الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة كتاب الأسماء والصفات
للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة 458 هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة في كتاب الأسماء والصفات وكلمة عن مؤلفه الحافظ أبي بكر البيهقي رحمه الله
للمحدثين ورواة الأخبار منزلة عليا عند جمهرة أهل العلم لكن بينهم من تعدى طوره وألف فيما لا يحسنه فأصبح مجلبة العار لطائفته بالغ الضرر لمن يسايره ويتقلد رأيه ومن هؤلاء غالب من ألف منهم في صفات الله سبحانه فدونك مرويات حماد بن سلمة في الصفات تجدها تحتوي على كثير من الأخبار العالقة بساقلها الرواة طبقة عن طبقة مع أنه قد تزوج نحو مائة امرأة من غير أن يولد له ولد منهن
الجزء 1 · صفحة 7
وقد فعل هذا التزواج والتنكاح في الرجل فعله بحيث أصبح في غير حديث ثابت البناني لا يميز بين مروياته الأصلية وبين ما دسه في كتبه أمثال ربيبه ابن أبي العوجاء وربيبه الآخر زيد المدعو بابن حماد بعد أن كان جليل القدر بين الرواة قويا في اللغة فضل بمروياته الباطلة كثير من بسطاء الرواة
ويجد المطالع الكريم نماذج شتى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال وإن حاول أناس الدفاع عنه بدون جدوى وشرع الله أحق بالدفاع من الدفاع عن شخص ولا سيما عند تراكب التهم القاطعة لكل عذر.
وفعلت مرويات نعيم بن حماد أيضا مثل ذلك بل تحمسه البالغ أدى به إلى التجسيم كما وقع مثل ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذي كانوا يتقلدونها من غير معرفة منهم لما هنالك
فدونك كتاب الاستقامة لخشيش بن أصرم والكتب التي تسمى السنة لعبد الله وللخلال ولأبي الشيخ وللعسال ولأبي بكر بن عاصم وللطبراني والجامع والسنة والجماعة لحرب بن إسماعيل السيرجاني والتوحيد لابن خزيمة ولابن منده والصفات للحكم بن معبد الخزاعي والنقض لعثمان بن سعيد الدارمي والشريعة للآجري والإبانة لأبي نصر السجزي ولابن بطة وإبطال التأويلات لأبي يعلى القاضي وذم الكلام والفاروق لصاحب منازل السائرين تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل في آن واحد
ولا سيما النقض لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم فإنه أول من
الجزء 1 · صفحة 8
اجتراً من المجسمة بالقول: (إن الله لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش عظيم)، وتابعه الشيخ الحراني في ذلك كما تجد نص كلامه في غوت العباد المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي وكم لهذا السجزي من طامات مثل إثبات الحركة له تعالى وغير ذلك
وكم من كتب من هذا القبيل فيها من الأخبار الباطلة - والآراء السافلة ما الله به عليم فاتسع الخرق بذلك على الواقع وعظيم الخطب إلى أن قام علماء أمناء برأب الصدع نظرا ورواية وكان من هؤلاء العلماء الخطابي وأبو الحسن الطبراني وابن فورك والحليمي وأبو إسحاق الاسفرايني والأستاذ عبد القاهر البغدادي وغيرهم من السادة القادة الذين لا يحصون عدا
لكن كان بينهم من غلب عليه النظر على قلة خبرة منه بعلم الأثر وبينهم من كان على عكس ذلك ولذلك رأى الحافظ البيهقي أن إهمال أحد الجانبين لا يجدي نفعا في استنقاذ جمهرة الرواة عما تورطوا فيه من الجهل بالله سبحانه فقام بتأليف كتاب (الأسماء والصفات) ساعيا في استقصاء ما ورد في الأبواب من الأحاديث مع تبيين الصحيح والسقيم منها وتثبيت وجه الكلام في النصوص الواردة في الأسماء والصفات ناقلا عن قادة النظر وسادة التأويل المعاني المرادة منها
فأحسن جد الإحسان وأجاد كل الإجادة إلا في مواضع يسيرة مغفورة في بحر أفضاله المواج فالله سبحانه يكافته على هذا العمل المبرور جزاء من أحسن عملا فإنه بعمله هذا انتشل عقلاء الرواة من أهل عصره ومن بعده مما تورطوا فيه من الزيغ وعرف أهل النظر الأخبار الصحاح التي لا يسوغ لهم إنكارها من
الجزء 1 · صفحة 9
الروايات الكاذبة الواجب ردها فشفى وكفى
وأما مؤلفه فهو الحافظ الكبير الفقيه الأصولي النقاد أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي النيسابوري الخسروجردي الفقيه الشافعي ولد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في قرية (خسروجرد) بضم الخاء وسکون السين وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء آخرها الدال المهملة من قرى بيهقى على وزن صيقل) وبيهق قرى مجتمعة في نواحي نيسابور
وسمع الحديث من نحو مائة شيخ أقدمهم أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي وقد تنقل في بلاد خراسان ورحل إلى العراق والحجاز والجبال لسماع الحديث وتخرج في الحديث على الحاكم صاحب المستدرك
