الجزء 1 · صفحة 5
مكانة الإمام الكوثري
بقلم الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبو زهرة
وكيل كلية الحقوق
وأستاذ الشريعة بجامعة القاهرة
ويليه كلمة عن الإمام الكوثري
للشيخ محمد إسماعيل
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أكثر من عام فقد الإسلام إماما من أئمة المسلمين الذين علوا سفساف هذه الحياة، واتجهوا إلى العلم اتجاه المؤمن لعبادة ربه، عن بأنفسهم.
ذلك بأنه علم أن العلم عبادة من العبادات يطلب العالم به رضا الله لا رضا أحد سواه، لا يبغى به علوا فى الأرض ولا فسادا ولا استطالة بفضل جاه، ولا يريده عرضا من أعراض الدنيا، إنما يبغى به نصرة الحق لإرضاء الحق جل جلاله. ذلكم هو الإمام الكوثرى طيب الله ثراه، ورضى عنه وأرضاه. لا أعرف أن عالما مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثرى، لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقا ولا سلما لغاية، بل كان هو منتهى الغايات عندهم وأسمى مطارح أنظارهم، فليس وراء علم الدين غاية يتغياها مؤمن ولا مرتقى يصل إلى عالم.
لقد كان عالماً يتحقق فيه القول المأثور: «العلماء ورثة الأنبياء» تلك الوراثة شرفا فقط ليفتخر به ويستطيل على الناس، إنما كان يري يرى تلك الوراثة جهادا في إعلان الإسلام وبيان حقائقه وإزالة الأوهام التي تلحق جوهره فيبديه للناس صافيا مشرقا منيرا فيعشوا الناس إلى نوره ويهتدون بهديه، وأن تلك الوراثة تتقاضى العالم أن يجاهد كما جاهد النبيون ويصبر على البأساء والضراء كما صبروا وأن يلقى العنت ممن يدعوهم إلى الحق والهداية كما لقوا فليست تلك الوراثة شرفا إلا لمن أخذ في أسبابها وقام بحقها وعرف الواجب فيها، وكذلك كان الإمام
الجزء 1 · صفحة 7
الكوثرى.
إن ذلك الإمام الجليل لم يكن من المنتحلين لمذهب جديد ولا من الدعاة إلى أمر بدىء لم يسبق به، ولم يكن من الناس اليوم الذين يسمهم بسمة التجديد، بل كان ينفر منهم، فإنه كان متبعا ولم يكن مبتدعاً، ولكنى المجددين بالمعنى الحقيقى لكلمة التجديد؛ لأن ذلك أقول إنه كان من التجديد ليس هو ما تعارفه الناس اليوم من خلع للربقة ورد لعهد النبوة الأولى، إنما التجديد هو أن يعاد إلى الدين، رونقه ويزال عنه ما علق به من أوهام، ويبين للناس صافيا كجوهره نقيا كأصله وإنه لمن التجديد أن تحيا السنة وتموت البدعة ويقوم بين الناس عمود الدين.
ذلك هو التجديد حقا وصدقا ولقد قام الإمام الكوثرى بإحياء السنة النبوية فكشف عن المخبوء بين ثنايا التاريخ من كتبها، وبين مناهج رواتها، وأعلن للناس في رسائل دونها وكتب ألفها سنة النبي – صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال وتقريرات، ثم عكف على جهود العلماء السابقين الذين قاموا بالسنة ورعوها حق رعايتها، فنشر كتبهم التي دونت فيها أعمالهم لإحياء السنة، والدين قد أشربت النفوس حبه والقلوب لم ترنق بفساد، والعلماء لم تشغلهم الدنيا عن الآخرة ولم يكونوا في ركاب الملوك.
