منشأ إلزام أهل الذمة بشعار خاص
وحكم تلبس المسلم به عند الفقهاء
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
منشأ إلزام أهل الذمة بشعار خاص
وحكم تلبس المسلم به عند الفقهاء
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كان الشعار الفارق بين المسلمين وغيرهم في صدر الإسلام هو العمائم على القلانس كما يعلم من حديث أبي داود واستمر هذا التمييز وهذا التميز إلى عهد الفاروق رضي الله عنه ولما اتسع نطاق الفتوح بدأ أهل الذمة من شتي الشعوب يسعون فى الظهور بأزياء المسلمين ليبعدوا عن أنفسهم دوام السهر على غدواتهم وروحاتهم واستمرار النظر إليهم نظر من يرتاب فيهم، ولما رأى ما يترتب على ذلك من المفاسد بدأ يشترط على الذين يعقد عمر معهم عقد الذمة شروطا منها أن يشدوا الزنانير على أوساطهم درءا للمفاسد التي تترتب على عدم وجود شعار يفرق بين الفريقين حتى قبل أهل الذمة التلبس بغيار يفرقون به عن المسلمين، وجرى العمل من ذاك الحين على ذلك على توالى القرون بإجماع من الفقهاء في كل مذهب، ولم يكن في ذلك غير إلزام أهل الذمة بما التزموه عند عقد الذمة كما يظهر من كتب الأحكام السلطانية وكتب الفقه على المذاهب عامة وكتب التخاريج خاصة. وكان ملء إهاب المسلمين - أيام عز الإسلام - العز والشمم والترفع عن الخنوع والملق والاستكانة، يفضل أحدهم أن يرمى من حالق على أن من يرى وهو بشعار غير المسلمين فيظن به أنه غير مسلم كما شان هو يستشعر العز الإسلامي فى نفسه، وكان ظاهر قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فَإنَّه منهم} وظاهر قوله – صلى الله عليه وسلم-: «من تشبه بقوم فهو منهم».
والعمل الإجماعي المتوارث فى الأخذ بهذا وذاك أكبر زاجر لمن تحدثه نفسه التلبس بمثل ذلك، وأى تول وولاء لقوم يكون أعرق وأعمق، أم أى تشبه يكون أوثق من التلبس بشعارهم الخاص والسعى فى تكثير سوادهم بالظهور بمظهرهم؟ عند من لم ينشأ نشأة الذلة والاستكانة وفقدان الشعور بعز الإسلام.
ثم استدار الزمن وتوالت المحن حتى طرأ الضعف على كيان المسلمين - بمسعى سماسرة الخنوع والاندماج - فهوى ذلك العز الشامخ، وانهارت تلك القوة المنيعة، فانقلبت الأوضاع، وشرع من يفقد الاعتزاز بعز الإسلام يعتز بالانتماء إلى هيئات غير إسلامية، ويتمسح بالقوة حيث يراها، خانعا مستكينا، ويتزيا بزى غير المسلمين ويلبس شعارهم الخاص بحيث أن من راه على تلك الحالة لا يخطر على باله أنه سوي منهم، وكان أهل الفقه في الدين على توالى القرون يرون من يرضى لنفسه هذا المنظر؛ فاسد العقيدة بمعنى فسدت عقيدته فلبس لا أنه لبس ففسدت عقيدته.
وبعد هذا التمهيد الوجيز نعود فنقول: نشرت مجلة الرسالة في العدد 467 عدة فتاوى مضطربة فى لبس البرنيطة لبعض علماء الأزهر، ومنها صورة فتوى أصدرها فضيلة المفتى الحالى قبل نحو عشر سنين فعلمنا منها أن الأمر عنده مقيد بقيود وشروط كانت الرسالة أغفلت ذكرها فيما عزته إليه في العدد 449 في صدد بيان رجاحة كفته على كفة الأستاذ محمد عبده في باب الإفتاء وهو قوله: ... فأخرجت فتواى التى تجيز لبس البرنيطة إخراجا فقهيا، مؤيدا بأقوال العلماء، جاريا على طريقتهم في الاستدلال والترجيح وبذلك لم يستطع أحد أن يشغب على هذه الفتوى أو يثير في شأنها جدلا». هكذا يقول فضيلة المفتى فى فتياه التي قل من اطلع أو تطلع عليها في الوجود قبل اليوم لما جد من المصيبات التي أنست
ما تقدمها، حيث أذهل أهل العلم ما عشش في الجماجم عن التفكير فى الأغطية مع العلم بكثرة ما دون من الرسائل فى الرد على محمد عبده إذ ذاك، والرد عليه رد على كل من سار سيره في المسألة، على أن البون شاسع بين العهدين وبين الصوتين هدى ومدى مع عظم الفرق بين النصين تصريحا وتعمية بين مد الألفاظ وجزرها. وقول فضيلة المفتى هذا، يفيد أن لبس البرنيطة جائز جوازا مطلقا، وفتياه السابقة تقيد الجواز بشروط، فيكون بين النقلين تدافع، وبين الرأيين تناقض.
