الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الثمرة البهية فى الصحابة البدرية
تأليف
شيخ الإسلام العلامة الأكبر شيخ الجامع الأزهر صاحب
المؤلفات المشهورة والمناقب المأثورة بقية السلف
وعمدة الخلف الشيخ محمد بن سالم الحفي
المتوفى سنة 1181هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
غزوة بدر الكبرى
ونتف من تَفَاني الصحابة في مناصرة الحق
إن الله سبحانه اصطفى فخر رُسُلِه محمداً صلوات الله وسلامه عليه من صفوة الصفوة من المصطفين الأخيار، واصطفى له خير أمةٍ يَفْدُونه بمهجهم، ويَتَفانَون في إنفاذ ما رسمه لهم من الخطط الرشيدة المؤصلة إلى السعادتين، يرون الموت في سبيله حياة، ويتسابقون في فداء كلِّ مرتخص وغال في إعلاء كلمة الله سبحانه.
وأنتَ تَرَى أصحابه حينما يستشيرهم - وهم في قلة ـ في التوجه إلى حرب المشركين - وهم في كثرة - يقولون: «لو استعرضت بنا هذا البحرَ فَخُضْتَه لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تَلْقَى بنا عدونا غداً، إنا لَصُبر في الحرب، صُدُق في اللقاء، لعل الله يُريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فسير بنا على بركة الله تعالى وأين هذا مما قال قوم موسى الموسى عليه السلام: اذهَبْ أَنتَ ورَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا ها هنا قاعدون؟!
وقد اكتفت كتب السير والمغازي بصنوفِ تضحية الصحابة في نشر الدين، والدعوة إلى الفضيلة، مستسهلين كل صعب في هذا السبيل، حتى عم نور
الجزء 1 · صفحة 7
الإسلام بقاع الأرض، وعَزَّ الإسلام، وعَزَّ بعِزّه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عزاً لا يُلحق. وأين هذا أيضاً من قوم عيسى عليه السلام الذين قصارى عملهم التلبسُ بدينه في السر؟
ولا بأس أن نذكرها هنا بعض نُتَفٍ من تفاني الصحابة وأحوالهم بقدرما يتسع له المقام، لما في ذلك من عِبَر.
وها هو حبيب بن عدي رضي الله عنه يوجّه في سَرِيَّة إلى جهة، فيظفر به العدو ويُوقِفُه على المِشْنَقَة ويقول له: أتحبُّ أن يكونَ محمد مكانك؟ فيقول: «لا والله ما أحبُّ أن يَفْدِيني بشوكة في قدمه!» وهو القائل:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جَنْبِ كان في الله مَصْرَعي ويُبعث عبد الله بن جحش رضي الله عنه وتحت إمرته سرية عدد رجالها أقل من عَشَرة إلى ناحية ـ قبيل غزوة بدر - ويُكتب له كتاب فيأمره النبي صلى الله عليه وسلَّم أن لا ينظُرَ فيه حتى يسير يومين، فيسير يومين ثم يفتحه فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة ــ بين مكة والطائف ـ فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم.
فلما نظر في الكتاب قال: سمعاً وطاعة وأخبر أصحابه بما في الكتاب وقال: قد نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فَلْيَرجِع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى معه أصحابه ولم يتخلف منهم أحد، ولم يبالوا بخطورة القيام بتلك المهمة في تلك الأيام.
وبعد أن أبلى عبد الله بن جحش هذا في غزوة بدر بلاء حسناً حضر في
الجزء 1 · صفحة 8
غزوة أخرى وقال: «اللهم لقني عدواً قوياً أبارزه، فيقطع أنفي وأُذُني ويمثل بي لألقاك هكذا وأقول: فُعِلَ هذا بي في سبيلك فأمن لدعائه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المعروفُ بأنه مجاب الدعوة - وفاءً لوعده - فلقي ابن جحش ما تمناه في ذلك اليوم.
ومعاذ بن عَفْراء ذلك الشاب الأنصاري رضي الله عنه، بعد أن فصل قدمَ أبي جهل من منتصف ساقه بسيفه أدركه ابن أبي جهل فضرب بسيفه على عاتقه فطرح يده، فبقيت متعلّقةً بجلدةٍ من جنبه فمنعه ذلك من الإجهاز على أبي جهل ساعتئذ، ثم قاتل عامةَ يومه وهو يسحبها خلفه، فلما آذته وَضَع قدمه عليها ثم تمطى عليها حتى طَرَحها!! وما هذا الصبر إلا في سبيل الله! وكم للصحابة رضوان الله أجمعين من مواقف حميدة في سبيل إحقاق الحقِّ، وإبطال الباطل سُجلت في السنة وكتب الرجال والسير.
