الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة فهارس البخاري
للأستاذ رضوان محمد رضوان
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وآله الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الجامع الصحيح للإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه مفخرة خالدة للأمة الإسلامية، حيث احتوى على أصح الأحاديث ثبوتاً عند العلماء الأعلام، وأوثقها دلالة على الأحكام. وقد أقر أصحاب الشأن بأن له المقام الأول في التعويل بين الأصول الستة كما اعترفوا بأن له أبدعَ طريقةٍ في انتقاء الصحاح من الأحاديث المروية،
وأروع منهج في استنباط المعاني الدَّقيقة من ألفاظ السُّنة النبوية، يُكرر ذِكْر الأحاديث في الأبواب، للتدليل على معانٍ رتب عليها الكتاب.
ولم يكن البخاري يكتفي بالرواية المجرَّدَة، بل كان يجول في ميدان الاجتهاد، مزاحماً أئمة الفقه المعروفين على تأخر زمنه عنهم، فَيَرْتَئي آراءَ فَقهِيةً يُوافِقُ مَنْ سبقه أو يخالِفُه على ما فتح الله عليه وفي أغلب ما ينفرد به من المسائل عن الأئمة الأربعة تجده موافقاً لآراء الإمام المجتهد أبي عُبَيْدٍ القاسم بن سلام الهروي الأصل، ثم الكوفي، ثم البغدادي من أصحاب الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
الجزء 1 · صفحة 7
وتراه يكرر ذكر الأحاديثِ في الأبواب لغرض الاستدلال بها على معانٍ تَلُوح له من ثنايا، متونها، فتكون إعادة ذكرها بتمامها أو باختصار وتقطيع على حَسَب ما يستلزمه المقام، ولا يقتصر على الأحاديث المسندة المرفوعة، بل يذكر بعض المراسيل والأحاديث المعلَّقة غير مُسْتَكْمَلَةِ الأسانيد والآثار المروية عن الصحابة والتابعين استئناساً بها في باب الاستنباط ويَزيدُ على ذلك ذِكْرَ بعض آيات بمناسبات لينير وجه احتجاجه، وفي ذلك توسيعُ أُفُقِ مَن يعكف على دراسة كتابه علماً وفهماً. فهكذا يَتَمَرَّنُ دارسُ كتابه على حفظ صحاح الأخبار، ويتدرب على وجوه استنباط الأحكام من الآثار، ويُعرفُ أنه في عِداد المجتهدين الأبرار، وإن كان في آرائه بعضُ ما يُرَدُّ، كما هو شأن المجتهد، لأنه قد يخطىء وقد يصيب، وليست العصمة من شأن المجتهد عند أهل الحق.
ومعنى التعويل على صحيح البخاري: هو الاعتماد على أحاديثه المسنَدَةِ المرفوعة، وما سوى ذلك من آراء ومعلقات وآثارٍ تتبع أحوالها الخاصة في النظر الصحيح
وقد عدَّ بعض كبار العلماء شرحَ الجامع الصحيح» للإمام البخاري ديناً على الأمة غير مقضي، لكثرة ما يحتاجُ إلى الإيضاح مما أشير إليه فيه من مباحث متشعبة، ولعل هذا الدَّيْنَ أصبحَ مَقْضيّاً بشرحَي البدر العيني، والشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنهما خَدَماه خدمةً لا تنكر وإن كان العلم ليس له حد ينتهى إليه.
