الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة المختصر في الشمائل المحمدية وشرحها
لأبي عيسى الترمذي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
عن هذا الكتاب المفيد:
الحمد لله الذي أنار الكونَ بنور بعثة سيد الخليقة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
فبنور هداه صلَّى الله عليه وسلَّم زالت ظلمات الجاهلية، واهتدت الشعوب إلى الطريق الأقوم، حتى أصبحت أمته خير أمة أخرجت للناس، وارْتَقَوْا في مدارج العلا من علم وعمل، إلى حيثُ لا مبتغى وراءه، وذلك بفضل متابعتهم لهديه صلى الله عليه وسلم في جميع الشؤون، وبفضل اعتصامهم بسنته وسيرته وسيرة الله أصحابه رضي عنهم، في جميع مناحي الحياة. وكانوا أعزاء مدة استمساكهم بحبل هداه
ثم خَلَف من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا التراث، ونبذوا الاتباع ظهرِياً، وتابعوا الهوى فهانوا بعد عزة، واستكانوا بعد شهامة وشَمَم وأَنفَة، فَلَقُوا بعض جزاء إعراضهم عن ذكر الله وعن متابعةِ هَدْي رسول الله.
وليس لمثل هذا الداء الوبيل والمرض الفتّاكِ دواء غير ما تَدَاوَى به أول هذه الأمة، وهو: اتباع هديه صلى الله عليه وسلَّم في كل صغير وكبير، كما فعل الصدر الأول، حتى عزوا بعد ذلّ، واهْتَدَوْا بعد ضلال، وعلموا بعد جهل، واستقاموا
الجزء 1 · صفحة 7
بعد عوج، ونهضوا بعد سقوط، وانتصبوا على أقدامهم كأعز أمة.
وليس أدل على ذلك مما كانت عليه الحالة العامة عند البعثة النبوية، في الأمة العربية، والأمم المحيطة بها في بقاع الأرض، فبفضل نور هدايته صلى الله عليه وسلَّم، وبفضل تفاني أصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم في اقتفاء آثاره عليه السلام في كل شيء، تبدَّلت الأرضُ من فساد إلى صلاح، والأمة من ذل وهوان، إلى عزّ وسلطان، على ما شَرَحتُه في مقدمة تبيين كذب المفتري» لابن عساكر.
واتباع هديه صلى الله عليه وسلَّم لا يكون إلا بعد معرفة شمائله وسيرته، صلوات الله وسلامه عليه، الغارسة حبَّه في النفوس؛ ولذا ألف سلف الأمة وخَلَفُهم آثاراً خالدة في ذلك، تتداولها الأمة جيلاً بعد جيل.
ومن أمتع ما ألف في ذلك كتاب «الشمائل المحمدية» للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَورَة الترمذي رضي الله عنه، وقد أجاد فيه كل الإجادة: عَرَضَ شمائله عليه الصلاة والسلام بأسانيد ساقها، وقد ضمنت كتب الرجال التحدث رواة تلك الأخبار، وكذلك الشروح ما بين مُوفٌ ومقتصر.
وحيث إن لأهل كلِّ زمن شأناً خاصاً في التخاطب وفهم وتفهيم ما يُلْقَى إليهم: أراد الأستاذ البارعُ الصفي النقي السيد محمود سامي بك تيسير إقبال أهل هذا العصر على تفهم ما في كتاب «الشمائل»، فعُني عنايةً خاصةً بعرض كتاب «الشمائل المحمدية للترمذي على أهل هذا الزمن في أجمل نظام وأبدع تنسيق، مشكولاً كامل الشكل، ومضبوطاً تمام الضبط، مع شرح ما يحتاج إلى الشرح، من ألفاظ المتن بأسلوب يَسْتَعْذِبُه المطالعون ويجعل معانيها تتسابق إلى أفهامهم بكلِّ
الجزء 1 · صفحة 8
سهولة، فتجذب شمائله المعروضة عليه الصلاة والسلام في هذا الأسلوب البديع قلوب مطالعي الكتاب، فينغرس في نفوسهم حبُّه صلوات الله وسلامه عليه، فينهضون لترسم سيرته واتباع سنته، وهديه حتى يَعْتَلي شأنهم ويستعيدوا مجد الأجداد من كل ناحية ويحوزوا السعادتين.
والأستاذ المؤلفُ لم يُهمل في الشرح أمرَ الرجال، بل ضبط أسماءهم، وترجم لهم بما فيه كفاية وأشار إلى أقوال أهل النقد فيهم فشفى وكفى، وأفاد وأجاد. والله سبحانه وتعالى يكافتُه على هذا العمل المفيد، ويوفقه لنشر كثير من أمثال هذا الكتاب النافع، كما وفقه فيما سبق من تأليف كثير من المؤلفات المتداولة بأيدي المستفيدين. وهو من أصحاب صديقنا المرحوم الأستاذ العارف بالله العالم الرباني الشيخ عبد الخالق الشبراوي المتوفى يوم السبت 26 من ذي القعدة سنة 1366هـ قدس الله سره ــ وكان بيني وبينه صداقة قديمة وكنتُ كتبتُ له «البحوث السنية في بعض رجال الخلوتية» على اقتراحه رحمه الله.
