الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة كتاب بغداد
لإمام المؤرخين وحجتم، وأستاذ البلغاء وقدوتهم
أبي الفضل أحمد بن طاهر الكاتب
سنة 280 هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
أنباء عهد المأمون من كتاب «بغداد»
لابن طيفور، الكاتب المشهور
أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المروذي الكاتب معروف عند القدماء بابن أبي طاهر الكاتب، وعند أهل هذا العصر: بابن طَيْفُور، لكون والده أبي طاهر يسمى طيفوراً، كان أحد البلغاء الشعراء الرواة من أهل الفهم، المذكورين بالعلم، المكثرين من التصنيف والتأليف المعروفين بالذكاء وجودة البيان، وكان مع. هذا جميل الأخلاق ظريف المعاشرة، وقد عَالَى جعفر بن أحمد بن حمدان في «الباهر» في رميه بالتصحيف والسطو على أنصافِ أبياتٍ وأثلاث أبياتٍ، غير حاسب أن ذلك ليس من باب الانتحال، بل من نوع الإيداع المعروف عند أهل البديع، وذكر أنه كان مؤدب كُتاب عامياً ـ يعني سُنْياً ـ ثم تخصص (وتَشيّع وجلس في سوق الوراقين في الجانب الشرقي. اهـ. قادماً ولد سنة 204هـ وقت دخول المأمون العباسي بغداد خراسان، من وحدث عن عمر بن شَبَّة، وأحمد بن الهيثم السامي، وعبد الله بن أبي سعيد الوراق، وغيرهم، وروى عنه ابنه عبيد الله، ومحمد بن خَلَف بن المَرزُبَان.
قال الخطيب البغدادي: كان أحد البلغاء الشعراء والرواة، ومن أهل
الجزء 1 · صفحة 7
الفهم المذكورين بالعلم، وله كتاب بغداد» المصنف في أخبار الخلفاء وأيامهم. وذكر ابنه أنه مات ليلة الأربعاء لأربع بقين من جمادى الأولى سنة ثمانين ومائتين، ودفن في مقابر باب الشام، وكان مولده ببغداد مدخل المأمون إليها من خُراسان سنة أربع ومائتين.
فيكون ميلاده يوم السبت لأربعَ عَشْرَةَ ليلةُ بقيت من شهر صفر من السنة المذكورة. وقال محمد بن إسحاق النديم: كان من أبناء خراسان من أولاد الدولة، مولده ببغداد، ثم ذكر غَمْزَ ابن حمدان فيه في كتاب «الباهر»، وسَرَدَ مؤلفاته: منها «المنشور والمنظوم أربعةَ عَشَر جزءاً، وسرقات الشعراء»، و «کتاب بغداد»، و «کتاب المؤلفين» و كتاب المشتق المختلف من المؤتلف و كتاب أسماء الشعراء الأوائل» وكتاب ألقاب الشعراء» و «من عُرِف بالكنى» و «من عُرف باسم»، و «کتاب المعتذرين»، وكتاب «مفاخرة الورد والنَّرْجِس»، وكتاب «الحجاب»، وكتاب «مقاتل الفرسان»، وكتاب «مقاتل الشعراء»، وكتاب «الخيل الكبير»، وكتاب «سرقات البحتري من أبي تمام»، وكتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم»، وكتاب «فضل العرب على العجم»، و كتاب لسان العيون»، و «كتاب أخبار المتظرفات» إلى غير ذلك من كتب كثيرة له.
ولم يَظْفَر الباحثون منها إلا بالجزء السادس من كتاب بغداد» وهو يحتوي أنباء المأمون العباسي من دخوله بغداد سنة 204هـ إلى وفاته سنة 218هـ، والجزء الحادي عشر والثاني عشر من كتاب المنثور والمنظوم» له، وتلك الأجزاء الثلاثة محفوظة في المتحف البريطاني، والجزء الخاص ببغداد سَبَق أن نُشر.
لكن حيثُ نَفِدَت نسخه أراد الأستاذ البحاثة السيد عزت العطار الحسيني
الجزء 1 · صفحة 8
حفظه الله إعادة نشره تزويداً للمكتبة العربية بهذا الكنز الثمين، القديم التدوين، لما اختصَّ هذا الجزء من أنباء هامة عن عهدِ عالم الخلفاء المأمون العباسي، وقد كثرت في زمنه، وفيها كثير مما يهم الباحثين وابن جرير الطبري كثير النقل عن الأحداث نصوصه، وكذا أبو الفرج الأصفهاني.
