¬4).
الثانية: التطور الدلالي:
من المعلوم أن الألفاظ تساير حياة الأمم ملبيةً حاجاتها المتجددة فيما تقتضيه الحياة من استعمال لها، وقد ذكر هذا د. عُثْمَان موافي وهو يناقش مادة كلمة «خبر» حيث يَقُولُ:» وكلها ترجع ـ أي استعمالاتها ـ إلى أصل واحد، وعن هذا الأصل
¬
(¬1) معجم مقاييس اللُّغَة5: 361.
(¬2) لسان العرب لابن منظور 6: 4554، ومختار الصحاح ص681، والقاموس المحيط ص266، والمنجد في اللُّغَة ص474.
(¬3) الكليات ص913.
(¬4) التسهيل لعلوم التنزيل ص179، ومعجم مفردات ألفاظ القُرْآن ص528، والأساس في التفسير 3: 1397.
تطوَّرت هذه المعاني بتطور المعرفة ورقيِّها، أَو بأدق تعبير وأصحّه تطورت دلالة هذا الأصل بتطور المعرفة، منذ كانت معرفةً ماديةً حسيّةً إلى أن أصبحت معرفةً نفسيةً جوفيةً، ثُمَّ أخيراً معرفةً عقليةً معنوية» (¬1).
والاستعمالُ المادي لمصطلح «منهج» يطابق المعنى اللغوي له، وهو الطريق الواضح، وهذا المعنى لا يخرجُ عنه استخدام السابقين له في عناوين كتبهم (¬2).
وأما الاستعمال النفسي والعقلي، فسيأتي توضيحه فيما بعد.
الثالثة: نشأة مصطلح «المنهج»:
ترجع بدايات استعمال مصطلح المنهج إلى العصر الإغريقي فهم أول من استعمل هذه الكلمة، ويعدُّ القرن السَّابعَ عشرَ الميلادي الولادة الجديدة لهذا المصطلح إلى أن تكامل بشكله النّهائي في القرن التاسع عشر.
يقولُ د. عليّ جواد الطَّاهر: «المنهج في أبسط تعريفاته وأشملها طريقة يصل بها إنسانٌ إلى حقيقة» (¬3).
وعن بدايته يقولُ: «ولا بُدَّ من أن يكون الإِنْسَان قد اكتشف المنهج مبكراً
¬
(¬1) منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الغربي (ص14 - 15) للدكتور: عُثْمَان موافي. ط2.
(¬2) من كتب أهل العلم السابقين الذين استخدموا مصطلح منهج في عناوين مؤلفاتهم:
ـ منهاج العابدين لأبي حامد الغزالي (ت505هـ).
ـ منهاج الأصول للقاضي ناصر الدِّين عَبْد الله بن عُمَر البيضاوي (ت685هـ).
ـ منهاج الطالبين للإمام أَبِي زَكَرِيَّا بن شرف النووي (ت676هـ).
ـ منهاج السُّنَّة النَّبويَّة لتقي الدِّين ابْن تَيْميَّة (ت728هـ).
ـ المنهاج على مذهب الْحَنَفِيَّة لنجم الدِّين عُمَر بن مُحَمَّد الحلبي (ت734هـ).
ـ منهج المريد في التوحيد لأبي عَبْد الله حسين الكعبي المعروف بابن الخميس الشَّافِعِيّ (ت552هـ)
ـ المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإِمَام أحمد: أَبُو اليمن العليمي (ت928هـ).
وللوقوف على مزيد من أَسْمَاء الكتب في ذلك يرجع إلى كشف الظنون2: 1870 - 1884.
(¬3) منهج البحث الأدبي ص15.
بحكم ما له من ذكاء، وما يجتاز من صعاب، وما يحمله على الوصول إلى نتائج ويعينه على ادخار خبراته، واستغلال هذه الخبرات فيما يجد عليه من المواقف، ولكن هذا المنهج كان ساذجاً وفردياً، ثمّ تقدم كلّما تراكمت التّجارب واتسع الاجتماع، فإن المنهج يوفر عليه كثيراً من الجهد والعناء، ويسهل مهمته في العيش ... حتى إِذا كان الإغريق كان منهج وكانت الكلمة نفسها بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، وقد حفظتها الكتابة وحفظت أصولاً منها وأموراً إليها ... ويعدّ القرن السابع عشر من العصور المهمة في تاريخ الكلمة» (¬1).
فقد «تميز القرن السابع عشر ... بعناية المفكرين فيه بالمنهج أَو الطريقة الواجب اتباعها في البحوث العقلية، والواقع أن الكتب في المنهج كثيرة في ذلك العصر، وخصوصاً ابتداءً من سنة (1620م) ففي ذلك التاريخ ظهر كتاب «الأرحانون الجديد» لفرنسيس بيكون، ويعني المنطق الجديد، وبعد ذلك بنحو سبع عشرة سنة نشر ديكارت «المقال في المنهج» (¬2).
وفي ذلك العصر نشر «اسبينوزا» رسالته في «إصلاح الذهن» ... وكتب «ليبنتز» مصنفاً من عدَّة رسائل نجد فيه عنوان لفظ «المنهج»» (¬3).
أمَّا «القرن التاسع عشر فقد كان مخاضاً كبيراً، ولم تقف المسألة عند الفلسفة والعلوم الصرفة. فقد بدأت معارف أخرى بعيدة عنها جوهراً تسعى لتقترب منها وتنتسب إليها وتندس فيها» (¬4).
¬
(¬1) منهج البحث الأدبي ص15 - 16.
(¬2) ومما اطلعت عليه من هذه الكتب المقال في المنهج لديكارت، وقد أوضح فيه معالم منهجه، والخطوات التي يسير فيها في البحث، ينظر: ص102 - 103.
(¬3) المصدر السابق ص15 عن كتاب د. عثمان أمين ديكارت.
(¬4) منهج البحث ص16. ومعنى كلامه أَنَّهُ إِذَا كان قد أطلق على منهج العلوم الرياضية الاستدلالي، وعلى منهج العلوم التطبيقية التجريبي، فقد رؤي أن يطلق على منهج الدراسات التاريخية الاستردادي وعُرِّف بأنه الَّذِي تقوم فيه باسترداد الماضي تبعاً لما تركه من آثار أياً كان نوع هذه الأثار، كما في ص18 من منهج البحث.
الرابعة: تطبيقات المعاصرين لمصطلح «منهج»:
نتيجة التتبع والاستقراء لإطلاقات العلماء في مفاهيم مصطلح «المنهج»، كان الملاحظُ أنَّه إِذا أُطلق معرفاً بأل العهد بدون تقييد بوصف أو إضافة، فإنَّه يكون راجع لما هو معهود في أذهاننا من المناهج التَّدريسية (¬1).
وأمّا إِذا أُضيف، فمن المعاصرين مَن استخدمه بمعنى الطَّريقة (¬2)، منهم: أبو فارِس تحت عنوان كتابة «السيرة النَّبويَّة»: «لو تأملنا ما كتبه الأقدمون والمعاصرون من كتب في السيرة النَّبويَّة، نجد أنّ هذه الكتب لم تلتزم منهجاً واحداً، بل تعدَّدت مناهجها، وهذه المناهج هي: المنهج السردي، المنهج التاريخي، المنهج التحليلي، المنهج الموضوعي، المنهج الشعري، المنهج المسرحي» (¬3).
وقال: «المقصود بالمنهج السَّردي في كتابة السيرة النَّبويَّة هو كتابة السيرة بأسلوب قصصي، ساق فيه المعلومات وروى فيه الرِّوايات بتسلسل منطقي، وترتيب حسن مترابط، وهذه الرِّوايات لا تكون على درجة واحدة من الصِّحّة والإسناد» (¬4).
¬
(¬1) مثال ذلك إطلاق د. الدمرداش عبد المجيد سرحان عنواناً لكتابه المناهج المعاصرة، وعندما عرَّفها قال: «المنهج أصلاً هو جميع ما تقدمه المدرسة إلى تلاميذها تحقيقاً لرسالتها وأهدافها ووفق خطتها في تحقيق الأهداف».
(¬2) ومعنى الطريقة في اللُّغَة: السَّبيل أَو ما بين السَّكَّتين من النَّخل، كما في مختار الصحاح ص391، ولسان العرب 4: 3665.
(¬3) السيرة النَّبويَّة دراسة تحليلية ص639.
(¬4) المصدر السابق ص63.
وفي هذا أيضاً يقول الدكتور مصطفى مسْلِم: «المنهج: هو الطريق الواضح في التعبير عن شيء، أو في عمل شيء، أو في تعلم شيء طبقاً لمبادئ معينة» (¬1).
ومنهم: مَن استخدمه بالمعنى المعنوي له، وهو القواعد التي يحتكم إِليها في الذِّهن، وجعل مصطلح «المنهج» خاص بهذا الاستخدام.
وفي هذا يقول الخالدي: «إنهم لم يفرقوا بين المنهج وبين الطريقة، بل إن بعضهم اعتبر المنهج هو الطَّريقة.
فها هو د. عبد الستار السعيد يصرح قائلاً: نعني بالمنهج الطريقة، أو الخطوات التي ينبغي اتباعها، والتقيد بها ...
يجب أن نفرق بين المنهج والطريقة في الأبحاث العلمية المنهجية، ومنها الأبحاث المتعلقة بالقرآن الكريم وتفسيره وتأويله.
إن المنهج: هو القواعد الأساسية التي ينطلق منها الباحث، وهذه القواعد ضوابط تضبط عمله كلّه بخطواته ومراحله، وتصبغ جهده كله بصبغتها.
أمّا الطَّريقة: فهي تطبيقه لتلك القواعد التي حكمته وقيّدته وكيفيّة مراعاته لها والتزامه بها، وهي الخطوات العملية التي خطاها ونفذها في تدبره للقرآن، وهي كيفية تناوله التفصيلي لموضوعه القرآني» (¬2).
وقد جاء عن د. محمّد بلتاجي في هذا السياق ما نصُّه: «منهج التَّشريع: هو الخطّة التي اتبعها فقيهٌ ما في مجال استنباطه للأحكام الشَّرعية من أدلتها التفصيلية
ومقررات التَّشريع، وأهدافه العامة» (¬3).
¬
(¬1) مناهج المفسرين ص14.
(¬2) في التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق ص60 - 61.
(¬3) ينظر: مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثَّاني الهجري1: 6.
وقال أيضاً: «لا نتصوَّر جهوداً عقلية بدون منهج في التَّفكير، فحين نقول مثلاً: منهج عمر بن الخَطَّاب في التَّشريع، فإنّما نعني نهجه العقلي الذي يصدر عنه حين يفكر في التَّشريع» (¬1).
والرَّسائل الجامعية التي تناولت دراسة منهج عالم ألف في فنٍّ من فنون العلم والمعرفة في كتابٍ له، نجدُ فيها وصفاً عاماً للكتاب وطريقته والمصادر التي اعتمد عليها فيه، فهي تُظْهِرُ عظم شأن المؤلف، وأبرزَ محتويات الكتاب، وهذا يمثل المنهج بمعنى الطريق، وعلى الباحث فيها الأصول التي اعتمد عليها مؤلف الكتاب في اختيار مسائل العلم وترجيحها، وهذا يمثل المنهج بمعنى القواعد.
ونخلص إلى أنّ المنهجَ في أصل استعماله بمعنى الطّريق الواضح، أَو توضيح الطّريق، والظّاهر من استعماله عند السَّابقين أنّهم جعلوه بمعنى الطَّريق، ونتيجة التَّطوُّر الدَّلالي للألفاظ سار المنهجُ إلى الاستعمال المعنوي، وهو القواعد.
فالمعاصرون استعملوه في معنيين: الأول: معنى حسي، وهو الطَّريق، والثّاني: معنى معنوي، وهو القواعد.
واستخدم في دراسة علم الفقه عامة المناهج المعروفة من المنهج الاستقرائي والمنهج التحليلي والمنهج التاريخي.
ولا شك في اختلاف المناهج من علم إلى علم، ومن فن إلى فن، فالعلوم الشرعية مختلفة فيما بينها في منهج البحث، وتختلف عن علوم اللغة، والعلوم الإنساينة تختلف عن العلوم التطبيقية، ولكن بينها قواسم مشترك لا بُدّ من مراعاتها.
وبالتالي يمكن تعريف المنهج اصطلاحاً: أنه الطرق والقواعد المتبعة في أمر ما.
¬
(¬1) ينظر: مناهج التشريع 1: 13.
* ثانياً: معنى البحث:
لغة: بَحَثَ عن الْأَمْرِ بَحْثًا من بابِ نَفَعَ اسْتَقْصَى، وبَحَثَ فِي الْأَرْضِ حَفَرَهَا وفي التَّنْزِيلِ {? ? ? ? ? ?} [المائدة:31]، والبَحْثُ: طَلَبُكَ الشَّيءَ فِي التُّراب، وأيضاً: البَحْثُ: أن تسأل عن شيء، وتَسْتَخْبر، وبَحَثَ عن الخبر وبَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً: سأَل، وكذلك اسْتَبْحَثَه، واسْتَبْحَثَ عنه (¬1).
واصطلاحاً: طلب الحقيقة في مظانها.
وتعددت التعاريف الوصفية للبحث، ومنها:
أ. عبارة عن بذل جهد فكري منظّم، في دراسة مشكلة أو موضوع ما تفتيشاً، وتحقيقاً، واستقصاءً، وتحليلاً، ووصفاً، ومقارنة، وعرضاً، ونقداً (¬2).
ب. تجميع منظم لجميع المعلومات المتوفرة لدى كاتب البحث عن موضوع معين، وترتيبها بصورة جيدة، بحيث تدعم المعلومات السابقة أو تصبح أكثر نقاءً ووضوحاً.
والبحث عملية استقصاء منظمة ودقيقة لجمع الشواهد والأدلة، بهدف اكتشاف معلومات، أو علاقات جديدة، أو تكميل ناقص، أو تصحيح خطأ. على أن يتقيد الباحث بإتباع خطوات للبحث العلمي، وأن يختار المنهج والأدوات اللازمة للبحث وجمع المعلومات (¬3).
ج. أسلوب منظم في جمع المعلومات الموثوقة، وتدوين الملاحظات، والتحليل الموضوعي لتلك المعلومات باتباع أساليب ومناهج علمية محددة بقصد التأكد من صحّتها أو تعديلها أو إضافة الجديد لها، ومن ثمّ التّوصل إلى بعض القوانين والنَّظريات والتنبؤ بحدوث مثل هذه الظَّواهر والتحكم في أسبابها.
¬
(¬1) ينظر: المصباح1: 36، ولسان العرب2: 115.
(¬2) ينظر: البحث العلمي ص24.
(¬3) ينظر: موقع أفاق علمية وتربوية، مقال: للمهندس أمجد قاسم.
فهي وسيلة التي يمكن بواسطتها الوصول إلى حلِّ مشكلة محددة، أو اكتشاف حقائق جديدة عن طريق المعلومات الدقيقة (¬1).
وبالتَّالي يُمكن تعريف منهج البحث: الطُّرق العلمية والقواعد العقلية المتبعة في طلب حقيقة علمية من مظانها.
ويكون عبارة عن مجموعة القواعد والأساليب والأدوات العامّة التي تشكّل خارطة الطريق الواجب على الباحث الالتزام بها، والسير عليها في دراسته للموضوع، ومعالجته للمشكلة البحثية، من أجل التوصّل إلى النتائج والأجوبة المطلوبة، وإيجاد الحلول المناسبة لها (¬2).
وهذا الطرق والقواعد للبحث مختلفةٌ من علم إلى علم، ومن باحث إلى باحث؛ لذلك ينبغي الباحث أن يبين المنهجة التي يسلكها في بدايته بحثه، لكن هناك قواعد علمية لا بُدّ من توفرها في كافة الأبحاث العلمية، وللأبحاث الفقهية خصوصيات في هذا المناهج سنبينها، وللبحث عند الحنفية حيثيات لا بُدّ من مراعاتها كما سيظهر معنا.
* ثالثاً: معنى الفقه:
لغة: الفهم مطلقاً، وهو ما يدلُّ على إدراكِ الشيء، والعلم به، والفهمِ له، والعلم بغرض المخاطب من خطابه، أي فهم غرض المتكلم من كلامه، فيقال: فلا يفقه الخير أو الشر: أي يفهمه (¬3).