ومن تلك المواقف الشريفة: غزوة بدر الكبرى بها أظهر الله تعالى الدين، وقهر المشركين، وقد خلد الله سبحانه ذكرى هذا الموقف الحميد في سورة الأنفال، وعَدَّ يوم التقى الجمعان: يوم الفرقان حتى أصبح فضل هؤلاء المجاهدين في ذلك اليوم تحت راية المصطفى صلى الله عليه وسلَّم فضلاً لم ينله الأولون والآخرون.
ولما سار المصطفى صلى الله عليه وسلَّم يقصد بدراً بعد مقدمات يطول شرحها ومعه ما يزيد على ثلاثمائة رجل من الصحابة رضي عنهم. معهم نحو سبعين جملاً يتعاقبون عليها ركوباً، كلُّ ثلاثة يتعاقبون على جَمَل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلَّم كأحدهم في الركوب والمشي، ويقول له عليه السلام زميلاه
الجزء 1 · صفحة 9
في ركوب الجمل حينما يأتي دور مشيه صلى الله عليه وسلَّم: اركب حتى نمشي عنك، عليه السلام: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما».
وقد أظهر أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم بدر من البسالة في الدفاع عن المصطفى صلى الله عليه وسلَّم في العريش، والجلد في حراسته من كل أذى ما دعا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن يقول: أشجع الناس أبو بكر، فوالله لساعة من أبي بكر خير من مِلْء الأرض من مؤمن آل فرعون ذاك رجل كتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه، فكان معه في العريش كما كان معه في الغار. كما في مسند البزار». وهذا شهادة في حقه من أسد الله الغالب الذي أطار بسيفه الباتر رؤوس صناديد الشرك في ذلك اليوم العصيب فأعز الله به الإسلام.
وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم في العريش يناشد الله سبحانه ويقول: اللهم إنْ تَهلِك هذه العصابة، لا تُعبد في الأرض، اللهم أَنْجِز لي ما وعدتني»، ولم يزلْ كذلك حتى سقط، رداؤه فوضعه أبو بكر عليه وخَفَق رسول الله ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله».
ثم لما أخذ الجيشان يتزاحفان خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش حتى من يحرض الناس على القتال، ويدنو من العدو والصحابة وراءه، وأخذ حَفْنَةً الحصباء ورمى بها الأعداء، وقال: «شاهت الوجوه».
وقال لأصحابه: «شُدُّوا عليهم فحملوا عليهم حملة صادقة يمدهم الملائكة تمت هزيمة الأعداء. وكانت الوقعة صبيحةَ الجمعةِ لسبعَ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وتم النصر في منتصف النهار
الجزء 1 · صفحة 10
من ذلك اليوم، حيثُ صَدق الله سبحانه وعده، ونصر عبده، وأمست رؤوس الكفر صَرْعى لا ولي لهم ولا ناصر، على كثرتهم كثرةً تزيد على ثلاثة أضعاف المسلمين.
قال الله تعالى: (إذ تستغيثون ربَّكم فاستجاب لكم أني يُمدكم بألف من الملائكةِ مُرْدِفين. وما جَعَلَه الله إلا بُشرى، وَلِتَطْمَئِنَّ به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم).
وأما العدد المذكورُ في سورة آل عمران من الثلاثة الآلاف، والخمسة الآلاف: فلا دليل على إنزاله في نص الكتاب يوم بدر، ولا على عدم إنزاله، كما يقول ابن جرير، فصار مثار خلاف من غير حجّة ظاهرة. فالعدد الأول مقرون بالاستفهام الاستنكاري، فلا يدلُّ على الوقوع، والعدد الثاني مشروط بشرطين لم يتحقق أحدهما جزماً فتعين أن الإمداد يوم بدرٍ بألف من الملائكة، بهذا الوعد الكريم تم إنزالُ الطمأنينة في قلوب المجاهدين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، حتى تم بهذا المدد نصر الله.
وكم لعمر الفاروق رضي الله عنه من جَوْلاتٍ وصولاتٍ في ذلك اليوم العصيب، وكان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أطار رأس الأسود بن عبد الأسود العريق في الشرك، ورأس مسعود بن أبي أمية الخبيث أيضاً، كما قضى الزبير رضي الله عنه على عبيدة بن سعيد بن العاص.
