الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر (ططر)
للعلامة محمود بن أحمد المعروف بالبدر العيني
المتوفى سنة 855 هـ
رحمه الله
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن هذا الكتاب
الحمد لله، وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، وكل من تابع نور هداه.
وبعد:
فإن الإمام العلامة المحدث الفقيه المؤرّخ الشيخ محمود بن أحمد المعروف بالبدر العيني، المتوفى سنة 855هـ عن ثلاث وتسعين من علماء مصر الأفذاذ، المكثرين من التأليف في العربية والفقه والحديث والتاريخ، وسائر العلوم.
فشَرحه على «الهداية» من أمتع شروحها، وشرحه على «صحيح البخاري» من أوسع ما كتب في شرح هذا الكتاب، وشرحاه على «معاني الآثار» للطحاوي من أحسن ما أُلْفَ في أحاديث الأحكام، وتاريخه الكبير المسمى «عِقْدَ الجُمان في تاريخ الزمان» من أفيدِ ما بَرَزَ للوجود في التاريخ العام من تراجم وأنباء؛ وهو في أربعة وعشرين مجلداً، وتاريخه الأوسط في ثمانية مجلدات، وتاريخه الصغير في مجلدين، ومختصره لتاريخ دمشق لابن عساكر في عشرة مجلدات، وشواهده الكبرى» لا يستغني عنها باحث في شواهد العربية.
وله فضل عظيم على تاريخ مصر حيث سجل أنباء مصر في تاريخه الكبير،
الجزء 1 · صفحة 7
وكَتَبَ آثاراً خاصة في سِير بعض ملوكها الذين عاصرهم كالظاهر برقوق، والمؤيد شيخ، والظاهر طَطَر، والأشْرَفِ بَرْسْبَاي، فأنار كثيراً من نواحي حياتهم الشخصية والسياسية، وأربعتهم من الجراكسة.
فـ «السيف المهند في سيرة الملك المؤيد: شيخ» من محفوظات دار الكتب المصرية، و «الرَّوْضُ الزاهر في سيرة الملك الظاهر طَطَر» مما صوره قسم الثقافة من الجامعة العربية في عداد الكتب المتخيّرة التي صورها من شتى الأقطار، مما يُوجِبُ الشكر الجزيل لهم باسم العلم.
والحديث عن الجَرْكَس طويلُ الذُّيْل، وقد اتفقت كلمة علماء السلالات البشرية في العصور الحديثة على أنهم من أصفَى نموذج للجنس الأبيض القوقاسي المعروف عند الجغرافيين والنسابة، وقد توسع الأستاذ جُرجي زيدان الكاتب المشهور في بيان دائرة شمول الجنس الأبيض القوقاسي وتنقلهم في القارات في كتابه الخاص بالسلالات البشرية ومع ذلك كله لم يَخْلُ نَسَبُ الجركس) من خلاف، ولذا قلتُ في «نبراس المهتدي» ص ? عند التحدث عن نسبة «جركسي»:
نسبةً إلى جركس» وهو من الجنس الأبيض القوقاسي، ويعده الغربيون من الآريين، وقد أطال الكلامَ الجنرال عزّت باشا في مؤلّف خاص في التدليل على أن الجركس من بقايا الحيثيين، ويراهم ابن خلدون والبدر العيني من شعوب الترك؛ يريدان أنهم من الجنس الأبيض المستترك، لأنه تحقق عند الباحثين أن الترك فريقان: فريق التركِ من الأصفر المغولي، وفريق الترك المستترك من الجنس الأبيض، كالعرب المُسْتَعْرِبة إزاءَ العرب العاربة، ففي المجالس السلطانية الغورية» و «تاريخ» ابن إياس ذِكْرُ أنهم من الغَسَاسِنة، وفي «قهر الوجوه العابسة
الجزء 1 · صفحة 8
بذكر نَسَب الجراكسة» (?) أنهم من بني عامر من قريش، والله أعلم. على أن الناسَ سَوَاسِيةٌ لا تَفاضُلَ بينهم إلا بالتقوى». اهـ.
