الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة
رضي الله عنه
تاليف
الشيخ الإمام العلامة سراج الدين أبي حفص عمر الغزنوي الحنفي
المتوفى (ت773هـ).
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن هذا الكتاب النافع ومؤلفه البارع
الحمد لله الذي فقه في الدين مَنْ أراد به خيراً، ووفقه لخدمة شرعه الأغرّ سِراً وجهراً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الذين لا يَعْصُون له أمراً.
أما بعد:
فإن الفقه الإسلامي تراثُ فاخر لهذه الأمة، تستغني به عن الأحكام الوضعية، في إصلاح شؤونهم الدينية والدنيوية ومن أعرض عنه ومال إلى أوضاع الناس في تقويم الأود، وانتظر منها المدد، فهو في سبيل القضاء على العِزَّة الإسلامية بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، فتكون عاقبة أمرِه وَضعَ رقاب المسلمين تحت نير المستعبدين واندماجهم في أمة، لا تَرْعَى لهذه الأمة إلا ولا ذمةً.
ومنا جزيل الشكر لأئمة الفقه المتبوعين رضي الله عنهم أجمعين، على تَنَاصُرِهم في استنباط الأحكام العملية، من الكتاب الكريم والسنة النبوية، حيثُ مهدوا قواعد الاستنباط والفهم، وملأوا العالم بدواوينهم في العلم، وخلفهم فقهاء أصفياء، يسيرون على مَهْيَعِهم الرشيد، ومنهجهم السديد، فخلدوا كتباً
الجزء 1 · صفحة 7
فاخرة، وعلوماً زاخرة، مشكورين في الدنيا والآخرة.
ثم أخذ التنافس مَجْرَاه، وبدأ المغالِبُون يَتيهون في كل مَتَاءٍ، إلى أن وَصَلَ الأمر إلى حد التحزب والتعصب، وتحري وجوه التغلب، فألف مؤلفون يَغْلِب عليهم الجدل، كتباً ورسائل في المفاضلة بين الأئمة على دَخَل، وترجيح بعض المذاهب على بعضها في غير، اتزان بل بنوع من العدوان، غير منتبهين إلى أن ذلك الشيطان، وانبرى آخرون للذب والانتصار، فالتوسل في ذلك بالأكاذيب الملفّقَة، شأن الفَسَقة الأغرار.
وأما المقارنة بين المسائل، والمقارعةُ بالدلائل فأمر نافع يُنَمِّي مَلَكة الفقه عند المحصلين، ويدرِّجُهم على مدارج التفقه في الدين، فالفائدة في ذلك مؤكدة لأهل التحصيل، بشرط أن لا يَخْرُجَ المصاوِلُ أو المناضِلُ عن جادة الصواب في النظر والتدليل، والأئمة وأنصارهم الأصفياء بُرَءَاءُ من أن يُوصَموا بشيء من ذلك وإنْ قلَّ بينهم من لا يُخطىء بعض إخطاء.
وقد ألف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني - شيخ أبي الحسين القُدُوري ـ كتاباً في ترجيح، مذهبه، وقام أبو منصور عبد القاهر البغدادي بنقضه في كتاب خاص بنى على مشربه، ومع جَلالة قَدْرِ هذين العالمين لم يتمكَّنا من المضي: سبيل العدل في الأخذ والرد، حتى قال ابن الصلاح فيهما بحق: «وكلُّ واحدٍ منهما ادعاء ما ليس له والتشنيع بما لا يُوبَه به، مع وهم كثير أَتَيَاه».
لم يَخْلُ كلامه وغاية ما يُعتذر لهما أنهما كانا قَصِيري المدى في معرفة صحة الرواية في بحوثهما، مع بالغ حبّ كلِّ واحد منهما لمذهبه الخاص، والحبُّ يُعْمِي ويُصِمُّ.
الجزء 1 · صفحة 8
ثم أتى القَفَّالُ المَرْوَزِيُّ - شيخُ والد ابنِ الجُوَيني - وزاد في الطين بلة، ثم جَرَى ابنُ الجويني على منهجه في «مغيث الخلق» في عهد شبابه، وتابعه الغزالي في «منخوله في مبدأ نشأته جَدَلياً عنيفاً، إلى أن اعتدلَ عند تأليفه لـ «إحياء العلوم». وقد رد على الغزالي شمس الأئمة الكردري محمد بن عبد الستار في كتاب «الرد على الطاعن المعثار والانتصار لإمام أئمة الأمصار» وقسا عليه وإن أجاد في البحث معه في المسائل وتثبيت الدلائل.
