الجزء 1 · صفحة 5
هل تصح عمارة المساجد من زكاة المال؟
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا سؤال وجهه عبد المقصود محمد فنشر مع جوابه في عدد شهر صفر الخير لسنة 1366 هجرية من مجلة الأزهر الغراء، وفضيلة الأستاذ الموقع على هذا الجواب يقول: إن الأئمة اختلفوا فى ذلك فأجازه فريق ومنع منه فريق ولكن أدلة المانعين ضعيفة والرأى القائل بجواز ذلك هو الوجيه القوى الدليل فى زعمه حتى وسع دائرة الجواب؛ فجعل الجواز يشمل وجوه البر كلها لا عمارة المساجد فقط، فلم يقتصر في الجواب على قدر السؤال حيث لا يرى حاجة إلى الخضوع لما رسمته كتب رسم «المفتي» في المذاهب، وقال إن سبيل الله المذكور فى مصارف الزكاة يشمل وجوه البر كلها وإن لم يكن هناك تمليك.
ورد على القائلين بأن الصدقة تمليك الفقير، مالا، وقال بل تشمله والأمر بالمعروف ونحوه فى لسان الشارع فلا تفيد اشتراط التمليك، كما لا تفيد اللام التمليك في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفقراء} بل تفيد مجرد الاختصاص، وهو يكون فى كل موطن، بحسبه وهنا لبيان الجهات التي تختص بحل الصرف إليها. ولا يسرى حكم اللام إلى قوله تعالى: {وفي سبيل الله} له لأنه لم ينصب عليه معنى اللام بل دخله لفظ «في» ولا تمليك ولا اختصاص في كلمة فى ثم قال: إن اقتران سبيل الله بذكر الجهاد كثيرا لا يدل على قصر معناه على الغزو. لكون الجهاد إما بالسنان وإما باللسان ومع تسليم أن يكون بمعنى الغزو عند مقارنته للجهاد
الجزء 1 · صفحة 7
لا نسلم هذا المعنى هنا لعدم مقارنته للجهاد في هذا الموضع، فيعم وسبيل الله من هنا ما يؤدى إلى مرضاة الله من القربات كما هو المراد في آيات ذكر فيها جميع سبيل الله مجردا عما يفيد إرادة الغزو منه.
هذا ملخص الجواب المنشور. هناك ولكن هذا الجواب لم يقم على قدمى حق ولا على قدمي حق وباطل بل حاول أن يقوم على قدمي باطل فانهار انهياراً لا قيام له، بعده، حيث بنى على الباطل من جميع النواحي؛ لأن ادعاءه اختلاف الأئمة في جواز صرف الزكاة إلى عمارة المساجد بادئ ذي بدء، لا نصيب الصحة أصلا، لأنه ليس بين الصحابة والتابعين وأئمة من الاجتهاد المعترف بإمامتهم عند الأمة أحد جوز لك. بل ترى ابن هبيرة الحنبلى يقول في كتابه الإفصاح ص ??? واتفقوا على أنه لا يجوز أن يخرج الزكاة إلى بناء مسجد ولا تكفين ميت وإن كان من القرب لتعين الزكاة لما عينت له يريد اتفاق أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم على عدم تجويز ذلك، وهذا نتيجة اتفاق من قبلهم من فقهاء الصحابة والتابعين.
وقال مالك بن أنس فى المدونة 2-59: «لا يجزئه أن يعطى من زكاته في كفن ميت؛ لأن الصدقة إنما هى للفقراء والمساكين ومن سمى الله؛ وليس للأموات ولا لبنيان المساجد». وأما ما فى كتب الحنفية والشافعية من النصوص في ذلك فأكثر من أن تستقصى.
وقال ابن حزم في المحلى 1516: وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق ثم ساق حديث عطاء بن يسار لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة لغاز في سبيل الله .. الحديث للاحتجاج به على أن المراد بسبيل الله في مصارف الزكاة هو الغزو. ثم
الجزء 1 · صفحة 8
قال: «لا خلاف أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص وهو الذي ذكرناه يعنى الغازى المنصوص فى الحديث السابق الذي أخرجه مالك وعبد الرزاق وأبو داود وابن ماجه وهذا يدل على أن حمل سبيل الله على الغازي موضع اتفاق بين من سبق ابن حزم من فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى عصره.
وقال أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن 1-396: «قال مالك: سبل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافًا فى أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو». وقال محمد بن الحسن فى الموطأ ص??? بعد أن ساق حديث عطاء ابن يسار السابق: قال محمد وبهذا نأخذ والغازى في سبيل الله إذا كان له عنها غنى يقدر بغناه على الغزو لم يستحب له أن يأخذ منها شيئا، وكذلك الغارم إن كان عنده وفاء بدينه وفضل تجب فيه الزكاة لم يستحب له أن يأخذ منها شيئا وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
هكذا ترى أبا حنيفة وأصحابه يميلون دائما فى الأدلة المحتملة إلى الاحتمال الذى يكون فى صالح الفقير ومن لا يفهم هذا يتقول ما يشاء، وهذا الحديث يعين أن المراد بسبيل الله هنا هو الغزو فيكون حقيقة شرعية لا يعدل عنها إلا بصارف، ولا صارف.