ونُزوح بقايا الغساسنة إلى جبل الجركس بين بَحْرَيْ الخَزَر والأسود (بنطس) في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه مما نصَّ عليه كثير من المؤرخين، كما أن رحيل نحو مائة ألف شخص من العرب في عهد الدولة الأموية إلى جبل القوقاس وسكناهم هناك مما سجله أصحاب كتب الفتوح، ولم يكن الذين نزحوا إلى بلاد العرب من القوقاس في العصر السابق بأكثر من الذين كانوا انتقلوا من هنا إلى تلك الديار في العصور الأول، والله حكمة بالغة في كل ما قَضَى وأَبْرَم.
وقد ذكر الأستاذ حسام الدين الأماسي في تاريخ أماسيه» (47/2) ما ترجمته: أن آتيغ خان ابن كمير خان - من سُلالة الحيثيين حكام الأناضول ـ تزوج بالسيدة ـ جير غاس - أختِ آييق خان ابن كون خان ابن أوغوز خان ـ وأولادهما هم الجراكسة؛ فسُمُّوا: الجركس بتخفيف جيرغاس، وسُمُّوا أيضاً: آتيغه واديغه بالنسبة إلى آتيغ خان وقيل في تعريب آديغة: اذكش». اهـ.
وهذا التخريج في عهدة الأستاذ الأماسي.
وفي «دائرة المعارف» للأستاذ فريد وجدي (??/?): «الجَرْكس: جيل من الناس يسكنون حَوَالَي جبال القوقاس (?) ... وهم معدودون أكمل بني آدم خلقةً، وأحسنهم وجوهاً، وأشجعهم قلباً، وأشدهم للشدائد مقاومة».
ومن المعروف أن «تُرْكُمان» (?) بمعنى شبيه الترك، وهم الآريون الذين اندمجوا في الترك الذين هم فُطْسُ الأنوف، صغارُ العيون، ووجوهُهُم كالمَجَانَّ الْمُطْرَقَةِ - كما ورد في الحديث ـ بخلاف الآريين، وقد نصَّ الأستاذ زكي وليدي
الجزء 1 · صفحة 9
المغولي في «تاريخ آسيا الوسطى» أن الآسَ والسُّعْد والطَّخَارِيِّين والتراكمة والهَياطِلة من البيض الذين نزحوا من الغرب إلى شرق بحر الخَزَر، فاندمجوا في بني قومه المغول والطَّطَر، فيكون هؤلاء من البيض المُسْتَتركين، لا من المغول والطَّطَر الذين كانوا احتكروا اسم الترك في ذلك الزمن والله أعلم. واسم (طَطَر) في كتاب الرَّوْض الزاهر في سيرة الملك الظاهر طَطَر» اسم هذا الملك، لا أنه من جنس الطَّطَر، كما يظهر من الكتاب نفسه، وكان من عادة الجراكسة كباقي الأقوام الشمالية تسمية الوليد باسم أول طارق عند ولادته، فسُمِّيَ طَطَر حيث طَرَق طَطَري عند ولادته، وكذلك أَيبُكَ» ـ بفتحتين فضم وسكون بمعنى القبيح الممتلىء، و «حَبُكْ» - بفتح فضم وسكون ـ بمعنى الكلب الممتلىء، ونحوهما من الأعلام.
فالمعِزُّ أَيَبُكْ التَّرْكُماني لم يكن تُركماني الجنس، بل كان تركمانياً ولاء فقط، حيث كان من موالي آل رسول التَّراكمة، وعده رومياً عند بعض مؤرخي الغرب سهو من كون سَمِيه عز الدين أيبك الأمير رومياً، وهو لم يتولَّ الملك وإنما كان أميراً فقط، كما يظهر من ترجمته في كتب الثقات، فيكون تلقيبُ الدولة البحرية بالدولة التركمانية خطاً صُرَاحاً جملةً وتفصيلاً.
#
(?) بمعنى جبل الأس، وهو الحد الفاصل بين آسيا وأوروبا. (ز).
(?) راجع تاريخ أبي الفداء عند ذكره للتركمان. (ز).
الجزء 1 · صفحة 10
وقد قال صاحب قطف الزهور»: إن أيبك أول ملوك الجراكسة، وإن بيبرس (?) البندقداري من أشهر ملوكهم، ومثله في تاريخ الكافي»، وذكر البدر العيني في هذا الكتاب أن الجاشنكير ولاجين أيضاً منهم. وأما اهتمام قلاوون بالجراكسة وتخصيصهم بالتعليم في طباق القلعة فأمر معروف، وهو نفسه من قبيلة برج من قبيلة وبخ الجركسية فإليها كانت نسبة المماليك البرجية لا إلى أبراج القلعة، كما تُوُهم؛ لأنها مكان الحراسة لا مكان الدراسة.