كما ردَّ على ابن الجُوَيني والغزالي - في جملة مَنْ ردَّ عليهما - عماد الإسلام مسعود بن شيبة السندي في مقدمة كتاب «التعليم» له، وهي من محفوظات مكتبة الجزائر بالمغرب، ومكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة ومكتبة لاللي بالآستانة، ومكتبة الأستاذ أحمد خيري بروضة خيري باشا بدسونس بمصر.
ويظهر أن الإمام فخر الدين الرازي لم يطلع على كتب الدفاع، فألف كتاب مناقب الإمام الشافعي رضي الله عنه وحَشَاه بأكاذيب عن كَذَبَةٍ معروفين، جهلاً منه بأحوال هؤلاء، ومضى فيه على ما توارثه من أمثال القفال المروزي، وابن الجويني، والغزالي، من الذين عُرفوا بقلة البضاعة في علوم الرواية، وإن كان بعضهم في علوم الجدل آية.
كما ألف باسم الأمير العالم بهاء الدين حاكم باميان المتوفى سنة 602هـ «الطريقة البهائية» باللغة الفارسية؛ يتحدث فيها عن نحو مائة وسبعين مسألة فرعية للحنفية، خالفهم فيها الشافعية فناصر الرازي أهلَ مذهبه فيها بأدلة سَرَدَها، وأنظارٍ بَسَطَها هناك تدليلاً على أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أحق بالاتباع دون مذهب أبي حنيفة، لمناقضته لتلك الأدلة.
الجزء 1 · صفحة 9
لكن فاته أن الخطأ في بعض المسائل - على تقدير التسليم - لا يُوجِبُ أن يكون باقي المسائل خطأ منبوذاً، لأن الاستدلال بالجزئي على الكلِّي ليس من مَنْطِق النُّفَّار، فكيف والخطأ في تلك المسائل غير مسلَّم.
وقد اختط الرازي لنفسه في «تفسيره» خِطَّة الردّ على أبي حنيفة في كل خطوة، لكن تعقبه الألوسي في «تفسيره» رداً عليه في كل مرحلة.
ثم إن الإمام فخر الدين له فضل جسيم في قَمْع المجسمة في هَرَاةَ وما والاها، بتحقيقاته ومؤلفاته في التنزيه، كما أن له همةً مشكورةً بتأليف «أساس التقديس» وبعثه به إلى الملك الأشرف الأيوبي بالشام وكان له أَثَرٌ حميدٌ في وقف الحشوية هناك عند حدهم.
وله آثار خالدة في علم التوحيد ومناصرة مذهب الأشعري في المعتقد، إلا أن له انفراداتٍ غير مرضيةٍ عند الآخرين وإن تابعه بعض متأخري الأشاعرة فيها، بكَوْنِ العبدِ مجبوراً في صورة مختار على طبق ما ذكره ابن سينا في التعليقات»، وليس هذا من مذهب الأشعري في شيء، وكادعاء أن صفات الله ممكنات في ذاتها وواجبات بالغير، وكقوله في تهوين أمرِ القول بقدم العالم على مذهب الفلاسفة في المطالب العالية».
فإذا كان له أغلاط في العلم الذي أفنى فيه عُمُره فلا يُستغرب أن يغلط في علوم عرف بقلة البضاعة فيها، بل كُتبه في الفلسفة لقيت انتقاداً مريراً من فلاسفة الإسلام.
قال الشمسُ الشَّهْرَزُوريُّ ذلك الحكيم الإشراقي في «نزهة الأرواح»: «وله مؤلفات في أكثر العلوم إلا أنه لا يُذْكَر في زمرة الحكماء المحققين، ولا يعد في
الجزء 1 · صفحة 10
الرعيل الأول من المدققين أَوْرَدَ على الحكماء شُكوكاً كثيرةً وسيبها، وما قَدَرَ أن يتخلَّصَ منها، وأكثر مَنْ جاء بعده ضلَّ بسببها، وما قَدَرَ على التخلص منها، وبعضُهم زاد عليها أيضاً. ووجه صعوبة حلّها عدم فهمهم مقاصد الحكماء الأقدمين، وبناء البحوث على تقرير قواعد المشائين التي هي عند حكماء الكشف والذوق متزلزلة الأركان، واهية البنيان».