وقال البدر العينى فى عمدة القارى 4 - ???: قال ابن المنذر في الإشراف قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد سبيل الله هو الغازي غير الغنى، وحكى أبو ثور عن أبى حنيفة أنه الغازى دون الحاج، وذكر ابن بطال أنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعى وذكر مثله النووى في شرح المهذب اهـ. وعزو ابن المنذر إلى أبى حنيفة وأصحابه اشتراط الفقر في الغازى وهم، بل مراده استحباب ذلك كما
الجزء 1 · صفحة 9
سبق فيما نقلناه من موطأ الإمام محمد. وبهذا تسقط حملات المتحاملين على الإمام هنا.
وقال الإمام الشافعى فى الأم 6-62: ويعطى من سهم سبيل الله عز وجل- من غزا من جيران الصدقة فقيرا كان أو غنيًّا.
وقال النووي في المجموع 6-??? في صدد الاحتجاج لأصحاب الشافعى على أن المراد بسبيل الله هنا الغزو: واحتج أصحابنا بأن المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن العزيز كذلك، واحتج الأصحاب أيضا بحديث: «لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة فذكر منهم الغازي، وليس فى الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة سوى الذين نعطيهم من سهم سبيل الله.
والحقيقة الشرعية هي المتبادرة إلى الأفهام فى تخاطب أهل الشريعة. والحقيقة اللغوية لا تكون متبادرة إلى أفهامهم فإرادة المعنى اللغوى من اللفظ الحقيقة المشتهر في معنى شرعى يكون في حاجة إلى قرينة صارفة عن الشرعية، ولو فرض احتمال سبيل الله فى مصارف الزكاة للمعنيين لكان هذا الحديث مبينا للإجمال فتعين حمله على الغزو وأحمد يرجحها ابن قدامة - راجع شرح مفردات أحمد.
وأما ما حكاه الفخر الرازى على القفال الشاشى من عزو القول بشمول سبيل الله لوجوه البر إلى مجهول من الفقهاء على خلاف رأى الجماعة؛ فشأنه شأن رواية المجاهيل والآراء التالفة للمجاهيل على أنه لا رأى يؤخذ به ضد الإجماع الذى حكيناه عن مالك وابن حزم مع العلم بأن الرازي ليس من رجال تمحيص
الجزء 1 · صفحة 10
الروايات ثم الشاشى كان حينما ألف تفسيره معتزليا لا يتحاشى نقل آراء المبتدعة ممن لا يقام لكلامهم وزن.
ثم إن شمول سبيل الله بالمعنى اللغوى لوجوه البر في غير الزكاة الواردة بصيغة الحصر، لا مانع من قبوله إذا كان هناك صارف عن الحقيقة الشرعية، كأن يكون الكلام فى صدقات النفل ونحو ذلك كما في الآيات التي سردها صاحب التوقيع، فإن معها من القرائن ما يعين أن المراد منها المعنى اللغوى كالإنفاق العام والهجرة وقصر الإحصار على الفقراء، وإطلاق الأموال والمن، ومضاعفة الأجر ونحو ذلك، فإذ ذاك يحمل سبيل الله على وجوه البر مطلقا، وإذا خلت من تلك القرائن تحمل على المعنى الشرعى والحقيقة الشرعية وفي مصارف الزكاة مع ذلك حديث يبين المراد بسبيل الله وهو الغزو كما سبق فلا معدل عنه أصلا هنا، فتكون هذه الإطالة من صاحب الجواب فى غير طائل غير الازدياد في الانكشاف فيما هو بسبيله من الاعتساف، كما شأن من يحاول مناهضة الإجماع والجماعة.