وطريقة المؤلف في تسجيل الأنباء: مدعاة للاطمئنان بها، لأنه يذكر أولاً عِدَّةً ممن عُنُوا بتدوين أنباء ذلك الزمن، ويقول عند ذكره للأنباء المتعاقبة إذا اتفقوا على حكاية نبأ منها: قالوا جميعاً كيت وكيت وعند انفرادِ أحدهم بنبأ يقول: حدثني فلان، فتكون قيمة هذا النبأ بحسب هذا المنفرد، وهذه طريقة بديعة جداً تسهل مهمة الباحث المستقصي. ويقول محمد بن إسحاق النديم عن ابنه عبيد الله: إنه سَلَكَ طريقة أبيه في التصنيف والتأليف وروايته أقل من رواية أبيه فأما الدراية والتأليف فكان أحمد بن أبي طاهر أحذق وأمهر، ولابنه من الكتب ما زاده على كتاب أبيه في أخبار بغداد، فإن أباه عمل إلى آخر أيام المهتدي وزاد ابنه أخبار المعتمد، وأخبار المعتضد وأخبار المكتفي، وأخبار المقتدر، ولم يتمه. اهـ.
ويقول السخاوي عند ذكر كتاب «بغداد» لابن أبي طاهر: «ولأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروذي الكاتب «أخبار الخلفاء وعند ذكره في عداد المؤرخين: أبي طاهر أبو الفضل الكاتب المروزي، أحد فحول الشعراء وأعيان بن «أحمد البلغاء، وهو القائل:
حسْبُ الْفَتَى أَنْ يَكونَ ذَا حَسَب ... مِنْ نَفْسه لَيْسَ حَسْبَه حَسَبُهُ
لَيْسَ الَّذي يَبْتَدي به نَسَبٌ ... مِثْلَ الَّذي يَنْتَهِي بِهِ نَسَبُهُ. اهـ
الجزء 1 · صفحة 9
وحدَّث الجهشياري في كتاب «الوزراء» أن أحمد بن أبي طاهر مدح الحسن بن مخلد، وزير المعتمد، فأمر له بمائة دينار، وقال ايتِ رجاءً الخادم فخذها منه، فلقي: أحمد رجاءً فقال له: لم يأمرني بشيء، فكتب إلى الحسن:
أَمَّا رَجَاءٌ فَأَرْجَا مَا أَمَرْتَ به ... فَكَيْفَ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَأمُرُهُ يَاتَمرُ؟
بادر بجودكَ مَهمَا كُنْتَ مُقتَدراً ... فَلَيْسَ فِي كُلِّ حَالٍ أَنْتَ مُقْتَدِرُ
فأمر بإضعافها له، كما ذكره ياقوت في معجم الأدباء» ومن قوله فيما ذكره ياقوت:
قد كنتُ أصدقُ في وعدي فصيرني ... كذابة، ليس ذا في جملة الأدب
يا ذاكراً حُلْتُ عَنْ عَهْدِي وَعَهْدَكُم ... فَنُصْرَةُ الصدقِ أَفْضَتْ بي إلى الكذب
وقال في المبرد يهجوه:
كمَلَتْ في المبرد الآداب ... وَاسْتَقَلَّتْ في عَقْلِهِ الأَلْبَابُ
غَيرَ أَنَّ الفَتَى كَمَا زَعَمَ النَّا ... سُ دَعِي مُصَحُفُ كَذَّابٌ
وذلك بعد أن ساء ما بينهما عندما أضافه المبرد، وقال فيه ابن أبي طاهر من قبيل المباسطة منشداً له:
وَيَوْم كَحَرُ الْشَوْقِ فِي صَدْر عَاشق ... عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ أَحَرُّ وَأَوْمَدُ
ظَلَلْتُ بهِ عندَ المبرد قائلاً ... فَمَا زِلْتُ فِي الْفاظِهِ أَتَبَرَّدُ
وَذَكَرَ جَحْظَة عنه حكايةً تدلُّ على نوع من الاستهتار إن صحت، كما هو
الجزء 1 · صفحة 10
شأن كثير من الأدباء، سامحه الله تعالى.
وهذا ماتيسر لي ذكره في هذا الكتاب ومؤلّفه وأمر على أصول يقدمها إلى الأستاذ الناشر عن هذا الكتاب لإصلاح ما تيسر إصلاحه، نزولاً عند رغبته، وإن كانت ظروفي غير مواتية. والله الموفق؟
محمد زاهد الكوثري