الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة
تأليف العلامة الفقيه الزاهد
محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي اليماني
من فقهاء السنة في اليمن في أواسط المائة الخامسة للهجرة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدمة الكتاب وكلمة عن طوائف الباطنية
لما أشرقت الأرض بنور الإسلام، استنارت العقول، فدخل الناس في دين الله أفواجا ونبذوا الأديان الباطلة ظهريا، حتى تم للمسلمين ما يعرفه الجميع من المفاخر الخالدة. لكن زعماء المتدهورين أمام هذا التيار من الوثنيين والصابئين واليهود والنصارى والمجوس، كانوا يحملون بين جوانحهم نار حقد متأججة، تحملهم على تبييت كل شر ضد هذا النور الوهاج.
ولما استيقظت أنفسهم أنهم لا يستطيعون الوقوف بالقوة أمام هذا السيل الجارف لكل مبطل وهارف سلكوا طريق الاحتيال في الوصول إلى أمانيهم، فاندسوا بين المسلمين متظاهرين بالورع الكاذب مستثيرين أنواع الفتن بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن حدثت تلك الفتن الدامية ضد أهل بيت النبوة رضي الله عنهم.
فبدأوا يتظاهرون بمظهر العطف على آل الرسول صلوات الله وسلامه
الجزء 1 · صفحة 7
عليه وآله وبمظهر الانحياز إليهم، والدعوة لهم، علما منهم بأن أنجع وسيلة لإثارة فتن هوجاء تقعد بالمسلمين عن الاستمرار على ما هم عليه من نشر الفضيلة وقمع كل رذيلة ورقي باهر، في جميع الشؤون: هو نبش الأحقاد واستثارة الأمة بدعوى الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام، استغلالا لتوتر أعصاب الأمة أسى على دماء أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم المسفوكة ظلما وعدوانا من قبل جبابرة الدولتين الأموية والعباسية.
وذلك بالنظر إلى أن أرباب الحكم فيهما كانوا يتخوفون على مراكزهم كلما جدت دعوة إلى أهل بيت النبوة – فينزلون بآل الرسول صلوات الله عليه وآله صنوف الضيم لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة وأن أهل البيت أيضا كانوا لا يستطيعون في دورهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي مستسلمين لظلم جبابرة السياسة فيلابسون الفتن سرا أو جهرا، والأمة فريقان: فريق إلى هؤلاء، وفريق إلى هؤلاء طوعا أو كرها. وهكذا كان يستفحل الخطب ويستشري الشر، وهذه غاية ليس وراءها غاية عند هؤلاء الهدامين.
فدونك كتاب (مقاتل الطالبيين)، وهو ينبئك عن تلك الدماء الطاهرة المسفوكة في تلك الفتن ظلما وعدوانا ولم تزل قلوب الأمة دامية متألمة لذلك، وقد اتخذ هؤلاء الأعداء التلفع بالتشيع وسيلة لحشد حشود، وتأليف جمعيات سرية تسعى في نشر المذهب الباطني – مذهب الإباحة والإلحاد – وجعلوا التشيع ستارا لما يريدون أن يبثوه بين الأمة من الرذيلة، ونذر البوار، وصنوف الإباحة والمروق، على توالي القرون واختلاف البلدان.
وقد تمكن كثير منهم من مخادعة الجمهور بدعوى النسب الطاهر، عن آباء
الجزء 1 · صفحة 8
مستورين كذبا وزورا، متذرعين لذلك باختفاء كثير من السادات في الفتن، خوفا من شرور الجبابرة.
ولا يخفى على الباحث كيف كان انتقال ميمون بن ديصان بن سعيد إمام الباطنية من أصبهان إلى الأهواز ثم إلى البصرة – متظاهرا أنه من آل عقيل – ثم إلى سلمية حمص بالشام، وكيف اتخذها معقلا له، مدعيا الانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر عليهم السلام هناك، مع أنه مات من غير عقب، ثم كيف بث دعاته في أقطار الأرض، مزودين بتعليمات في الدعوة إلى ضلالهم على تسع منازل، كما هو مشروح في (خطط) المقريزي (227/ 2). وقد بعث من هناك دعاته إلى الكوفة أو اليمن، ومن هناك إلى المغرب.