وقد تطور المعنى الدلالي لكلمة «فقه»، إذ نقلت من المعنى اللغوي: وهو الفهم مطلقاً إلى معنى اصطلاحي.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الحرة ويكدبيديا.
(¬2) ينظر: البحث العلمي ص23.
(¬3) ينظر: المصباح، ص479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص398، معجم مقاييس اللغة4: 442، ولسان العرب، 5: 3450، والكليات ص67، وردّ المحتار 1: 25 - 26.
وهذا المعنى الاصطلاحي اعتراه التطور؛ إذ كانت في صدر الإسلام تحمل معنى شمولياً لمفردات الدين من عقائد وفروع وتصوف وغيرها (¬1)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (¬2).
وبعد توسّع رقعة الإسلام، ودخول أفواجٍ من غير أقوام العرب في الإسلام، ظهرت في الأمة أفكارٌ جديدة، فاحتاجت الأمة إلى فرز العلوم بعضها عن بعض وإطلاق الأسماء المتنوعة على تلك المسميات، وخصصت كلمة:» فقه «على العلم بفروع الدين، فأصبح خاصاً بهذا المعنى بعد أن كان شاملاً للمفردات كلِّها (¬3).
واصطلاحاً: اختلف تعريف الفقه اصطلاحا بين الفقهاء والأصوليين لاختلاف كل منهم في النظر إليه، فالأصوليون ينظرون إليه من جهة كيفية استنباط الاحكام، والفقهاء ينظرون إليه من جهة تطبيق الاحكام على المكلفين على النح الآتي:
أ. عند الأصوليين: العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬4).
ب. عند الفقهاء: علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة (¬5).
فالفقهاء اعتنوا في الفقه من حيث بيان حكم فعل المكلف، لا من حيث
¬
(¬1) ينظر: موسوعة الفقه الإسلامي المصرية 1: 9.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 37، وصحيح مسلم 2: 718، وسنن ابن ماجة 1: 80.
(¬3) ينظر: المدخل إلى دارسة الفقه الإسلامي ص13.
(¬4) ينظر: نهاية السول 1: 22، وقمر الأقمار على كشف الأسرار 1: 2، والتعريفات ص147، والمستصفى 1: 4، والدر المختار 1: 26 - 27، ومسلم الثبوت 1: 12، والكليات، ص690، والميزان الكبرى 1: 107.
(¬5) ينظر: حاشية الخادمي على الدرر ص3، ومقدمة ابن خلدون 312.
دليل حكم الفعل كما هو حال اعتناء الأصوليبن؛ إذ أن وظيفة الفقيه بيان الحكم بغض النظر عن دليله، ووظيفة الأصولي بيان دليل كلِّ مسألة فقهية.
فعلم الأصول يطلق على القواعد والأصول الكلية التي سار عليها المجتهد المستقل في استخراج الفروع فحسب، بخلاف الفقه، فإنه يطلق على الفروع التي استخرجها المجتهد المستقل من الأدلة التفصيلية، ويطلق على المسائل التي استخرجها المجتهد في المذهب من فروع وقواعد المجتهد المستقل في المذهب (¬1).
* رابعاً: معنى «منهج البحث الفقهي» باعتباره علماً:
بعد الانتهاء من بيان المقصود بمنهج البحث الفقهي من حيث كونه مركباً إضافياً، نشرع الآن ببيان معناه من حيث كونه علماً ولقباً.
ولما كان البحث الفقهيّ في الدراسات العليا والأبحاث المحكَّمة يشتمل على التأليف لكتاب فقهيّ، والدراسة لموضوع معيّن فقهياً، أو أصولياً، أو شخصية فقهية، أو تحقيق مخطوط فقهي، فيمكننا اعتماداً على ذلك أن نضع تعريفاً لمناهج البحث الفقهي:
القواعد العلمية والطرق العملية المتبعة في الوصول للمقصود من تنظيم مادة علمية، أو تحرير موضوع فقهيّ، أو دراسة شخصية، أو تحقيق مخطوط.
والمقصود: بالقواعد العلمية الأسس والمبادئ التي يسير عليها أهل هذا الفنّ في الوصول للنتائج المرجوة.
والمقصود بالطرق العملية: الوسائل والأدوات التي تتبع من أهل الاختصاص؛ للوصول للنتائج.
واما بقية مفردات التعريف، فسنتي على بيانها تفصيلاً في ثنايا هذا الكتاب، ذلك أننا نسعى في هذه الدراسة إلى مناقشة هذه الجوانب المتعدّدة في البحث الفقهي بصوره المختلفة، بحيث نخصص فصولاً خاصة تبين القواعد والطُّرق المتبعة في كتابة كلِّ نوع من هذه الأنواع.
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة المصرية 1: 38، وغيره.
المطلب الثاني
نشأة مناهج البحث الفقهي
ما تقدَّم من الكلام عن البحث الفقهي بأنواعه الأربعة، نجده موجوداً من بداية تاريخ تدوين الفقه على النَّحو الآتي:
* أولاً: التأليف:
فقد عرف التأليف في علم الفقه من بداية ظهور هذا العلم، فنجد الكتابة الفقهية في جميع الأبواب الفقهية على نَسَق ما؛ بحيث يستفيد منها الطلبة والعلماء والقضاة والمفتون بطريقة جليةً في كتاب «المبسوط» للشيباني (ت189هـ)، ونجد الكتابة في موضوع باب معين، وتفصيل أحكامه ظاهرة في كتاب «السير الكبير» للشَّيباني.
وقد أبدع الفقهاء في التأليف بصوره المتعددة، واختلفت مناهجهم فيه، فمنهم مَن يسعى في تأليفه إلى عرض مسائل مذهبه مؤيدةً بالأدلة، ومنهم مَنْ يسعى إلى عرض مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم -، ومَن بعدهم من أقوال علماء مذهبه، ومن ثم إثبات رجحان مذهبه؛ بعرض أدلة الخصوم والرد عليها، ومنهم مَن يسعى إلى عرض مسائل مذهبه مؤيّدة من ناحية عقلية وأصولية، ومنهم مَن يهتم بعرض المسائل وما يتفرَّع عليها دون اهتمام بالأدلة.
ومَن دقَّق النظر وجد أنَّه صنف من الكتب الفقهية ما اشتملت على أقسام التأليف السبعة، وهي: «شيء لم يُسبق إليه يخترعه، أو شيءٌ فيه نقص يتمّه، أو شيءٌ متعلّق بشرحه، أو شيءٌ طويلٌ يختصره دون أن يخلّ بشيءٍ من معانيه، أو
شيءٌ متفرّقٌ يجمعه، أو شيءٌ مختلطٌ يُرتبه، أو شيءٌ أخطأ فيه مصنفُه فيصلحه من المذهب» (¬1).
من صور التَّأليف لفقهائنا:
أ. الكتب المختصرة المشتملة على أُمهات المسائل المعتمدة في كلِّ مدة، والتي لا تزيد صفحاتها عن بضع عشرات، مثل: «مختصر القدوري»، و «الوقاية»، و «الكنز».
ب. الشروح لمتون المذهب؛ لمن أراد التوسّع، مثل: «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق».
ج. الحواشي على الشروح؛ لمن أراد الغاية في تنقيح المسائل وضبطها، مثل: «حاشية الطحطاوي على المراقي»، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار»، وهذه المنظومات تتفاوت في حجمها بين مئات وآلاف الأبيات الشعرية، مثل: «الوهبانية».
هـ. كتب الألغاز التي تعرض المسائل الفقهية على صورة لغز، ثم تذكر حله، مثل: «الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية».
و. الفتاوى المشتملة على سؤال وجواب لما يقع مِنَ المسائل، مثل: «الفتاوى الخيرية»، و «الفتاوى الكبر» لابن مازه.
ز. الكتب التي تعرض أدلّة كلّ مذهب الحديثية وغيره: مثل: «شرح معاني الاثار»، و «مشكل الاثار»، و «إعلاء السنن».
ح. كتب الأصول لكل مذهب، وفيها عرض للأصول التي يلتزم بها أصحاب كل مذهب، وإثبات دقتها وميزتها على غيرها، مثل: «أصول البزدوي»، و «المنار».
¬
(¬1) ينظر: الفوائد المكية ص2، وغيره.
ط. كتب القواعد الفقهيّة وما يندرجُ تحتها مِنَ الفروع، مثل: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم.
ي. كتب الفروق بين المسائل المتقاربة؛ لئلا يغتر باتفاقها في الحكم، مثل: «الفروق» للكرابيسي.
ك. الكتب الخاصة بذكر تراجم الفقهاء وطبقاتهم، مثل: «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» للقرشي.
* ثانياً: تحقيق مخطوط:
يظهر لمن تأمل ودقق النظر أن تحقيق مخطوطة وخدمتها موجودةً في الشروح على كتب الشَّيباني، كشروح «الجامع الصغير»، و «الجامع الكبير»، وغيرها كشروح الطحاوي (ت321هـ)، والكرخي (ت334هـ)، والجصاص (ت370هـ)، والقُدُوري (ت428هـ)؛ فكانت عدّة نسخ عند شرّاح كلِّ كتاب، يُصحِّحونه من خلالها، ويُبيِّنون المقصود من عبارته وأدلته عليها، ويكشفون ما خفي منها.
وقد ذكرت لفظة «بعض النسخ» في «المبسوط في شرح الكافي» للسَّرَخسيّ (56) مرّة، وفي «الهداية شرح بداية المبتدي» للمرغيناني (24) مرة، وفي «البناية شرح الهداية» للعيني (548) مرّة، وفي «البحر الرائق شرح الكنز» لابن نجيم (151) مرّة، وفي «حاشية ابن عابدين» (354) مرّة.
ومن خلال هذه الأمثلة يتضح لنا: يقيناً أن التثبت من النسخ المخطوطة للكتب الفقهية كان من المسلَّمات عند فقهائنا في خدمتهم العلمية لها عند شرحها وتوضيحها، وهي إحدى جوانب الخدمة التي كانوا يقدِّمونها لكتب أسلافهم من تصحيحها، وبيان الاختلاف في نسخها.
وهذه الطريقة العلمية الصحيحة في تحقيق المخطوطات الفقهية والأصولية، وهي الموروثة عن سلفنا وخلفنا، وعلينا أن نتمسَّك بها، لا بما شاع
في هذا الزمان من طريق المستشرقين في تحقيق التراث؛ حيث لم يعقلوا العلوم الشرعية، حتى يقلَّدوا في كيفية تحقيقها.
والابتعاد عن طرق البحث العلمي الصَّحيحة والتراث العظيم لأمتنا، أفقدنا المنهجية العلمية المعروفة تاريخياً عند أسلافنا، مما جعلنا نسعى خلف المستشرقين في كيفية تحقيق المخطوطات وخدمتها.
* ثالثاً: كتابة بحث في موضوع معين:
نجد الكتابة في موضوع فقهيّ ظهر جلياً عند المتأخرين في كتابة الرسائل الفقهية المتعدِّدة في مسائل وموضوعات خاصّة، كما هو الحال في رسائل ابن قُطْلوبُغا (ت879هـ)، وابن كمال باشا (ت940هـ)، ورسائل ابن نُجَيم (ت970هـ)، ورسائل الشُّرُنْبُلالي (ت1069هـ)، ورسائل النابلسي (ت1143هـ)، ورسائل ابن عابدين (1252هـ)، ورسائل اللَّكنوي (ت1304هـ)، وغيرها، حيث إنها تحقق مسألة معيّنة بكلِّ تفاصيلها.
وهي أشبه ما يكون هذا الأيام في الأبحاث الفقهية المتخصصة التي تتناول جزئية معينة، وتتوسع في بحثها، وبيان كل ما يدور حولها.
ومن أمثلة الكتابة في الموضوعات الفقهية عند المتأخرين: «سعادة أهل الإِسلامِ بالمصافحة عقيب الصَّلاة والسلام،» و «النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بأمِّ الكتاب»، والزهر «النضير فِي الحوض المستدير»، و «تجديد المسرات بالقسم بين الزوجات» للشُّرُنْبُلاليّ.
و «إيضاح الدلالات في سماع الآلات،» و «خلاصة التحقيق في مسائل التقليد والتلفيق»، و «كشف الستر عن فرضية الوتر» للنابلسي.
«القول الأشرف في الفتح عن المصحف»، و «الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة»، و «الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل»، و «تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة» للكنوي.
فمن هذه الأمثلة يتضح جلياً أن الكتابة في مسألة بعينها وتحقيقها وتحريرها وبيان تفصيلها ـ كما هو شائع في رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث المحكمة ـ أمر معروفٌ وشائعٌ لدى فقهائنا، ويُطلق على مثل هذه الطريق من البحث رسالة في كذا.
وهذا يبيّن لنا أنّ مناهج البحث المتعددة وجدت عبر تاريخنا الفقهي ـ في أبهى صورة علمية لها ـ من قبل أفذاذ العلماء الكبار، بصورة تحقّق لهم حاجتهم الفقهية لأفرادهم ومجتمعاتهم ودولهم، ونحن بحاجة إلى أن نستمر في هذا البحث الفقهيّ على مسلكهم العلمي الرَّصين؛ بما يحقِّق حاجتنا من الأحكام الشَّرعية، مما يغني مجتمعاتنا في النُّهوض بنفسها ابتداءً وبالبشرية انتهاءً.
* رابعاً: الكتابة في شخصية فقهية:
نجد الكتابة في شخصية فقهية كانت معروفة في تاريخنا الفقهي كان مشتهراً وشائعاً، ومن أمثلة ذلك: كتاب القرشي: (ت775هـ) «البستان في مناقب النعمان»، والفريابي: (ت301هـ) «مناقب مالك»، والقضاعي: (ت454هـ) «مناقب الشافعي»، واليافعي: (ت768هـ) «أسنى المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر»، والسَّخاويّ: (ت902هـ) «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر».
ولا حصر للكتب التي ألف في إظهار الشخصيات العلمية العظيمة؛ للاستفادة من علمها، والاقتداء بسيرتها، وبيان مكانتها وفضلها ودرجتها العلمية، وأثرها في نشر العلم والمعرفة وخدمة دين الله تعالى.
* ... * ... *
المطلب الثالث
أنواع مناهج البحث
اشتهرت مناهج بحثية ينبغي للباحث التزامها في كتابته لأبحاثه، وصار معتاداً أن يصرح في مقدمة بحثه بالمناهج التي سلكها في بحثه، وهذه المناهج هي:
* أولاً: المنهج البحثي:
ويكون بجمع المعلومات في مسألة معينة لدراستها وتحليلها.
وهذا المنهج يشمل:
1. منهج الاستقراء: يقوم على تتبع الجزئيات للوصول إلى الكليات، كما في استخراج أصول البناء الفقهي «التكييف الفقهي» والضوابط الفقهية، أو تتبع الكليات للتوصل إلى أحكام عامة، كما في تتبع أصول البناء والضوابط للتوصل إلى القواعد الفقهية الكبرى، أو تتبع الكليات للتوصل إلى أحكام جزئية، كما في تخريج الفروع على أصول البناء والضوابط بعد الاستقراء لها.
فيلاحظ إذن أن هذا المنهج يكون إمّا صعودي من الأسفل للأعلى، أو نزولي من الأعلى للأسفل.
ويقسم المنهج الاستقرائي إلى قسمين:
أ. استقراء تام: ويقوم على استقراء جميع جزئيات أو أجزاء القضية، حتى يغلب على الظن استيعابها بصورة كلية وشاملة؛ مما يساهم في إعطاء النتائج بهيئة أٌقرب إلى الحقيقة، أو يصل الأمر إلى القطع بها.
والاستقراء التام ممكن من حيث التصور الذهني، وممكن من حيث وجوده على أرض الواقع، ولكن يبقى ذلك معلقاً في قدرة الباحث وجهده، وطبيعة المبحوث فيه.
أ. استقراء ناقص، ويقوم على استقراء أجزاء أو جزئيات معينة؛ للتَّوصل إلى نتيجة محتملة، فلا يكون بالدقة التي عليها الاستقراء التام، لكن إن كانت الجزئيات المختارة تمثل عامة الفئة المستهدفة محل البحث، فيمكن أن تعطي نتائج قريبة من الاستقراء التام ..
2ـ منهج التحليل «الاستدلال والاستنباط»: ويقوم على تحليل المادة التي تمّ جمعها بعد استقرائها من جميع جوانبها المباشرة وغير المباشرة؛ ليتمكن الباحث من الاستدلال والاستنباط منها.