وقد اقتصرت «الرسالة» فى النقل على فتوى الفرد دون التعريج على فتاوى جماعة علماء الأزهر - ومعهم ذلك الفرد عند إصدارها - وعلى رأسهم أبو الفضل الجيزاوى شيخ الجامع الأزهر، وعبد الرحمن قراعة مفتى الله، المملكة المصرية إذ ذاك، ومحمد بخيت شيخ فقهاء عصره رحمهم متفقون على استنكار التلبس بشعار غير المسلمين.
والاقتصار في النقل على فتوى قديمة لفرد وإغفال فتاوى جماعة أهل العلم وبينهم أمثال هؤلاء العظماء لا يكونان إلا من حاجة في النفس، وإلا فهي سهلة التناول والاجتلاء لكل ذى عينين، فوجبت إعادة نشر تلك الفتاوى ليطلع كل حريص على أمر دينه على جلية الأمر فيأخذ بما ينشرح صدره له ويدع ما يريبه إلى مالا يريبه وإن أفتاه المفتون.
وحيث يحب فضيلة المفتى نقد فتواه السابقة ويشكو من عدم وجود من ينقدها فلا بأس في أن ننظر فيها نظرة عجلى، ونشرح ما نأخذه عليها شرحا هادئا باختصار، مرجئا النقد الشامل إلى كتاب لنا في هذا الموضوع
فإذا نظرنا فى الفتيا المذكورة وجدنا فى أولها تمهيدا ذا مرونة منقولا من جامع الفصولين وفيه قول أبي حنيفة: لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، وهذا حق لا غبار عليه لكن لا يصح أن يبنى عليه باطل، وذلك أن الجحود هو التكذيب القلبى المنافى للتصديق القلبي، لكن حيث لا سبيل إلى معرفة ما فى القلوب معرفة يقينية بعد انقطاع زمن الوحى؛ بنى الشرع الأحكام على الأمارات الظاهرة كما يظهر من كتاب عمر – رضي الله عنه - إلى أبي موسى – رضي الله عنه - فى أحكام القضاء، وقد مشى عليه فقهاء الأمصار على إجماع منهم، فلا يكون لليقين أو الدلالة اليقينية أو القطعية موضع في مثل هذه البحوث عند الفقهاء، فتكون دعوى وجوب قيام الدلالة القطعية إلغاء لتلك الأحكام المتوارثة.
فانهد بهذا البيان هذا الأس وأصبح ما بنى عليه على جرف هار ومن الذي عنده آلة تستجلى ما فى القلوب؟ وإيجاب الأخذ بالرواية الضعيفة والاحتمال البعيد ركون إلى الوهم وإلغاء للاعتداد بغلبة الظن في الحكم، فيكون هذا تفقها غريبا ممن يتطلب الدلالة القطعية في المسألة، وبناء الفتوى على مثل هذا التفقه يكون تساهلا مردودا لا يبرره وجوب التروى القضاء؛ لأن القاضي عليه أن يحكم في الحادثات الجزئية بما اجتمع عنده من أسباب الحكم بعد ترو وتحر. وأما المفتى في المسائل الكلية فلا يسوغ له أن يفتى إلا بالراجح حجة، ورواية وأين أحكام القضاء من أحكام الإفتاء؟!.
ثم يقين المرء بإيمان نفسه أمر مفهوم لكن تيقنه بإيمان غيره أو كفره بدليل يقيني فمما لا يتصور وقوعه بعد انقضاء زمن الوحى فلا يبقى وجه لذكر قاعدة اليقين لا يزول بالشك فى هذا الموضوع بعد أن توارث الفقهاء بناء الأحكام على
الأمارات المفيدة لغلبة الظن فلا يعرج على الشك ولا على الوهم ولا على الروايات الواهنة إزاء الروايات الصحيحة إلا من حرمه الله التوفيق من أدعياء العلم.