تَرَاه يُحاول إبطال الجزء الذي لا يتجزأ ببراهينَ يَسْرُدُها في كتابٍ له، ثم تراه يحاول إثباته ببراهين أخرى في كتاب له، آخر، وربما يخالفُ المتكلمين والفلاسفة في آنٍ واحد، كما فعل في العلم بالنتيجة، حيثُ ادعى لزومه للعلم بالمقدمتين لزوماً عقلياً، لا بطريق الإعداد كما هو عند الفلاسفة ولا بطريق، التوليد، كما هو عند المعتزلة، ولا بطريق السببية العادية، كما هو عند أهل السنة وظاهره وجوب العلم بالنتيجة بخلق الله سبحانه، فيؤدي إلى وجوب شيء على الله، على خلاف معتقد أهل الحق.
والتملص من ذلك باعتبار أن الملزوم هنا غيرُ واجب حتى يلزم وجوب لازمه عنده، لأن الوجوب مع الإرادة: لا ينافي اختيار المختار وقدرته، بل يحققه، فَخَلْقُ اللَّهِ علم العبد بالمقدمتين: يكون عن اختيار منه تعالى لخلقه، وكسب العبدِ ذلك العلم يكون أيضاً عن كسب منه باختياره، فليس بواجب على الله أن يخلق ذلك العلم، بل إذا شاء خَلَقه، وإذا شاء لم يخلقه، وكذا ليس بواجب على العبد كسبه، بل إذا شاء كسبه بإذنه تعالى، وإذا شاء تركه بإذنه، فيكون العلم بالنتيجة المترتب على العلم بالمقدمتين اختيارياً مثله، باعتبار تمكن المختار قبل اختياره من أن لا يختار ذلك العلم، وهذا ظاهر.
الجزء 1 · صفحة 11
ونال ابن كثير من الرازي نيلاً لا يبرره الواقع، انخداعاً منه بما كانت الكرامية يُذيعون عنه بحملاته عليهم، وَوَجَد ذلك هوى في نفس ابن كثير - تلميذ ابن تيمية في المعتقد - فأساء القولَ فيه.
ومنزلته لدى ملوك خُوَارَزْم وملوك الدولة الغورية والباميانية مبسوطة في موضعه.
تُوفّي يوم الاثنين غُرَّةَ شوال سنة 606 عن 63 سنة، رضي الله عنه. وقد نال ثروة هائلة بتزويج ابنيه لبنتي طبيب، كما في تاريخ ابن خلكان، وأَحَدُ ابنيه انخرط في سلك الجيش الخوارزمي في عهد محمد بن تكش، وابنه الآخر بقي واعظاً غير كبير الشأن في العلم وابنه محمد الذي كان الرازي يؤلف باسمه الكتب توفي وهو في ريعان الشباب، ونَفْي ابنِ حَجَر في «المجمع المؤسس» أن يكون للرازي وَلَدٌ ذَكَرٌ:
هَفْوَةً باردة.
والمذهب الذي كان الرازي يَحرِصُ عليه كلَّ الحرص لم تُحافظ عليه ذريَّته، بل تحنفوا، ونَبَغَ فيهم أفاضل في الدولتين السلجوقية والعثمانية، فالجمال محمد الأقسرائي شارح «الإيضاح» و «الموجز»، ومصنفك: علي بن محمد صاحب المؤلفات الكثيرة منذ صغره: منها «شرح أصول البزدوي، وعلي بن أحمد علاء الدين الجمالي شيخ الإسلام المعروف بزنبيللي علي أفندي في الدولة العثمانية وأنسالهم: كلُّهم حنفيون، ولهم مؤلفات معروفة في المذهب، ولعل الفخر سامحهم على انتقالهم من المذهب المرضي عنده، بل لا غضاضة في ذلك، لأن إمامه نفسه كان جُلَّ تفقهه على محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، رضي الله عنهم
الجزء 1 · صفحة 12
أجمعين.