والمنهج التَّحليلي يعد خطوة لاحقة للمنهج الاستقرائي، وقد يقارنه في أثناء الاستقراء للمادة خطوة بخطوة؛ للوصول للنتائج المرجوة بأقصر طريق.
ففي المنهج الاستدلالي يكون البرهان الذي يبدأ من قضايا يسلم بها، ويسير إلى قضايا أُخرى تنتج عنها بالضرورة (¬1)، وهذا ظاهر في الاستدلال بالأدلة العقلية والنقلية من القرآن والسنة على مسألة، كما هو شائع في الكتب الفقهية.
وفي المنهج الاستنباطي يكون الوقوف على علل المسائل في النصوص الشرعية، ومن ثمّ إلحاق الفروع بالأصول لاشتراكها معها في العلّة؛ فتأخذ حكمها، وهذا هو القياس عند الأصوليين.
وهذا الاستنباط في المعنى اللغوي يشبه التَّخريج للفروع على القواعد كما سبق، لكن في الاصطلاح الفقهي والأصولي يطلق التخريج فيما يتعلق بالتفريع على القواعد، والاستنباط فيما يتعلق بالتفريع على القرآن والسنة والآثار.
¬
(¬1) ينظر: مناهج البحث العلمي ص82.
3. المنهج التَّاريخي «الاستردادي»: ويقوم فيه باسترداد الماضي تبعاً لما تركه من آثار أياً كان نوع هذه الآثار (¬1)، كما يظهر في تحقيق المخطوطات المختلفة، حيث يتم استردادها من الماضي إلى الحاضر، والاستفادة مما فيها بعد التحقق من صحتها والتثبت مما فيها، كما سيأتي عند الحديث عن تحقيق المخطوطات.
* ثانياً: المنهج التأليفي «التدوين»:
وهو عرض المادة العلمية بجميع حيثياتها ونتائجها للقراء، وهذا له قواعده من حيث البدء بالمقدمة ثم الموضوع ثم عرض النتائج وهكذا، ومن خلال هذه الأمور نستطيع التعرف على المنهج الذي اتبعه المؤلف فيما قدمه من مادة علمية، الأمر الذي يساعد في كتابة البحوث المتخصصة حول مناهج الشخصيات العلمية الفقهية وغيرها.
وهذا المنهج يشمل:
1. المنهج الشكلي: هو الذي يقوم على طريقة تقديم المادة العلمية للقارئ، وذلك بتقسيمها بطريقة منطقية إلى أبواب، وفصول، ومباحث، ومطالب، وفروع، وما تضمه من رسومات وجداول وأرقام.
2. المنهج الوصفي: يقوم على تقديم وصف عام للمادة العلمية من خلال التعرض لتعريفها وحقيقتها وأقسامها وتطورها التاريخي وغير ذلك، وبعبارة أخرى: هو ما يضمه الفهرس التفصيلي للمادة العلمية.
3. المنهج الجدلي: ويقدم طريقة حوار الخصم ومناقشته، وطرح الشبه وردها، ويظهر جلياً في علم أدب البحث والمناظرة، ويستخدم هذا المنهج كثيراً في رد المخالفين في كتب الفقه والأصول.
وينبغي للدارس أن ينتبه إلى أنّ الفصلَ بين المناهج بالنسبة إلى أي علم من العلوم يكاد أن يكون مستحيلاً، ... والنتيجة أن الفصل بين المناهج العلمية
¬
(¬1) ينظر: مناهج البحث العلمي ص 19.
غير ممكن في البحث العلمي، ولكننا نقدم هذا التقسيم للمناهج من أجل دراستها وتصورها وتطبيقها في البحث، والواقع أن عدد المناهج لا يكاد ينحصر، ففي داخل كل علم عدة مناهج (¬1).
وكما سبق فإن المنهج يختلف من علم إلى علم؛ فالمنهج في العلوم الإنسانية يختلف عنه في علوم الطبيعة والتاريخ وغيرها، ومع ذلك فإنّها تشترك في بعض النقاط من حيث الرجوع للمصادر، وتوفر مادة البحث، وكونها تصدر من باحث عالم بمجال بحثه.
وهذا الاختلاف بين المناهج من علمٍ إلى علمٍ راجعٌ إلى طبيعة كلِّ علم من العلوم، وفي هذا يقول الشِّنقيطي: «لكلِّ علم منهجه: أي لكلِّ علم القواعد والعمليات الخاصّة به، والتي تتيح أن يحصل على المعرفة السَّليمة في طريق بحثه عن الحقيقة» (¬2).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: مناهج البحث العلمي ص13ـ 18 باختصار.
(¬2) أسس المنطق والمنهج العلمي للشنقيطي.
المطلب الرابع
خصائص منهج البحث الفقهي
يشترك منهج البحث الفقهي مع غيره في العديد من النُّقاط؛ لكونه مجالاً من مجالات البحث العلمي المتعدِّدة في التّاريخ وعلم الاجتماع والتربية والعلوم العقلية وغيرها، إلا أن البحث الفقهي له ميزات وخصائص يختلف فيها عن غيره حتى في العلوم الشرعية، وفيما يأتي بيان لأهم أنواع الخصائص:
* أولاً: الخصائص العامة للعلوم:
1.الموضوعية في البحث:
ويقصد بها التزام موضوع البحث وعدم الخروج عنه والاستطراد إلى غيرها؛ لأن له أثراً سلبياً على القارئ في تشتيب أفكاره، وعدم القدرة في الوصول إلى نتائج في موضوع البحث، وزيادة حجم البحث فيما لا يتعلَّق بالبحث.
ويرد بها أيضاً: الصدق في الوصول إلى الحقيقة، فلا يجوز للباحث أن يجعل البحث مدللاً على نزواته ورغباته، ولا يجعل للمؤثرات الخارية أثراً في حرفه عن الوصول للحقيقة.
فلا تكون الحقيقة صحيحة إن لم تكن مثبتة من بحث علمي، ولا يجوز أن نقرر الحقائق بلا بحث مسبق عنها، وادعاء الحقائق بلا أدلة ولا بحث يسقط رتبة مدعيه العلمية.
وهذا مختلفٌ عن الإثبات والاستدلال للحقائق الثابتة في مذهب فقهي معتبر، بحيث يستقصي الباحث ما ورد من أدلة تثبتها وتبرهن عليها.
ومعرفة الباحث بالموضوعية يكون له أكبر الأثر في قبول من يصدر عنه من نتائج، وفي ارتفاع مكانته العلمية، وانتشار أبحاثه وعلمه، وتحقيق الموضوعية
يتطلب تقوى الله والأمانة العلمية والالتزام بالمنهجية العلمية في البحث والضبط العلمي.
2. مراعاة الجانب الفني أو الشكلي:
ويتمثل في جمع المعلومات من مصادرها، ثم فرزها على حسب موضوعات البحث، ثم ترتيبها وتدوينها، ثم توثيقها، فهذه الأمور تشترك فيها عامة الأبحاث، ويكون لها اعتبار في تقدير البحث وقبوله للتحكيم.
3.الإضافة العلمية والإبداع:
الغاية من البحث تحقيق إضافة علمية، ولا يعد بحثاً له قيمة إن لم يقدم إضافة في مجاله، وبين علماؤنا ما في الإضافة الت يمكن تقديمها، عندما تكلموا عن مقاصد التأليف.
قال ابن خلدون (¬1): «ثم إن الناس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها وإلغاء ما سواها فعدوها سبعة:
أ. استنباط العلم بموضوعه وتقسيم أبوابه وفصوله، أو استنباط مسائل ومباحث تَعرضُ للعالم المحقّق ويحرص على إيصاله لغيره لتعم المنفعة به ...
ب. أن يقف على كلام الأولين وتآليفهم فيجدها مستغلقة على الأفهام ويفتح الله له في فهمها فيحرص على إبانة ذلك لغيره ممن عساه يستغلق عليه لتصل الفائدة لمستحقها، وهذه طريقة البيان لكتب المعقول والمنقول وهو فصل شريف.
ج. أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدِّمين ممن اشتهر فضلُه وبعُدَ في الإفادة صيته، ويستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشكّ فيه، فيحرص على إيصال ذلك لمن بعده؛ إذ قد تعذّر محوه ونزعه بانتشار التأليف في الآفاق والأعصار، وشهرة المؤلف ووثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك
¬
(¬1) في تاريخ ابن خلدون1: 731.
الكتاب ليقف على بيان ذلك.
د. أن يكون الفن الواحد قد نقصت منه مسائل أو فصول بحسب انقسام موضوعه، فيقصد المطلع على ذلك أن يتمم ما نقص من تلك المسائل؛ ليكمل الفن بكماله ومسائله وفصوله ولا يبقى للنقص فيها مجال.
هـ. أن يكون مسائل العلم قد وقعت غير مرتبة في أبوابها ولا منظمة، فيقصد المطلع على ذلك أن يرتبها ويهذبها، ويجعل كلّ مسألة في بابها ...
و. أن تكون مسائل العلم متفرقة في أبوابها من علوم أخرى فيتنبه بعض الفضلاء إلى موضوع ذلك الفن وجمع مسائله فيفعل ذلك، ويظهر به فنٌ ينظمه في جملة العلوم التي ينتحلها البشر بأفكارهم كما وقع في علم البيان، فإن عبد القاهر الجرجاني وأبا يوسف السكاكيُّ وجدا مسائله مستقرة في كتب النحو، وقد جمع منها الجاحظ في كتاب البيان والتبيين مسائل كثيرة تنبه الناس فيها لموضوع ذلك العلم وانفراده عن سائر العلوم، فكتبت في ذلك تآليفهم المشهورة وصارت أُصولاً لفن البيان ...
ز. أن يكون الشيء من التآليف التي هي أُمهات الفنون مطولاً مسهباً فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك بالاختصار والإيجاز وحذف المتكرر، وإن وقع مع الحذر من حذف الضروري؛ لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول.
فهذه جماع المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف ومراعاتها، وما سوى ذلك ففعل غير محتاج إليه، وخطأٌ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء، مثل انتحال ما تقدم لغيره من التأليف أن ينسبه إلى نفسه ببعض تلبيس من تبديل الألفاظ وتقديم المتأخر وعكسه، أو يحذف ما يحتاج إليه في الفنّ، أو يأتي بما لا يحتاج إليه، أو يبدل الصواب بالخطأ، أو يأتي بما لا فائدة فيه، فهذا شأن الجهل».
4.وضوح التعبير عن المقصود:
فينبغي للباحث أن يراعي سهولة عبارتها وحسنها، بحيث يمكن التعبير عن المقصود بأيسر عبارة وأدقها، لا سيما في مسائله الفقهية؛ لأنها متعلّقة بالحلال والحرام.
وعلى الباحث أن يحافظَ على استعمال مصطلحات العلم الذي يكتب فيه، ويستخدمها كما هي مع الشَّرح والتَّوضيح لها، ولا يجوز أن يستبدلها بما شاء من المصطلحات؛ لأنّ هذا غير مقبول عند أهل كلّ فنّ وعلم، ومَن يفعله لا يعتبر من أهل ذلك العلم؛ لتركه أهم قواعده الأساسية.
5.تخريج فروع العلم الذي يبحث فيه على أصولها وقوعدها:
فجميع العلوم لها أصولٌ معتبرة، وإلا لا تكون علوماً؛ لأن العلم يتكون من مجموعة من القواعد، فإن تكلمت في علم الفقه، يجب أن يكون ما أقدمه من فروع مبيناً على قواعد علم الفقه.
ولا يعتبر من علم الآراء التي لا يرجعها أصحابها إلى قواعد علمهم، وإنما هي أهواء ونزوات لا قيمة لها.
6.عدم مخالفة قواعد العلم الذي يبحث فيه:
فكلُّ علم له أسسه ومبادئه، ومَن سلكه علماً لا يُعدُّ أهله إن يلتزم بقواعده ويسير على منواله، وقواعده تتمثل بما اتفق علماؤه عليه، ولم يختلفوا فيه، فلا يجوز مخالفته، وأمّا ما اختلفوا فهو في سعة يختار بين قواعده وأقواله المختلف فيها ما الأنسب والأفضل للواقع.
7.التَّخصصية في العلم الذي يبحث فيه:
فإن لم يكن من أهل الاختصاص فيه، فلا يجوز له أن يكتب أو يبحث فيه؛ لأنه لن يكون قادراً على فهم مصطلحاته وقواعده، وسيكون من المفسدين لا من المصلحين؛ لذلك ينبغي أن يكون من أصحاب الملكة في ذلك الفنّ، وإن لم يكن من أهل الدرجة العليا؛ لأن الملكة لا شكّ أنها مراتب عديدة.
* ثانياً: الخصائص الخاصة بالبحث الفقهي:
1.تميز مصادره من الكتب الفقهية المختلفة التي مرد مسائلها إلى الفهم الصحيح للكتاب والسنة من قبل أئمة الاجتهاد:
فلا يقبل في فهم الكتاب والسنة إلا فهم المجتهدين المطلقين الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد الكامل من عظماء السلف من أئمة المذاهب، أو فهم المجتهدين في المذاهب في البناء على قواعد المجتهدين المطلقين في تفريع الفروع وبيان الضوابط والقواعد، فلا يلتفت إلى فهم غير مجتهد مطلق للنص الشرعي، ولا إلى فهم غير عالم متخصص في المذهب في بيان حكم المذهب.
2.شمول البحث الفقهي للجانب الدنيوي والأخروي:
فعامة الأحكام لها جانبان: جانب من حيث الحل والحرمة وجانب من حيث الصحة والفساد، فيكون لدينا حكم قانوني فيما عدا العبادات من أبواب الفقه، له حكمه قضاء كذا، وحكمه ديانة كذا، وهذا تفصيل لا يتحقَّق إلا في الفقه؛ فينبغي للباحث الانتباه له.
3.ارتباط الفقه بعلوم كثيرة في بناء الحكم الشرعي وفهمه:
فلا نقرر حكماً شرعياً إلا بعد إمراره على قواعد التطبيق، وهذا يقتضي أن يكون الباحث على اطّلاع كبير بفهم الواقع المتعلق بموضوع بحثه الفقهي؛ حتى يكون حكمه مناسباً للواقع وغير متعارض معه، ليتمكن من تلبية حاجات المجتمع بما لا يتعارض مع أحكام دينه الحنيف، وبهذا نخرج من دائرة التنظير في البحث الفقهي الى دائرة العمل والتطبيق.
* ... * ... *
المطلب الخامس
أهمية منهج البحث الفقهي
للبحث أهمية كبيرة تعود على الباحث والعلم والمجتمع نعرض بعضها في النقاط الآتية:
1.تقوية الملكة الفقهية:
وهي القدرة على التخريج والترجيح والتمييز والتقرير للأحكام الشرعية من فقيه النفس.
ويمكن تحصيل الملكة الفقهية من دراسة الكتب الفقهية ضمن نظام علمي على يد أساتذة قادرين على تذليل صعابها، وتحصيل مرامها، وتتبع عبارات الكتب في كلّ مسألة؛ حتى يتمكن من الوقوف على قيودها وضوابطها وتفصيلها، وأفضل وسيلة في تحقيق ذلك البحث الفقهي؛ لأنّ البحث لا يعدو أن يكون تتبعاً لقضية معيّنة في عامة الكتب الفقهية.
وهذا يُفسِّر لنا كلام ابن عابدين (¬1): «يطلقون عباراتهم كثيراً في موضعٍ اعتماداً على التقييد في محلِّه، وقصدهم بذلك أن لا يدّعي علمهم إلا مَنْ زاحمهم بالرُّكب، وليعلم أنَّه لا يحصل إلا بكثرة المراجعة وتتبّع عباراتهم والأخذ عن الأشياخ «؛ فالبحث الفقهي ركن أساسي في تكوين الملكة الفقهية.
2. معرفة أحكام المستجدات:
فالأبحاث هي السبيلُ الأمثل للوقوف على بيان حكم الوقائع والمستجدات في حياتنا المعاصرة بعد التطوُّر الكبير في كافّة مناحي الحياة السياسية
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 450.
والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فلا غنى لنا عن البحث الفقهيّ تلبية للحاجة الشرعية للمجتمعات المسلمة؛ لأنها الأداة لذلك من خلال تتبع المسائل في موضوع ما، والوقوف على قواعده، وابتناء النوازل عليها.