ولكن من يكون عذيرى من الحدثاء وهم يرون في اجتهادهم الحديث كفاية عز المسألة - بدون أى حجة ولا دليل - إلى أى حامل عمامة انطوت صحيفته ممن ليسوا فى العير ولا فى النفير عند طوائف الفقهاء، ولا يكون هذا عند القدماء إلا تلاعبا بالشريعة الغراء، فلنا ملء الحق أن نعجب ممن يستنكر الستائر على المنابر كل الاستنكار باعتبار أنها بدعة كيف لا يستنكر تطويق منازل ببلكونات مكشوفات عليها نساء كاسيات عاريات وقد يتسابقن وهن راكبات على دراجات تحت نظر العامة والخاصة يبصرهن كل من في الطرقات؟ .. أم كيف يستبيح حمل المسلم الشعار غير المسلمين مع ما ورد في استنكار ذلك من الروايات؟ أم كيف يتساهل فى إثبات الحد والمكان والحركة والثقل ونحوها ما سبحانه في نقض «الدارمي» مع أن ذلك كفر عند جمهرة أهل الحق!.
وقد نسبت «الرسالة» إلى فضيلة المفتى فى العدد المذكور أنه لا يراعى في كتب رسم المفتى ولا يتقيد بأقوال الأئمة الأربعة، فإذن هو يسير سير من بلغ درجة الاجتهاد المطلق، لكن لم نره في المسألة يدلى بحجة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإنما نراه يحوم حول النقل من كتب قل ما هو مرضى منها عند أصحاب كتب رسم المفتى، ثم عدم تقيده بالمذاهب الأربعة يجعل الأمة - أتباع تلك المذاهب - في حل من عدم الأخذ بآرائه المخالفة للأئمة الأربعة وليس تعبيد الطريق إلى المروق والتجرؤ على الفقه المتوارث شأن العالم الحازم.
فها نحن نراه فى تلك الفتيا يعتمد بادئ ذي بدء على تمهيد مهلهل نقله من «جامع الفصولين» وعلى مسائل نقلها منه أيضا، وصاحب «جامع الفصولين» هو بدر الدين محمود ابن قاضى سماونة عالم ترکي ضربت رقبته بسيف الشريعة على تهمة الزندقة سنة 823هـ في سرز لتأليفه کتاب الواردات وفى مفتتحه نفى الحشر الجسماني، فلا يعول على تمهيد مثله ولا على نقوله في الفتاوى الشرعية على أن ما نقله منه من قوله: شد زنارا على وسطه ودخل دار الحرب للتجارة كفر يفيد أن المسألة متفق عليها حيث لم يحك الخلاف، ومثله فى فصول الاستروشنى، وهذا يناقض استنتاج فضيلته على خط مستقيم.
وأما ما نقله منه أيضا من قوله قيل فى لبس السواد وشدّ الفائزة على الوسط ولبس السراغج ينبغى أن لا يكون كفراً، استحسنه مشايخنا في زماننا، وكذا فى قلنسوة المغول إذ هذه الأشياء علامة ملكية لا تعلق لها بالدين فخارج بالمرة عن موضوع بحثنا فضلا أن يبنى عليه شيء هنا، ولولا أن فضيلة المفتى رأى تلك الشارات بمكان من الخطورة لما حاول الاستدلال بجوازها على جواز لبس البرنيطة أنها شارات مع حكومية خاصة لدولة المغول الإسلامية حكام بغداد وما وراء القوقاس في وولجا وما والاها منذ أواخر القرن السابع الهجرى، أما لبس السواد فقد ورد في السنة وكان شعار العباسية، والفائزة هى النطاق المغولي، تربط به خناجرهم، والرساغج هى شعور مفتولة على كيفية خاصة وعدد خاص تجعل على واجهة القلانس للدلالة على مرتبة حامليها - كشارات الضباط - وقلنسوة المغول تشبه قلبق الجراكسة المسلمين فلا يكون لشيء منها أي تعلق بما هنا لظهور أنها علامات ملكية بحتة للدولة المغولية المسلمة، حتى إن صاحب الفتاوى البزازية الذى يذكر حكم تلك الشارات من أعاظم علماء تلك الدولة، فيكون بناء
فضيلة المفتى لرأيه عليها بناء على غير أساس. وتوهمه كون هذا الحكم المصدر بلفظ «قيل عديلا لمسألة الزنار أتى من استعجام تلك الشارات على فهمه ومن حمله لها على غير محاملها كما هو ظاهر.
