مولد خاتم رسل الله
عليه أزكى الصلوات
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مولد خاتم رسل الله
عليه أزكى الصلوات
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
في مثل هذا الشهر المبارك قبل 1410 من السنين ولد فخر المرسلين بمكة المكرمة، فاستنار الكون بنور طلعته صلى الله عليه وآله وسلم، وأشرقت الأرض بهذا النور الوهاج حتى انقشعت الظلمات المتراكمة على هذا العالم، المتوارثة من القرون الهمجية المتوغلة فى الجهل، وكذلك كان مصير الجهالات التي غشيت العقول على تعاقب أدوار الجاهلية حيث أخذت تزول شيئا فشيئا بنور هديه صلوات الله عليه، إلى أن فيضه البسيطة، واستنارت بصائر الذين آمنوا به استنارة تضىء لهم ما وراء الحجب الظلمانية من الضار والنافع، فتركوا الضار وأخذوا النافع. حتى تمكنوا في أيسر مدة من القيام بأعمال عظيمة عجزت عن عشر معشارها الأمم الأخرى طوال قرون في أقطار الأرض. ومن استعرض ما كان عليه طوائف البشر من الجهل المطبق والتدهور المطلق فى شؤونهم كلها أوان البعثة النبوية، ثم فكر فيما تم للمسلمين بعد مبعثه صلوات الله وسلامه عليه من عز منيع ورقى باهر في جميع مرافق الحياة واعتلاء شأن فى العلوم والأعمال والأخلاق بما يرضى الله ورسوله اعتلاء يوازن مقدار تمسكهم بأهداب هذا الدين الحنيف، يجد معجزات فخر الرسل – عليه السلام- تتجدد على توالى القرون، وهكذا إلى انتهاء الحياة البشرية في هذا العالم.
فدونك الطوائف البشرية فى عهد الجاهلية، فمنهم طائفة كانوا يئدون
بناتهم، ويعبدون الأصنام وما عسى أن يأكلوه أيام المجاعة، ومنهم أمة كانوا يبيعون أرض الجنة شبرا شبرا للذين يستغفلونهم. ويعتقدون في الله أنه شيخ أشمط قاعد على كرسى أبيض الرأس واللحية وحوله الأملاك تعالى الله عما يفترون ومنهم أهل دين يقولون بالتثليث والحلول وهم عن قضايا العقول ذاهلون -تعالى الله عما يأفكون ومنهم شراذم يتعبدون الأجرام العلوية، ويعتقدون أن الإله قاعد على العرش في السماء قعود الملك على سرير في الأرض - تعالى الله عما يختلفون إلى غير ذلك من الخرافات التي يستبعد العاقل وجود أناس يعتقدون تلك المخازي في غابر الأجيال.
فيإشراق نور هديه صلوت الله عليه انجلت تلك الظلمات عن طريق دعوة سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين حتى تم للمسلمين ما يعلمه الجميع من المفاخر. وما لهذا الرسول العظيم من نواحى العظمة جد عظيم، وقد عجز كبار أهل العلم عن شرح بعض مزاياه العظيمة، وأنى لمثل هذا العاجز أن يتصدى لبيان ناحية من نواحى ما لهذا النبى الشفيع من الذكر الرفيع؟ وفي بيان ذلك كتب خاصة حافلة تطلع على شيء من نواحى عظمته صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أيد الله سبحانه وتعالى أحب خلقه إليه بأكمل المعجزات وأتم البراهين، وبعثه إلى الناس كافة يدعوهم إلى الدين الأكمل والشرع الأتم فيه ختمت الرسالة. من الله.
والقرآن الحكيم هو معجزته الخالدة، وقد خص أحكم الحاكمين بخاتم كتبه المنزلة خاتم رسله فيه الكمال، والتمام وبه الختام والاختتام، فلا بأس أن نتحدث عن هذا الكتاب الكريم الذى سعدت هذه الأمة باعتصامها بأحكامه
أيام مجد الإسلام، وإنما ذل من ذل بإعراضه عن تعاليمه القويمة.
وهذا القرآن هو الذي جعلنا نميز ما يجوز فى الله سبحانه وما لا يجوز فننزهه عما لا يجوز وصفه سبحانه، به وهو الذى حفزنا إلى الاعتلاء في مرافق الحياة والأخذ بكل ما فيه إعلاء كلمة الله وإسعاد الأمة وهو هدانا إلى مراضى الله تعالى فى العبادات والمعاملات، وإلى طرق اكتساب الملكات الفاضلة والعلوم النافعة.
ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في غاية من الاعتناء بالقرآن الكريم كتابة وحفظا وتحفيظا ومدارسة لعلومه، وكانت صفة المسجد النبوى كدار للقراء يأوي إليها فقراء الصحابة ممن لا أهل لهم، يتدارسون القرآن، ويتعلمونه ثم يعلمونه لأهل البلاد المفتوحة على تجدد الفتوح، وكان جماعة من كبار الصحابة تفرغوا لتعليم الناس القرآن في المدينة المنورة بأمر النبي – عليه السلام - وكان بها دار للقراء خاصة، وكان لمعاذ بن جبل ثم لابن عباس – رضي الله عنه - عناية عظمى بتعليم القرآن وعلومه لأناس لا يحصيهم العد في مكة المكرمة.