وكلُّ مَن صَحِبه بإخلاص نال بركاتِ توجيه أستاذه المشار إليه على قدر اغترافه من بحر، فيضه قدس الله سره فنرى الأستاذ المؤلف ببركة هذا التوجيه يسعى بكل ما له من حَوْلٍ وطَوْلٍ في جمع القلوب واستنهاض النفوس إلى حب حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، واقتفاء، آثاره علماً منه أنه لا نهوض للأمة إلا بذلك.
ولشهرةِ ما حَوَى كتاب «الشمائل» من الأبواب والفصول وصنوف البحوث لم أرَ حاجةً إلى سردها هنا ولا سيما أن الكتاب أمام نظرِ القارىء الكريم. وقد سمع كتاب «الشمائل» من مصنفه الترمذي أمثالُ أبي سعيد الهيثم بن كليب
الجزء 1 · صفحة 9
الشاشي، وأبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، وأبي ذر محمد بن إبراهيم الترمذي. وقد ساق المحدثُ الشيخ عبد القادر بن خليل المعروف بكدِك زاده خطيب الحرم النبوي ـ زاده الله شرفاً ـ في «ثَبَته» المسمى «المُطْرِبُ المُعْرِبُ الجامع لأسانيد أهل المشرق والمغرب أسانيده في «الشمائل» إلى الترمذي بطرق شتى عن مشايخه المسندين ما بين مشارقة ومغاربة.
وأروي هذا الثَّبَتَ مكاتبةً عن مسندِ العصر المحدث المعمر الشيخ الحسين بن علي العمري القاضي المتوفى ثاني شوال سنة 1361هـ، عن محمد بن أحمد السياغي، عن الحسن بن أحمد الرباعي، عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، عن مؤلّف الثبت المذكور، بأسانيده فيه.
وأما سماعاً: فقد تلقيتُ كتاب «الشمائل» من المحدّث الكبير السيد محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة 1345هـ، عن المسند علي بن ظاهر الوتري الحنفي، عن المحدث عبد الغني الدهلوي الحنفي، عن المحدث الفقيه محمد عابد السندي الحنفي، عن يوسف بن محمد علاء الدين المزجاجي الحنفي، عن والده، عن المحدث المسند الشيخ عبد الله بن سالم البصري الشافعي صاحب «الثَّبَت» المشهور، عن محمد بن علاء الدين البابلي الشافعي، عن النور علي الزيادي، عن الشهاب أحمد الرملي، عن الزين زكريا الأنصاري، عن عبد الرحيم بن الفرات، عن ابن أميلةَ: عمر بن الحسن المراغي، عن الفَحْر ابن البخاري، عن عمر بن طبرزد، عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي سهل الكُرُوخي، عن القاضي أبي عامر محمود بن القاسم عن عبد الجبار بن محمد المروزي الجراحي، عن محمد بن أحمد المحبوبي المروزي، عن مؤلّف «الشمائل» الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي رضي الله عنه أجمعين، ونفعنا ببركات علومهم.
الجزء 1 · صفحة 10
ولصاحب هذا «المختصر» النافع الأستاذ محمود سامي بك أن يروي كتاب «الشمائل» للترمذي بتلك الأسانيد عني حيثُ أجزته بذلك إجازة خاص الخاص في خاص، على أن يُراعي الشرط من التثبت والضبط خروجاً من خلاف ابن خَيْر المعروف.
وألاحظ أن جميع بن عُمير في حديث ابن أبي هالة صوابه «جميع بن عُمر» كما في «الميزان» و «تهذيب التهذيب فيكون عُمَير وعَمْرو هنا من وهم الرواة. وكذلك الرجل التميمي هو يزيد بن عُمَر: لا عَمْرو ولا عُميرة، ويقول عنه العقيلي:
لا يتابعه عليه إلا مَنْ هو دونه أو مثله، وقال البخاري عن يزيد هذا فيه نظر، ويقول العجلي عن جميع بن عمر لا بأس به، وهو بمعنى التوثيق، فيكون ابن حبان لم ينفرد بتوثيقه. والله أعلم.
خاتمة:
وإنا نشكر الأستاذ المؤلّف على قيامه بهذا العمل النافع، داعين له بالتوفيق لتأليف كثير من أمثاله الكتب الممتعة، كما نتمنى لأصحاب مطبعة مصر التسديد في المضي على نشر الكتب النافعة على السيرة الأولى والمهيع الأسنى، والله سبحانه ولي الإجابة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
في ?? ذي الحجة سنة 1367هـ
محمد زاهد الكوثري