الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الفرق بين الفرق
وبيان الفرقة الناجية منهم
للإمام الكبير حجة المتكلمين
أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي
المتوفى سنة 429 هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الفرق بين الفرق ومؤلفه
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وبعد:
فإن علم أحوال الفرق والنحل من العلوم التي عني بها علماء هذه الأمة، علما منهم بأن من اطلع على تاريخ الفرق ووجوه تشعبها، وكيفية تفرع بعضها من بعض ازداد بصيرة في أمر دينه وتصونا في عقيدته وعلما بأطوار الفكر البشري في باب الاعتقاد، ولا يحصى عدد ما ألف في ذلك من الكتب، ومن أشهرها كتاب الفرق بين (الفرق) للإمام عبد القاهر البغدادي.
قد سبق أن نشر هذا الكتاب بمعرفة بعض أهل الفضل عن نسخة سقيمة لم تصرف عناية كافية لتصحيحها وإصلاح أغلاطها وملء خرومها من مظانها، ولذا ضاق صدر الملطعين متشوفين إلى تدارك ذلك، وقد أحضر إلى الأخ الأستاذ الأديب السيد عزة العطار الحسيني (1) أصولا من هذا الكتاب، وطلب مني أن أسرح طرفي فيها لإصلاح الخلل وملء الخروم، ففعلت بقدر ما تيسر.
و المؤلف شديد الصولة على المخالفين، كما هو شأن حراس العقيدة والحراسة غير التأريخ المجرد، لكن تعويله في عزو الآراء إلى الفرق على كتب الخصوم يوقع في أخطاء. ولو اقتصر في العزو على ما وجده في كتب أهل الفرق أنفسهم لكان أحوط وأقوم حجة، لأن الخصم قد يعزو إلى خصمه ما لم يفه به من الآراء مما يعده لازم قولهم، في حين أنه ليس بلازم قولهم لزوما بينا، فلا يصح
الجزء 1 · صفحة 7
إلزامهم به، ولا سيما عند تصريحهم بالتبري من ذلك اللازم.
وقد توسعت في بيان الحالة العامة عند البعثة النبوية ونشأة أصول الفرق في مقدمتنا على تبيين كذب المفتري في الذب عن الأشعري لابن عساکر،، وفي مقدمتنا على السيف الصقيل للتقي السبكي، وفيما كتبناه في صدر التبصير) في الدين لأبي المظفر الإسفرايني، فلا نعيد هنا ما سبق منا بسطه في تلك المواضع.
الكلام في الأحاديث الواردة على افتراق الأمة:
و لا أرى بأسا في إعاجة الكلام هنا في أحاديث وردت في افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة منها ما لا نص فيه على الهالك منها، ومنها: ما فيه بيان أن واحدة منها ناجية والباقين هلكي ومنها ما يعدهم كلهم ناجين سوى واحدة هي الزنادقة، وقد اختلف أهل العلم في ثبوت تلك الأحاديث وعدم ثبوتها كلا أو بعضا، كما اختلفوا في المراد بالعدد المأثور، وفي الأمة هل هي أمة الدعوة، أم أمة الإجابة؟ فمنهم من يقول: إن العدد لمجرد التكثير، كما في قوله تعالى: [في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا على ما أوضحه الشهاب المرجاني فيما كتبه على (العضدية)؛ أو إن العدد هنا لا مفهوم له، فلا مانع من الزيادة على العدد المأثور، وإن لم يجز النقص، أو إن اقصد إلى أصول الفرق دون فروعها، كما أشار إلى هذا وذاك فخر الدين الرازي في كتابه في (الملل والنحل) وإن سعى في توهين الحديث في (تفسيره).
ومنهم طائفة تكلفوا حصر العدد في فرق خاصة، لكن قلما تجدهم يتفقون في الفرق التي يملأون بها العدد المذكور.
والأجدر بالقبول - عند من يرى صحة الحديث - أن لا يتقدم بالحكم
الجزء 1 · صفحة 8
على مراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه بدون حجة ظاهرة، بل المتحتم أن نقول: إن الناجي هو من كان على ما عليه الصحابة رضي الله عنهم والسواد الأعظم من التمسك بما ثبت من الدين بالضرورة، وإن الباقين على ضلال.
إلا أن تشعب الفرق لا ينتهي إلى انتهاء تاريخ البشر، فلا يصح قصر العدد على فرق دون فرق ولا على قرن دون قرن، لاستمرار ابتكار أهواء، وتلفيق آراء مدة دوام الحياة البشرية في هذا العالم، فالكلام في الفرق كلها من غير تقيد بعدد هو الأبعد عن التحكم، وهو الذي لا يكون مدعاة لهزء الهازتين.