فمن شيوخه أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي والحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري وأبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف بن يعقوب النسوي والقاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، وأبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن المهرجاني وأبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن عثمان بن قتادة، وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي الصوفي صاحب، الطبقات
و الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، والأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني المتكلم، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم وأبو بكر محمد بن إبراه الفارسي وأبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، وأبو الحسين محمد بن
الجزء 1 · صفحة 10
الحسين بن محمد بن الفضل القطان وأبو علي الحسين بن محمد بن علي الروذباري، وابو طاهر محمد بي محمد بن محمش الزيادي، راوي المسلسل بالاولية.
وأبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن علي المقري، وأبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل ومحمد بن موسى بن الفضل، وأبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، وأبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان، وأبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبو عبد الرحمن الحسن بن أحمد بن فراس وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبي المعروف المهرجاني وأبو إسحاق سهل بن أبي إسحاق المهراني، وأبو الحسين محمد بن علي بن حشيش المقري وأبو القاسم عبد الخالق بن علي المؤذن، وأبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقري ابن الحمامي
وأبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، وأبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق، وأبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن إسحاق النجار المقرئ وأبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي الصيدلاني، وأبو أحمد الحسين الأسد آبادي وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي - ويقال له أيضا الحرفي بضم الحاء وسكون الراء وبالفاء لكونه يتاجر في البزور ووهم من نسبه إلى بلد بالأنبار وصحف من نسبه خرقيا والحربي لا يلبس – وأبو سعيد أحمد بن محمد الماليني الهروي، وأ وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي الاسفرايني ابن السقا، وأبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المهراني، وأبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الأصبهاني وأبو صادق محمد بن أبي الفوارس وأبو صالح بن أبي طاهر العنبري، وأبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن
الجزء 1 · صفحة 11
أحمد بن بالويه المزكي، وأبو القاسم علي بن محمد بن علي الأيادي، وأبو القاسم نذير بن الحسين بن جناج المحاربي وأبو الفرج الحسن بن علي بن أحمد التميمي الرازي، وأبو عثمان الإمام وأبو حامد أحمد بن محمد بن موسى النيسابوري ومنصور بن عبد الوهاب الشالنجي.
وأبو سهل محمد بن نصروبه المروزي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الرزاز، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج وأبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن شبانة الهمذاني، وأبو محمد الحسن بن علي المؤمل وأبو حاتم أحمد بن محمد الخطيب وأبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس البغدادي وأبو ذر محمد بن أبي الحسين بن أبي القاسم وأبو بكر أحمد بن محمد الأشناتي، وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصري، وأبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم وأبو جعفر الغرابي، وأبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي.
وأبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي صاحب اللسان والسنان في نصر المذهب والشريف أبو الفتح وأبو سعيد بن أبي عمرو (1)، ومحمد بن نصر النيسابوري وأبو عمر محمد بن الحسين البسطامي ومحمد بن نصر النيسابوري وأبو عمر محمد بن الحسين البسطامي، وأبو منصور بن أبي أيوب، وأبو الفتح العمري ناصر بن محمد المروزي وأبو عبد الله محمد بن يعقوب النيسابوري وغيرهم من شيوخ العلم في خراسان والجبال والحرمين والكوفة والبصرة وبغداد
قال الذهبي في طبقات الحفاظ في ترجمة البيهقي الإمام الحافظ العلامة
الجزء 1 · صفحة 12
شيخ خراسان كان عنده مستدرك الحاكم فأكثر عنه وعنده عوال وبورك له في عمله لحسن مقصده وقوة فهمه وحفظه وعمل كتبا لم يسبق إلى تحريرها منها الأسماء وو الصفات وهو مجلدان والسنن الكبير عشر مجلدات والسنن والآثار أربع مجلدات وشعب الإيمان مجلدان ودلائل النبوة ثلاث مجلدات والسنن الصغير مجلدان والزهد مجلد والبعث مجلد والمعتقد مجلد والآداب مجلد ونصوص الشافعي ثلاث مجلدات والمدخل مجلد والدعوات مجلد والترغيب والترهيب ومجلد ومناقب الشافعي مجلد ومناقب أحمد مجلد وكتاب الإسراء وكتب عديدة لا أذكرها ا هـ.