وأما ما نقله عن نور العين النشانجى زاده التركي من علماء القرن الحادى عشر نقلا من المسايرة لابن الهمام فكان حقه أن ينقله مباشرة من المسايرة نفسها بدون هذا الوسيط، على أن هذا النقل لا ينفعه فتيلا في المسألة بعد العلم بأن الأحكام تبنى على الأمارات الظاهرة إجماعا كما سبق. ثم نرى فضيلته ينقل من اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ملقبا إياه بشيخ الإسلام أنه قال في حديث من تشبه بقوم فهو منهم إسناده جيد. ولفظ أبى منيب فى سند الحديث قد حرف إلى أبى جنيب» وهذا ليس بعجيب ممن لا يرفع رأساً إلى الحديث في باب الاجتهاد. وأما إن كان هذا التحريف من المسجل للفتوى فيكون أمره إلى فضيلة المفتى مباشرة - سامحه الله ويوهم صنيع فضيلته هناك أن ما سرده بعد قوله: «إسناده جيد هو من كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لكن الأمر ليس كذلك بل كلام المفتى بعد قوله: إسناده جيد ضد ما ذكره ابن تيمية في الكتاب المذكور على خط مستقيم وليس لابن تيمية شذوذ في هذه المسألة بل هو مع الجمهور فيها، فكان الواجب على فضيلة المفتى أن يتابعه فيها ولا سيما بعد أن تعود أن يخلع عليه لقب شيخ الإسلام بكل وسيلة. مع ما مثل لديه من شواذه الخطرة فى باب الاعتقاد، وفي كثير من الفروع لو لم يكن يتوخى اتباعه في شوذاه الخطرة فقط.
وإليك كلام ابن تيمية في ص ?? من الكتاب المذكور بعد أن أثنى على رواة حديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» ثناء عظيما ووثقهم جميعا!: «وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضى تحريم التشبه
بهم وإن كان ظاهره يقتضى كفر المتشبه بهم: كما في قوله تعالى: ومن يتولهم منكُم فَإِنَّهُ منهم 1. وبكل حال يقتضى تحريم التشبه بعلة كونه تشبها والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير، وقوله -: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود دليل على أن التشبه بهم يحصل من غير قصد منا ولا فعل اهـ.
فيلغو بهذا الحديث التقييد بقصد التشبه فى كلام فضيلة المفتى، وتنهار الإباحة المبنية على عدم العلم بالقصد عند من ألقى السمع وهو شهيد، وبعد أن فسر الحديث هكذا يبطل ذلك التقييد بالرأى وبما نقله عن بحر بن نجيم نقلا غير محرر وفى معين المفتى»: من تشبه بالكفار عمداً وتزيا بزي النصارى أو تزنر بزنانيرهم أو تقلنس بقلنسوة المجوس يكفر وهذا هو الذي قيده أبو السعود المصرى تبعا للسيد الحموى فى شرح الأشباه والنظائر بأنه محمول على ما إذا أراد الاستخفاف بالإسلام، وأما إذا لم يقصد ذلك فهو آثم فقط اهـ.
ويظهر من النص فى نقله. وكلامهما فى القصد مبنى على الديانة لا على القضاء كما هو ظاهر لاحتمال سبق يده إليها بدون قصد ولا رؤية لها.
ذلك أن فضيلة المفتى أتى بهذا القيد في غير محله ولم يراع يعمهم الخاص وليس الكلام في هذا البحث في المعذور ولا في المكره ولا فيما وغيرهم، ولا في مسامير الأحذية وإنما الكلام فيمن حمل شعارهم طائعاً مختاراً متعمداً من غير عذر معتد به على أن هشام بن عبيد الله الرازي راوى خبر المسامير عن أبي يوسف يعد من الضعفاء في رواية الفقه لقلة ضبطه واضطرابه فى الفقه كما نص على ذلك الجصاص وغيره، والأعذار بهم في حمل شعارهم مشروحة فى الخانية والتتارخانية
والبزازية وغيرها. وفى البزازية عند ذكر الأعذار فى لبس قلنسوة المجوس: وكذا إذا لبسها لدفع البرد والمختار أنه يكفر لأن دفع البرد يمكن باللبس بعد التمزيق فلا ضرورة في لبسها على تلك الهيئة ومثله فى المحيط، فيكون عذر حرارة الشمس من هذا القبيل.
والإفتاء بالأقوال الضعيفة واتهام الفقهاء بالمجازفة، والسعي في إزالة الحواجز بين المسلمين وغرهم مما يجر إلى استفحال الشر وفتح باب الدس بين - المسلمين فالاجتراء على مثل ذلك لا يقل خطورة عن التسرع في الحكم بالردة فى زمن لا يخاف المرتد فيه من ضرب رقبته، فالواجب على أهل العلم أن يسهروا على مداخل الفساد ويسعوا جهدهم فى ترصين السياج وسد الخلل لا تعبيد الطريق إلى المروق.
