الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية
من {سنة 1883 الى سنة 1946}
تأليف
زكي محمد مجاهد
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
تصدير الكتاب
بالكلمة القيمة التي تفضل بكتابتها، وتكرم بتحريرها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً؛ حفظه الله وأبقاه، وأدام عزه وعلاه
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن كتاب
الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية تأليف الأستاذ: زكي محمد مجاهد حفظه الله
الأمة الناهضة تقدر رجالها أحياءً، وأمواتاً فلا تهمل تراجمهم بعد وفاتهم: عرفاناً لجميلهم، وإسداء إليهم ما يستحقونه من حُسن الأحدوثة على أعمالهم،
وحضاً للأحياء على اتخاذ هؤلاء أسوةً حسنةً في خِدمة الأمة من شتى النواحي.
بل دراسة تراجم رجال كل أمة في كل عصر، حق الدراسة، هي: المرآة الصادقة في تحديد مركز تلك الأمة في ذلك العصر: نهوضاً، وحموداً، وتدهوراً. ففي تراجم الرجال: تتمثل حضارة الأمة وثقافتها، وتقدمها وتأخرها. فإذن: هي معيار صادق العيار، يرجو الصادقون في خدمة الأمة إنصافها لهم، ويخافُ
الجزء 1 · صفحة 7
المقصرون حكمها عليهم. فإذا لم يُترجم لهؤلاء وهؤلاء: تَضيع مواضع الأسوة الحسنة وسوء الأحدوثة من التاريخ، فيصبحُ الخادم والهادم على حد سواء.
ومنذ عهد الجبرتي، ليس بين أيدي الباحثين كُتب تشفي غُلَّة الباحثين في التراجم ولو بقدر ما عَمِله هو، مع ذيوع الطباعة والنشر على أتم وجه.
ولعل كثرة وسائل النشر هي التي حالت دون العناية بتأليف كتاب جامع مانع في التراجم كما يجب، حيثُ رأى أرباب الأقلام ذِكْرَ تراجم مشاهير الرجال من كل فريق، في الصحف السيارة، وفي المجلات، فَرَأَوْا جَمعَ التراجم في صعيد واحد قليل الجدوى!. وهم غالطون في ذلك كل الغلط، لأن تَرْكَ الأمر إلى الجرائد والمجلات (التي تَطْوِي على غرها، بعد انقضاء أيامها تَرْكُ للتراجم في تجاهل لا يُمكنُ للباحث ارتيادها إلا بجهد جهيد وليس بالأمر الهين تقليب صفحات جرائد ومجلات لا تُحصى، لأجل الظفر بترجمة رجل يُراد ترجمته.
فلا بدَّ من جمع التراجم في صعيد واحد ليسهل الإلمام بحالات الأمة: السياسية والاجتماعية والأدبية والمدنية، ليصيب الباحث في الحكم على كل شعب من شعوب عصره بالنهوض أو الهبوط عن علم بمراتب رجاله في الثقافة والرجولة، والقيام بالواجب وعن اقتناع في الحكم متجرداً عن كل هوى وشَنَآن. وأما التراجم الموصى عليها: فتكون - في الغالب ـ عبارة عن رص مدائح، بالإغضاء عن قبائح، بعيدةً عن الحقيقة، فوجودها مع عدمها سواء.
فالقائم بتراجم أناس قد انطوت صفحات حياتهم، وفاتهم إمكانُ الدفاع عن أنفسهم، لدخولهم في ذمة التاريخ يكون نائباً عنهم في إنصافهم، بدون استرسال في مدح أو قدح يبعد عن الاتجاه الأسمى في تدوين التاريخ. والمؤرخ
الجزء 1 · صفحة 8
ملزم بحكاية الواقع كما هو من غير أن يسعى في إبراز السيئة بمظهر الحسنة، أو بخس حق الجميل، بحمله على غَرَض غير مقبول. ومَثَلُ من يفعل ذلك: كمثل مصوّر يرسم الهرم المتهدم في صورة الشاب القوي البنية، أو يصوِّر القبيحة الشوهاء كأنها غادة حسناء، لهوى في نفسه، وإنما المطلوب في التاريخ: تسجيل الحقيقة. ومَنْ فَعَلَ خلاف هذا يكون مجرماً أثيماً أمام الأمة، حيثُ حاول تَعْمِيةَ طُرُقِ الوصول إلى الحقائق.