3.الاطلاع على دقائق المسائل في مطولات كتب الفقه، وقواعد الأحكام، وأصول البناء:
ذلك أننا بالبحث نصل إلى خفايا الأبواب الفقهيّة، وعلى دقائق المسائل، والقواعد التي تبتني عليها الأحكام، فالبحث يفتح آفاق واسعة للباحث في العلم الذي يبحث فيه، ويطلعه على كنوزه الدفينة.
4. الوقوف على طبقات الكتب ودرجاتها في الاعتبار والاعتماد:
فمعرفة طبقات الكتب بحيث يقدر الطالب على تمييز المعتمد من المردود، فطريقته الأفضل هي البحث الفقهي في مسائل الكتب المتعددة؛ لأن تتبع المسائل في عشرات الكتب يعين الباحث في الوقوف على أحوال الكتب، ومعرفة المعتمد من غيره.
5. معرفة مناهج المؤلفين في كتبهم من حيث الاعتناء بالتأصيل الفقهي والتفريع والتقعيد والتدليل:
فإن كل كتاب له منهجه الخاص به، ولا يعرف إلا بكثرة الاطلاع عليه، وسبيل ذلك البحث العلمي؛ لأنّ فيه كثرة المراجعة للكتاب، بحيث يضبط الباحث منهج مؤلفه.
6.زيادة معارف الباحث، وتصحيح معلوماته، والوقوف على الأخطاء العلمية الواقعة من المؤلفين في كتبهم سواء الأقدمين أو المعاصرين.
فإن متابعة عبارات الفقهاء وتتبع أقوالهم، يعرف الباحث بالصحيح من السقيم منها، ويمكنه من معرفة الحقّ من الباطل منها، والصَّواب من الخطأ والزَّلل.
7. تحرير الباحث من الفهم المغلوط للفقه عند المعاصرين من خلال الرجوع للكتاب والسنة مباشرة ممن ليس أهلا لذلك، وكذلك التنقل بين المذاهب بلا ضابط:
وهذا مخالفٌ للمدرسة الفقهية العريقة التي تسير على مذهب فقهيٍّ واحد، ولا تمنع من الاستفادةٍ من غيره للضَّرورة، فالبحثُ يُمكِّن الدَّارس من كشف عدم التَّخصصية عند غير المتمذهبين، الذي كان سبباً في ضياع الشَّريعة وضياع المسلمين، بحيث أصبحوا فريسةً سهلةً لأعدائهم، فكلُّ مَن اطّلع على المدرسة الفقهية التاريخية أدرك هذه الحقيقة، وتيقَّن أنّ الحقَّ لا يخرج عن المذاهب الفقهية الأربعة، واعتبر ما سواها عبثاً ولعباً في الشَّريعة.
8. الزيادة من هيبة المذاهب الفقهية، وكتبها، ومناهجها، وعلمائها عنده:
ففي البحث يقف على أسرار بقاء هذه المذاهب لوقتنا الحاضر، وعلى دقة كلامهم، وقوة عبارتهم، وعظم تأصيلهم العلمي، وكيف أنها علوم لا تجارى، ولا يُمكن مقارنتها بما يدعيه المعاصرين من الفقه.
9.يُخرج الباحثين من الفوضى الفقهية:
فإن كان الباحث جاداً وصادقاً، سيصل إلى حقية هذه المذاهب وأهميتها، وضرورة التزامها للخروج من الفوضى العلمية، فيبين لهم خطرها على المجتمعات، وخطر نقلها وبثها بين الناس من غير بيان لمنهج بنائها واستنباطها.
10. منع التَّلاعب بأحكام الدِّين من خلال المنهجية المتولدة عند الباحث في التَّلقي، والنظر للأحكام من جديد:
فيرفض الباحث كلَّ قول غير مبني على منهجية واضحة في البحث، ويتحرَّي البناء الفقهي في مذهب فقهي معتبر من المذاهب الأربعة؛ لأنها الممثلة لعلم أهل السنة الفقهي.
وما ذكرته شيء يسير مما يعود على الباحث والمجتمع نتيجة البحث الفقهي، حيث تتولَّد لدى الباحث وتتكوَّن أثناء بحثه في مجالات الفقه المتعددة، فوائد كثيرة، ومنافع كبيرة لا سبيل لحصرها.
المبحث الثاني
مقومات منهج البحث الفقهي
البحث في كتب الفقهي الأصيلة الموروثة أمر في غاية الدقّة والحساسيّة، ويتطلَّب من الباحث الجيد عدّة مقوِّمات ينبغي إتقانها والإحاطة بها؛ ليتمكن من الوصول إلى النتائج التي يغلب الظَّنِّ على صحّتها.
وأقصد بمقومات منهج البحث الفقهي:
هي الأمور المؤثرة في عملية البحث الفقهي ونتائجه، صحّةً وبطلاناً، كمالاً ونقصاناً.
فمقومات منهج البحث الفقهي تمثل المفاتيح العلمية والقواعد الأساسية للتَّعامل مع المادة الفقهية، فلا يقدر الباحث على الولوج في نصوص كتب الفقه قاطبةً، والبحث فيها بطريقة صحيحة، ولا يستقيم تحليله للأحكام المتعلّقة بالفروع الفقهيّة، ولا تصح نتائجه، ويعرِّض الباحث نفسه للحرج أمام اللجان المتخصصة، وطلبة العلم الشرعي؛ فيفقد بذلك الثقة؛ لافتقاره إلى تلك المقومات؛ فينبغي للباحث معرفة مقومات البحث الفقهي، ومعرفه طرق الوصول إليها؛ ليتمكن من السير على الطريق الصحيح في بحثه.
ويمكن إجمال هذه المقومات بالمطالب الآتية:
المطلب الأول
التخصص في مذهب فقهي
التَّخصصية ضرورة لا بُدّ للباحث منها، فمَن لم يكن متخصصاً كان بحثه عبثاً؛ لعدم قدرته على فهم العلم الذي يبحث فيه، فهو يجمع من هنا وهنا كحاطب ليل؛ لعدم وجود تصورات في عقله عن المسائل ولا معرفة بأصول البناء والقواعد، ولا اطلاع على مناهج الكتب ومعرفة طبقاتها، وطبقات المؤلفين لها، ولا فهم لمصطلحات الفن.
وقد وُصف القُهُستانيّ في «جامع الرموز» بأنه: «يجمع بين الغث والسمين، والصحيح والضعيف من غير تصحيح ولا تدقيق، فهو كحاطب الليل جامع بين الرطب واليابس في الليل» (¬1).
والتخصص في مذهب فقهيّ يقتضي أن يكون دارساً له ضمن نظام منضبط؛ ليتمكن من فهم الكتب الفقهية، ونخصُّ بالذِّكر ههنا كتب المذهب الحنفي، فينبغي للباحث أن يكون دارساً لجوانبه الثلاثة:
1.جانب البناء الفقهي: فيبدأ بدراسة متن من المتون المعتمدة في المذهب الحنفيّ: كـ «القُدُوريّ» مثلاً، ثمّ يتدرّج بدراسة شرح على متن آخر معتمد وأكثر استيعاباً مما قبله: كـ «شرح الوقاية»، أو «الاختيار لتعليل المختار»، أو «رمز الحقائق شرح كنز الدّقائق».
ثمَّ يترقّى إلى قراءة «الهداية» للوقوف على فلسفة الفقه، وكيفيّةِ بناء المسائل
¬
(¬1) ينظر: مقدمة السعاية ص37، وتذكرة الراشد ص56، وغيث الغمام ص30، ومقدمة عمدة الرعاية ص12، والعقود الدرية 2: 324، وغيرها.
والأصول التي استندت إليها، ثمّ يتوسّع في الفروعِ بقراءة «فتاوى قاضي خان»، ثمّ «الدرّ المختار» مع «حاشيته» لابن عابدين، فهي الغاية والكمال في التّحقيق والتّدقيق، فلا غنى للطالب والعالم في فهم الفقه ومعرفة الفروع والرّاجح عنها.
2.جانب الأصول: أن يتدرج في قراءة كتب أصول الفقه؛ بأن يبدأ أولاً بدراسة كتاب: «مسار الوصول إلى علم الأصول»، ثم ينتقل إلى دراسة: شرح «مختصر المنار»، ثم قراءة «نور الأنوار شرح المنار»، ثم قراءة «التوضيح شرح التنقيح»، ونحو ذلك من الكتب الأصولية.
3.جانب التطبيق: ويكون بدراسة: «المدخل المفصل للفقه الحنفي»، ثم قراءة «إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي»، ثم قراءة فقه الترجيح المذهبي من خلال الإطلاع على اختلاف الأقوال والترجيح بينها في «منة الفتاح على مراقي الفلاح».
وهذا يقتضي أن يكون الباحثُ قد أتمّ مرحلة البكالوريوس في دراسة متخصِّصة على مذهب فقهي معتبر بالطَّريقة العلمية المعروفة تاريخياً، بحيث يضبط قواعده وأصوله ومسائله.
أما الدراسة الشرعية العامة، فهي ثقافة عامة خطؤها أكثر من صوابها، فلا تمكن دارسها من البحث الفقهي، ولا الثقة بكتابته.
* ... * ... *
المطلب الثاني
الملكة الفقهية
بعد أن قرَّرنا حاجة الباحث إلى التخصص في واحد من المذاهب الفقهية الأربعة كالمذهب الحنفي، فإن يتقرر حاجة الباحث أيضاً إلى أن يكون من أهل الملكة الفقهية فيه، وهي متفاوتة جداً، وهذه الملكة تتفاوت من شخص لآخر، فعلى الباحث أن يسعى في تحصيل قدرٍ منها، بحيث يصير متحققاً بالفقه، فيتمكن من التخريج للفروع المستجدة من القواعد الفقهية الجزئية، ويقدر على الترجيح بين أقوال المذهب، ويميز ظاهر الرواية من غيره، والصحيح من الضعيف من الأقوال، ويستطيع أن يطبق الفقه على الواقع.
فلا تكفي مجرد المعرفة العامة في الفقه، وإنما نحتاج إلى التمرس فيه والضبط له، وكلما ارتفعت درجة الملكة الفقهية عنده كلما ارتفع قدر بحثه ورأيه وتخريجه وترجيحه؛ لأن التفاوت بين الكتب والأبحاث راجع إلى قوة الاجتهاد عند كل عالم، فمن ارتفع مقامه في الاجتهاد، ارتفع مستوى بحثه وتميزت كتابته، والعكس بالعكس، قال اللكنوي (¬1): «واعلم أنّه ليس تفاوت المصنفات في الدرجات إلا بحسب تفاوت درجات مؤلفيها، أو تفاوت ما فيها».
وهذه الملكةُ تتحصَّل بقدر توفيق الله - عز وجل -، مع مصاحبةِ العلماءِ، والبحثِ والتَّدريسِ والإفتاءِ، والقدرةِ العقليّة، وإكثارِ المطالعة في كتب التَّاريخ والطَّبقات والفتاوى والشُّروح وغيرها، وقد ذكروا في قواعد المفتي والمستفتي ما حاصله:
«لا يجوز الإفتاء لكلِّ مَن تعلَّمَ الفقه لدى الأساتذة حتى تحصل له ملكة
¬
(¬1) في النافع الكبير ص30.
فقهيّة، وهذه المَلَكة يعرف بها أصول الأحكام وقواعدها وعللها ويُميِّز الكتب المعتبرة من غيرها، ودليل حصول هذه المَلَكة أن يأذن له مشايخه المهرة بالإفتاء» (¬1).
وقد جاء في هذا المقام عن الإمام مالك ما نصُّه: «ما أفتيتُ حتى شَهد لي سبعون أنّي أهلٌ لذلك» (¬2).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص28.
(¬2) ينظر: الفقيه والمتفقه 2: 154.
المطلب الثالث
متابعة المشهورين من أهل الاختصاص
فالاقتداء مرحلة مهمة للطالب والباحث، بحيث يتابع في عمله عمل الكبار من أهل الصنعة التي هو بصدد تعلمها؛ حتى يُصوِّب خطأه فيها، ويتعرَّف على خطوات نجاح مشروعه، ويطلع على عرف أهل هذه الحرفة، ويكتسب تجربة مَن سبقه.
فمَن أراد أن يحقق كتاباً في التراجم، فعليه النَّظر في تحقيقات المشهورين في علم التراجم، مثل: تحقيقات عبد الفتاح الحلو، فيسلك طريقهم ويلتزم منهجهم حتى إذا ضبط الأمر وتمكن فيه، بدأ بتطوير العمل والزيادة فيه بخبراته واجتهاداته الخاصة في العلم.
والأمر كذلك فيمَن أراد أن يكتب بحثاً في مسألةٍ أو في شخصيةٍ فقهيّةٍ أو تأليف كتاب فقهيٍّ، فينظر في كتابات الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ تقي الدين العثماني، فإنها من أفضل ما كتب في الجانب الفقهي عند الحنفية من المعاصرين، وإن كان فيها تأثر واضح ببعض التوجهات المعاصرة.
فكثرة النَّظر في أبحاث وكتب وتحقيقات المختصين الكبار مفيدة جداً للباحث، وميسرة له لطريق البحث العلمي على سنن العظماء.
* ... * ... *
المطلب الرابع
معرفة الباحث للمصطلحات
الخاصة بمذهبه تفصيلاً وبغيره إجمالاً
مما لا غنى للباحث عنه معرفة مصطلحات مذهبه بتمامها وكمالها؛ حتى يتمكن من فهم عباراته، ولا نقصد بذلك المصطلحات العامة التي سيأتي ذكرها، ولكن المقصود ضبطه لتركيب الجمل وتَبَيُن المراد منها، ولن يتمكن الباحث من ذلك إلا بكثرة دراسته للكتب واطلاعه على أكثرها، فيدرك أن هذه التراكيب لها معاني خاصة عند أهل المذهب.
ويحتاج الباحث أحياناً مراجعة المذاهب الفقهية الأخرى، فينبغي أن يكون عنده ثقافة عامة عنها تساعده في ذلك، وتسهل عليه فهم كلام المختصين في المذهب الآخر عند سؤالهم؛ لأنّ النقل من أي مذهب والتوثيق منه يكون بمراجعة أهل الاختصاص فيه؛ فلا ينبغي اعتماد قول في مذهب للإفتاء والعمل والتوثيق العلمي إلا بعد مراجعة أهله، ويجب أن يكون هذا شرطاً في الدِّراسات المحكمة: من رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث المحكمة، فبعد النقل من كتب المذهب يذكر اسم العالم الذي سأله عن المسألة؛ للتأكد أن فهمه صواب أم خطأ.
وننبه ههنا إلى أنّ المصطلحات العامّة للمذهب الحنفي، سيكون لها النَّصيب الأكبر من البيان في هذا الكتاب؛ وذلك لأننا التزمنا ـ منذ بداية تأليف هذا الكتاب ـ بقصر مادته العلمية على مذهب السادة الحنفية ما أمكن.
كما ينبغي التنبه أيضاً إلى أن المذاهب الفقهية الأربعة تميزت عن بعضها بمصطلحات خاصة لفظاً ومعنى، كالمكروه تحريماً، والمكروه تنزيهاً، والقياس في أحد معانيه حيث يقصد به أصل الباب عند الحنفية، وإجماع أهل المدينة عند المالكية.
وثمة مصطلحات للمذاهب مشتركة لفظاً مختلفة معنىً: كلفظ الواجب، والاستحسان، والنص في الأصول عند الحنفية، حيث تختلف معانيها واستعمالها عن غيرهم.
وثمة مصلطحات مشتركة لفظاً ومعنى: كالقياس بمعناه العام، والسنة، والتخصيص، وخلاف القياس وغيرها.
فعلى الباحث أن يتعرَّف الفرق بين مصطلحات المذاهب المتشابة لفظاً، والمختلفة معنى، وهي كثيرة، فكلُّ مذهب يُعَدُّ علماً على حدة، له مصطلحاته وقواعده الخاصة به، فلا يجوز أن نحمل مصطلح مذهب على مذهب آخر للتشابه في اللفظ، فإن هذا يوقع الباحث في خلط شديد، ونتائج بعيدة.