وقولُ برقوق فيما كتبه إلى تيمور في صُبح الأعشى» (???/?): وجِنْسُنا جركس جنس ملوك الإسلام السالفين خُدَّام الحرمين الشريفين»: صريح في أن قبله ملوكاً من الجَرْكس، وإن لم يكن كونُ الملكِ جركسياً شرطاً في توليه الملك قبل عهد بَرْقُوق. والإفاضة في ذلك تُخرجنا عن الإيجاز المطلوب هنا
#
(1) ولم يكن تأسيس بنيان الأزهر في عهد العبيديين على التقوى، بل ليكون دار دعوة إلى الباطنية والإلحاد حتى اتخذوه محلاً لاستنزال اللعنات على خيار الصحابة ـ رضي الله عنهم وقبح مبغضيهم - ثم تُرِك مهملاً لا تُقام فيه الجمعة والجماعات قرناً كاملاً إلى أن جدده بيبرس، وحمل رجاله الأبرار على المشاطرة في إحيائه حتى أصبحَ مَنار الهدى ومَعْقِل السنة، والباعث الأوحد لزعامة مصر على العالم الإسلامي، تتوالى عناية ملوكِ أهل الحقِّ بتعهده وإدرار الخيرات عليه، فقام ينشر العلوم على أتم وجه على توالي القرون ودام فخراً خالداً إلى اليوم، صانه الله عن الفتن وأسباب الردى، وأدامه مناراً للهدى (ز).
الجزء 1 · صفحة 11
وعَدُّ هؤلاء من الأتراك أو القَبْجَق: لا يُنافي كونهم من الجراكسة، لأن الترك يعمهم عند مؤرخي العرب، والقَبْجَق مساكنهم في جبال وغياض وراء دربند شروان، على ما ذكره ابنُ شيخ الربوة في «نخبة الدهر» فيفيد القبجقي معنى القوقاسي على هذا البيان، على أن القبج والقبق من أسماء جبل القوقاس اختصاراً من القبجق، بحذف القاف الثانية مرةً، وحذف الجيم مرة أخرى، وقال عمرو بن سراقة الباهلي:
وألحمنا الجبال جبال قبج ... وجاور دورَهم منا ديار
كما ذكره ياقوت في معجم البلدان عند ذكر باب الأبواب، يريد جبال القوقاس، وقال البحتري:
مُغلق بابه على جبل القَبْ ... ـق إلى دارتي خلاط ومكس
يريد أيضاً جبل القوقاس.
وأما تسمية صحراء الغُزّ الواسعة الأرجاء في آسيا الوسطى باسم صحراء قوفشاخ فتسمية محدثةٌ (?) بعد استيلاء آل جنكيز على القوقاس وتلك المروج في شماله إلى النهرين: وُونجا ودون بين البحرين: الخَزر والأزرق، حيثُ أسسوا عاصمةً ملكهم في ضفة وُولجا قريباً من مَصَبِّه في بحر الخزر بمرحلتين، وهي المعروفة بسراي باتو.
وكان ما بين النهرين والبحرين إلى السفوح الشمالية من القوقاس يسمى بدشت قبجق، قبل استيلاء المغول على تلك الجهات، وقفجاق موضع في كاشغر وقوفشاج في آسيا الوسطى، لا صلة لها بقبجق القوقاس، كما تجد تفصيل ذلك في ترجمة تاريخ القوقاس» للأستاذ المرحوم عبد الحميد غالب بك ص 66.
الجزء 1 · صفحة 12
والنصوص التاريخية المتعلقة بتلك المباحث ربما تُنشر في مدةٍ غير بعيدة بإذن الله تعالى، خدمةً للحقيقة والتاريخ، والله سبحانه هو الموفق؟
في 27 من جمادى الأولى سنة 1370هـ
محمد زاهد الكوثري
#
(?) نصَّ على حدوث تلك التسمية بعد استيلاء المغول البروفسور بارتولد في محاضراته عن آسيا الوسطى في جامعة الأستانة. (ز).