الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة منية الالمعي
فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي
تأليف
العلامة الحافظ قاسم بن قطلُوبنا
المتوفى سنة 879هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن «منية الألمعي»
ومؤلفها العلامة قاسم بن قطلوبغا الحافظ
الحمد لله، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن لإخواننا الهنود جمعيات علمية في الهند تقوم بنشر أنفع الكتب من تراث السلف، في شتى العلوم لمجردِ خِدمة العلم، لا لغاية مادية، فبارك الله في علومهم، كما يعترف بذلك الحاضر والبادي
فمن تلك الجمعيات: جمعية إحياء المعارف النعمانية في حيدر آباد الدكن، وقد قام أركان هذه الجمعية بتحقيق كُتب مُتَخَيّرة، فطبعوها مشكوراً فضلهم في ذلك، وهم ما زالوا جادين في إعدادِ الكتب النافعة للطبع، مواصلين السعي في جَلْب نوادر المخطوطات من أنحاء العالم ليحققوها ويطبعوها، لينتفع بها الباحثون، فندعوا الله سبحانه أن يزيدهم توفيقاً وتسديداً.
وكذلك جماعة المجلس العلمي للجامعة الإسلامية في دانهيل ـ سُورت ـ في الهند، فإنهم دأبوا أيضاً على تحقيق الكتب النافعة وطبعها، وبين أيدينا كتب كثيرة من مطبوعاتهم المتخيرة حتى نالوا الشكر العظيم من جماهير أهل العلم.
الجزء 1 · صفحة 7
وللإخوان الأكارم آل ميان الأفاضل أركان بيت الحمد ـ حفظهم الله - فضل جسيم في إنهاض هذه الجماعة، على خِطَّةٍ رشيدة يزدادُ بها نهوضُهم حَيَويَّة وازدهاراً، على توالي الأزمان فتصل أعمالهم إلى الكمال المنشود بإذن الله تعالى، فيزدادون رضى عند الله وعند الناس أجمعين.
وقد حضر إلى القاهرة سنة 1357هـ من الهند الأستاذان الغيوران: مولانا السيد أحمد رضا البجنوري مدير المجلس العلمي المذكور، ومولانا العلامة السيد محمد يوسف البنوري من كبار أركان المجلس المذكور لطبع «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي وغيره من الكتب المتخيرة.
وكانا بحثًا إذ ذاك عن مُنْيَّة الألمعي فيما فات الزيلعي» للعلامة قاسم الحافظ، ولما لم يَتَمَكَّنا من الظُّفَر بنسخة منها اكتفيًا في الطبع بما علق على «نصب الراية» الأستاذان: العالم المحدث عبد العزيز الفنجابي صاحب «نبراس الساري في أطراف البخاري والعالم البحاثة محمد يوسف الكاملفوري - حفظهما الله تعالى ـ فالأول علق عليه من أول الكتاب إلى كتاب الحج، والثاني من هناك إلى آخر الكتاب، فعاد الأستاذان القادمان من الهند إلى دانهيل بإتمامها المهمة التي وسدت إليهما، مشكوراً فضلهما في ذلك.
وبعد عَوْدِ الأستاذين إلى الهند ظفرنا بـ «منية الألمعي» التي كنا نبحث عنها لكن فترت الهمة عن طبعها وحدها بعد طبع نصب الراية» خلوا منها، وإن كنا نتلقى أفاضل أهل العلم في الحجاز وغير الحجاز شدة الرغبة منهم في طبع منية الألمعي. والواقع أن نصب الراية - كما أوضحت في تقدمتي له في الطبعة المصرية - أوسع وأجمع ما ألف في تخريج أحاديث الأحكام، بحيث أصبح مَنْ ألَّف بعده
الجزء 1 · صفحة 8
في أحاديث كتب الفقه على المذاهب عالة عليه، حتى ابن الملقن في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وحتى ابن حجر في التلخيص الحبير»، وليس الخبر تخريج كالمعاينة.
ومع هذا الاستيفاء البالغ في بحوثِ الزيلعي، لم يخل كتابه من نواحي نقص لا بد من سدها، كما هو شأن البشر مهما سَعَى في الكمال والإكمال، لأن الكمال الله وحده، والعصمة شأنُ رُسُل الله وأنبيائه فقط.
و «منية الألمعي» التي ظَفِرنا بها فيما بعد كانت محفوظةً في خزانة صديقنا العلامة المغفور له السيد أحمد تيمور باشا الزاخرة بنوادر الآثار – ضاعف الله أجوره ـ كافية في سد معظم هذا الفراغ، وإكمال نقص الكتاب في أكثر المواضع، وكان العلامة قاسم الحافظ ظفر بنسخةٍ من نصب الراية بخط المؤلف، وبنى عليه تعقبه حرفاً فحرفاً. وعادة الزيلعي أن يقول فيما لم يجده غريب أو غريب جداً؛ اصطلاحاً منه على خلاف اصطلاح القوم، وتابعه على هذا الاصطلاح ابن الملقن في تخريج الرافعي الكبير، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهنا تظهرُ سعةُ اطلاع العلامة قاسم، حيثُ يذكر مخرج ما لم يجده الزيلعي من غير كبير عناء، كما يظهر اتساع دائرته في الحديث أيضاً عند كلامه فيما لم يجده ابن حجر.