ومن الأشخاص البارزة بين الباطنية حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط في سواد الكوفة، وأخوه (ميمون) المبعوث إلى خراسان فيما بعد، و (أبو شامة الحسين) و (عبدان) و (أبو سعيد حسن بن بهرام الجنابي وابناه أبو طاهر سليمان و (سعيد) و (ابن حوشب) و (أبو عبد الله الشيعي) وأخوه (أبو العباس المبعوثان إلى المغرب للدعوة إلى (عبيد المهدي) و (الحسن بن مهران (المقنع) و (ذكروين بن مهروين) صاحب الفتن بالشام و (الحسن بن الصباح صاحب الموت و (حمزة بن علي).
ومن الأمور المعلومة لمن له إلمام بالتاريخ: ما تم لكل واحد منهم من الأحداث في الأقطار كاستيلاء (أبي طاهر) على الحجاز وقلعة الحجر الأسود، واستيلاء (العبيديين) على شمالي إفريقية والقطر المصري، وتسليطهم الصقالبة والروم والأرمن، والكتاميين، وغيرهم من صنوف الأعاجم على المسلمين
الجزء 1 · صفحة 9
وتحكيمهم إياهم على رقاب أهل الإسلام بأنواع من الضيم ودعوى الألوهية لأنمتهم، وإظهارهم كلمة الإلحاد علنا وجهارا، بعد أن كانوا يسرونها إسرارا، وفتحهم باب الاستيلاء على بلاد الإسلام لطوائف الصليبيين، ومؤامراتهم معهم ضد المسلمين، إلى غير ذلك مما لا يستقصى من وجوه الفتن وضروب الخزي.
و من العجب العجاب: أن يدعي هؤلاء الملاحدة الانتماء إلى أهل بيت النبوة، فيروج هذا الادعاء على أناس وحاش الله أن يجعل أهل بيت رسوله دعاة للإلحاد، ناشرين للرذيلة هادمين لأركان الإسلام، بل قد طهرهم الله من ذلك كله. والله در القائل:
قال النبي مقال صدق لم يزل ... يحلو لدى الأسماع والأفواه
إن فاتكم أصل امرئ ففعاله ... تنبيكم عن أصله المتناهي
و أراك تسفر عن فعال لم تزل ... بين الأنام عديمة الأشياه
و تقول إني من سلالة أحمد ... أفأنت تصدق أم رسول الله
وكثير من المتنقبين الأشرار (1) كانوا يبيعون حجج النسب بأبخس الأثمان، على توالي القرون، ومن أبشع النماذج في هذا الباب ما يعزي إلى النقيب عمر مكرم - في عهد والي مصر المغفور له محمد علي باشا الكبير - من إدخاله كثيرا من الفلاحين بل الأقباط واليهود في النسب، إلى أن رفع عامة العلماء في القطر - وبينهم أمثال محمد الأمير شيخ مشايخ الأزهر - محضرا في هذا الشأن إلى الوالي وإلى مقام الخلافة، حتى أقصى النقيب من النقابة. ومثله ما يذكره الشهاب الخفاجي - عالم مصر في القرن الحادي عشر – في (ريحانة الألباء).
الجزء 1 · صفحة 10
وأما ما يقال (الناس أمناء على أنسابهم فيمعني قبول استلحاق رجل لولد مجهول النسب فيما ليس فيه مغنم، لا بمعنى وجوب تصديق كل من يدعي النسب الزكي مثلا بدون حجة شرعية وإلا لاختلط الحابل بالنابل.
فمن زعم انتساب العبيديين إلى علي كرم الله وجهه إما متساهل في البحث والتحقيق، قابل عن كل من هب ودب، أو منطو على النصب والانحراف عن أهل البيت، يريد وصمهم بالموبقات، أو منتسب إلى هؤلاء العبيديين ظنا أو حقيقة يود أن يجعل لهم منقبة النسب الشريف، وقد ملأوا العالم بمثالبهم، أو متكاثر الهاه تكاثره حتى جعله يكاثر بملاحدة أدعياء، وقليل ذليل من تكاثر واعتز بأعداء الدين!!
ومن يعير سمعا إلى الشرع لا يستطيع أن يغفل ما أصدره قاضي قضاة الدولة العباسية المعروف بعلمه وورعه الإمام أبو محمد بن الأكفاني بعد شهادة شهود في نسب العبيديين، من الحكم بإبعادهم عن النسب الزكي وفي جملة موقعي ذلك المحضر المسجل في التواريخ الشريفان الرضي والمرتضي وابن الخزري وأبو حامد الإسفراييني، وأبو عبد الله الصيمري وأبو الحسين القدوري، وأبو الفضل النسوي، وأبو جعفر النسفي وغيرهم من كبار الأئمة في مذاهبهم.