ومن جملة من قتله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في ذلك اليوم: نوفل بن خويلد، وعُمير بن عثمان وعبد الله بن المنذر المخزومي، والعاص بن منبه، وأبو العاص بن قيس، والنضر بن الحارث، وعُقبة بن أبي معيط، وغيرهم من
الجزء 1 · صفحة 11
خُبثاء المشركين.
وكان من حطّ بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه قتل مؤذيه على إسلامه بمكة أميةَ بنِ خَلَف. وكان من نصيب ابن مسعود رضي الله عنه احتزاز رأس أبي جهل بسيفه وبه رَمَقٌ بعد أن قطع ذلك الشاب الأنصاري قدمه من ساقه، وكان الملعون يقول لابن مسعود أثناء احتزازه لرأسه: لقد ارتقيتَ مُرْتَقَى صعباً يا رُوَيْعي الغنم، بلغ محمداً أني عدوه الألد. وهكذا قضى الله على صناديد المشركين بأيدي المجاهدين، فانتصر القليل على الكثير، فقُتِل من المشركين نحو سبعين كلُّهم رؤوس في الشرك، وأُسرَ منهم أيضاً نحو ذلك، ومات الباقون معنى بانهزامهم شر هزيمة ولم يستشهد من المسلمين في ذلك اليوم إلا نحو أربعةَ عشرَ صحابياً.
ومن يَغَارُ على ما حلَّ بالإسلام ويعزم عزماً صادقاً على إنهاض الأمة من كبوتها لا يجد إلى ذلك من سبيل إلا باقتفاء أثر رجال الصدر الأول، وبترسم خططهم في إعزاز الدين وإنهاض همم الخامدين فإذا عرفنا سيرهم وتابعناهم في السير على مناهجهم، في غرس الفضيلة في النفوس، وإنعاش القوى الخامدة بتقوية الغيرة الإسلامية في العروق نتمكن من استعادة مجد الإسلام، وعزّ المسلمين روح بعد أن أمسينا بحالةٍ يشمتُ بها العدو، ويبكي أسى عليها الصديق، ومن لا يُقر بالداء لا يَسْعَى في الدواء.
فيجب أن نعترف بمرضنا ونسعى في الدواء، ولا دواء إلا اقتفاء أثر سلفنا الذين كانوا في غاية العزة وتمام السعادة، واستمر ذلك في المسلمين ما دام الإيمان يخالط بشاشة قلوبهم، وشرع الله يمازجُ أرواحهم ومدد الفضيلة يسري بغزارة في
الجزء 1 · صفحة 12
عروقهم، مُتَفَانين في الصالح العام دون المصالح الشخصية، مؤثرين لا مستأثرين، ولم يكن مصدر عزّ هؤلاء غير قوتهم، ولا كان مبعثُ قوتهم سوى إخائهم الروحي في سبيل إنفاذ أحكام الإسلام، وإنعاش القلوب بروح الإسلام.
وليس بخاف أن المسلمين لما بدأوا يركضون وراء النفع المادي، نابذين المعالي والروحيات وراء ظهورهم، وأخذوا في التدهور الخُلُقي حتى لم يبقَ من الإسلام غيرُ اسمه، ومن شرع الله سوى رسمه بأسباب يعرفُها الذين عُنُوا بمعرفتها: انقلب الإخاء بين المسلمين إلى عداء، وعزهم إلى ذُلّ.
فعلى النفوس الأبية أن يَسْعَوْا: في استعادةِ مجدِ المسلمين، باقتفاء أثر المجاهدين الأولين في القيام بالواجب، متآخين متكاتفين، وفي الاطلاع على سيرهم المدونة في كتب المغازي والسِّير، وكتب الرجال، وكتب التفسير والحديث ما يغذّي الأرواح، ويقوي العزائم، ويستنهض الهمم.
وهذا الكتاب الصغير في أهل بدر تأليف العلامة الكبير، الأستاذ الأكبر، شيخ الجامع الأزهر، الصوفي العارف بالله، المقبل بكليته إلى الله الشيخ محمد بن سالم الحفني رحمه الله، فيه استيفاءُ ذِكْرِ عددِ الغُزَاة في غزوة بدر الكبرى: من المهاجرين والأنصار، مع ضبط أسمائهم، وسَرْدِ بعض نُتَفٍ من مناقبهم. ومعرفة ما في هذا الجزء الصغير من أحوالهم تدعو المطالع الكريم إلى الاستزادة من المصادر الكبيرة التي أشرنا إليها. والله ولي المزيد لمن يستزيد؟
محمد زاهد الكوثري