وقد طلب الأمير العالم صرغتمش الناصري المصري، من السراج عمر بن إسحاقَ الغَزْنَوي الهندي، قاضي القضاة بمصر، المتوفى بها سنة 773هـ المترجم له في طبقات التميمي أن يُترجم الطريقة البهائية للرازي إلى اللغة العربية، مع ذكر حُجَج تنقُضُ حُجَج الأصل آثاراً كانت أو أنظاراً، فألف السراج الهندي «الغُرَّة المنيفة» في مناصرة أبي حنيفة في تلك المسائل، فأصبح التوفيق حليفه في هذه المكافحة العلمية، البديعة لسعة دائرة السراج الغَزنوي علماً بالآثار، وطُرُقِ النظر، و اختلاف المذاهب، وأدلة الفقه على اختلاف المشارب، ولتفرغه لعلم الأصول والفروع، وأدلة الأحكام، مع ذكاء بالغ ودقة في الفهم، وغَوص في حقائق العلم. وأما الفخر فكانت مواهبه توزّعت على شتى العلوم، وقد صَرَفَ جُلَّ عمره إلى علوم الفلسفة والكلام ونحو ذلك، واشتغاله بالفقه على مذهبه قليل، فضلاً عن باقي المذاهب، ولا شأن له في نقد الحديث، ومعرفة الرجال، والتاريخ، واختلاف الفقهاء، ومثله يكون قليل الإصابة في مسائل الخلاف إذا خاص فيها، بخلاف السراج الغزنوي، فإن له مؤلفاتٍ كثيرةً في الفقه وأصوله على المذاهب، فضلاً عن مذهبه.
#
(?) كان أميراً عالماً يُدِرُّ كلَّ خير على العلماء، ليتفرغوا لخدمة العلم، كما فعل مع الكاكي، والأتقاني، والمؤلف، وغيرهم، وإن كان لا يقع هذا موضعَ الرضى عند عُصْبة التعصب. سامحهم الله تعالى. (ز).
(?) ونسخة الأصفية في حيدر آباد الدكن بلفظ «الغُرَر المنيفة» (ز).
الجزء 1 · صفحة 13
ومن الدليل على سَعَة علمه بأحاديث الأحكام شرحاه على «الهداية»، وقد ملاهما حُجَجاً وآثاراً، وشروحه على «الجامع الكبير» و «المختار» و «الزيادات» و «الهداية»: شروحٌ نافعة للغاية، كما أن شروحه على «البديع»، و «المغني»، و «المنار» في الأصول كذلك، وكتابه في الفروع المسمى بـ «الشامل» على طبق اسمه، و «زُبدة الأحكام في مذاهب الأئمة الأعلام» تُعطي صورةً صادقةً عن اختلاف الأئمة الأربعة في أبواب الفقه.
وطريقته في هذا الكتاب في غاية الجمال والكمال، لا تَرَاه يَنْزَلقُ في مزالق الإساءة في القول، مهما استفزّه، مناظره، وهذا دليل على استبحاره في العلم، وأدبه الجم في المناظرة التي لا يُراد منها إلا تبيين الصواب من الخطأ في هدوء ورِفْق؛ يَسْرُدُ حُجَج الرازي باستيفاء، ثم يَكُرُّ عليها بالرد، قارعاً الآثار بالآثار، والأنظار بالأنظار، فتكون فائدة المتفقه من ذلك كثيرةً، حيثُ يتدرب على طرق الأخذ والرد في مسائل اعتركت فيها آراء النظار، وليس الخَبَرُ كالمعاينة.
ومنا عظيم الشكر باسم العلم لسيادة الأستاذ البحاثة المتحري العالم الوجيه السَّرِي، السيد الحاج أحمد خيري بك الموقر حفظه الله، فإنه ظفر بكتاب «الغُرَّة المنيفة في مناصرة أبي حنيفة في مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، فاستنسخه، في عداد الكتب التي وقع اختياره عليها، واستنسخها لأجل خزانته العامرة على حسابه الخاص، ثم قام بتصحيح الكتاب أتمَّ قيام، لسُقم النسخة المنقول عنها، ولم يدع فيه غلطةً ولا تصحيفاً ولا تحريفاً ولا إسقاطاً ولا مخالفةً للرسم إلا ردها إلى صوابها، وتولى الإنفاق على طبعها في عداد سلسلة مطبوعات أحمد خيري ولم يترك لي ما أُصْلِحُه سوي أشياء يسيرة، وله الأجرُ الموفورُ عند الله سبحانه على هذا الاهتمام البالغ في تصحيح الكتاب وعلى هذا الإنفاق بسعة في
الجزء 1 · صفحة 14
نشره وطبعه، وهكذا يكون الشكر على نعم الله حقاً.
فأدعو الله سبحانه أن يُطيل بقاء الأستاذ المفضال في خير وعافية، موفّقاً في تخير الكتب النافعة ونشرها في عداد سلسلة مطبوعاته وأن يرزقه أضعاف أضعاف ما يُنفقه في هذا السبيل، وأن يبارك له في جميع شؤونه، إنه سميع مجيب؟
في ?? ربيع الأول سنة 1370هـ.
محمد زاهد الكوثري