لقد كان الإمام الكوثري عالماً، حقّاً عرف علمه العلماء، وقليل منهم من أدرك جهاده، ولقد عرفته سنين قبل أن ألقاه عرفته في كتاباته التي يشرق فيها نور الحق وعرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها وما كان والله عجبى من المخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علق عليه، لقد كان المخطوط أحيانا
الجزء 1 · صفحة 8
رسالة صغيرة، ولكن تعليقات الإمام عليه تجعل منه كتابا مقروءا، وإن الاستيعاب والاطلاع واتساع الأفق تظهر في التعليق بادية العيان، وكل ذلك مع طلاوة عبارة ولطف إشارة وقوة نقد وإصابة للهدف واستيلاء على التفكير والتعبير ولا يمكن أن يجول بخاطر القارئ أنه كاتب أعجمي وليس بعربي مبين ولقد كان لفرط تواضعه لا يكتب مع عنوان الكتاب عمله الرسمى الذى كان يتولاه في حكم آل عثمان، لأنه ما كان يرى أن شرف العالم يناله من عمله الرسمي وإنما يناله عمله العلمى فكان بعض القارئين لسلامة المبنى مع دقة المعنى ولإشراق الديباجة وجزالة الأسلوب لا يجول بخاطره أن الكاتب تركى بل يعتقد أنه عربي ولد عربيا وعاش عربيا ولم تظله إلا بيئة عربية. ولكن لا عجب فإنه كان تركيا فى سلالته وفى نشأته وفى حياته الإنسانية في المدة التي عاشها في الآستانة، أما حياته العلمية فقد كانت عربية خالصة، فما كان يقرأ إلا عربيا وما ملأ رأسه المشرق إلى النور العربي المحمدى، ولذلك كان لا يكتب إلا كتابة نقية خالية من كل الأساليب الدخيلة فى المنهاج العربي، بل كان يختار الفصيح من الاستعمال الذى لم يجر خلاف حول فصاحته، مما يدل على عظم اطلاعه على كتب اللغة متنا ونحوا وبلاغة ثم هو فوق ذلك يقرض الشعر العربي فيكون منه الحسن.
لقد اختص بمزايا رفعته وجعلته قدوة للعالم المسلم.
لقد علا بالعلم عن سوق الاتجار وأعلم الخافقين أن العالم المسلم وطنه أرض الإسلام وأنه لا يرضى بالدنية في دينه ولا يأخذ من يذل الإسلام بهوداة، ولا يجعل لغير الله والحق عنده إرادة، وأنه لا يصح أن يعيش في أرض لا يستطيع فيها أن ينطق بالحق ولا يعلى فيها كلمة الإسلام وإن كانت بلده الذي نشأ فيه
الجزء 1 · صفحة 9
وشدا وترعرع في مغانيه فإن العالم يحيا بالروح لا بالمادة، وبالحقائق الخالدة لا بالأعراض الزائلة وحسبه أن يكون وجيها عند الله وفي الآخرة، وأما جاه الدنيا وأهلها فظل زائل وعرض حائل.
وإن نظرة عابرة الحياة ذلك العالم الجليل ترينا أنه كان العالم المخلص المجاهد الصابر على البأساء والضراء. وتنقله فى البلاد الإسلامية والبلاء بلاء، ونشره النور والمعرفة حيثما حل وأقام ولقد طوف في الأقاليم الإسلامية فكان له فى كل بلد حل فيه تلاميذ نهلوا من منهله العذب وأشرقت في نفوسهم روحه المخلصة المؤمنة، يقدم العلم صفوا لا يرنقه مراء ولا التواء، يمضى فى قول الحق قدما لا يهمه رضى الناس أو سخطوا ما دام الذي بينه وبين الله عامراً. ويظهر أن ذلك كان فى دمه الذى جرى في عروقه، فهو في الجهاد في الحق منذ نشأ وإن فى أسرته لتقوى وقوة نفس وصبر واحتمال للجهاد، إنه من أسرة كانت فى القوقاز حيث المنعة والقوة وجمال الجسم والروح وسلامة الفكر وعمقه.
ولقد انتقل أبوه إلى الآستانة فولد على الهدى والحق، فدرس تدرج العلوم الدينية حتى نال أعلى درجاتها فى نحو الثامنة والعشرين من عمره ثم ت في سلم التدريس حتى وصل إلى أقصى درجاته وهو في سن صغيرة، حتى إذا ابتلى بالذين يريدون فصل الدنيا عن الدين لتحكم الدنيا بغير ما أنزل الله، وقف لهم بالمرصاد، والعود أخضر والآمال متفتحة ومطامح الشباب متحفزة .. ولكنه آثر دينه على دنياهم وآثر أن يدافع عن البقايا الإسلامية على أن يكون فى عيش ناعم، بل آثر أن يكون في نصب دائم فيه رضا الله، على أن يكون فى عيش رافه وفيه رضا الناس ورضا من بيدهم شؤون الدنيا، لأن إرضاء الله غاية الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 10
ـ جاهد الاتحاديين الذين كان بيدهم أمر الدولة لما أرادوا أن يضيقوا مدى الدراسات الدينية ويقصروا زمنها وقد رأى في ذلك التقصير نقصا لأطرافها؛ فأعمل الحيلة ودبر وقدر حتى قضى على رغبتهم وأطال المدة التي رغبوا في تقصيرها ليتمكن طالب علوم الإسلام من الاستيعاب وهضم العلوم، وخصوصا بالنسبة لأعجمى يتعلم بلسان عربي مبين.