و قال اليافعي في مرآة الجنان عن البيهقي: الإمام الكبير الحافظ التحرير الفقيه الشافعي واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله بن البيع في الحديث الزائد عليه في أنواع العلوم له مناقب شهرة وتصانيف كثيرة بلغت ألف حزء نفع الله تعالى بها المسلمين شرقا وغربا وعجما وعربا لفضله وجلالته وإتقانه وديانته تغمده الله برحمته غلب عليه الحديث واشتهر به ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز وسمه بخراسان من علماء عصره وكذلك بقية البلاد التي انتهى إليها وأخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات اهـ.
و قال التاج السبكي: وفي كلام شيخنا الذهبي أنه أول من جمع نصوص الشافعي وليس كذلك بل هو آخر من جمعها ولذلك استوعب أكثر ما في كتب السابقين ولا أعرف أحدا بعده جمع النصوص لأنه سد الباب على من بعده اهـ.
لكن لا يرد هذا على الذهبي لأنه قال أول من جمع في عشر مجلدات يعني
الجزء 1 · صفحة 13
بهذا التوسع وهو حق وقد وقع مثل هذا الكلام في كتاب ابن خلكان ومن قبله بهذا النص
ثم قال التاج: وقال شيخنا الذهبي كان البيهقي واحد زمانه وفرد أقرانه وحافظ أوانه قال ودائرته في الحديث ليس كبيرة بل بورك له في مروياته وحسن تصرفه فيها لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال وقال إمام الحرمين ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فإن له على الشافعي منة التصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله ا هـ.
وقال عبد القادر القرشي في طبقاته: فوالله ما قال هذا من شم توجه الشافعي وعظمته ولسانه في العلوم ولقد أخرج الشافعي بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله وهو علم الناسخ والمنسوخ فعليه مدار الإسلام مع أن البيهقي إمام حافظ كبير نشر السنة ونصر مذهب الشافعي في زمنه ا هـ.
قال ابن الوردي كان أكثر الناس نصرا لمذهب الشافعي اهـ. وقال ابن العماد في شذرات الذهب الإمام العلم الحافظ صاحب التصانيف ... قال ابن قاضي شهبة قال عبد الغافر كان على سيرة العلماء قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه وذكر غيره أنه سرد الصوم ثلاثين سنة وقال في العبر توفي في عاشر جمادى الأولى بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ونقل تابوته إلى بيهق وعاش أربعا وسبعين، سنة1هـ. أعلى الله منزلته في الجنة وأغدق عليه سحب رضوانه
وقال ابن خلكان في ترجمة البيهقي: واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون من كبار أصحاب الحاكم في الحديث ثم الزائد عليه في أنواع العلوم أخذ الفقه عن أبي
الجزء 1 · صفحة 14
الفتح ناصر المروزي غلب عليه الحديث واشتهر به أخذ عنه الحديث جماعة منهم زاهر الشحامي ومحمد الفراوي وعبد المنعم القشيري وغيرهم. ا. هـ.
و أثنى عليه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وقال كتب إلي الشيخ أبو الحسن الفارسي: الإمام الحافظ الفقيه الأصولي الدين الورع واحد زمانه في الحفظ وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمكترين عنه ثم الزائد عليه في أنواع العلوم كتب الحديث وحفظه من صباه إلى أن نشأ وتفقه وبرع فيه وشرع في الأصول، ورحل إلى العراق والجبال والحجاز ثم اشتغل بالتصنيف وألف من الكتب ما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء (أي الجزء الحديثي) ومعيار ذلك أن تبيين كذب المفتري عشرة أجزاء مما يسبقه إليه أحد جمع في تصانيفه بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث والصحيح والسقيم وذكر وجوه الجمع بين الأحاديث ثم بيان الفقه والأصول وشرح ما يتعلق بالعربية استدعى منه الأئمة في عصره الانتقال إلى نيسابور من الناحية لسماع كتاب المعرفة (و هو السنن الأوسط) وغير ذلك من تصانيفه فعاد إلى نيسابور سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وعقدوا له المجلس القراءة كتاب المعرفة وحضره الأئمة والفقهاء وأكثروا الثناء عليه والدعاء له في ذلك لبراعته ومعرفته وإفادته وكان رحمه الله على سيرة العلماء، قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه وبقي كذلك إلى أن توفي رحمه الله بنيسابور يوم السبت العاشر من جمادى الأول سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وحمل إلى خسروجرد. اهـ.