فمن الواجب على الأمم الناهضة: أن لا يُهملوا تراجم رجالهم، بل عليهم أن يعنوا بتراجمهم عناية خاصة، مع بيان ما لهم وما عليهم بكل صدق، لا عن هوى، لاتخاذ أرباب الكمال منهم - من أي عنصر كانوا قدوة في القيام بالواجب والنهوض، مع استنكارِ صُنع المتقاعسين منهم عن أداء الواجب، إيصالاً لموضع العبر من أحوالهم إلى الخلف.
والقيام بتأليف كتاب جامع مانع في تراجم الرجال هكذا: من أصعب الأمور، إلا على مَنْ سهَّل الله له طرق السداد.
وصناعة الكتب: مَتجَرُ رابح ربحاً مُزْدَوِجاً، يمد بالمال والعلم في آنٍ بيع واحد، إذا طال أمد اشتغال المرء بهذه الصناعة الشريفة، وعَرَفَ انتهاز الفرص عند مطالعته الكتب، في جمع ما تفرق في بطونها - من شتى الفوائد ـ في صعيد واحد. فيخلد لنفسه بذلك ذكراً جميلاً في عداد المؤلّفين. وكم لنا، من أصحاب المؤلفات، بين الوراقين الكتبيين.
وها هو صديقنا الشاب النشيط، الأستاذ الأديب، السيد زكي محمد مجاهد، صاحب (مكتبة مجاهد بالصنادقية بالأزهر الشريف، شَعَر بذلك الفراغ الملموس
الجزء 1 · صفحة 9
في تراجم رجال الشرق في هذا العصر، فَعَزَم على تأليف كتاب مستوف في هذا الباب، متوكلاً على الله سبحانه، وأَخَذَ ـ طول اشتغاله بصناعة بيع الكتب - يقلب صفحات الكتب والرسائل والمجاميع والمجلات والجرائد، ويتتبع نصوص تلك المصادر في تراجم أعيان المائة الرابعة عشرة الهجرية من وفيات سنة 1301هـ إلى وفيات سنة 1365هـ): بصبر عظيم ومثابرة دائمة. حتى تمكن من جمع هذا الأثر الخالد، فأجاد وأفاد. وفقه الله سبحانه لموالاة هذا العمل في باقي السنين.
وقد جعل كتابه على فصول وأقسام: (القسم الأول): في الملوك والأمراء.
(والثاني): في الوزراء والسفراء. (والثالث): في زعماء الحركة القومية. (والرابع): في أعلام الجيش البري والبحري. (والخامس: في علماء الإسلام
(والسادس) في القضاة والمحامين.
(والسابع): في طوائف الصوفية. (والثامن): في مشاهير النحل غير الإسلامية. (والتاسع): في الأدباء (الكتاب والشعراء).
(والعاشر: في المؤرّخين والرَّحَالة. (والحادي عشر): في رجال الصحافة.
(والثاني عشر: في الأطباء. (والثالث عشر: في رجال المال والأعمال.
والرابع عشر: في الفنانين.
(والخامس عشر): في صنوف مختلفة.
والقسم الأخير في النساء.
وفي الآخر: فهرس شامل لجميع الأقسام.
الجزء 1 · صفحة 10
والذي أراه: أن هذا الكتاب أجمع كتاب ظهر للوجود في تراجم الشرقيين، في تلك المدة، فنشكر مؤلّفه الأديب على هذا العمل النافع، وندعو له بالتوفيق والتسديد.