وهو في كل أحواله العالم النزه الأنف الذى لا يعتمد على ذى جاه في ارتفاع، ولا يتملق ذا جاه لنيل مطلب أو الوصول إلى غاية مهما شرفت، فإنه - ما - كان يرى أن معالى الأمور لا يوصل إليها إلا طريق سليم ومنهاج مستقيم ولا يمكن أن يصل كريم إلى غاية كريمة إلا من طريق يصون النفس فيها عن الهوان فإنه لا يوصل إلى شريف إلا شريف مثله، ولا شرف في الاعتماد على ذوى الجاه في الدنيا فإن من يعتمد عليهم لا يكون عند الله وجيها.
ـ سعى بجده وعمله فى طريق المعالى حتى صار وكيل مشيخة الإسلام فى تركيا، وهو ممن يعرف للمنصب حقه، لذلك لم يفرط في مصلحة إرضاء لذى جاء مهما يكن قوياً مسيطراً، وقبل أن يُعزل من منصبه في سبيل الاستمساك بالمصلحة والاعتزال فى سبيل الحق خير من الامتثال للباطل.
ـ عزل الشيخ عن وكالة المشيخة الإسلامية، ولكنه بقى في مجلس وكالتها الذي كان رئيسا له وما كان يرى غضا لمقامه أن ينزل من الرياسة إلى العضوية ما دام سبب النزول رفيعا إنه العلو النفسى لا يمنع العامل من أن يعمل رئيسا أو مرؤوسا، فالعزة تستمد من الحق فى ذاته ويباركها الحق جل جلاله.
ولكن العالم الأبى العف التقى يمتحن أشد امتحان، إذ يرى بلده العزيز
الجزء 1 · صفحة 11
وهو دار الإسلام الكبرى ومناط عزته ومحط آمال المسلمين يسوده الإلحاد، ثم يسيطر عليه من لا يرجو لهذا الدين، وقارا، ثم يصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر، ثم يجد هو نفسه مقصوداً بالأذى، وأنه إن لم ينج ألقى فى غيابات السجن وحيل بينه وبين العلم والتعليم.
عندئذ يجد الإمام نفسه بين أمور ثلاثة: إما أن يبقى مأسوراً مقيدا ينطفئ علمه في غيابات السجون وإن ذلك لعزيز على عالم تعود الدرس والإرشاد وإخراج كنوز الدين ليعلمها الناس عن بيئة، وإما أن يتملق ويداهن ويمالئ، ودون ذلك خرط القتاد بل حز الأعناق، وإما أن يهاجر وبلاد الله واسعة، وتذكر قوله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.
ـ هاجر إلى مصر ثم انتقل إلى الشام، ثم عاد إلى القاهرة، ثم رجع إلى دمشق مرة ثانية ثم القى عصا التسيار نهائيا بالقاهرة، وهو في رحلاته إلى الشام ومقامه فى القاهرة كان نورا وكان مسكنه الذي كان يسكنه ضؤل أو اتسع - مدرسة يأوى إليها طلاب العلم الحقيقي لا طلاب العلم المدرسي، فيهتدى أولئك التلاميذ إلى ينابيع المعرفة من الكتب التي كتبت، وسوق العلوم الإسلامية رائجة، ونفوس العلماء عامرة بالإسلام، فرد عقول أولئك الباحثين إليها ووجههم نحوها، وهو يفسر المغلق لهم ويفيض بغزير علمه وثمار فكره.
ـ وإن كاتب هذه السطور لم يلق الشيخ إلا قبل وفاته بنحو عامين، وقد كان اللقاء الروحى من قبل ذلك بسنين عندما كنت أقرأ كتاباته وأقرأ تعليقه على ما يخرج من مخطوط، وأقرأ ما ألف من كتب، وما كنت أحسب أن لى فى نفس ذلك العالم الجليل مثل ماله فى نفسى، حتى قرأت كتابه حسن التقاضى فى سيرة
الجزء 1 · صفحة 12
الإمام أبي يوسف القاضى فوجدته خصنى عند الكلام في الحيل المنسوبة لأبي يوسف بكلمة خير. وأشهد أني سمعت ثناء من كبراء وعلماء فما اعتززت بثناء كما اعتززت بثناء ذلك الشيخ الجليل لأنه وسام علمى ممن يملك إعطاء الوسام العلمى.