وكذلك نجد اللفظ الواحد في المذهب الواحد يختلف استعماله من باب إلى باب، ومن موضع إلى موضع، ومثال ذلك كلمة: «عين»: تستخدم أحياناً بمعنى ما يتعيّن بالتَّعيين إن قابلها ما لا يتعين بالتعيين، وتستخدم أحياناً بمعنى ما لا يكون ديناً في الذِّمة إن قابلها الدين الذي يثبت في الذِّمة.
ومصطلحات المذهب لها صور عديدة، منها:
1. مصطلحات متعلقة بنقل المذهب.
«ظاهر الرواية، ظاهر المذهب، ظاهر الأصول، رواية الأصول: يقصد بها المسائل التي رويت في كتب ظاهر الرواية الستة لمحمد بن الحسن الشيبانيّ وهي: «المبسوط»، و «الجامع الصغير» و «الجامع الكبير»، و «الزيادات»، «السير الصغير» و «السير الكبير»، والمسائل التي فيها روايات عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وغيرهما ممن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، ولكن الغالب
الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم ... وإنما سُميت بظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة» (¬1).
وفي المذاهب الأخرى شبيه من ذلك.
2. مصطلحات متعلقة بالترجيح في المذهب:
عليه عمل الأمّة، وعليه الفتوى، وبه يُفتى، والفتوى عليه، والمعتمد، والأشبه، والأظهر، وبه نأخذ، والأوجه، والظاهر، ورجع عنه، والاستحسان، والمختار، والصحيح، والأصح، وغيرها (¬2).
ومثل هذا الألفاظ موجود في المذاهب الأخرى.
3. مصطلحات متعلقة بألقاب علماء المذهب:
فعند الحنفية:
«الإمام»: أبو حنيفة.
«الثاني»: أبو يوسف.
«الرباني»: محمد بن الحسن.
«الشيخان»: أبو حنيفة وأبو يوسف.
«الطرفان»: أبو حنيفة ومحمد بن الحسن.
«الصاحبان»: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
«الأئمة الثلاثة»: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
«شمس الأئمة»: السَّرَخْسيّ صاحب «المبسوط».
«فخر الإسلام»: البَزْدوي.
«مفتي الثقلين»: النسفي.
«إمام الهدى»: أبو منصور الماتريدي.
¬
(¬1) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص10.
(¬2) ينظر: عقود رسم المفتي ص39.
«ملك العلماء»: الكاساني.
«شيخ الإسلام»: خُواهَر زاده.
«الفقيه»: أبو الليث السَّمرقنديّ.
«الأستاذ»: السَّبذمونيّ.
«أبو جعفر»: الهنداونيّ.
«القاضي»: قاضي خان.
«أصحابنا»: أبو حنيفة وتلامذته.
«مشايخنا»: مَن لم يلتق بأبي حنيفة (¬1).
ويوجد رموز خاصة بكتاب بعينه يذكرها عادة صاحب الكتاب في بدايته، كما في «المختار» للموصلي: (س): أبو يوسف. (م): محمد بن الحسن. (ز): زفر بن الهذيل. (سم): أبو يوسف ومحمد بن الحسن. قال الموصلي (¬2): «وجعلت لكل اسم من أسماء الفقهاء حرفا يدل عليه من حروف الهجاء وهي: أبي يوسف (س)، ولمحمد (م)، ولهما (سم)، ولزفر (ز)، وللشافعي (ف)».
وعند المالكية (¬3):
«المدنيون»: يريدون بهم الرواة عن مالك، وهم: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، وابن نافع، وابن مسلمة، ونظرائهم، أو يقصدون به رأي المالكية المقابل لرأي العراقيين وهم الحنفية.
«المصريون»: يقصدون به علماء مصر الذين حملوا لواء المذهب المالكي، وهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج ابن عبد الحكم.
«العراقيون»: يقصد بهم القاضي إسماعيل والقاضي ابن القصار وابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري.
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل للفقه الحنفي ص392ـ397.
(¬2) ينظر: الاختيار لتعليل المختار1: 6.
(¬3) ينظر: مصطلحات المذاهب الأربعة ص147 - 157.
«المغاربة»: المقصود بهم الشيخ ابن أبي زيد والقابسي وابن اللباد والباجي واللخمي وابن محرز وابن عبد البر وابن رشد والقاضي السند والمخزومي وابن شبلون وابن شعبان.
«الصقليان»: يشيرون به إلى ابن يونس وعبد الحق.
«الأخوان»: وهما مطرف وابن الماجشون؛ وسميا به؛ لكثرة اتفاقهما على الأحكام وملازمتهما لبعضهما.
«القرينان»: وهما أشهب وابن نافع، وقرن أشهب مع ابن نافع؛ لعدم بصره.
«الأستاذ»: وهو الشيخ أبو بكر الطرطوشي.
«الإمام»: وهو الإمام المازري.
«الشيخان»: وهما ابن أبي زيد والقابسي.
«سكتوا عنه»: أي البناني والرهوني والتاودي.
«المتقدمون»: ويقصد بهم مَنْ هم قبل ابن أبي زيد القيرواني من تلامذة مالك: كابن القاسم وسحنون ونظرائهم.
«المتأخرون»: ويقصد بهم ابن أبي زيد ومَنْ بعده من علماء المالكية.
«محمد»: إذا أطلق يقصد به: محمد بن المواز.
«المحمدان»: وهما محمد بن المواز ومحمد بن سحنون.
«المحمدون»: وهم ابن عبدوس وابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز.
وعند الشافعية (¬1):
«الإمام»: المراد به إمام الحرمين الجويني.
«القاضي»: يريدون به القاضي حسيناً.
«القاضيين»: المراد بهما الروياني والماوردي.
«الشارح المحقق» أو «الشارح» معرفاً: يراد به الجلال المحلي.
«الشيخان»: يريدون بهما الرافعي والنووي.
¬
(¬1) ينظر: الفوائد المكية فيما يحتاج طلبة الشافعية مِنَِ المسائل والضوابط والقواعد الكلية ص41 - 48.
«الشيوخ»: المراد بهم الرافعي والنووي فالسبكي.
«الأصحاب المتقدمون»: وهم أصحاب الأوجه غالباً، وضبطوا بالزمن وهم مِنَ الأربعمئة.
«على ما اقتضاه كلامهم»، أو «على ما قاله فلان بذكر على»، أو «هذا كلام فلان»: فهذه صيغة تبري كما صرحوا به، ثم تارة يرجحونه، وهذا قليل، وتارة يضعفونه، وهو كثير، فيكون مقابله وهو المعتمد ... .
«وقع لفلان كذا»: فإن صرحوا بعده بترجيح أو تضعيف وهو الأكثر فذاك، وإلا حكم بضعفه.
«أقرهم فلان»: أي لم يرده فيكون كالجازم به.
«الظاهر كذا»: فهو من بحث القائل لا ناقل له.
«الفحوى»: فهو ما فهم من الأحكام بطريق القطع وبالمقتضى ...
«زعم فلان»: فهو بمعنى قال، إلا أنَّه أكثر ما يقال فيما يشك فيه.
«حاصله»، أو «محصله»، أو «تحريره»، أو «تنقيحه»، أونحو ذلك: فذلك إشارة إلى قصور في الأصل أو اشتماله على حشو.
«فيه بحث»: معناه أعم من أن يكون في هذا المقام تحقيق أو فساد، فيحمل عليه على المناسب للحمل.
«فيه نظر»: يستعمل في لزوم الفساد.
«حاصل الكلام»: تفصيل بعد الإجمال.
«التعسف»: ارتكاب ما لا يجوز عند المحققين ...
«التسامح»: استعمال اللفظ في غير موضعه الأصلي كالمجاز بلا قصد علاقة مقبولة ولا نصب قرينة دالّة عليه إتماماً على ظهور الفهم من ذلك.
«لو قيل بكذا لم يبعد»، أو «ليس ببعيد»، أو «لكان قريباً»، أو «أقرب»: فهذه صيغ ترجيح.
«نفي الجواز»: حقيقته في كلام الفقهاء في التحريم، وقد يطلق الجواز على رفع الحرج أعم من أن يكون واجباً أو مندوباً أو مكروهاً أو على مستوي الطرفين وهو التخيير بين الفعل والترك أو على ما ليس بلازم مِنَ العقود العارية.
«يجوز»: إذا أضيف إلى العقود كان بمعنى الصحة، وإذا أضيف إلى الأفعال كان بمعنى الحل ...
«ينبغي»: الأغلب فيها استعمالها في المندوب تارة، والوجوب أخرى، ويحمل على أحدهما بالقرينة، وقد تستعمل للجواز والترجيح.
«لا ينبغي»: قد تكون للتحريم أو الكراهة.
وهناك اصطلاحات خاصة للإمام النووي في «المنهاج» يحسن بمن يرجع إليه أن يعرفها.
وعند الحنابلة (¬1):
«القاضي»: يريدون به محمد بن الحسين المقلب بأبي يعلى إلى المئة الثامنة، وأما المتأخرون فيريدون به علي بن سليمان السعدي المرداوي.
«الشيخ»: يراد به عند المتأخرين: ابن قدامة المقدسي.
«الشيخان»: يراد به الموفق ابن قدامة المقدسي والمجد عبد السلام ابن تيمية.
«الشارح»: فهو شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر المقدسي.
«عنه»: يعني عن الإمام أحمد.
«نصاً»: معناه لنسبته إلى الإمام أحمد.
«الشرح»: إذا أطلق يراد به «شرح المقنع» المسمى «الشافي» لابن أبي عمر، و «المقنع» هو أصل متون المتأخرين.
«ابن قاضي الجبل»: أحمد بن الحسن المقدسي (ت771هـ).
«ابن حمدان»: أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان الحراني (ت695هـ).
«الأثرم»: أحمد بن محمد الطائي (ت بعد 260هـ).
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص405 - 424.
«الخلال»: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر (ت311هـ).
«ابن نصر الله»: أحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي المصري (ت844هـ).
«الحربي»: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم (ت285هـ).
«غلام الخلال»: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر (ت363هـ).
«الخِرَقي»: عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي (ت334هـ).
* ... * ... *
المطلب الخامس
معرفة الكتب الخاصة
ببيان مفردات كل مذهب
وضع فقهاء كل مذهب من المذاهب الفقهية معاجماً لتوضيح وشرح المفردات في كتب المذهب، فكانت خدمة لطيفة للمذاهب؛ بتدعيمها من قبل أتباعها لتيسير فهمها على المختصين والطلبة والباحثين.
ومن هذه الكتب في كل مذهب:
1. عند الحنفية:
أ. «طلبة الطلبة»: لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النَّسَفي.
ب. «المغرب في ترتيب المعرب»: لأبي الفتح ناصر بن عيد السيد المُطَّرزيّ.
جـ. «أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء»: لقاسم القونوي.
د. «رسالة الحدود»: لابن نجيم، وهي مطبوعة ضمن «رسائل ابن نُجيم».
2. عند المالكية:
أ. «تنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب»: لعز الدين محمد بن عبد السلام الأموي.
ب. «الحدود في التعاريف الفقهية»: لأبي عبد الله محمد بن عرفة.
ج. «كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب»: لإبراهيم بن علي ابن فرحون.
3. عند الشافعية:
أ. «الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي»: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري.
ب. «تهذيب الأسماء واللغات»: يحيى بن شرف النووي.
جـ. «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي»: لأحمد بن محمد الفيومي.
4. عند الحنابلة:
«المطلع على أبواب المقنع»: لمحمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي.
5ـ كتب معاصرة:
أ. «الدليل إلى مواطن البحث عن الألفاظ والمصطلحات والموضوعات الفقهية»: لمحمد زكي بن عبد البر.
ب. «القاموس الفقهي»: للدكتور سعدي حبيب
جـ. «معجم لغة الفقهاء»: لمحمد رواس قلعجي، وحامد صادق قنيبي.
* ... * ... *
المطلب السادس
معرفة الكتب المعتمدة وغيرها
في مذهبه خصوصاً وفي غيره عموماً
إنّ معرفة الكتب المعتمدة من غيرها لها فوائد منها:
1.تمييز القول المعتمد من غيره، وهي أبرز الطرق للوصول للقول المعتمد، ولا غنى عنها لتحقيق ذلك.
2.التحاكم للكتب المعتمدة عند اضطراب عبارات الفقهاء في مسألة على أقوال ووجوه، فيؤخذ بما في الكتب المعتمد دون ما سواها، فتكون هي الحاكمة في الأمر.
3.ترك مسائل الكتب غير المعتمدة إن خالفت ما في الكتب المعتمدة.
ومعرفة الكتب المعتمدة من غير المعتمدة من مقومات البحث الفقهي، فلا ينبغي للباحث أن يغفل عنه أو يتساهل فيه.
والضرورة قائمة في معرفة المعتمد من غيره فهي: «من أهم القضايا التي تواجه الباحثين والمفتين والمدرسين، فإن رأى مسألة في كتاب فهل هي معتمدة في المذهب أم لا؟ وإن تعارضت مسألة في كتاب مع آخر فأيهما المعتمد منهما؟ وإن اضطربت العبارات في مسألة في بيانها وتحريرها فأي الكتب نعتبر في تحقيقها» (¬1).
والكتب المعتمدة: هي التي عوَّل عليها المتبحرون من أصحاب المذهب ووثقوا بها، بعد تناولها بالنقد والتحرير والتنقيح والاعتماد وأفتوا بها (¬2).
وتفصيل الكتب في المذاهب الفقهية على النحو الآتي:
¬
(¬1) ينظرك المدخل المفصل للفقه الحنفي ص363.
(¬2) ينظر: أصول الإفتاء وآدابه ص174.
* أولاً: كتب الحنفية:
درج التقسيم لكتب المذاهب إلى قسمين معتمد وغير معتمد، ولكن هناك قسمة ثلاثية تجعل الأمر أكثر وضوحاً للطالب وأقرب إلى الإنصاف من خلال النظر في كتب العلماء ونقولاتهم من الكتب؛ لأن «الكلام في اعتبار الكتب وتقسيمها أمر نسبي، والمقصود منه خط خطوطٍ عريضة؛ للتمييز لدى الطلبة والكملة في درجات اعتبار الكتب، وكيفية التعامل معها و الاستفادة منها، ورأيت أن جعلها في قسمين من معتبرة وغير معتبرة -كما هو شائع- غير دقيق، وفيه تشويش كبير ويجعل كتباً كثيرة غير معتبرة وينزلها منزلة الكتب غير معتمدة، مع أن بينها فرقاً كبيراً، لذلك كان الأفضل أن يكون التقسيم ثلاثياً ـ معتمدة ومقبولة ومردودة ـ مع أن كل قسم منها هو عبارة عن درجات متفاوتة أيضاً» (¬1).
«وأكثر ما يمكن الباحث من إدراك طبقات الكتب هو البحث والتنقيب وذلك بمراجعة المسألة الفقهية في عامة الكتب، بحيث يلاحظ تعامل الفقهاء معها وكيفية عرضهم لها وترجيحهم فيها، فيقدر المقام لكل كتاب منها» (¬2).
وبناء عليه فالقسمة الثلاثية:
1. الكتب المعتمدة: هي التي تحتوي على المسائل المعتمدة في المذهب، ويندر وجود غير المعتمد فيها.
وأسباب اعتمادها:
أ ـ التزام ذكر القول المعتمد فيها إلا نادراً.
ب ـ خلوها من الروايات الضعيفة والمردودة والشاذة في المذهب.
جـ ـ عدم مخالفتها لأصول المذهب.
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل للفقه الحنفي ص367
(¬2) المرجع نفسه ص364.
د ـ دلالة عبارتها على المقصود بدون إيهام وخلل إلا نادراً.
هـ ـ رفعة مكانة مؤلفيها وعلو درجتهم في الاجتهاد والفقه.
و ـ قبول العلماء لها، وكثرة الاعتماد عليها، والاهتمام بها إفتاءً وتدريساً وشرحاً وتعليقاً (¬1).
ومن أمثلها:
كتب ظاهر الرواية: «الأصل»، و «الجامع الصغير»، و «الجامع الكبير»، و «السير الكبير»، و «الزيادات»، وشروحها.
وكتب المتون: «الكافي»، و «مختصر الكرخي»، و «مختصر الطحاوي»، و «مختصر القدوري»، و «بداية المبتدي»، و «الوقاية»، و «الكنز»، و «المختار»، و «المجمع»، و «النقاية»، و «الملتقى»، و «تحفة الفقهاء»، و «منية المصلي»، وغيرها.