و صورة ذلك المحضر: هذا ما شهد به الشهود أن معد (1) بن إسماعيل بن عبد الرحمن (2) بن سعيد منتسب إلى ديصان بن سعيد الذي ينسب إليه الديصانية وأن هذا الناجم بمصر، وهو منصور (3) بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار - ابن معد بن إسماعيل بن عبد سعيد - لا أسعده الله - وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس – عليهم لعنة الله ولعنة
الجزء 1 · صفحة 11
اللاعنين – أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار زنادقة ملحدون معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وادعوا الربوبية، وكتب في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعمائة).
(2) وهو القائم، وله عدة أسماء، وهذا من جملتها، وسعيد بن عبيد المهدي الذي ينسب إليه العبيديون وعبيد هذا كان يظهر الرفض، ويبطن الزندقة! قال أبو الحسن القابسي الذين قتلهم عبيد الله وبنوه ذبحا في دار النحر - التي كانوا يعذبون فيها الناس ليردوهم عن الترضي على الصحابة - أربعة آلاف رجل ما بين عالم وعابد، اختاروا الموت على لعن الصحابة. اهـ. وأما الذين انصاعوا لهم وشرقوا – على مصطلحهم - ففي غاية من الكثرة، وأما الذين قتلوهم من عامة المسلمين فيما بين المغرب الأقصى ومصر فلا يعلم عددهم إلا الله سبحانه.
#
(ا) وهو المعز الذي اتخذ مصر عاصمة العبيدية بعد استيلاء قائده جوهر الصقلي عليها. (ز).
(2) وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجدا، فيسجد لسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم. وأين هذا من أمر المؤيد الخطباء أن ينزلوا درجة عند ذكر اسمه في الخطبة، ليكون ذكر اسم الله واسم رسوله وأسماء الصحابة فوق مكان يذكر فيه اسم السلطان. وكان ابن حجر أول من فعل ذلك في الأزهر، كما في (حسن المحاضرة). (ز).
الجزء 1 · صفحة 12
(3) وهو الحاكم بأمر الله. قال ابن كثير: ادعى الإلهية، كما ادعاها فرعون، وكان قد أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنير أن تقوم الصفوف لذكره إعظاما، ولاسمه احتراما، وكان يفعل هذا في سائر مملكته، حتى في الحرمين الشريفين. اهـ.
وأي مسلم يستبيح توقيع مثل هذه الصيغة إذا لم يكن الأمر واضحا لديه كوضح الصبح؟! فضلا عن أن يوقع أمثال هؤلاء الأئمة ما هو غير معلوم عندهم علما تاما، بل من درس أحوال هؤلاء العلماء الذين وقعوا هذا المحضر تيقن أن أصغرهم شأنا يفضل الموت على إصدار حكم مخالف للشرع في نظره وأين أمثال هؤلاء الجبال في العلم والاستقامة والدين؟ وأين مثل الإمام أبي بكر الباقلاني الذي هو مع هؤلاء في إبعاد العبيديين من النسب الزكي؟ ولو أخذنا نسرد من يرى هذا الرأي من كبار أهل العلم على توالي القرون لطال بنا الكلام جدا.
ولم يكن الخليفة القادر بقادر على إكراه أمثال هؤلاء الموقعين من أئمة العلم على القول على خلاف ما يعلمون، بل لو حاول ذلك لفقد كرسي الحكم في الحال، لأنهم كانوا أهل الحل والعقد في الدولة، مع عظم منازلهم بين الأمة، فما نقضوه كان هو المنقوض، وما أبرموه كان هو المبرم في ذلك العهد على أن القادر بالله لم يوصم في التاريخ بظلم ولا عدوان، بل يذكر بالدين والتقوى.
فمن ظن بهؤلاء العلماء أنهم ينصاعون للإشارة من ظالم فقد ظلمهم، وجهل مقدارهم في الاستقامة، ولعل المنقول عليهم بذلك يظن بهم أنهم كهو في الميل عن الحق بأدنى إشارة من فوق والشعر المنسوب إلى الشريف الرضي في
الجزء 1 · صفحة 13
الاعتداد بنسب العبيديين مختلق غير موجود في (ديوانه) وهو أجل من أن يظهر بمظهرين في وقتين.
و هؤلاء العبيديون - أحفاد ميمون - يدعون الانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق رضي عنهم، لكن إسماعيل مات في حياة والده، ومحمد لم يعقب، كما نص على ذلك النسابون الثقات، وقد توسع في بيان ذلك الإمام عبد القاهر التميمي في (الفرق بين الفرق). وأما دعوى أنهم من نسل أئمة مستورين فما هي إلا اعتراف منهم بأنهم مجهولو النسب - راجع وفيات الأعيان) لابن خلكان (259/ 1 و (272) – وسل المعز لسيفه ونثره للدنانير على الحضور قائلا: هذا نسبي وهذا حسبي في صدد الجواب عن السؤال عن نسبه: مما هو مدون في كتب التاريخ. وحديث (البطاقة) أشهر من نار على علم (1). نعم للعبيديين فقه، لكن مدون فقههم ابن كلس اليهودي.