ـ أنه سعيت إليه لألقاه ولكنى كنت أجهل مقامه، وإني لأسير في ميدان العتبة الخضراء فوجدت شيخا وجيها وقوراً، الشيب ينبثق منه كنور الحق يلبس لباس علماء الترك، قد التف حوله طلبة من سورية، فوقع في نفسي الشيخ الذى أسعى إليه، فما إن زايل تلاميذه حتى استفسرت من أحدهم: من الشيخ؟ فقال: إنه الشيخ الكوثرى، فأسرعت حتى التقيت به لأعرف مقامه فقدمت إليه نفسى فوجدت عنده من الرغبة فى اللقاء مثل ما عندى، ثم زرته فعلمت أنه فوق كتبه وفوق بحوثه، وأنه كنز في مصر.
ـ وهنا أريد أن أبدى صفحة من تاريخ ذلك الشيخ الإمام لم يعرفها إلا عدد قليل:
لقد أردت أن نفعه وأن يتمكن طلاب العلم من أن يَردُوا وِرده العذب وينتفعوا من منهله الغزير: لقد اقترح قسم الشريعة على مجلس كلية الحقوق بجامعة القاهرة أن يندب الشيخ الجليل للتدريس في دبلوم الشريعة من أقسام الدراسات العليا بالكلية، ووافق المجلس على الاقتراح بعد أن علم الأعضاء الأجلاء مكان الشيخ من علوم الإسلام وأعماله العلمية الكبيرة وذهبت إلى الشيخ مع الاستاذ رئيس قسم الشريعة إبان ذاك ولكننا فوجئنا باعتذار الشيخ عن القبول بمرضه ومرض زوجه وضعف بصره، ثم يصر على الاعتذار، وكلما
الجزء 1 · صفحة 13
الححنا في الرجاء لج فى الاعتذار، حتى إذا لم نجد جدوى رجوناه في أن يعاود التفكير فى هذه المعاونة العلمية التي نرقبها ونتمناها، ثم عدت إليه منفردا مرة أخرى أكرر الرجاء والحف فيه ولكنه في هذه المرة كان معي صريحا، قال الشيخ الكريم إن هذا مكان علم حقا ولا أريد أن أدرس فيه إلا وأنا قوى القى دروسى على الوجه الذى أحب، وإن شيخوختي وضعف صحتى وصحة زوجى وهى الوحيدة فى هذه الحياة، كل هذا لا يمكنني من أداء هذا الواجب على الوجه الذى أرضاه.
ـ خرجت من مجلس الشيخ وأنا أقول أى نفس علوية كانت تسجن فى ذلك الجسم الإنساني، إنها نفس الكوثرى.
وإن ذلك الرجل الكريم الذى ابتلى بالشدائد فانتصر عليها ابتلي بفقد الأحبة ففقد أولاده في حياته، وقد اخترمهم الموت واحدا بعد الآخر، ومع كلَّ فَقْد لوعة، ومَعَ كل لوعة ندوب في النفس وأحزان في القلب، وقد استطاع بالعلم أن يصبر وهو يقول مقالة يعقوب فصبر جميل والله المستعان
الجزء 1 · صفحة 14
صاحب السماحة والفضيلة الشيخ الكوثرى
بقلم الشيخ محمد إسماعيل عبد رب النبي
واعظ القاهرة
في يوم الأحد في التاسع عشر من ذي القعدة سنة ????. العباسية من ضواحي مصر.
توفى إلى رحمة الله العالم العالمي، والبحاثة اللوذعى، والمؤلف المحقق الراسخ في العلم الواسع الأفق، والمفكر العبقرى والمناظر الذى لم يقهر قط في حياته، وسيف الله المسلول على رقاب الملاحدة والفرق الضالة، وأقدر ناصر ومناضل عن السنة النبوية وأبرع محام وحارس للعقائد الدينية الصحيحة، وصاحب المؤلفات القيمة الممتعة في كل علم والتعاليق البارعة في شتى الفنون، والذي انتهت إليه الزعامة فى علوم السنة المحمدية، ولاسيما فن الجرح والتعديل، ومعرفة أحوال الرجال وتراجم العلماء وتاريخ الفرق الإسلامية، ومناشئ اختلافها وأسباب تعددها وتطورها.