وربما يقولُ الزيلعي في أصله أخرجه الطبراني، فيدعُ بعد ذلك بياضاً ليذكُرَ فيه السند والمتن بالرجوع إلى «معجم الطبراني فيما بعد، ثم لا يتسع له وقت يَرْجِع فيه إليه، فيبقى الموضع بياضاً، فيذكر قاسم الحافظ السند والمتن في مثل هذه المواضع؛ وقد تجد في المطبوع ذكر السندِ والمتن في بعض المواضع من هذا القبيل، فيكون مالك النسخة راجع «المعجم» فملأ الفراغ.
الجزء 1 · صفحة 9
وفي عداد تَعَقُباتِ العلامة الحافظ قاسم أمور قد يَنْتَبِهُ إليها الفَطِنُ بنفسه، لظهور أنها من قَبيلِ سَبْقِ القلم، فيوجَدُ بعضُ ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة، لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه، وفضل الله لا يكون وقفاً على أحد.
وكنتُ أرى التسويف إلى زمن إعادة نشر نصب الراية» إرجاءً لنشر «منية الألمعي» إلى زمن مجهول لا يُعْلَم مَدَاه، لكن لم تكن ظروفي تجعلني أنشط للسعي في نشر «المنية» حتى بقيت بين إقدام وإحجام إلى أن استنهض. خامد عزيمتي كتاب كريمٌ بَعَثَ به إلى هذا العاجز مولانا العلامةُ النَّحْرِيرُ والجهبذ الخبير أبو المآثر حبيب الرحمن الأعظمي عميد كلية مفتاح العلوم وصدرُ مدرسيها في «أعظم كده» في الهند،
يُفيدني فيه (?): أن النصف الأخير من الدراية في تلخيص نصب الراية لابن حجر دَخَل في حيازته، وعليه تعليقات للحافظ العلامة قاسم بن قُطلُوبُغا بخطه في مواضعَ يقول ابن حجر فيها: لم أجده، فيذكر العلامة قاسم تَخْرَجَه.
فَطِرتُ فَرَحاً بذلك النبأ السار، فبادرت بالكتاب إلى الأستاذ أبي المآثر المشارِ إليه، راجياً استنساخ تلك المواضع من الكتاب المذكور، فأسرع في الإجابة بما فُطر عليه من السجايا الكريمة، حيثُ قام بنَسْخ التعليقات بقلمه المبارك،
#
(?) ويسألني فيه عما إذا كنت اطلعت على النصف الأول في إحدى الخزانات. (ز).
الجزء 1 · صفحة 10
وأرسلها إلى هذا العاجز، فأنعشني ذلك، واغتبطتُ به كلَّ الاغتباط، فأدعو الله سبحانه أن يُطيل بقاء الأستاذ الجليل المشار إليه في خير وعافية، ويمتع المسلمين بعلومه النافعة، ويكافئه مكافأة المحسنين، إزاء هذا الفضل الجسيم.
فقررتُ السعي في طبع منية الألمعي» مع تذييل «تعليقات العلامة قاسم» بآخِرها على طبق ما كتبه مولانا أبو المآثر حبيب الرحمن الأعظمي ليعم نفعهما. ومبدأ التعليقات كتاب النكاح، ومنتهاها آخِرُ الكتاب. وقد أبدى العلامة قاسم عن اطلاع واسع فيهما، حيثُ استدرك أشياء هامةً على مثل الزيلعي، ومثل ابن حجر في آن واحد.
وأما مؤلف منية الألمعي» صاحب تلك التعليقات، فهو العلامة صاحب الفنون الحافظ الفقيه الشيخ قاسم بن قُطلُوبُغا - بضم القاف، وسكون الطاء، وضم اللام، وضم الموحدة، بمعنى الفَحْل الميمون قبل العلمية ـ الجمالي؛ نسبةً إلى جمال الدين سودون الشيخي الجركسي نائب السلطنة؛ فإن قُطلُوبُغا والد العلامة كان من الفتيان الذين استقدمهم سُودون المذكورُ من القوقاس للتجنيد بمصر على العادة الجارية في ذلك الزمن .. فَوُلِدَ ابنه العلامة قاسمٌ بالقاهرة في المحرَّم سنة 802 هجرية، ومات أبوه وهو صغير، فنشأ يتيماً، وحفظ القرآن الكريم، وأقبل على العلم، فَمَهَرَ في علوم العربية، والقراءات والتفسير والحديث ونقدِ الرجال، والفقه والأصول، والمنطق والكلام، وسائر العلوم.