وكلمة عبد الغافر هذه هي أم ترجمة البيهقي في كتب التراجم زاد فيها من زاد ونقص من نقص كما نقلت نصوص المترجمين له فيما سبق.
الجزء 1 · صفحة 15
وكتاب الأسماء والصفات هذا لم يؤلف مثله كما يقول التاج ابن السبكي وكتاب السنن الكبرى طبع حديثا في حيدر آباد في عشر مجلدات ومعه الجوهر النقي في نقد مواضع الانتقاد منه وهو من أوسع ما ألف في أدلة الشافعية بل لا يستغني عنه أهل مذهب من المذاهب يكثر فيه جدا عن الحاكم صاحب المستدرك مباشرة وعن أبي منصور علي بن حمشاد صاحب تلك الكتب الضخمة في السنن والأحكام بواسطة وقد هذبه الذهبي في نحو نصفه في كتاب سماه (المهذب) وهو من محفوظات دار الكتب المصرية
و السنن الوسطى له هي المعرفة بمعرفة السنن والآثار وهي أجمع ما صنف في نصوص الإمام الشافعي رضي الله عنه وقد ركب فيها كل مركب في نصرة المذهب ولها أهميتها عند المشتغلين بأحاديث الأحكام ونقدها وليس هذا موضع بيان لطريقته فيها.
وكتاب دلائل النبوة له كتاب مبارك في غاية النفع وقد بلغني أنه طبع في الهند حديثا ولم أتأكد من ذلك بعد ونسخة مخطوطة منه موجودة بدار الكتب المصرية وكتاب المدخل له مهم ألفه ليكون مدخلا لكتاب دلائل النبوة. وكتاب مناقب أحمد له يدفع فيه ما نسب إليه بعض أصحابه من الكلمات الموهمة ومن جملة ما قال فيه نقلا عن الإمام أبي الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه خارج عن ذلك كله فلم يجز أ ان ايسمى جسما الخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فيبطل انتهى بحروفه
الجزء 1 · صفحة 16
و قال البيهقي فيه أيضا وأنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت عمي. أبا عبد الله يعني الإمام أحمد يقول احتجوا علي يومئذ يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين فقالوا تجئ سورة البقرة يوم القيامة وتجئ سورة تبارك فقلت لهم إنما هو النواب قال الله تعالى [وجاء ربك] إنما تأتي قدرته وإنما القرآن أمثال ومواعظ اهـ.