وهذا الكتاب خاص بتراجم أعيان القرن الرابع عشر الهجري، كـ «حِلْيَة البَشر»، في القرن الثالث عشر؛ لعبد الرزاق البيطار، و «سلك الدرر»، للقرن الثاني عشر للمُرَادي؛ و «خلاصة الأثر» للقرن الحادي عشر؛ للمُحِبي؛ و «الكواكب السائرة للمائة العاشرة للنجم الغَزّي؛ والضوء اللامع للقرن التاسع؛ للسخاوي؛ والدرر الكامنة» للمائة الثامنة لابن حجر. إلى غير ذلك من الكتب التي لا تُحصى.
وقد تابع الأستاذ المؤلّف في هذا الكتاب مصادره في النصوص، من غير تصرف منه في التراجم والمحافظة على النصوص من أهم الأمور في التاريخ
وقد ذَكَر عَقِب كلِّ ترجمة مصادر تلك الترجمة: من كتب ورسائل ومجاميع، وجرائد ومجلات. وهذا يُبرىء ذمته من النقد، لردّه الأمر إلى مصدره؛ فإن كان خطأ وقع في الاستنتاج، أو التخريج، أو البيان: فذلك عائد إلى مصدره المذكور عقب كلِّ ترجمة. وإلى القارىء الكريم: المقارنة بين الروايات عند اختلافها.
والشخصيات السياسية قد تُصْطَنعُ لها هالاتُ فَخر أو مآخذ، بحسب أهواء الأحباب والأضداد؛ والمحاكمة بينها إلى بصيرة الباحثِ، والكتابُ يَتْبَعُ مصدره؛ لكن التحفظ من كلام من يبدو عليه الغَرَضُ هو المتحتم.
ثم الأحداث المتصلة بشتى الجهات، لا تَتَّضحُ الحقيقة فيها قبل دراسة
الجزء 1 · صفحة 11
جميع ما عند تلك الجهات من الآراء في تلك الأحداث وهذه الدراسة ربما لا تتيسر في ظروف خاصة، فيكون إبقاء مثل تلك المسائل تحت النظر أقرب إلى الصواب قبل البت بعاطفة مجردة فيها.
وذِكْرُ جنسيَّاتِ المترجم لهم مهم من ناحية التاريخ، وإغفال ذلك يكون تقصيراً، ووصف كلِّ مُسْتَقدَم للتجنيد: «بأنه مملوكُ فلان» تعجُلٌ مَعِيبٌ عند من يَعلَم طُرُقَ استخدام المجندين في ذلك العهد والمؤلّف ـ حفظه الله ـ كثيراً ما يذكر في تراجم الرجال أجناسهم وقد لا يذكرها أو يتردد في جنسيتهم تبعاً للمصادر. فما نقله من «الفصول»، تَحْضُ فُضول، لتضافُرِ الوثائق على ضد ما فيها، ولو راجع المؤلف حكم مصر في السودان للأستاذ أحمد شكري بك! لوجد هناك جنسيات كثير من المترجمين.
ولا يُسْتَغْرَبُ أن يقعَ لبعض الشخصيات ترجمتان فيه ـ وهما لشخص واحد ـــ تبعاً لمصادره التي ليست على درجة واحدة في البحث، وتوخي الحقيقة، والبعد عن الغَرَضِ، ويطولُ بنا الكلام لو ضربنا لكلِّ ذلك مثلاً.
وصفوة القول: أن الأستاذ زكي مجاهد خَدَم الشرق الإسلامي خدمة عظيمة بهذا التأليف النافع، حيثُ ترجم فيه لمشاهير رجال الدول العربية، والدولة التركية، والأفغانية، وغيرها من الأقطار الإسلامية، حتى أصبح به خالداً ذِكْرُه، واجباً شُكْرُه.
وما به قلم بعض مصادره - في بعض المواضع ـ ممكن الاستدراك في الآثار التي ينشرها فيما بعد، فأرجو له الذيوع، والنفع، والتوفيق؟
في 29 من شوال سنة 1367هـ محمد زاهد الكوثري