فمن شيوخه: السراج قارىء الهداية والعلاء البخاري، وأحمد الفَرْغاني، والنظام السيرامي، والسعد الديري وابن حجر، وابن الهمام وغيرهم. واستوفى الحافظ السخاويُّ ذِكْر شيوخه في الضوء اللامع» وتوسع في ترجمته في نحوست
الجزء 1 · صفحة 11
صفحات، وسَرَدَ أسماء مؤلفاته في شتى الفنون. وقد أثنى عليه كثيرون، وشد البقاعي وآذاه على عادته في النوابغ، ورد السخاوي على ذلك المعتدي.
وكان السخاوي في جملة من أَخَذَ عنه، وكان في الحفظ بحيثُ يقال: إنه أفرد زوائد متونِ الدارقطني - أو رجاله (?) ـ على الستة عن ظهر القلب من غير مراجعتها وله كتاب «الثقات» من غير رجال الكتب الستة في أربعة مجلدات، و «تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار» في مجلدين، و «تخريج أحاديث أصول البزدوي» و «تخريج أحاديثِ كل من تفسير أبي الليث»، و «عوارف المعارف»، و «منهاج العابدين و الأربعين في أصول الدين»، و «جواهر القرآن»، و «بداية الهداية».
و «منية الألمعي فيما فات الزيلعي»، و «بُغية الرائد في تخريج أحاديث شرح العقائد» و «نزهة الرائض في أدلة الفرائض، و ترتيب مسند أبي حنيفة»، لا بن المقرىء، و «ترتيب مسند أبي حنيفة للحارثي»، و «الأمالي على مسند أبي حنيفة» في مجلدين و مسند عقبة بن عامر رضي الله عنه و «عوالي» كل من: الليث بن سعد، والقاضي بكار، والطَّحَاوي، و «رجال» كلّ من الطحاوي، و «موطأ محمد» و «الآثار» له و مسندِ أبي حنيفة» لابن المقرىء، وترتيب الإرشاد للخليلي»، و ترتيب التمييز للجَوْزَقاني»، و «أسئلة الحاكم للدارقطني». و «من روى عن أبيه، عن جده في مجلد، وإصلاح ثقات العجلي»، وزوائد العجلي» و «تقويم «اللسان في الضعفاء وفضول اللسان»، و «معجم شيوخه في مجلد و «حاشيةُ كلِّ من شرح النخبة» و «المشتبه» و «التقريب» و «المسايرة»،
# (?) الشك من السخاوي، لا من المؤلف الكوثري، رحمهما الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 12
و «الأجوبة عن اعتراضات ابن أبي شيبة»، و «تبصرة الناقد في كيد الحاسد» كلاهما في الذَّب عن أبي حنيفة، و «شرح دُرّر البحار» في المذاهب الأربعة، وشرح كثير من متون المذهب و «تصحيح القدوري»، وأفرد رسائل في مسائل، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه. ومن أراد التوسع في ترجمته فليراجع «الضوء اللامع» و «طبقات» التميمي. توفي رحمه الله ليلة الخميس رابع ربيع الآخر سنة 879هـ عن 77 سنةً، وصلي عليه تُجاءَ جامع المرداني في مشهد حافل، ودفن على باب المشهد المنسوب لعقبة بن عامر عند أبويه وأولاده، وتأسفوا على فقده، تغمده الله برضوانه، وأسكنه فسيح جنانه. هذا، وإني أشكر مولانا العلامة التحرير والجهبذ الخبير أبا المآثر حبيب الرحمن الأعظمي السالف الذِّكْر على تفضله بكتابة التعليقات بخط يده المباركة، ومبادرته بإرسالها إلى هذا العاجز مع ما له من الأشغال الكثيرة، فإنه هو السبب الأوحد لنشر الاثنين معاً. كما أشكُرُ فضيلة الأستاذ البحاثة الشيخ رضوان محمد رضوان مؤلّفِ «فهارس البخاري» الوكيل بمصر الجمعية إحياء المعارف النعمانية في حيدر آباد الدكن بالهند، فإنه تفضّل بمعارضة المنسوخ من منية الألمعي» بالأصل المحفوظ بالخزانة التيمورية، مع التكرم بالإشراف على طبع الاثنين، مساعدةً لي في ظروف لي غير مواتيةٍ. وأشكر أيضاً الأستاذ السيد محمد نجيب الخانجي على قيامه بنشر الكتاب.
وإني أكتفي بهذا القدر من التقدمة مع الاهتمام بتحقيق الكتاب بالقدر المستطاع. وإني أسأل الله سبحانه أن يُعِمَّ انتفاع أهل العلم به مع مضاعفة مثوبة مؤلّفه البارع، وهو المجيب لمن دعاه.
في 14 رمضان سنة 1369هـ. محمد زاهد الكوثري