والمبسوطات: «المبسوط» للسرخسي، و «المبسوط» للبزدوي، و «المبسوط» لخواهر زاده، و «المبسوط» لصدر الإسلام، وغيرها.
والشروح المتينة: «شرح الطحاوي»، للإسبيجابي، و «شرح الطحاوي» للجصاص، و «شرح الكرخي» للقدوري، و «شرح القدوري» للأقطع، و «الهداية»، و «بدائع الصنائع»، و «الكافي شرح الوافي» للنسفي، و «شرح الوقاية» لصدر الشريعة، و «تبيين الحقائق»، و «العناية شرح الهداية»، و «الاختيار»، و «رد المحتار»، وغيرها (¬2).
2. الكتب المقبولة: وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، يكثر وجود غير المعتبر فيها.
وأسباب نزول رتبتها:
أ. عدم الإطلاع على حال المؤلف، فإنه لا يعرف هل كان فقيهاً معتمداً أم
¬
(¬1) ينظر: المرجع نفسه ص 367.
(¬2) ينظر: المدخل المفصل للفقه الحنفي ص367 – 368.
جامعاً بين الغث والسمين وإن عرف اسمه واشتهر رسمه (¬1).
ب. الشك في نسبة الكتاب إلى المؤلف، قال النووي (¬2): «فلا يجوز لمن كانت فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته».
جـ. الاختصار المخل المفهم، ففيها «من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم معناه إلا بعد الاطلاع على مأخذه» (¬3).
د. كثرة التحريف والتصحيف والأخطاء المطبعية.
هـ. الاعتماد في التصحيح والتضعيف على ظواهر الحديث كما في مدرسة محدثي الفقهاء لا على أصول البناء للأبواب والمسائل كما في مدرسة الفقهاء (¬4).
ومن أمثلتها:
المتون المتأخرة: مثل: «غرر الحكام»، و «تنوير الأبصار»، و «نور الإيضاح» و «خلاصة الكيداني» (مقدمة الصلاة)، و «مقدمة السمرقندي»، وغيرها.
وعامة الشروح: مثل: «فتح القدير»، و «البناية شرح الهداية»، و «رمز الحقائق شرح كنز الدقائق»، و «مراقي الفلاح»، و «الدر المختار»، و «الدر المنتقى»، و «مجمع الأنهر»، و «اللباب شرح الكتاب»، و «البحر الرائق»، و «نهاية المراد شرح هداية ابن العماد».
والمحيطات: «المحيط الرضوي»، و «المحيط البرهاني».
والحواشي: «الشرنبلالية على الدرر»، و «عمدة الرعاية شرح الوقاية»، و «الطحطاوي على الدرر»، و «الطحطاوي على المراقي»، و «أبو السعود على ملا مسكين شرح الكنز»، وغيرها.
¬
(¬1) في المجموع1: 81.
(¬2) ينظر: المجموع شرح المهذب 1: 46.
(¬3) في رد المحتار 1: 70، وينظر: النافع الكبير ص26.
(¬4) ينظر: المدخل المفصل للفقه الحنفي ص372ـ373.
وكتب الفتاوى: «فتاوى قاضي خان»، و «خلاصة الفتاوى»، و «الفتاوى الكبرى»، و «الفتاوى الصغرى»، و «الفتاوى التتارخانية»، و «الفتاوى الوالواجية»، و «الملتقط»، و «الفتاوى الهندية»، و «تنقيح الحامدية»، و «الفتاوى الخيرية»، وغيرها.
وكتب القواعد: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم، و «غمز عيون البصائر» للحموي (¬1).
3. الكتب المردودة: وهي التي تحتوي مسائل معتمدة في المذهب، ويغلب وجود غير المعتبر فيها (¬2).
وأسباب ردها:
أ ـ عدم تمييز المؤلف وتقيده بين الصحيح والغلط، وبين القول المردود والمقبول.
ب ـ جمع الروايات الضعيفة والروايات الشاذة من الكتب غير المعتبرة.
جـ ـ إعراض أجلة العلماء وأئمة الفقهاء عن الكتاب.
د ـ كون الكتاب ليس من كتب الفقه كأن يكون من كتب التصوف والحديث والتفسير وغير ذلك.
هـ ـ عدم الإطلاع على حال مؤلفه هل كان فقيهاً معتمداً أم كان جامعاً بين الغث والسمين (¬3).
ومن أمثلتها:
الشروح: «شرح أبي المكارم على النقاية»، و «جامع الرموز» للقهستاني، و «شرح شرعة الإسلام»، و «المجتبى شرح القدوري»، و «كنز العباد شرح
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل ص 371.
(¬2) ينظر: المرجع نفسه ص 367،371،378.
(¬3) ينظر: المدخل المفصل للفقه الحنفي، ص 378، والنافع الكبير ص26 وما بعدها.
الأوراد»، و «السراج الوهاج شرح القدوري»، و «الجوهرة النيرة شرح القدوري»، وغيرها.
الفتاوى: «قنية المنية»، و «فتاوى ابن نجيم»، و «فتاوى الطوري»، و «خزانة الروايات»، و «الحاوي»، و «مطالب المؤمنين في الفتاوى»، و «الفتاوى الصوفية»، و «مشتمل الأحكام في الفتاوى»، و «الإبراهيم شاهية»، و «الفتاوى العزيزية»، وغيرها (¬1).
* ثانياً: كتب المالكية:
«المدونة» لسحنون.
«الواضحة»: لعبد الملك بن حبيب.
«العتبية» أو «المستخرجة من الأسمعة»: لمحمد للعُتبي.
«المَوَّازية»: لابن الموّاز.
«مختصر ابن عبد الحكم»؛ لعبد الله بن عبد الحكم، وله «المختصر الصغير» و «المختصر الأوسط».
«المجموعة»: للقيرواني.
«المبسوط»: للقاضي إسماعيل.
«رسالة ابن أبي زيد القيرواني».
«الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة»؛ لابن شاش.
«جامع الأمهات».
«مختصر خليل»: لأبي الضياء خليل بن إسحاق الجندي المصري (ت776هـ)، وهو العمدة في المذهب المالكي، ومن شرحه «الدرر في توضيح المختصر» لابن الناسخ الطرابلسي، و «شرح بهرام بن عبد الله المالكي الدميرى (ت805هـ)، و «شفاء العليل في شرح مختصر الشيخ خليل»: لمحمد بن أحمد
¬
(¬1) ينظر: المدخل المفصل ص378.
البساطي المالكي (ت842هـ)، ولم يكمله وبقى منه اليسير جداً فأكمله أبو القاسم النويرى، و «فتح الجليل في شرح مختصر الخليل» لمحمد بن إبراهيم التتائى (ت942هـ)، «المنزع الجليل شرح مختصر خليل» لمحمد بن مرزوق التلمساني (ت842هـ)، «مواهب الجليل في شرح مختصر الخليل» لمحمد الخطاب الرعيني (ت954هـ)، و «مواهب الجليل في تحرير ما حواه مختصر خليل»: لشيخ الإسلام على بن محمد الأجهورى (ت1066هـ).
«أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك»: للشيخ الدردير (ت1201هـ) اختصره من «مختصر خليل» (¬1) ..
* ثالثاً: مذهب الشافعية:
توالت المصنفات في مذهب الإمام الشافعي، وكان لبعضها اشتهارٌ واعتمادٌ في أعصر دون أخرى، ومن أهم الكتب التي استحوذت على الأنظار:
1. «المختصر» للمُزني، ومن شروحه: «الحاوي الكبير» للماوردي، و «نهاية المطلب في دراية المذهب» للجويني، فقد رتب كتابه هذا على ترتيب «مختصر المزني» واعتنى بشرح ما فيه.
2. «التنبيه» و «المهذب» للشَّيرازي، ومن شروحه: «المجموع شرح المهذب» للنووي، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي»، ومن شروح «التنبيه»: «كفاية النبيه» لابن الرفعة.
3. «الوسيط» و «الوجيز» للغزالي.
ثمّ برزت في القرن السابع: كتب غطت على الكتب السابقة لعالمين كبيرين:
1.الرافعيّ كـ «العزيز شرح الوجيز».
2.النووي كـ «المنهاج»، و «روضة الطالبين وعمدة المفتين».
¬
(¬1) ينظر: منهج كتابة الفقه المالكي ص75 - 76، وغيره.
وأجمع المحققون على أنَّ الكتب المتقدمة على الشيخين ـ يعني الرافعي والنووي ـ
لا يعتد بشيء منها إلا بعد كمال البحث والتحرير، حتى يغلب على الظن أنَّه راجح مذهب الشافعي.
قالوا: هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرضا له، فالذي أطبق عليه المحققون: أنَّ المعتمد في المذهب ما اتفقا عليه، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح، أو وجد ولكن على السواء، فالمعتمد ما قاله النووي، وإن وجد لأحدهما دون الآخر، فالمعتمد ذو الترجيح، فإن اتفق المتأخرون على أنَّ ما قالاه سهو، فلا يكون حينئذ معتمدًا، لكنَّه نادر جداً.
ثم برزت من بعدهم كتب لعلماء كثر، وكتبهم محطّ الأنظار إلى هذه الساعة، وتتميّز في كونها اعتنت بـ «منهاج» النووي، وهم:
1. زكريا الأنصاري، وله: «منهج الطلاب» وهو اختصار للمنهاج، وشرحه في «فتح الوهاب شرح منهج الطلاب».
2. جلال الدين المحلي، وله: «كنز الراغبين في شرح منهاج الطالبين».
3. ابن حجر الهيتمي، وله: «تحفة المحتاج بشرح المنهاج» وغيره.
4. الخطيب الشربيني، وله: «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» وغيره.
5. الجمال الرملي، وله: «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» وغيره.
قال متأخرو الشافعية: إنَّ المعتمد من بعدهما ـ الرافعي والنووي ـ ابن حجر الهيتمي، ومحمد الرملي، فلا تجوز الفتوى بما يخالفهما، بل بما يخالف «تحفة المحتاج» لابن حجر، و «نهاية المحتاج» للرملي، ذلك أنَّ المحققين والعلماء قد قرأوهما على مصنفيهما حتى إنَّ «النهاية» قرئت على الرملي إلى آخرها في أربعمائة مِنَ العلماء فنقدوها وصححوها، فبلغت بذلك حد التواتر؛ لذلك اعتمدها علماء مصر.
أما «التحفة» فقرأها من المحققين لها عليه الذين لا يحصون عدداً؛ لذلك ذهب
علماء حضرموت والشام والأكراد وداغستان وأكثر اليمن والحجاز إلى اعتمادها؛ لما فيها من إحاطة نصوص الإمام مع مزيد تتبع المؤلف فيها، ثم «فتح الجواد»، ثم «الإمداد»، ثم «شرح العباب»، ثم «فتاويه».
قال الكردي: «وعندي لا تجوز الفتوى بما يخالفهما، بل بما يخالف «التحفة» و «النهاية» إلا إذا لم يتعرضا له، فيفتى بكلام شيخ الإسلام، ثم بكلام الخطيب، ثم بكلام حاشية الزيادي، ثم بكلام حاشية ابن قاسم، ثم بكلام عميرة، ثم بكلام حاشية الشبراملسي، ثم بكلام حاشية الحلبي، ثم بكلام حاشية الشوبري، ثم بكلام حاشية العناني، ما لم يخالفوا أصل المذهب، والذي يتعين أنَّ هؤلاء الأئمة المذكورين من أرباب الشروح والحواشي كلهم أئمة في المذهب يستمد بعضهم من بعض يجوز العلم والإفتاء والقضاء بقول كل منهم وإن خالف مَنْ سواه، ما لم يكن سهواً أو غلطاً أو ضعيفاً ظاهر الضعف» (¬1).
* رابعاً: مذهب الحنابلة
«الجامع لعلوم الإمام أحمد»؛ لأبي بكر الخلال، ويعد من أجمع الكتب التي نقلت أقوال الإمام أحمد، وآراؤه وفتاويه، ورغم ذلك لم يستوعب جميع المسائل المروية.
«مختصر الخِرَقي» لأبي القاسم الخرقي، وهو أول متن في المذهب اعتمد فيه صاحبه على رواية واحدة يرى أنها المذهب، وقد شرح في ثلاثمئة شرح.
«عُمدة الفقه» لابن قدامة المقدسي: وهو متن مختصر للمبتدئين اعتمد فيه على رواية واحدة.
«المُقْنِع» لابن قدامة المقدسي، وهو مختصر لمَن هم فوق المبتدئين رتبةً، ذكر فيه المسائل على رواية وروايتين وثلاثة، وجرده عن الدليل والتعليل لتدريب
¬
(¬1) ينظر: الفوائد المكية ص37، والمدخل إلى دارسة المذاهب الأربعة لعلي جمعة ص49.
الطالب على المقارنة بين الروايات.
«الكافي» لابن قدامة المقدسي، وهو متن للمتوسطين جعله على رواية واحدة مقرونة بالدليل.
«المُغني في شرح الخِرقي» لابن قدامة المقدسي.
«المُحرَّر في الفقه» لمجد الدين عبد السلام ابن تيمية، وهو كتاب خال من الدليل والتعليل، اقتصر فيه على الراجح من المذهب مع ذكر الخلاف في بعض المسائل.
«الفروع» لمحمد بن مفلح الحنبلي قدم فيه الراجح من المذهب، وجرده عن الدليل.
«المُبدع في شرح المُقنع» لإبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي.
«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» للمرداوي.
«الإقناع لطالب الانتفاع» للحجاوي، ومن شروحه: «كشاف القناع» للبُهُوتي.
«منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات» للفُتُوحي (¬1).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص426 - 427، وغيره.
المطلب السابع
الدّقةُ في نسبة الأقوال لأصحابها
نسبة الأقوال لأصحابها بدقة من أهم الأمور التي ينبغي للباحث التنبه لها بالتحري والبحث التدقيق؛ لأنّ له أثراً كبيراً على النتائج التي أسسها عليه، ويهدم البحث إذا تبيّن الخطأ فيها.
وعلى الباحث التفريق بين القول المخرج والقول المنقول عن المجتهد، فليس كلّ ما في المتون المعتمدة هو قول أبي حنيفة، وإن كان الأصل أن تكون المتون موضوعة لنقل أصل المذهب، وهو قول أبي حنيفة، لكنها أحياناً تخرج عنه وتذكر قولاً لغيره من المجتهدين كأبي يوسف ومحمد، أو قول مخرجاً على قوله.
فالمذهب الحنفي يشتمل على أقوال يرجع إليها:
أ ـ المجتهد المطلق: وهو أبو حنيفة، والأصل في تقرير المتون والمسائل والكتب أن تكون على قوله؛ لأنه أعظم المجتهدين في المذهب، فكان ما يقرره من اجتهاد مقدّم على اجتهاد غيره إجمالاً؛ لذلك على الباحث أن ينسب ما في كتب الحنفية له، إلا إذا وجد قرائن تدل على انصراف القول إلى غيره.
وأفضل الكتب في توثيق قوله من قبل الباحث هي كتب ظاهر الرواية، ثم المتون، ثم الشروح، ثم بقية الكتب المعتمدة، ثم الكتب المقبولة، ثم من الكتب غير المعتمدة بعد التثبت من ذلك بمراجعة أكثر من كتاب مثلاً.
ب ـ المجتهدون المطلقون المنتسبون: كأبي يوسف ومحمّد والحَسَن وزُفر، فإنّهم رغم بلوغهم درجة المجتهد المطلق إلا أنّهم آثروا الانتساب، بحيث يبقى فقههم مع فقه شيخهم أبي حنيفة.
وطريق توثيق أقوالهم أن يوثق قول أبي يوسف ومحمّد من كتب ظاهر الرّواية؛ لأنّها اشتملت على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد، ولم يذكر فيها الحَسَن، ونادراً ما يذكر فيها قول زفر، حيث ذكر في «الأصل» ما يقارب (30) مرّة.
ويرجع في توثيقها إلى بقيّة الكتب على التَّرتيب السابق.
ج ـ المجتهدون المنتسبون: وهم تلاميذ تلاميذ أبي حنيفة ومَن بعدهم من فقهاء القرن الثّالث والرَّابع، فإنهم أبرز من قام بتخريج الأقوال على قواعد المجتهدين المطلقين في المذهب.