ذلكم هو العلامة صاحب السماحة والفضيلة الأستاذ الشيخ محمد زاهد ابن حسن الكوثرى وكيل المشيخة العثمانية سابقا.
كان رحمه الله رحمة واسعة دمث الخلق، كريم الطبع، يزيده التواضع
الجزء 1 · صفحة 15
العلمى الساحر، رفعة والإنصاف الأدبي مكانة أشهد أنه كان يحب في الله ويبغض في الله وكان يمثل جلال العلم ووقاره، أروع تمثيل وكان لبق الحديث يديره بمهارة فائقة.
وإذا ما سئل في معضلة، أخذ يكشف الغامض من جوانبها، ويشرح حقيقتها شرح الخبير بأصولها وفروعها العليم الملم بخوافيها وقوادمها، في بيان فياض وقوة حجة، حتى إنه ليرغم السمّاع على الإنصات التام ويجتذب قلوب الجلاس نحو بيانه وحديثه.
وكان قدس الله روحه مهيب الطلعة كامل الرجولة حسن الصورة جميل المعاشرة هاشا باشا عند اللقاء، كان يقول فلا يداجي، وينطق فلا يحابي، وكان شجاعا في الجهر بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، بل كانت شجاعته منقطعة النظير في هذا العصر، وكان أمينا ثبتا في العلم والنقل.
وأشهد أنه قد علمنى بالفعل والقول صفة التثبت والتحري في كل شيء، ولقد التمست في فضيلته إجازة فى رواية الأحاديث النبوية وعلوم السنة، فتفضل وشرفنى وأجازني إجازة عامة شاملة، أن أروى عنه له وعنه روايته من حديث وتفسير وفقه وأصول، وتوحيد ومصطلح وحكمة وعربية إلخ، وخلد تلك الإجازة بخط يده الكريمة في صلب ثبته الشهير المرسوم بالتحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز.
وما ذهبت إلى منزله العامر بالعباسية لزيارة أو طلب علم، أو استطلاع رأيه فى كل نازلة أو حادثة إلا وجدت زوارا وطلبة علم، وأكابر العلماء من كل قطر، هذا يسأله، وذلك يستنصحه، وأولئك يسألون عن المشكلات والمعضلات
الجزء 1 · صفحة 16
ومصادر الكتب النفيسة المطبوعة والمخطوطة، فكنت تراه بحرا فياضا وسيلا متدفقا وكل يرتشف من معين علمه الدفاق الذي لا يغيض فكان بيته المعمور كعبة للقصاد من جميع الشعوب.
وكان عليه سحائب الرحمة يجيد أربع لغات. وأذكر جيدا أن الحكومة أجرت مسابقة في الترجمة منذ زمن بعيد، فتقدم لها عدد كبير، فإذا بأستاذنا الكوثري - سقاه الله من الكوثر - هو الأول في الناجحين.
ولفضيلة الأستاذ حساد كما لكل مهوب ونابغة وعلى قدر فضل المرء يكون حساده. ولقد سمعت غرا أو مفتونا يرميه بالتعصب لمذهب الحنفية، وهى فرية يكذبها الأمر الواقع وسببها أن أستاذنا الكوثري كان قوى العارضة، لا يرحم كل من يتهجم على الحنفية بالباطل، أو يتجنى على الإمام أبى حنيفة النعمان زورا وبهتانا، شأنه فى كل دفاع عن الملة أو الأئمة أو الحق أو العلم.
وصفوة القول أن أستاذنا الكوثرى كان عالما عالميا قام بواجبه في خدمة الإسلام، وأدى رسالته العلمية على أكمل وجه. وفتح فى مصر مدرسة علمية فكرية، وترك من المؤلفات ثروة خالدة.
فكانت هجرته من تركيا إلى مصر أروع هجرة في العزة والكرامة وجلال العلم والنفع العام لعموم المسلمين والتضحية المثالية.
الجزء 1 · صفحة 17
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وأنزله منازل الأبرار مع الأنبياء والصديقين والصالحين.
الابن البار والتلميذ الوفى
محمد إسماعيل
واعظ القاهرة