و رأي ابن حزم في حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة هو ما ذكره في كتاب الإيمان من (الفصل) حيث قال: (ذكروا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن القدرية والمرجنة مجوس هذه الأمة وحديثا آخر تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار حاشي واحدة). قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس بحجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به. اهـ. وفي المعتقد خاصة.
وقال ابن الوزير اليماني في (العواصم والقواصم: إياك أن تغتر بزيادة كلها في النار إلا واحدة فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من الملاحدة، وقد قال ابن حزم بأن هذا الحديث لا يصح ا اه.
وقال الشمس محمد: بن أحمد البشاري المقدسي في (أحسن التقاسيم) بعد أن عدد الفرق وذکر حديث اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار) وحديث اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية هذا أشهر والأول أصح إسنادا. ا هـ.
ومن الغريب أن ابن حزم يستدل في (إحكامه) على بطلان القياس
الجزء 1 · صفحة 9
بحديث نعيم بن حماد تفترق أمني على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم مع سقوط هذا الحديث من وجوه عند جماعة أهل العلم بالحديث من المشارقة بل المغاربة، وقد سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث؟ فقال: ليس له أصل فقيل له: فنعيم بن حماد قال نععيم ثقة. فقيل: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شبه له، قد أطال الخطيب الكلام في هذا الحديث في (تاريخه) (13:307 والكلام فيه معروف.
وهنا لا يتوقف ابن حزم في الحكم بعدم الصحة على حديث أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارير على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة بدون زيادة ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وفي رواية لأبي داود والحاكم بتلك الزيادة، ولعل ذلك من جهة وجود محمد بن عمرو الليثي بين رواته، وهو ممن أخرج له الشيخان في المتابعات فقط،، ومثله لا يحتج بحديثه إذا لم يتابع ويقول الحاكم في (المستدرك) بعد أن أخرج الحديث: هذا من شرط مسلم، ويقول الذهبي مستدركا عليه محمد بن عمرو لم يحتج به منفردا، ولكن مقرونا بغيره.
وأما ما ورد بمعناه في ابن ماجه، والبيهقي وغيرهما ففي بعض أسانيده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وفي بعضها: كثير بن عبد وفي بعضها: عباد بن يوسف وراشد بن سعد، وفي بعضها الوليد بن مسلم وفي بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث، ومن (تخريج الحافظ الزيلعي لأحاديث الكشاف وهو أوسع من تكلم في طرق هذا الحديث فيما أعلم. وابن حزم لا يرى جبر الضعيف بتعدد الطرق. وأما حديث: (كلها في الجنة إلا (الزنادقة فأخرجه
الجزء 1 · صفحة 10
صاحب مسند الفردوس بسنده وسكت عليه ابن حجر في (زهر الفردوس) وسعى العجلوني في التوفيق بين الحديثين بحمل أحدهما على الابتداء، والآخر على الانتهاء.
وأما حديث: (إن القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة في كلام ابن حزم ففي سنده عند الطبراني هارون من موسى الفروي، وأما حديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) عند أبي داود ففي سنده جعفر بن الحارث ورده ابن الجوزي في (الموضوعات وتعقبه السيوطي، وأما حديث: (صنفان من أمتي ليس لهما من الإسلام نصيب المرجئة والقدرية) عند الترمذي ففي سنده علي بن نزار بن حيان وأبوه. وأما لعن الفريقين على لسان سبعين نبيا: ففي سنده عند الطبراني في (الأوسط) محمد بن الفضل بن عطية، وهو متروك الحديث، كذبه غير واحد، راجع رجال تلك الأحاديث في (ميزان) (الاعتدال وفي هذا القدر كفاية من الكلام عن الأحاديث الواردة في ذلك.
اسم المؤلف، وشيوخه، وأقوال المؤرخين فيه:
وأما مؤلف الكتاب فهو الإمام الكبير الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي البغدادي، قال التاج ابن السبكي: إمام عظيم القدر، جليل المحل، اشتهر اسمه وبعد صيته، وحمل عنه العلم أكثر أهل خراسان، سمع أبا عمرو بن نجيد وأبا عمرو محمد بن جعفر بن مطر، وأبا بكر الإسماعيلي، وأبا بكر بن عدي، وغيرهم. ا هـ.
وقال عبد الغافر الفارسي: هو الأستاذ الإمام الكامل ذو الفنون الفقيه الأصولي، الأديب الشاعر النحوي، الماهر في علم الحساب، ورد نيسابور مع أبيه
الجزء 1 · صفحة 11
أبي عبد الله طاهر، وكان ذا مال وثروة ومروءة، وأنفق ماله على أهل العلم والحديث حتى افتقر، وأربى على أقرانه في الفنون، ودرس في سبعة عشر نوعا من العلوم، وكان قد درس على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني) وأقعد بعده للإملاء مكانه، وأملى سنين، واختلف إليه الأئمة، وقرأوا عليه مثل ناصر المروزي وأبي القاسم القشيري وغيرهما، وخرج من نيسابور في أيام التركمانية وفتنتهم إلى إسفراين فمات بها. اهـ.