والكتاب مهما عَلَتْ منزلته لا يمكن لكنوزه أن تَبرُز، ولا لفوائده أن تتكشَّفَ إلا بفهرس دقيقٍ يُرشد إلى أحاديثه ومواضع تكرارها، ومورد المعلقات،
الجزء 1 · صفحة 8
والآثار، وأرقام صفحات الأبواب، وأرقام صفحات الشروح التي تتولى شرح ذلك كله. وهذا لا يمكن إلا من مُثابر مصابر وَقَفَ حياته لخدمة السُّنة، وهو الذي يضحي كلَّ مرتخص وغال في هذا السبيل. وقد ظفرنا - ولله الحمد ــ بتلك الضالة المنشودة، حيث إن هذا الصابر المثابر المنصَرِفَ إلى خدمة السُّنةِ في وقتنا هذا هو الأستاذ البحاثة العالم المفضال الكريمُ الخِلال: الشيخ رضوان محمد رضوان، حفظه الله وقد عُني بتذليل قيادِ هذا الأمر الصعبِ الشَّموس، بيده القوية منذ سنين متطاولة، حتى أخرج لنا فهرس الأحاديث المسندة المرفوعة في صحيح البخاري على أكمل حُلَّة، بحيثُ يَشْفي كلَّ غُلَّة، ويليه فهرس الأحاديث المعلقة غير للأسانيد، ثم فهرس الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، ثم فهرسُ كُتُبِ المستوفية البخاري وأبوابه مع ذكر أرقامها وأرقام شروح الكرماني، وابن حجر، والبدر العيني والشهاب القسطلاني. فسهل بذلك على الباحثين الوصول إلى بغيتهم من أحاديث الكتاب ومواضع تكرير ذكرها بعد أن كان ذلك صعب المنال جداً إلا بعد جُهْدٍ جَهيد، فنالَ بذلك جزيل الأجر عند الله، وعظيم الشكر عند الباحثين. فنتمنى له دوام التوفيق لإخراج كثير مما ينتفع به أهل العلم فيتضاعفُ أجره، ويعلو قدره،
ويتوالى شكره. وقد أجاد فضيلته كل الإجادةِ فِهْرِسَه لصحيح البخاري، ففي فهرس الأحاديثِ المسنَدَة يَذكرُ الحديث القصير بتمامه. وأما الطويل فيذكر قطعةً منه تَدلُّ على الباقي - وهذا هو الذي يقال له ذكر طَرفِ الحديث في كتب الأطراف ـ ويذكر في نهاية الحديث اسم الصحابي الراوي لذلك الحديث بين قوسين، ويذكر عقب ذلك مواضع تكرير الحديثِ في الكتاب. فَدُونَك ما في الصفحة الأولى منه:
الجزء 1 · صفحة 9
? - «إنما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنما لكلِّ امرىء ما نوى». [عمر بن الخطاب].
في: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي: الإيمان في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكلِّ امرىء ما نوى. وفي: العتق في باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه. وفي: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. وفي: النكاح في باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوى. وفي الأيمان والنذور في باب النية في الأيمان. وفي الحيل في باب في ترك الحيل وأن لكل امرىء ما نوى.
فدل صنيعه هذا على الحديث وراويه وتكرر ذكره في الكتاب في سبعة مواضع. وهكذا فعل في فِهْرِس الأحاديث المعلّقة، وفهرس الآثار. والبحث الشامل في كل حديث هكذا عمل شاق مُضْنٍ لكن الله سبحانه صبره على ذلك، وسهل له هذا العمل مكافأة على إخلاصه وطول أمَدِ ممارسته لهذا العمل الشريف. وكم سَبَقَ له من خِدَماتٍ في سبيل إصلاح الكتب وإخراجها للناس على أجمل مظهرٍ، وأصح تخبر، حتى أصبح موضعَ تعويل العلماء في أعماله العلمية.
وقد نشر آثاراً هامةً باسم جماعة إحياء المعارفِ النعمانية بالهند تحت الدقيق المشكور، وأعماله في تصحيح الكتب في مطبعة مصر وغيرها مما يُسجل له بكل فخر، سوى ما له من مؤلفات نافعة، فلا تُستغرب من مثله هذه الإجادة. وقد خَدَم الأستاذ الفاضل الشيخ رضوان محمد رضوان حفظه الله السُّنَّةَ أحسن خدمةٍ
الجزء 1 · صفحة 10
بهذا العمل الشريف. فندعو الله سبحانه أن يكافئه على هذا العمل العظيم مكافأة المخلصين في خدمة السُّنةِ النقية البيضاء، وأن يوفقه لإنتاج كثير من الكتب النافعة، وهو سميع مجيب الدعاء؟
في 18 جمادى الأولى 1368هـ.
محمد زاهد الكوثري