الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة جدوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس
تأليف
أبي عبدالله محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي
المتوفى سنة 488هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المرحوم مولانا الكوثري:
الحمد الله، وصلواتُ الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، وكلٌّ مَن تَوَخَّى رضاه.
وبعد: فإن التاريخ وفروعه ولا سيما تراجم الرجال من أهم العلوم، في تعريف منازل الشعوب في الحضارة والنهوض؛ وبتلك المرآة الصافية، يُعرَفُ العالي والنازل منهم.
وجذوة المقتبس في تاريخ الأندلس للحميدي: من أَهَمِّ ما أُلف في تاريخ الأندلس وهي في عشرة أجزاءٍ حَدِيثِيَّةٍ؛ لكنها مما حَجَبه الدهر عن أعين الباحثين دهوراً بسبب ما لقي الحميدي وأصحابه من الاضطهاد؛ حتى انتقل إلى الشرق في زمنٍ مُبَكرٍ، بعد تلك الفتن القاسية في الغرب، ضد الظاهرية.
والحُمَيْدِيُّ - بالتصغير - مؤلِّفُ جَذوة المقتبس» هو: أبو عبد الله محمد بن فتوح أبي نصر بن عبد الله بن حميد الحميدي المتوفى سنة 488، صاحب الجمع بين الصحيحين، ويعيبه بعضُهم: «بأنه ذكر في «الجمع» ما لم يرد في لفظ أحد الشيخين: البخاري ومسلم». وهذا ليس بعيب، بل هذا تَحْضُ الصواب، إذا أهمل أحدهما ذكر لفظه، أو تركه معَ وُرُودِه في روايةِ ثِقاتٍ آخَرِينَ، على اتحاد
الجزء 1 · صفحة 7
للسندِ عند الجميع، فيُلْصَقُ الانفراد إلى أحدهما، والانفراد: انفراد حيثما وَقَعَ، فلا بد من ملاحظة ذلك: عند المُحْتَج والمُسْتَنْبِطِ.
ولولا مكتبة بودليانا التي حفظت نسخة منها بالخط الأندلسي: لما ظفر بالكتابِ من يقوم بنشره، ولو كان هذا التاريخ بمتناول الأيدي: لَما تأخر الذين نشروا تَوَاريخ الأندلس - تحت عُنوانِ (المكتبة الأندلسية في قضاتها، وحملة علومها، وأسانيد رواتها، ومَرْوِيَّاتِهم - عن نشرِ هذا الكتابِ.
والآن، أرى الأستاذ الغيور، ناشرَ مُتَخَيَّر المؤلَّفَاتِ ـ أبو أسامة السيد: محمد عزت العطار الحسيني (?) ـ يقوم بنشر هذا الكتابِ، مشكوراً فضله باسم العلم. ورأى الاستئناس في ذلك برأيي، فشرحت له أهمية تواريخ الشعوب، في معرفة منازلهم في الرقي؛ ولا سيما مثل هذا الكتابِ النادر تأليف ذلك العالم العظيم. لكنْ ارْتَايْتُ أَنْ يَرجع إلى أهل الذِّكْر، في حَلٌّ طَلاسم ذلك الخط الأندلسي، لأنَّ الشرقي قد يَتَصَحَّفُ عليه بعضُ كلماته مهما مارس هذا الخط، حتى إني أعرفُ أن الأستاذ العطار، سكن المغرب الأقصى مدةً، بمناسبة انتقال عمه إلى تلك البلاد، في زمن سابق، ومع ذلك، لا أرى الاكتفاء بتلك الخبرَةِ؛ بل: أرى تشريكَ بعض أهل الفضل، في مقابلة الكتاب بالأصل، ليكون سليماً من كل شائبة، فقال: وقد راجعتُ الأديب المشهور: محمد بن تاويت الطَّنْجِيَّ؛ مستعيناً به في ذلك، فرحب بذلك على عادته في خدمة العلم. فقلت: فنِعْمَ ما صنعت.
والأستاذ الطَّنْجِيُّ نشأ نشأة علميةً طيبةً في بلده؛ ثم رحل إلى الشرق في سبيل تحقيق بعض الكتب واتصل بالبيئات العلمية، فحاز تقديرهم بما قام بتحقيقه من الكتب المنشورة تحت إشرافه؛ وظهرت مواهبه للملا، ونال كل ثناء،
الجزء 1 · صفحة 8
فأصبح جامعاً بين الثقافتين الغربية والشرقية بالمعنى المعروف عند القدماء. والباجي، وأبو بكر بن العربي، وأمثالهما - ممن رحلوا إلى الشرق في سبيل العلم - كانت منازهُم في الذُّرْوَةِ، حينما كان ابنُ عبد البر يظهر بغير هذا المظهر، لعدم رحلته إلى الشرق، والكلامُ في هذا طويلُ الذَّيْل.
وكان الحُمَيْدِيُّ: تَلَقَّى العلم من ابن حَزْم وغيره بالأندلس، ثم انتقل إلى الشرق حينما اسْتَفْحَل اضطهاد الظاهرية في الغرب، فَلَقِيَ كل تبجيل في الشرق، وأدرك في بغداد الخطيب البغدادي وأهلَ، طبقته وسمع منهم. وهو أول من أدخل كتب ابن حزم إلى الشرق.
وأتمنى للأستاذ الناشر كل التوفيق فيما هو بسبيله، وأتمنى له كل خير. والله سبحانه ولي التوفيق؟
?? شعبان سنة 1371هـ
محمد زاهد الكوثري