ولمذهب هؤلاء الزنادقة ألقاب على اختلاف البلدان أشهرها (الباطنية) لزعمهم أن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، انسلاخا من الدين، ويعرفون في العراق باسم (القرامطة) - جمع قرمطي نسبة إلى قرمط السابق ذكره - وباسم المزدقية أيضا – بالنظر إلى أنهم يدينون بدين الاشتراك في الأبضاع والأموال الذي ابتدعه مزدق في عهد قياد الساساني - ويسمون في خراسان بالتعليمية، والملاحدة، والميمونية)، نسبة إلى ميمون أخي قرمط السابق ذكره، دون ميمون بن ديصان، لأنه ليس بفرع بل هو أصل البلاء كله، ويدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف وفي الشام بالنصيرية والدروز والتيامنة وفي فلسطين (بالبهائية)، وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية) (باليامية) نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد (بالعلوية حيث يقولون علي هو الله - تعالى الله عما يقولون -. وفي بلاد
الجزء 1 · صفحة 14
الأتراك (بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم (بالبابية).
ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن، لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة، وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية، باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الاسم، لكن دللنا فيما سبق على أن صلتهم بإسماعيل بن جعفر الإمام كصلتهم بالإسلام.
بل تميزهم عن الفرق إنما هو بادعائهم حلول الإله في أئمتهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم]. قال البهاء الجندي كان عنوان كتب ابن فضل الباطني باليمن إلى أسعد بن يعفر: (من) باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده أسعد) وهكذا قاتلهم الله ما أجرأهم على الله!
ثم إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم بكلام بعض الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، ولدعوتهم تسع منازل يتدرجون بها إلى المكاشفة بالإلحاد، المكشوف، والإباحة المفضوحة.
و عن البلاغ السابع من بلاغاتهم السبعة يقول محمد بن إسحاق النديم قد قرأته فرأيت فيه أمرا عظيما من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها).
#
(1) وفي اليمن يريد الورقة التي كتبها في للعزيز بالله الفاطمي أبيات تنفي صحة نسبهم إلى آل البيت. انظر القصة في تاريخ ابن خلكان، أو أول (تاريخ الخلفاء) للسيوطي
الجزء 1 · صفحة 15
ومن أقدم من رد عليهم أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الكوفي من أصحاب أبي بكر بن الإخشيد من رجال منتصف القرن الرابع، فمن جملة ما قال في حقهم:
ومن شأن دعاتهم أن يتنقلوا في الأرض، ولا يطيلوا اللبث في مكان واحد لكيلا يكون مملولا مستثقلا وليكون أبعد من تمكين أحد من كشف بواطن أمره حذرا ورأوا أن من أولى الأمور به أن يتعاطى من حفظ ألفاظ التوراة والأناجيل وكتب الأنبياء طرفا، وأن يكون بكثير من اللغات عارفا، وأن يتحلى بطرف من الهندسة ومعان من تهاويل المتفلسفة وأن يسالم في ظاهره أهل الديانات المختلفة، ويريهم في بعض أحواله أن اليهودية والنصرانية والمجوسية والإسلام كلها معان متقاربة ودعوة واحدة، وأن البلاء الذي وهم الجهال اختلافها اتكالهم على ظاهرها دون باطنها وجهلهم بمعانيها وأوضاعها، وأن الآفة جاءت في ذلك من الناقلين لها وعملوا بغير ما توجبه حقائقها، وأن الناس لو عرفوا بواطن ذلك لاستراحوا واتفقوا وتآلفوا وما اختلفوا). ا هـ.
وهذه مرحلة من مراحل دعوتهم، وهكذا يعملون في مذاهب الإسلام أيضا، مدندنين حول، توحيدها تمهيدا للانسلاخ من الكل. وتجد ما يضاهي هذا في كتب غلاة المتصوفة - راجع الإنسان الكامل للجيلي - ولم يخل هؤلاء من التأثر بالباطنية في أمور وصنيع رجال (رسائل إخوان الصفاء، إنما هو مرحلة أخرى من مراحل تلبيسهم واعتبار أن الدين للعامة والحكمة للخاصة كما يلغط به هؤلاء وأذنابهم، إنما هو مروق مكشوف.