وكان ابن مسعود - قد علم القرآن وعلومه لعدد عظيم من أهل الكوفة، ويبلغ بعض ثقات أهل العلم عدد هؤلاء إلى نحو أربعة آلاف قارئ ما بين متلق منه مباشرة أو آخذ عمن كان أيضا يصنع صنيعه بالبصرة وقد حدث الحافظ ابن الضريس أبو أخذ عنه. وأبو موسى الأشعرى رضي الله عنه كان يصنع صنيعه في البصرة.
وقد حدث الحافظ ابن الضريس أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلى فى كتابه
فضائل القرآن عن مسلم بن إبراهيم عن قرة عن أبى رجاء العطاردى البصرى أنه قال: «كان أبو موسى يطوف علينا في هذا المسجد - يعنى مسجد البصرة -فيقعدنا حلقا حلقا يقرئنا القرآن» اهـ.
وكان أبو الدرداء – رضي الله عنه - يعلم القرآن فى كل يوم من طلوع الشمس إلى الظهر ويقسم المتعلمين عشرة عشرة ويعين لكل عشرة عريفا يعلمهم القرآن، وهو يشرف على الجميع يراجعونه إذا غلطوا في شيء. راجع تاريخ دمشق لأبي زرعة وتاريخ ابن عساكر.
ولو أخذنا نسرد ما لأصحاب هؤلاء فى الأمصار من السعي الحثيث في تعليم القرآن والتفقيه فى الدين فى أمصار المسلمين لطال الكلام وها هو الإمام ابن عامر الدمشقى صاحب أبي الدرداء وأحد الأئمة السبعة من القراء، كان له وحده أربعمائة عريف يقومون بتعليم القرآن تحت إشرافه وهو الإمام الذي يجترئ على قراءة مثله الشوكاني والقنوجي بدون وازع لهما مع خطورة الكلام على القراءة المتواترة وفى المجلد الثانى من النشر الكبير لابن الجزري بحث ممتع فى هذا الصدد يردع أمثالهما من الخاطئين أو المخطئين المتحاملين على القراءات المتواترة وطريقة ابن عامر هذه هي طريقة الآخرين من أصحاب ابن عباس وأصحاب على وابن مسعود وأصحاب أبي موسى – رضي الله عنهم - في التعليم، وهكذا كان القراء فى سائر الأمصار يجرون على هذا النمط في تعليم القرآن.
وكان الصحابة والتابعون يتعلمون فقه القرآن عند تعلمهم آيات القرآن، وقد أخرج الحافظ أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي في كتابه «فضائل القرآن» وقال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب ثنا حماد بن زيد ثنا عطاء السائب عن أبي
عبد الرحمن السلمى قال: إنما أخذنا بالقرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا وأشار بيده إلى حنكه اهـ. وأبو عبد الرحمن السلمى هذا تلقى القرآن من على بن أبي طالب – رضي الله عنه - وهو عمدته فيه وقد عرض القرآن أيضًا على عثمان وزيد – رضي الله عنهما-، وعنه أخذ السبطان الشهيدان – رضي الله عنهما - القرآن وكان ذلك بأمر على كرم الله وجهه.
وهكذا كانت الصحابة والتابعون فى العناية بتعليم القرآن وتفهيم أحكامه وهكذا سار من بعدهم على سننهم مدى القرون يحفظه في كل طبقة من لا العد في كل قطر حتى إذا أخطأ تال فى حرف من القرآن في قرى يحصيهم بعيدة عن المدن يجد هناك من يرده إلى الصواب.
وهذا أمر لم يسبق لكتاب من الكتب فى تاريخ البشر، وهكذا صدق الله وعده في حفظه.
ومن المعلوم أن القرآن الكريم تتفاوت دلالة آياته على المعاني وضوحا وخفاء، ولو كانت آياته تتساوى فى دركها الأفهام كمواد القوانين الوضعية لخمدت الهمم وركدت الأفهام يشملها الغباء لعدم وجود ما يحمل على الغوص والتفكير العميق .. لكن الله جلت حكمته جعل القرآن بحيث تختلف الأفهام والقرائح في إدراك أسراره واجتلاء معانيه فاحتيج إلى علوم تساعد في تفهم أسرار الكتاب الحكيم فلذلك دونت العلوم العربية من مفردات اللغة والاشتقاق والصرف والنحو والبلاغة وما إلى ذلك من علوم اللسان، ولذلك أيضا دون علم
أصول التفسير وعلم أصول الدين وعلم أصول الفقه والجدل والتاريخ ونحو ذلك مما يفيد فى معرفة مراتب الحجج والأدلة وفى إدراك مواطن العبر من أنبائه. وقد فاض كل هذه العلوم من القرآن الكريم زيادة على ما أفاده من العلم بالله وبمراضيه فى العبادات والاعتقادات والمعاملات واكتساب الملكات والنظر في ملكوت السماوات.