وقد قال البيضاوى فى تفسيره وإنما عد لبس الغيار وشد الزنار ونحوهما كفراً لأنها تدل على التكذيب - أى دلالة شرعية وعقلية – وهو أئمة أصول الدين وأصول الفقه والتفسير. وقال السعد التفتازاني في شرح النسفية: لو فرضنا أن أحدا صدق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأقر به وعمل به ومع ذلك شد الزنار بالاختيار أو سجد للصنم بالاختيار نجعله كافراً لما أن النبي جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار وهو أيضا من كبار أئمة تلك العلوم. وقال الخيالى فى حاشية النسفية: وذكر في شرح المقاصد أن التصديق المقارن الأمارة التكذيب غير معتد به والإيمان التصديق الذى لا يقارن شيئا من أمارات التكذيب وفي القصيدة النونية في معتقد أهل السنة:
هو والشرع قد عد شد المرء زناراً دليل جحد كتعظيم لأوثان ومن لا يعد
الترفع عن مظهر المسلمين بالاندماج في مظهر غيرهم دليل التكذيب والاستخفاف يكون بالغ البله مصابًا فى عقله، أو يكون الإيمان عنده غير الإيمان عند جمهور أهل الحق ولاسيما بعد أن نقل مثل العلامة سعد الدين التفتازانى فى شرح المقاصد الإجماع على إكفار من لبس الزنار بالاختيار .. ولا فرق عندهم بين شعار وشعار، وبعد أن علم أن خلافهم في باب الأعذار في الكفر وعدم الكفر، لا فى الحل والحرمة كما سبق.
فقد بان بذلك البيان قيمة تلك الشروط المهلهة في فتيا الإباحة، كما استبان أن الحق استنكار حمل شعارهم فى حالة الاختيار كما عليه علماء الأمصار.
ونحن وإن كنا نصدق فضيلة المفتى فى قوله: إن الشيخ عبده رحمه الله لم يكن يسبك فتاواه سبك الفقهاء، ولكن لا نستطيع أن نصدقه في دعواه أنه أخرج فتياه التى تجيز لبس البرنيطة إخراجا فقهيا مؤيداً ... لأنه قد ظهر بما ذكرناه أنه إنما بنى على غير أساس وفرع على غير أصل، ونطق من غير حجة بما لم يسبقه إليه عالم.
وبهذا التحرير يظهر جليًّا لكل ذى عينين ما يثبت على النقد العلمى وما يذوب ذوبان الثلج أمام لوافح الحجج.
وفي الختام ألفت النظر إلى أنه كلما قام عالم مودرن بدور الوسيط في المروق نجد ذوات لم يرسخ الإسلام فى نفوسهم، ولا خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم يرفعون رؤوسهم فى المجلات المصورة وغيرها، فيكاشفون الجمهور بما في صدورهم مما فيه هلاك الحرث والنسل، و راسبوتين ضاحك مستبشر فنصرخ قائلين: يا للإسلام من أدعياء العلم الذين تزعموا على العلماء وليس لنا إلا أن
نفزع إلى الله جل شأنه في كشف هذا الضر، متضرعين إليه أن يلهم أصحاب الشأن إبعاد هؤلاء الذين ينقضون عرى الفقه الإسلامي عروة عروة عن كراسى الزعامة في الدين، مع تصفية الجماعة تصفية شاملة لا تدع بينهم من تحدثه نفسه بتعكير النبع والتجرؤ على الفقه المتوارث، وأن يوفقهم فى تخير علماء أمناء بررة أتقياء بدل هؤلاء فيعود إلى الدين صفاؤه وإلى العلم بهاؤه، ويعلم الخاصة والعامة أن الأزهر الشريف لايكون معقلا إلا للإسلام الصحيح والعلم الصحيح.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
هامش نود أن نرى الشباب الناهض يستمد القوة من الحق الذي لا يزول بدل أن يرضى لنفسه أن يكون ظلا يستتبعه كل مبطل زائل، فنوصي صاحب تلك المرسلات أن يقلع عن الجرى وراء الهدامين وعن الاسترسال فيما هو بسبيله من طرق باب الدينيات بمؤهلاته الملموسة فيسيء إلى نفسه في مقتبل عمره فيهوى حيث هوى بلديه من قبل فيدركه الغرق، وليس الركن الذي يأوي إليه بمؤويه عن طوفان نقد يغرقه ويخنقه.