وقد أجاد الرد عليهم الغزالي في (فضائح الباطنية) و (القسطاس) بدون
الجزء 1 · صفحة 16
أن يتعرض لأنباتهم، والقاضي عبد الجبار الهمذاني رد عليهم قبله ردا جيدا في كتابه (تثبيت دلائل النبوة مع ذكر أنياتهم بمناسبات ووقائعهم موزعة على السنين في كتب التاريخ. ففي ابن الأثير، وأبي الفداء، وابن الوردي، وابن كثير، وابن خلدون أنباء كافية عنهم.
وقد تكلم عبد القاهر التميمي في الفرق بين الفرق) (ص (265) على معتقدهم بنوع من البسط واستطرد المحيي في (خلاصة الأثر) (268/ 3)، وقال عند الكلام على الدروز وأما القول فيهم من جهة الاعتقاد فهم والنصيرية والإسماعيلية على حد سواء. والجميع زنادقة وملاحدة) ثم نقل عن كثير من كبار أهل العلم في المذاهب نص قولهم: (إن كفر هؤلاء الطوائف مما اتفق عليه المسلمون، وإن من شك في كفرهم - بعد العلم بحالهم - فهو كافر مثلهم، وإنهم أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم لا تحل مناكحتهم، ولا تؤكل ذبائحهم ... إلى آخر ما أطال به رحمه الله.
وفي تاريخ (الكافي) (304/ 2 - (319) بسط واف في معتقدهم الباطل، وكم أثارت جمعياتهم السرية من فتن هوجاء على تعاقب القرون.
وأما أشخاص تلك الجمعيات فيدور حولها اختلاف كثير في كتب الملل والنحل، وكتب التاريخ وكتب الردود، وذلك أمر طبيعي بالنظر إلى أن جمعياتهم كانت سرية، وكانوا يتسمون بأسماء دون أسماء، في وقت دون وقت في عهد الكمون قبل أن تستقر لهم دولة. فالباحث في حاجة شديدة إلى الاطلاع على جميع النصوص والأقاويل في شتى المصادر، ليستخلص من بينها الحقيقة، ولا شك أن من أهم المصادر في هذا الباب الكتب التي يكون مؤلفوها شهدوا الفتن وشاهدوا
الجزء 1 · صفحة 17
سيرها ولكن قل ما بالأيدي من أمثال تلك الكتب بالنسبة إلى القرامطة الأقدمين.
فدونك أول كتاب برز في عالم المطبوعات من تلك الكتب وهو كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة) تأليف الفقيه أبي عبد الله محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي اليماني من فقهاء السنة باليمن في أواسط المائة الخامسة، وهو تمكن من الاندساس بين الصليحيين من أهل هذا المذهب في اليمن حتي خير خبرهم ودرس ظاهرهم وباطنهم، ثم ألف هذا الكتاب، بيانا لما انطووا عليه من صنوف المخازي ووجوه الاحتيال، وتحذيرا للمسلمين من الاغترار بمبادئ دعوتهم.
وقد نقل مؤرخ البلاد اليمنية في أوائل القرن الثامن القاضي بهاء الدين يوسف الجندي بعض نتف من هذا الكتاب في (تاريخه) لكن لم يكن الأصل بمتناول أيدي الباحثين، إلى أن ظفر به الأستاذ الأديب البحاثة السيد عزة العطار - حفيد حفيد العلامة محدث الشام المرحوم السيد حامد بن أحمد بن عبيد العطار الحسيني شيخ مشايخنا في الحديث - فرغب في نشره في عداد مطبوعاته القيمة ليعم نفعه ويسهل تناول لكل باحث.
و أطلعني على نسخة من الكتاب فطالعتها وعلقت على مواضع منها كليمات نزولا عند رغبته ووضعت في آخر كل تعليقة لي (. ز.) ليمتاز ما هو لي عما هو لغيري، وكتبت هذه التقدمة للإلمام بأطراف الحديث.
و القارئ الكريم مهتم بالنحل يجد في هذا الكتاب من التوسع في بيان أنباء قرامطة اليمن خاصة ما لا يجده في كتاب سواه، ويلقى فيه أيضا من أنباء
الجزء 1 · صفحة 18
تتعلق بنشأة القرامطة الباطنية ما لا يجد فيما سواه، فيقف من مقارنة ما فيه بما في المصادر الأخرى على جلية الأمر، فيحذر المسلمين من صنوف مكايدهم، ومن الوقوع في هاويتهم، والله سبحانه ولي الهداية.
محمد زاهد الكوثري