وأول من جمع أقوالهم في كتاب هو أبو الليث السمرقندي في «مختارات النوازل»، ثم امتلأت كتب الفتاوى بجمع كتبهم، فكانت أبرز المصادر لأقوالهم هي كتب الفتاوى والواقعات والمحيطات، وتذكر أقوالهم أحياناً في الشروح، ونادراً في المتون كالمتون المتأخرة من «غرر الأحكام»، و «تنوير الابصار».
والأقوال التي يذكرها المجتهدون المنتسبون تصح نسبتها لهم؛ لأنّ لهم اختياراتٍ خاصّةً بهم لتفرد بعضهم بأصولٍ خاصّة استنبطوا من خلالها أحكاماً من القرآن والسنة، وهو قليل جداً، وحينئذٍ ننسبها لهم خاصة.
هذا وإن عامة ما يذكرونه لا يعدو أن يكون تخريجا لهم على أقوال المجتهدين المطلقين، فتنسب للمجتهدين المطلقين لكن بقوله: إنها على قياس قول أبي حنيفة أو أبي يوسف، أو مقتضى قول أبي حنيفة أو مخرجة على قول أبي حنيفة، قال ابن عابدين: «ينبغي أن لا يقال: قال أبو حنيفة كذا، إلا فيما روي عنه صريحاً، وإنما يقال عنه: مقتضى مذهب أبي حنيفة كذا، ومثله تخريجات المشايخ بعض الأحكام والقواعد، أو بالقياس على قوله، ومنه قولهم: وعلى قياس قوله
بكذا يكون كذا، فهذا كله لا يقال فيه: قال أبو حنيفة، نعم يصح أن يسمى مذهبه،
بمعنى أنه قول أهل مذهبه، أو مقتضى مذهبه» (¬1).
د. المجتهدون في المذهب: وهم علماء القرن الخامس إلى يومنا، وقد استمروا في التخريج في المذهب على أقوال المجتهدين المطلقين، وأقوالهم مذكورة في كتبهم خاصة، أو كتب الفتاوى، أو الحواشي، وفي توثيق هذا ينبه على أنها تخريجات، كما سبق.
وأما مدرسة محدثي الفقهاء من المجتهدين في المذاهب كابن الهمام وابن أمير الحاج والحلبي والقاري والشرنبلالي والحصكفي، فإن لهم اختياراتٍ خاصةً بهم، وقد اعتمدوا فيها على أصول خاصة بهم منها: الأخذ بظواهر الأحاديث فتنسب لهم خاصة؛ لأن ليس لها تخريجاً في المذهب، وهي مذكورة في كتبهم مثل: «فتح القدير» وحلبة المجلي» و «غنية المستملي» و «فتح باب العناية» و «البرهان شرح مواهب الرحمن» و «مراقي الفلاح» و «الدر المختار» وحواشيه.
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: شرح عقود رسم المفتي1: 25.
المطلب الثامن
موافقة التوثيق العلمي
تعدّ مراعاة التَّوثيق العلمي من أبرز مقومات نجاح البحث، وللتوثيق في الأبحاث الشرعية هيئة خاصة تعترف بها بعض المجلات المحكمة، كمجلة دراسات في الجامعة الأردنية، حيث تختلف فيها توثيق الأبحاث الشرعية عن الأبحاث في المجلات الأخرى لغير التخصص الشرعي.
ولهذا التوثيق صور لا بد من مراعاتها:
1.إن كان نصّاً مقتبساً بتمام كلماته وحروفه بلا تغيير، فعلى الباحث أن يضعه بين علامتي تنصيص: « ... »، ويجعل له هامشاً في آخر النقل يبين فيه المصدر.
2.إن كان النقل بالمعنى أو فيه زيادة أو نقصان أو تغيير وتبديل، ولكن الفكرة موجودة مذكورة في مصدر معين، فإنه يوثق في آخر الفقرة ببيان المصدر بدون علامات تنصيص، ويذكر قبل المصدر: «ينظر».
3.إن كان النقل مذكوراً في عدة مصادر ومستفاد منها، فإنه ينسبها إليها جميعاً في الهامش، ويذكر قبل تعدادها كلمة: «ينظر».
ويلاحظ عدم ذكر: «انظر» بصيغة الأمر؛ لما فيها من ترك الأدب مع القارئ بتوجيه الأمر له بالقراءة، وإنما يطلب منه ـ إن رغب ـ بصيغة المضارع: «ينظر».
وكيفية كتابة المصدر في الهامش تكون بذكر اسم الكتاب مع ذكر الجزء والصفحة، مثال ذلك: «المبسوط 5: 120»، ولا نحتاج أن نذكر اسم الكتاب أو اسم الباب؛ لأنه تطويل للهامش سواء في كتب اللغة أو الحديث أو الفقه أو غيرها؛ لأن عامة الكتب أصبحت رقمية، فيمكن الرجوع إلى النص في مصدره طالما أنه ذكره وإن لم يذكر الجزء والصفحة، وإنما يطالب الباحث بذكر الجزء والصفحة من أجل التثبت أنه رجع إلى المصدر ونقل منه.
والتَّمسك بذكر الباب والكتاب في توثيق الأحاديث تَحكُّمٌ لا معنى له بعد هذا التطوُّر التكنولوجي، وإنما مرجعه إلى العقود الماضية بسبب اختلاف طبعات كتب السُّنَّة، فلا يكفي ذكر الجزء والصفحة للتوثيق ما لم يذكر الكتاب والباب، وأمَّا الآن، فأصبحت كلّ كتب السُّنَّة موجودةً في موسوعة رقمية، فيُمكن الوقوف على الحديث بمجرد ذكر كلمة منه.
وبحث التّوثيق لأقوال الفقهاء عُرِف منذ بدء علم الفقه، وقد تَطَوَّر ومَرَّ في مراحل على النَّحو الآتي:
1.ففي كتب ظاهر الرواية التي وضعت لبيان أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، نجد تصريحات بسند النقل للرواية عنهم، ففي «الأصل»: «أبو سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قال ... » (¬1).
وفي «الجامع الصغير»: «محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ... » (¬2).
وفي مواضع لا تحصى منها يُبين نسبة القول لصاحبه، مثاله: «قال أبو حنيفة وأبو يوسف .... وقال محمد ... » (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الأصل1: 2.
(¬2) ينظر: الجامع الصغير1: 73.
(¬3) ينظر: الأصل1: 4.
ولم يحتجْ محمد بن الحسن إلى ذكر صاحب القول في كل مسألة؛ لأن الأصل أن تكون الأقوال لأبي حنيفة، فلم تكن هناك حاجة إلى ذكر اسمه عند بداية كل مسألة؛ لأنه يفضي إلى التكرار والملل، والله أعلم.
2. وفي كتب الفتاوى والمحيطات التي جمعت أقوال المجتهدين المنتسبين مع أقوال المجتهدين المطلقين، فعادة ينسبون أقوال المجتهدين المنتسبين لهم، فيقولون قال الفضلي، وقال الكرخي، وقال الطحاوي، وقال ابن سماعة، وهكذا، ولا ينسبون أقوال أبي حنيفة؛ لأن الفقه له، إلا في مسائل يذكرون الخلاف فيها مع أصحابه فيبينون قول أبي حنيفة وقول أبي يوسف وقول محمد حينئذ.
فمثلاً: ذكر ابن مازه (ت666هـ) مصادره في مقدمة كتابه «المحيط البرهاني»، حيث قال (¬1): «جمعت مسائل «المبسوط»، و «الجامعين»، و «السير»، و «الزيادات»، وألحقت بها مسائل «النوادر»، و «الفتاوى» و «الواقعات»، وضممت إليها من الفوائد التي استفدتها من سيدي ومولاي والدي تغمده الله بالرحمة، والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني رضوان الله عليهم أجمعين».
وعند النظرفي ثنايا كتاب «المحيط»، نلاحظ أنه أطلق عامة المسائل بدون نسبتها لأحد أو توثيقها من كتاب؛ لما قلنا أن الأصل أن تكون لأبي حنيفة، فلم يحتج لذلك، ولأن مصدر أقوال أبي حنيفة هي كتب ظاهر الرواية وهي في قوة واحدة، فلا حاجة لذكرها في أي كتاب، لاسيما أن كثيراً منها مكرر في أكثر من كتاب.
فإن كان قولاً لأبي حنيفة أو أبي يوسف أو محمّد ليس في ظاهر الرّواية، وإنّما في غيرها نبَّه عليه بأنه في «النَّوادر» عن محمّد كذا.
ونذكر أمثلة في كيفية توثيق «المحيط»:
أ- وفي «الواقعات» للصدر الشهيد.
¬
(¬1) في المحيط1: 29.
ب- وفي «الفتاوى».
ج- هكذا ذكر في بعض الفتاوى.
د- وفي «فتاوى سمرقند».
ه- وفي «الفتاوى» لأبي الليث.
و- وفي «القُدُوري».
ز- وروى ابن سماعة في «نوادره» وأبو سليمان في «نوادر الصلاة» عن أبي يوسف.
ح- وفي «الفتاوى» عن نصر بن يحيى.
ط- هكذا ذكر في «الجامع الصغير».
ي- وفي «الفتاوى»: سئل الفقيه أبو بكر.
ك- وفي (دعوى) «الفتاوى» عن محمد.
ل- قال: محمّد في «الجامع».
م- بشر بن الوليد عن أبي يوسف.
ن- وذكر البقالي في «الفتاوى».
س- وذكر في «الحاوي في الفتاوي».
ع- هكذا ذكر الخصاف في «آداب القاضي» و «النفقات» قال الفقيه أبو الليث: في (نكاح) «الفتاوى».
ويلاحظ أن قضية التوثيق والنسبة للأقوال كانت موجودة في أذهانهم، ولكن ضمن منهجية علمية معينة يلتزمها المؤلف؛ لأنه من الأمانة، وهم أهل لها، وهذا يحتاج إلى أبحاث خاصة تفهم هذه المنجهية من خلالها، فمثلاً صاحب المتن لا ينسب الأقوال عادةً ولا يوثقها؛ لأنه التزم أن لا يخرج عن ظاهر الرواية من أقوال أبي حنيفة، فكان القول المذكور فيه قولاً لأبي حنيفة، هو ظاهرُ الرواية، كما في «الوقاية» و «الكنز».
والذي يهمنا هنا هو تحقُّق النِّسبة للأقوال والتَّوثيق لها، وذلك ضمن منهجية تطوّرت عبر التاريخ بسبب اتساع العلم، وكثرة علمائه، وكثرة مصادره.
ففي المرحلة الثانية بدأوا يذكرون أسماء كتب عند ذكر العلماء، وبيان الباب التي كتبت فيه من الكتاب، مثل: «قال الفقيه أبو الليث في (أيمان) «الفتاوى»» (¬1).
3. وفي الشروح المتأخرة والحواشي تطوّرت منهجية التوثيق بصورة ملحوظة؛ لكثرة الكتاب والأقوال وتوسع العلوم.
وبنظرة سريعة لنسبة الأقوال وتوثيقها في «حاشية ابن عابدين»، نلاحظ أنه في عامة حواشيه يبين المصدر الذي أخذ منه، فما كان من مصادر متكرراً جداً اقتصر على ذكر رمز له: مثل «حاشية الطحطاوي على الدر» رمز لها بـ «ط»، ومثل «حاشية الحلبي على الدر» رمز لها بـ «ح».
وما كان منقولاً بتمامه نبّه في نهاية النقل برمز: «اهـ»، أي: انتهى النقل.
وإن كان اختصر من النص المنقول، نبه بذكر النص المنقول: «اهـ ملخصاً»: أي انتهى النقل ملخصاً.
وإن كان نقل عن الكتاب بالواسطة، نبّه على ذلك بقوله: «بحر» عن «محيط»: أي كان نقله عن «المحيط» لكن بواسطة كتاب «البحر الرائق»، وهذا يدلّ على نهاية الأمانة والدقة في النقل والتوثيق، وفيما يلي عرض لصور من التوثيق في «حاشية ابن عابدين»:
أ- «كذا في «المضمرات».
ب- كما في «الهداية».
ج- «ط».
د- المحبي في «تاريخه».
ه- «اهـ».
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني3: 64.
و- «اهـ» ملخصاً.
ز- قال الدماميني في «شرح التسهيل» بعد نقله كلام المبرد.
ح- «قاموس»
ط- «ح» عن «القاموس».
ي- وفي «تبيين المحارم».
ك- اهـ. ابن عبد الرزاق.
ل- وفي «مختارات النوازل» لصاحب «الهداية».
م- وذكر في «فتح القدير».
ن- ذكر العلامة ابن حجر في (باب الأنجاس) من «التحفة».
س- وفي «الذخيرة» عن «النوازل»» (¬1).
ونختم الكلام بالتنبيه على أن ما وجد نقل كبير للكتب عن بعضها البعض بدون تنبيه عليه فهو راجع إلى أن أمثال هذه المسائل مشهورة ومتداولة جداً، بحيث يدرك طلبة العلم أنها مذكورة في عامة كتب الحنفية؛ فلم تكن حاجة لذكر مصدرها لاشتهارها.
وشبيه به ما يحصل عند شرح كتاب من قبل شارح متأخر سبقه الشارحون في ذلك، فإنه في كثير من الأحيان ينقل صفحات من شرح آخر دون تنبيه بسبب اشتهار ذلك الشرح المنقول عنه، بحيث صارت مسائله معروفة مشهورة؛ لذا يكثر نقله عنه دون حاجة إلى توثيق منه؛ لأنه اتخذ ذلك الشرح أصلاً، وأصبح يزيد على مسائله بفوائد ودلائل يراها، فلم يحتج لذلك إلى التوثيق؛ حتى لا يحصل تكرار وملل.
وبناء على ما تقدم، نلاحظ أن نسبة الأقوال وتوثيقها كان معروفاً في تاريخينا الفقهي ضمن مراحل مرّت بها، اقتضاها الزمان من جهة، واتساع الفقه
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار1: 33 ـ 50.
الحنفي من جهة أخرى، حتى وصلت في نهاية مطافها ـ كما رأينا في «حاشية ابن عابدين» ـ إلى كمال دقتها، بحيث يمكننا الاستفادة منها في كيفية التوثيق في واقعنا المعاصر، ونطوّرها على حسب عرف الزمان.
* ... * ... *
المطلب التاسع
معرفة قواعد التّرجيح للأقوال في مذهبه
الترجيح: إثبات مزية أو مرتبة لأحد الدليلين على الآخر، كما قال الجرجاني (¬1)، ومعناه: تقديم قول على غيره لأمور تقتضيه.
فعلى الباحث أن يكون حافظاً لمذهبه وعارفاً للراجح منه، وأما المذاهب الفقهية الأخرى فلا يشترط له حفظها ولا معرفة الراجح منها؛ لعدم امكانية ذلك والقدرة عليه لأي أحد؛ لسعة العلوم واستحالة ضبطها جميعاً، ومن سعى في هذا فهو ساع في خيال، فيخرج من العلمية والتخصصية وضبط المذهب والتمكن منه إلى الثقافة العامة في عامة المذاهب، وذلك بدون ضبط وبدون ثقة فيما يقول.
والتخصص من أبرز ما يميّز المدنية المعاصرة، فحريٌّ بنا في العلوم الشرعيّة أن نسلك مسلكها، بحيث نخرج من دائرة العمومات إلى التخصص والضبط والتمكن.
¬
(¬1) في التعريفات ص 56.
لذلك علينا أن نقتصر على المعرفة العامة في المذاهب الأخرى؛ وذلك بالإكتفاء بما تقدم من بيان اهم كتب كل مذهب من تلك المذاهب، أما ما يتعلق بمذهب الحنفية، فعلينا أن نتوسَّع في بيان أبرز قواعد الترجيح عندهم، مع العلم أن معرفة الراجح راجع بالدرجة الأولى إلى الملكة الفقهية، وقد قرر العثماني ذلك بقوله (¬1): «هذه كلّها مرجحات قد ذكرها الفقهاء واستعملوها في ترجيح قول على قول، وربما يقع التضارب والتجاذب بين هذه المرجحات؛ فبينما المرجح الواحد يقتضي ترجيح قول يقوم المرجح فيقتضي ترجيح غيره، ولا يمكن في مثل هذا ضبط قاعدة كلية تطّرد في جميع الصور، والأمر في مثلها موكول إلى مذاق المفتي الصحيح وملكته الفقهية التي تتخيّر بين هذه المرجحات المتضاربة، فربما يرى المفتي أنَّ الحاجة داعية إلى سد الذرائع، فيأخذ بالقول الأحوط، وتارة يبدو للمفتي أنَّ المسألة مما عمت به البلوى، فيأخذ بما هو الأيسر للناس، والثقة في كل ذلك بالملكة الفقهية التي تحمل بتقوى الله تعالى دون التشهي واتباع الهوى، ولا تحصل هذه الملكة عادة إلا بصحبة أهل هذه الملكة».