وقال الفخر الرازي في (الرياض) المونقه كان يسير في الرد على المخالفين الآجال في الآمال، وكانت علومه علم الحساب، والمقدار، والكلام، والفقه والفرائض وأصول الفقه ولو لم يكن له إلا كتاب (التكملة) في الحساب لكفاه. اهـ. وقال الرازي أيضا في مناظرته مع أهل ما وراء النهر في المسألة العاشرة عند ذكره لكتاب الملل والنحل للشهرستاني: إنه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه، إلا أنه غير معتمد عليه، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى ب الفرق بين الفرق من تصانيف الأستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه ثم إن الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب، فلهذا السبب وقع الخلل في نقل هذه المذاهب. اهـ.
وفي ذلك بعض غلو، لكن لم يكن عزو الآراء إلى الفرق من نفسه، بل من مصادر غير جديرة بالتعويل وقد سبق منا أن التعويل في ذلك على نقول الخصوم كثيرا ما يوقع المرء في أخطاء، وطريق التصون من ذلك: الاقتصار على ما يوجد في كتب المردود عليهم.
الجزء 1 · صفحة 12
فالاعتماد على مثل ابن الراوندي مثلا في الرد على المعتزلة: خطر غير مأمون العواقب وقلة الإلمام بالتاريخ تحمل المرء على تصديق كل ما يراه في خصومه، مما لا يصدقه التاريخ ووقع في مثل ذلك في مناقشاته في الفقه، وردوده على أهل الفقه، لهذا السبب نفسه. ومع ذلك خدماته مشكورة في الرد على أهل الزيغ وردوده وجيهة وسهامه مصيبة في المقتل على تقدير ثبوت تلك الآراء من الخصوم، كما رآه في مصادر عول عليها وإن لم يثبت فلا ضير من ذلك على من لم يقل بتلك الآراء، فإذا وجد في زمن ما من يقول بها فالسهام تصيبه في المقتل، وعلى كل حال ففي ذلك جودة التدريب على طرق الردود الناجحة.
مؤلفاته ووفاته:
له مؤلفات كثيرة، ذكر ابن السبكي كثيرا منها، ومن أنفعها كتاب (الملل والنحل) وهو من محفوظات مكتبة الأوقاف ببغداد وكتاب (أصول الدين) المعروف عند أهل العلم ب التبصرة (البغدادية تمييزا لها من التبصرة) (النسفية المسماة تبصرة) (الأدلة لأبي المعين النسفي، وقد طبع كتابه هذا في الآستاة طبعا أنيقا.
وقد قال صهر المؤلف وتلميذه الناسج على منواله الإمام أبو المظفر الإسفراييني في (التبصير) ولو لم يكن لأهل السنة والجماعة من صنف لهم في جميع العلوم على الخصوص والعموم إلا من كان فرد، زمانه وواحد أقرانه في معارفه وعلومه وكثرة الغرر في تصانيفه، وهو الإمام أبو منصور البغدادي قدس الله روحه لكفاهم فخرا، لأنه ما من علم من العلوم إلا وله فيه تصانيف بل لو لم يكن له من التصانيف إلا كتاب (الملل) و (النحل في أصول الدين لكفى ذلك،
الجزء 1 · صفحة 13
وهو كتاب لا يكاد يسع في خاطر بشر أنه يتمكن من مثله، لكثرة ما فيه من فنون علمه؛ وتصانيفه في الكلام والفقه والحديث والمقدرات التي هي أم الدقائق تخرج عن الحصر، ولم يسبق إلى مثل كتبه في هذه الأنواع، مع حسن عبارته وعذوبة، بيانه ولطافة كلامه في جميع كتبه. ا هـ.
توفي رحمه الله في إسفراين سنة تسع وعشرين وأربعمائة. قال ابن عساكر في (التبيين) واتفق أهل العلم على دفنه بجنب أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المتكلم الإسفراييني، فقبراهما متجاوران تجاور تلاصق كأنهما نجمان جمعهما مطلع وكوكبان ضمهما برج مرتفع. اهـ. وكان أبو منصور البغدادي تخرج في علم أصول الدين على الطريقة الأشعرية على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني هذا المتوفى سنة 411 هـ، وهو تخرج في ذلك على الإمام أبي الحسن الباهلي المتوفى سنة 370هـ، كما في عيون التاريخ وهو تخرج في علم أصول الدين على الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله تعالى عن الجميع وتغمدهم برضوانه وشملهم، بغفرانه، ونفعنا بعلومهم. آمين.
محمد زاهد الكوثري