قال البيهقي هذا إسناد صحيح لا غبار عليه ثم قال وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجئ الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجئ ذوات الأجسام ونزولها وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجئ والإتيان فأجابهم أبو عبيد الله بأنه إنما يجئ ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئه. وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحذاق من أهل المنزهون عن التشبيه انتهى ما ذكره البيهقي في مناقب أحمد
و أما كتاب الأسماء والصفات فكتاب لا نظير له كما سبق تراه لا يلوم من يقول إن الله في السماء أو يقول إن الله على العرش بناء على بعض الأحاديث الواردة النقاطقة بذلك لكن يجرد الكون في السماء أو على العرش عن جميع معاني التمكن على خلاف معتقد المشبهة كما تجد نص كلامه عند الكلام على الاستواء وعلقنا هناك على هذا الكلام ما يجب لفت النظر إليه
فالقائل بأنه في السماء إن كان يريد أنه متمكن فيها فهو زائغ عن الصراط السوي، وأما إن كان يريد أنه في غاية من علو الشأن والمكانة بدون اعتقاد مكان
الجزء 1 · صفحة 17
له تعالى فلا غبار على كلام هذا القائل من ناحية اللغة، وأما من جهة الشرع فهناك ظواهر تسيع ذلك
لكن حيث كانت الأحاديث التي وردت في ذلك لا تخلو من كلام مثل حديث أبي رزين وحديث الأوعال فالأحوط أن لا ينطق به حتى مع التصريخ بهذا التنزيه بل الواجب عدم النطق به أصلا سدا لباب التشبيه بمرة واحدة وليست هناك أحاديث صريحة صحيحة
و حديث الجارية فيه اضطراب عظيم يحول دون التمسك به في باب الاعتقاد من تمسك بقوله تعالى أمنتم من في السماء في هذا الباب فلا حجة له أصلا كما نشرح ذلك فيما تعلق على الكتاب في موضعه إن شاء الله تعالى والحاصل أنه ليس في قول البيهقي وأمثاله من تجويز القول بأنه في السماء) بمعنى علو الشأن والمكانة، ما يسر القائلين باثبات المكان والعلو الحسي أصلا والبيهقي ينص على ذلك في مواضع من هذا الكتاب فنقل كلمة البيهقي وأمثاله في باب إثبات العلو الحسي تغفل ظاهر
وما نسبوه إلى أبي حنيفة في سنده نعيم بن حماد وأبو أمه وما عزوه إلى مالك فيه عبد الله بن نافع الأصم صاحب المناكير عن مالك وما أسندوه إلى الشافعي فيه أبو الحسن الهكاوي وابن كادش والعشاري وأحوالهم معلومة عند النقاد رغم انخداع بعض المغفلين برواياتهم فلا يصح عزو القول بأنه في السماء إلى الأئمة الفقهاء أصلا
والحافظ البيهقي يكثر جدا في الأسماء والصفات عن الإمام سيف النظار والمتكلمين أبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي البخاري شيخ الشافعية بما
الجزء 1 · صفحة 18
وراء النهر وهو من أركان علم أصول الدين وممن تخرج على القفال الكبير والأودني وكتاب شعب الإيمان له في ثلاث مجلدات سماه بالمنهاج وهو يدل على مبلغ غوصه في علم الكلام وهو أحد القائلين بتحرد الروح من أئمة السنة ومختصره موجود بدار الكتب المصرية والأصل بالآستانة وولد الحليمي هذا سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة وهو من شيوخ الحاكم
ويكثر فيه أيضا عن الإمام أبي سليمان أحمد بن إبراهيم الخطابي ومنزلته في العلم أشهر من نار على علم جمع بين الحديث والفقه والأدب ومعرفة الغريب ولو لم يكن له غير ما كتبه على البخاري وعلى سنن أبي داود لكفى في معرفة مقداره العظيم في العلم وعلو كعبه في الفهم وهو مترجم في طبقات الحفاظ للذهبي توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وهو أيضا من شيوخ الحاكم
ويكثر المصنف أيضا عن الإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم وهو من شيوخ المصنف مباشرة وكتابه في تأويل أحاديث الصفات معروف لكن لو اقتصر على الأحاديث الثابتة بدون تعرض للواهيات لما أبعد في التأويل. وصولته وردوده على الكرامية مما أدى إلى أن سموه فمات شهيدا سنة ست وأربعمائة وجلالة قدره لا تنكر وإن كان لكل صارم نبوة رحمه الله تعالى
و يكثر المصنف في الأسماء والصفات عن كتاب أبي الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري صاحب الأشعري.
وينقل أيضا عن الأستاذين الجبلين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الاسفرايني المتوفى سنة 418 هـ، وعبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ، وكنا نود لو أكثر عنهما الجلالة قدرهما في علم أصول الدين
الجزء 1 · صفحة 19
و لا نود التوسع بأكثر من هذا الاستطراد والله سبحانه أعلى منزلة المصنف في الجنة وغفر لنا وله وحفظنا من نزعات التعصب ونزوات النفس الأمارة بالسوء وجعلنا ممن ينزل الناس منازلهم وسلك بنا سواء السبيل وختم لنا بالخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
تحريرا في 15 صفر الخير سنة 1358
كتبه الفقير إليه سبحانه
محمد زاهد الكوثري عفي عنه
ومن شعره أيضا:
من اعتز بالمولى فذاك جليل .... ومن رام عزا عن سواه ذليل
ولو أن نفسي مذ براها مليكها ... مضى عمرها في سجدة لقليل
أحب مناجاة الحبيب بأوجه ... ولكن لسان المذنبين كليل