وأما تحدثه عن الصدقة بأنها أعم في لسان الشارع من التمليك فتشمل الأمر بالمعروف وإماطة الأذى عن الطريق ونحوهما، فإجراء منه الحقيقة والمجاز في مجرى واحد وما فى الصحيح ... فإن لم يجد؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يجد قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة فبمعنى أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات في الأجر كما يقوله أهل الشأن ويدل عليه فإن لم يجد فتكون الصدقة حقيقة في العطية خاصة مجازاً في أعمال الخير عامة وإن شئت فقل إن تلك الأحاديث فيها تشبيه بليغ. ثم الأصناف الثمانية متباينة لا تتداخل إلا إذا وجد صارف عن هذا التباين فعند حمل السبيل هنا على خلاف رأى الجماعة يحصل بينها تداخل؛ لأن السبيل بمعنى وجوه البر يشمل إعطاء الفقير قسطا من
الجزء 1 · صفحة 11
الزكاة، والتصدق على المسكين بقسط منها، واستخلاص الرقاب من الرق أو الأسر، وإنقاذ الغارم من الدين ومعاونة ابن السبيل، فالجماعة أجروا لفظ السبيل على المعنى الشرعى المبين بالحديث المبتادر إلى أفهام المتخاطبين كما، الشرعية، وأما المعنى اللغوى الشامل لأنواع البر فينافيه لزوم التباين بينها، وهذا يبعده عن أن يكون مراداً لو كان هذا المعنى مدلولا حقيقيا للسبيل هنا فكيف وهو معنى مجازى؟ فيزداد بعداً عن أن يكون مراداً هنا.
هو شأن الحقيقة ومن العجب محاولة المجيب إخراج اللام من معنى التمليك الظاهر هنا كل الظهور على فهم جماعة الفقهاء خلفا عن سلف، وحملها على معنى الاختصاص المتنوع إلى أنواع لا ضابط لها هنا جعله يرتبك ارتباكا ظاهرا في قوله: وإنما هى لبيان الجهات التى تختص بحل صرف الزكاة إليها أو فيها لأن ظاهره جعل اللام للبيان وهو يدعى أنه جعلها للاختصاص ولا أدرى أين رأى مجىء اللام للبيان وصلة الموصول هنا مقحمة من غير أدنى مناسبة؛ لأنها لو حذفت وحلت محلها لفظة يحل بصيغة الفعل لاستقام المعنى من غير حاجة إلى صيغة الاختصاص غير زغم أن اللام بهذا المعنى، مع أن لام الاختصاص إنما تدخل المختص به لا المختص - كما صوره صاحب التوقيع - فالصدقات التى يجب أن تكون مختصة بالجهات يجعلها صاحب التوقيع مختصا بها تلك الجهات فيقلب المعنى فيجعل المختص مختصا به والمختص به مختصا!.
فكأن وجوه البر لا يجوز أن يصرف فيها غير الصدقات المفروضة، فأين ما في الأموال من حقوق غير الزكاة؟ وأين الإنفاق بسعة تطوعا على وجوه الخير؟! وأين مصارف الأوقاف الخيرية؟ وأين الوصايا؟! والله يختص برحمته من يشاء، فهل الرحمة الإلهية مقصورة على العقلاء أم تشملهم وخلقا تخطئ إذا جئت في
الجزء 1 · صفحة 12
استفهامها بمن؟.
وتخصيص الصدقات المفروضة بالأصناف الثمانية أتى من لفظ إنما المفيد للحصر، وكون هذا الاختصاص بطريق التمليك جاء في وقوع اللام بين صدقات تملك وشخص يتملك ومن السياق؛ لأن الآية في الرد على طلاب التملك من غير استحقاق فتكون الأصناف الثمانية هم الذين يملكونها عن جدارة، ثم إدخال في على سبيل الله هنا يزيده تأكيدا من ناحية وجوب الصرف فيه لإفادته صب الصدقة فيه صب الماء فى الوعاء، فيكون هذا اكد وأبلغ من اللام فلا يستحق مثل هذا التوكيد إلا مثل الغزو الذي فيه بذل النفس والنفيس؛ كما هو فهم الزمخشري.
ثم القول بشراء عدة الغزو بالزكاة ليس بقول ابن عبد الحكم فقط، بل غيره بره فى ذلك من غير أن يكون هذا القول صالحا لاتخاذه تكاءة للعدول عما عليه الجماعة؛ لأن الغازى لابد له من عدة وذلك بأن يشتريها بنفسه أو مال الزكاة في الحالتين فولى الأمر إذا اشترى العدة، وملكها الغازي فقد ملكه نصيبه من الزكاة وإن ملكه ما يشترى به العدة من النقدين فقد ملكه نصيبه أيضا من الزكاة. وفى الحالتين التمليك قائم عند ابن عبد الحكم وغيره كما أوضحه الفقهاء في موضعه
فماذا يكون الحال بعد اللتيا والتى لو حرم الفقراء والمعوزون حقهم في الزكاة باسم صرفها فى وجوه البر من بناء مساجد ومدارس ومستشفيات إلى مالا آخر له من اقتراحات في زمن أصبح العقلاء يفكرون في الحيلولة دون استفحال شر الفقر والفاقة فى كثير من بقاع العالم، ويرون أنجع دواء في الإسلام لداء الفقر وما يترتب على ذلك من شر مستطير هو إعطاء الفقراء حقهم فى أموال الأغنياء،
الجزء 1 · صفحة 13
واستنهاض همم الأثرياء في البذل في هذا السبيل بدل السعي في مضايقتهم المؤدية لإفسادهم؟ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.