ومن قواعد الحنفية في الترجيح:
1. إذا كانت المسألةُ ليس فيها إلا قول واحد لفقهاء الحنفية -المتقدمين منهم والمتأخرين- وجب الأخذ به.
2.إذا كان في المسألة قولان أو روايتان أو أكثر وجب الأخذ بما رجَّحه المجتهدون في المذهب، قال ابن عابدين: «الواجبَ على مَنْ أرادَ أن يعملَ لنفسِهِ، أو يُفتي غيرَه، أن يتَّبعَ القولَ الذي رجَّحُه علماءُ مذهبه، فلا يجوز له العملُ أو الإفتاءُ بالمرجوحِ، إلاّ في بعضِ المواضع».
3. أن لا يعتمد على قول غير فقيه متضلع، ولا على ترجيح مَنْ ليس من أهل الترجيح.
¬
(¬1) في أصول الإفتاء ص37 - 38.
4.أن يكون له معرفة بوجوه الترجيح الالتزامي في كتب مذهبه، ولها صور:
أ. أن يكون القول في المتن، بسبب التزام أصحاب المتون بذكر ظاهر الرواية عادة، وهذا مِنَ الترجيح الالتزامي، فذكر القول في المتن يدلّ على الترجيح له.
والمقصود بالمتون المتقدمة والمتأخرة:
المتون المتقدمة: هي متون كبار مشايخنا، وأجلة فقهائنا، كتصانيف: الطحاوي، والكرخي، والجصاص، والخصاف، والحاكم، وغيرهم (¬1).
والمتون المتأخرة: هي «مختصر القدوريّ» (ت428هـ)، و «البداية» للمَرغينانيّ (ت593هـ)، و «مختار الفتوى» للموصليّ (ت683هـ)، و «وقاية الرواية» لبرهان الشريعة (ت نحو 683هـ)، و «كنز الدقائق» للنَّسَفيّ (ت701هـ)، و «النُّقاية» لصدر الشريعة (ت747هـ)، و «ملتقى الأبحر» للحلبي (ت961هـ)، فإنَّها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية (¬2).
ب. تقديم القول الراجح؛ فقد التزم بعض المؤلِّفين بأنَّهم يقدمون القول الراجح عندهم في الذكر على الأقوال المرجوحة، مثل: «فتاوى قاضي خان»، و «ملتقى الأبحر».
ج. تأخير دليل القول الراجح؛ فإنّ عامة الكتب التي التزمت ذكر الدلائل كـ «الهداية» و «المبسوط» وغيرهما، فعادتهم المعروفة أنهم يذكرون دليل القول
¬
(¬1) ينظر: التعليقات السنية ص180، وغيره
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص37، وغيره.
الراجح آخراً، ويقدمون الإجابة عن دلائل أقوال أخرى، فالدليل المذكور آخراً يدلّ على رجحان مدلوله عند المؤلّف.
د. ذكر دليل القول الراجح؛ وهذا في حال إيراد دليل قول واحد فقط، والعمل على إغفال ما عداه من ادلة ذلك القول، فالراجح ما ذكر دليله.
5. أن يكون له معرفة بألفاظ الفتوى والترجيح الصريح في مذهبه، وهي: به نأخذ، أو عليه فتوى مشايخنا، أو هو المعتمد، أو هو الأشبه، أو هو الأوجه، أو به يعتمد، أو عليه الاعتماد، أو عليه العمل اليوم، أو هو الظاهر، أو هو الأظهر، أو هو المختار، أو به جرى العرف اليوم، أو هو المتعارف، أو به أَخذ علماؤنا، أو
الصحيح، أو الأصح، وغيرها.
6. أن يعرف بما يفتي إن وجد قولين متعارضين، وقد رُجِّح كل منهما، على النحو الآتي:
أ. يرجح بالقائل والكتاب المذكور فيه لفظ التّرجيح، فكلّما ارتفعت درجة القائل في الاجتهاد كان قوله أقوى من غيره، وكذلك كلّما كان الكتاب أكثر اعتماداً كان ما فيه من التّرجيح مُقدَّمٌ على ترجيح غيره، قال ابن قُطْلُوبُغا (¬1): «ما يصحِّحه قاضي خان مُقدم على تصحيح غيره؛ لأنَّهُ فقيه النَّفس».
وهذا هو الظاهر من استعمال ألفاظ الترجيح في الكتب، حيث تجد أنَّ المفتي لو اهتم باللفظ ولم ينتبه للقائل والكتاب، فإنه لن يستطيع التوصل للراجح؛ لوجود التساهل في إطلاق ألفاظ الترجيح المتنوعة على ما يرجحون، وأنَّهم لا يقصدون التفضيل بين الألفاظ، وإنَّما يُعبّر كلٌّ منهم برجحان ما اختار من قول بأي لفظ من ألفاظ الترجيح، ولذلك لا عبرة بنظرية الترجيح بدلالة اللفظ.
ب. إذا كان أحد التصحيحين صريحاً والآخر التزاماً، عمل بالصريح.
¬
(¬1) في تصحيح القُدوريّ ص134.
ج. إذا كان أحدهما مذكوراً في المتون والآخر مذكوراً في غيرها، فالراجح ما في المتون.
د. إذا كان أحدهما ظاهر الرواية والآخر غيره، فالراجح ما هو ظاهر الرواية.
هـ. إذا كان أَحدُهما قول الإمام والآخر قول صاحبيه، فالراجح قول الإمام.
و. إذا كان أحدهما أوفق بالزّمان كان راجحاً على غيره.
ز. إذا كان التعارض بين الحل والحرمة فالراجحُ هو المحرم (¬1).
7. أن يعرف طبقات الكتب من حيث ظاهر الرواية وغير ظاهر الرواية
والنوازل، فيرجح ظاهر الرواية على غيرها، وما في المتون مُقدَّمٌ على ما في الشروح، وما في الشُّروح مقدَّمٌ على ما في الفتاوي، إلا إذا وُجد ما يدلُّ على الفتوى في الشُّروح والفتاوى، فحينئذٍ يقدَّمُ ما فيهما على ما في المتون؛ لأن التَّصحيح الصَّريح أولى من التَّصحيح الالتزامي.
قال ابن عابدين (¬2):» متى اختلف الترجيح رجح ما في المتون «، وقال (¬3):» والمتون مقدمة على الشروح».
8. إن مفهومَ المخالفَة معتبر في عبارات كتب الفقه، فيصحّ العمل بمفهوم عبارات الكتب الفقهيّة، بشرط أن لا يكون ذلك المفهوم المخالف معارضاً لصريح العبارات الأخرى.
9. لا يجوز العمل أو الإفتاء بالروايات الضعيفة أو المرجوحة أو بمذهب غير إمامه، إلا لضرورة شديدة تبدو لمفتٍ عارف متبحر (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص36 - 37، وغيرهما.
(¬2) في الدر المختار 1: 489.
(¬3) في رد المحتار 2: 299.
(¬4) ينظر لتفصيل قواعد الترجيح: أصول الإفتاء ص 32 فما بعدها.
10.إنْ تعارض قول للمجتهد في كتبه يُعمل بالمتأخر زماناً منها؛ لأنه يصير مرجوعاً عنه، فمثلاً: ترتيب كتب ظاهر الرّواية في التّرتيب في التأليف كالآتي: «المبسوط»، ثمّ «الجامع الصغير»، ثم «الجامع الكبير» ثم «الزيادات»، ثم «السير الكبير»، فإن وقع التعارض مثلاً فيما بين «المبسوط» و «الزيادات» يختار ما في الزيادات؛ لكونه متأخراً (¬1).
قال ابن أمير الحاج (¬2):» إن عُلِمَ المتأخرُ فهو مذهبُه، ويكون الأوّل منسوخاً، وإلاّ حُكِي عنه القولان من غيرِ أن يحكمَ على أحدِهما بالرُّجوع «.
11.تقديم الأعلى اجتهاداً، فيقدم قول أبي حنيفة، ثم قول أبي يوسف، ثم
قول محمد، ثم الحسن وزفر في رتبة واحدة، فمَنْ كانت أصوله أحكم وأقوى كان ترجيحه أفضل، فالترجيح بين الاجتهادات مبنيٌّ على قوّة الاجتهاد المعتمد على أحكم الأصول.
12.تقديم اجتهاد أبي حنيفة على اجتهاد صاحبيه، وفي قول يكون التخيير للفتوى بين قوله وقولهما (¬3).
13.لا يعتبر الترجيح بالأدلة بين الأقوال للمجتهدين المطلقين في المذهب بعد القرن الرابع؛ لأنها صدرت من مجتهدين عظماء، حيث أخذت من القرآن والسنة على أصول محكمة، فلم يعد الترجيح إلا بالتفصيل السابق من اعتبار قول أبي حنيفة ثم قول أبي يوسف وهكذا.
14. القرآن والسنة حجة في حق المجتهد المطلق، وقول المجتهد المطلق حجة في حق المجتهدين في المذهب، وقول المجتهد في المذهب حجة في حقّ المفتي، وقول المفتي حجة في حق العامي، فهذه مراتب يسير فيها الحكم حتى يصل إلى العامي، فيبدأ بالقرآن والسنة، ثم بالمجتهد المطلق، ثم بالمجتهد في المذهب، ثم
¬
(¬1) ينظر: كشف الظنون 2: 1387، ومقدمة العمدة 1: 17، وأصول الإفتاء 38، وغيرها.
(¬2) في التقرير والتحبير 1: 4.
(¬3) ينظر: فتاوى قاضي خان1:1.
بالمفتي، ثم العامي، فلا يصل إلى العامي إلا بعد مروره بعدة مراحل في الفحص والتمحيص.
15. يعتبر ظاهر عبارات الكتب لمن لم ير تصحيحا مخالفا لها؛ فإن لم ير المفتي تصحيحاً للمجتهد في المذهب، يعلم أنَّ الرّاجح ظاهر عبارات الكتب من ذكر ظاهر الرواية، فيلتزم العمل به، قال عمر ابن نجيم (¬1):» مفاهيم الكتب حجّة بخلاف أكثر مفاهيم النصوص «: أي مِنَ القرآن والسنة «.
16.يعتبر قول الأكثر من المجتهدين المنتسبين في المذهب، إن اختلفوا في مسألة على أقوال، وفي هذا يقول المقدسي (¬2):» إذا لم يوجد في الحادثة عن واحدٍ منهم جوابٌ ظاهر، وتَكَلَّم فيه المشايخُ المتأخرون قولاً واحداً يؤخذ به، فإن اختلفوا، يؤخذ بقولِ الأكثرين ممّا اعتمد عليه الكبار المعروفون: كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي وغيرهم، فيعتمد عليه «.
17. يلزم التخريج في المستجدات من المسائل لمَن كان قادراً عليه بعد تقوى لله تعالى، قال المقدسيّ (¬3): «وإن لم يوجد منهم جوابٌ البتة نصّاً، ينظر المفتي فيها نظر تأمّل وتَدَبُّر واجتهاد؛ ليجد فيها ما يَقْرُبُ إلى الخروجِ عن العهدة، ولا يَتَكَلَّمُ فيها جُزافاً لمنصبه وحرمتِه، وليخش الله تعالى ويُراقبه، فإنَّه أَمرٌ عظيمٌ لا يَتَجاسرُ عليه إلاّ كلُّ جاهل شقيٍّ».
18. الرّاجح قول أبي حنيفة في جميع أبواب العبادات من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصّيام، والحجّ، إلا في مسائل قليلة صرّحوا بترجيح قول غيره، وفي هذا يقول ابن عابدين (¬4): «قد جعل العلماء الفتوى على قول الإمام الأعظم في العبادات مطلقاً، وهو الواقع بالاستقراء ... ».
¬
(¬1) في النهر الفائق شرح كنز الدقائق 1: 37.
(¬2) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬3) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬4) في رد المحتار 1: 71.
19. الرّاجح قول أبي يوسف في أبواب القضاء المختلفة؛ لتجربته الطويلة فيه، فلمّا كانت لأبي يوسف تجربة في القضاء، كانت أقواله متوافقة مع الواقع وملائمة له؛ فجعلوا الفتوى على قوله، قال ابن عابدين (¬1): «الفتوى على قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء».
20. الرّاجح قول محمّد في جميع مسائل الأرحام من باب الفرائض.
21. التّرجيح بين المجتهدين برسم المفتي، من ضرورة، ورفع حرج، وتيسير، ومصلحة، وعرف، وتغير زمان، لا سيما في غير أبواب العبادات؛ لأنَّ الفقه وسيلةٌ لتنظيم الحياة وليست غايةً في نفسِه، وإنَّما الغاية مرضاة الله بالتّقوى،
فما كان من أقوال الأئمة أنسب للحياة، فهو أولى بالفتوى والعمل.
22. الراجح هو الاستحسان على القياس، إلا مسائل قليلة جداً جعلها الناطفي أحدى عشرة، وجعلها عمر النسفي اثنتين وعشرين مسألة (¬2)، وهذه المسائل يلتبس القياس من الاستحسان.
وهذا يؤكد أنَّ الاستحسان بمعنييه- القياس الخفي، والاستثناء- هو: بيان الراجح في المسألة، حيث يكون الترجيح فيه للعلة الخفية أو الاستثناء لموجب يقتضي ذلك الترجيح، من: نص و إجماع و ضرورة.
23. لا يجوز ترك ظاهر الرّواية، والأخذ بالرّوايات في غير ظاهر الرواية إن لم تكن مصححة؛ لأنَّ ظاهر الرّواية هو الثّابت عن المجتهد، قال ابنُ نُجيم (¬3): «ما خَرَجَ عن ظاهرِ الرّوايةِ فهو مرجوعٌ عنه، والمرجوعُ عنه لم يبقَ قولاً للمجتهد كما ذكروه».
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 71.
(¬2) ينظر: فتح الغفار بشرح المنار ص388.
(¬3) في البحر 6: 294 باختصار.
24.المرجوح يكون راجحاً إن تعلق به تكفير مسلم، قال ابن نجيم (¬1): «والذي تَحَرَّر أنَّه لا يُفتى بكفرِ مسلمٍ أَمْكَن حَمْلُ كلامه على مَحْمَلٍ حسن، أو كان في كفرِه اختلافٌ ولو رواية ضعيفة»، وقال محمد سجاد الحنفي: «وذاع عن الأئمة المجتهدين أن لا نكفر أحداً من أهل القبلة» (¬2).
25. رجحان قول أبي حنيفة من جهة التأصيل والاستدلال لا يعني رجحانه من جهة الفتوى؛ لأن أبا حنيفة لما كان أعظم المجتهدين، فلا يقدم عليه أحد في الاستدلال، ولكن في التطبيق نعمل بالقول الأنسب للواقع، وهذا يكون ترجيحاً بأصول التطبيق لا أصول الاستنباط؛ لأن الظَّاهر أنَّ الكتب التي تهتمّ بذكر الاستدلال لا ترجّح من جهة الدليل إلاّ قول الإمام، وإن كانت الفتوى على خلاف قوله، فيرجحون القول الآخر من جهة أصول التطبيق: من ضرورة وعرف وغيرها.
قال الشّلبي: «الأصلُ أنَّ العملَ على قول أبي حنيفة؛ ولذا تُرجِّح المشايخُ دليلَه في الأغلب على دليل مَنْ خالفه من أصحابه، ويجيبون عَمّا استدلّ به مخالفه، وهذا أمارة العمل بقوله، وإن لم يُصرّحوا بالفتوى عليه؛ إذ الترجيح كصريح التصحيح» (¬3).
26. يخير المفتي والباحث إن وجد في مسألة أكثر من قول مصحّح، ولم يظهر للمفتي شيءٌ من المرجِّحات، فهو بالخيار؛ بحيث يأخذ بأحدهما بشهادة قلبه، مجتنباً عن التشهي وطالباً للصواب مِنَ الله تعالى.
¬
(¬1) في البحر 5: 135.
(¬2) ينظر: إكفار الملحدين ص163 - 164.
(¬3) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 451.