وما ألفه أهل العلم فى اجتلاء روائع المعانى من القرآن الكريم مما لا يكاد يحصيه العد على اختلاف مسالكهم فى العناية بالرواية أو الدراية وفنون الأفنان من علوم القرآن وعلى تفاوت أذواقهم ومشاربهم في الاهتمام بجهة خاصة من مزايا القرآن المجيد.
وأرجو القارئ الكريم أن يسمح لى أن أذكر بعض مؤلفات علماء هذه الأمة فى هذا الصدد مما يكون أنموذجا لمساعيهم الجبارة في مضمار تدوين المؤلفات:
فها هو تفسير الإمام أبي الحسن الأشعرى المسمى «المختزن» في سبعين مجلدا على ما يذكره المقريزى فى الخطط، وتفسير القاضي عبد الجبار الهمذاني المسمى «المحيط» فى مائة سفر، وتفسير أبي يوسف عبد السلام القزويني المسمى حدائق ذات بهجة» أقل ما يقال فيه إنه في ثلاثمائة مجلد وكان مؤلفه وقفه وجعل مقره مسجد الإمام أبي حنيفة ببغداد: عداد الكتب التي ضاعت في أثناء استيلاء المغول على دار الخلافة ببغداد، إلا أني سمعت من أحد أدباء الهند أنه رأى قطعة منه في أحد فهارس الخزانات، وللحافظ ابن شاهين تفسير فى ألف جزء حديثي، وللقاضي أبي صار في بكر بن العربي أنوار الفجر في التفسير في نحو ثمانين ألف
ورقة والمعروف أنه موجود في بلادنا إلا أني أظفر به مع طول بحثى عنه. ولابن النقيب المقدسي أحد مشايخ أبي حيان تفسير يقارب مائة مجلد يوجد بعض مجلدات منه فى خزانات اصطنبول. ويوجد من تلك التفاسير بعض مجلدات في بعض الخزانات، فيما أعلم.
وأما أضخم تفسير تام يوجد اليوم على ما نعلم فهو تفسير فتح المنان المدعو بالتفسير العلامي المنسوب إلى العلامة قطب الدين الشيرازي وهو في أربعين مجلدا فالمجلد الأول منه موجود بدار الكتب المصرية، وبه تظهر خطته في التفسير. وفى مكتبتى محمد أسعد وعلى باشا - حكيم أوغلى في اصطنبول من مجلداته ما بها نسخة كاملة. وللعلامة محمد الزاهد البخارى نحو مائة مجلد في التفسير، كما في المنهل الصافي». ولعلماء هذه الأمة تفاسير لا تحصى سوى ما تقدم على اختلاف مسالكهم.
فما يتم سرد ردناه هنا نبذة يسيرة مما للعلماء من المساعي الحميدة في سبيل تبيين معاني كتاب الله العزيز وكشف أسراره التي لا تحصى. ولهم أيضا مثل هذه الخدمة المشكورة فى تدوين السنن الشارحة للكتاب المبينة لوجوه الإجمال فيه.
ومن هذين المعينين - الكتاب والسنة - ينبع شرع الله وإليهما يستند إجماع المجمعين وقياس القائسين وقد جعل أئمة هذه الأمة لكل واحد منها سياحا يضمن حراسته من عدوان المعتدين وتهوس الخاطئين فاستقرت بعنايتهم طرق الاستنباط ووجوه الاستدلال ووسائل الترجيح وسبل الدلالة، حتى أصبحت محجتهم بيئة المعالم وأصولهم رصينة القواعد بحيث لا تقبل أى تشغيب.
فمن حاول أن يتخطى ما فهمه جمهرة أئمة سلفا وخلفا من تلك الأدلة في
أحكام الشرع لا يقع إلا على أم رأسه مترديا في هاوية الردى، وليس للراسخين فى الزيغ في آخر الزمن سبيل ما فى المخالفة لجماهير أهل الفقه في الدين في شيء من أحكام الشرع، بل قصارى ما يستطيعون أن يعملوا أن يفضحوا أنفسهم ويكشفوا للجمهور عن مغيب ما ينطوون عليه من الجهل الفاضح وتوخى الهلاك مع الهالكين.
وليست مخالفة جمهور الفقهاء فى فهم كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الهين، بل ذلك أمر شديد الخطر. والله سبحانه أسأل أن يغرس في قلوبنا مخافته ويوحد كلمتنا في دينه ويلهمنا الاتباع بدون ابتداع ويختم لنا بخير وأن يسدد خطوات قادة الأمة وأدلائها إلى ما فيه سعادة الجميع بجاه حبيبه ومصطفاه.