الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
تأليف حجة الأدب المنتصب للدفاع عن أهل الحديث
الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة
الكاتب الدينوري
المتوفى سنة 276هـ
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
نظرة في الكتاب
كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة مما خبأه الدهر عن أعين كثير من المشغوفين بآثار الأقدمين من زمن بعيد، وقد انتظم الآن بتوفيق الله في سلك المطبوعات، فأصبح بمتناول كرام القراء، وهو من أواخر مؤلفات الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الفارسي الكاتب المشهور يهم المتأدب ومن يُعنى بتاريخ تطورات العلوم، كما يهم المتكلم والفقيه والمحدث.
فالمتأدب يجد ابن قتيبة لا يأنف في كتابه هذا أن يعيد بعض جمل سبق تدوينها في كتاب آخر له بنصها وفصها، فيستنتج من ذلك أنه كان في غاية من التروي في تخير ألفاظ يعرب بها عن معان لم يتعجل في تنسيقها بمراعاة أدق الملاحظات في التأثير على السامع، وبعد هذا التأنق يعز عليه أن يعدل عن هذه القوالب المتخيرة إذا لزمت إفادة تلك المعاني المفرغة فيها ثاني مرة، بخلاف الجاحظ وغيره من أصحاب الأقلام السيالة في عهده.
ومن يعنى بتاريخ العلوم يغتبط به كحلقة مفقودة من حلقات سلسلة وثائق التتبع القهقري يظفر بها الباحث فيجد فيها ما ينير كثيرا من النواحي
الجزء 1 · صفحة 7
المظلمة في وجوه تعرف ارتباط تلك الحلقات بعضها ببعض، وما يكشف النقاب عن كثير مما يستعصي وجه التعليل فيه من غرائب شؤون تتعلق بتاريخ العلوم.
و أما المتكلم الذي يرى ابن قتيبة هجاما ولوجا فيما لا يحسنه كراميا مشبها بالنظر إلى كتابه تأويل مختلف الحديث) وسائر مؤلفاته المستفيضة منه، ناصبيا غير متثبت في نقل ما شجر بين الصحابة، منحرفا عن أهل بيت النبوة رضي الله نظرا إلى كتاب (الإمامة والسياسة) المعزو إليه من قديم الدهر، إلى غير ذلك مما هو مثبوت في كتب خاصة: يلفيه قد رجع إلى الصواب في كثير من المسائل، ولطف لهجته في جملة منها بالقياس إلى سابق مصنفاته، مرتدعا برادع الزمن حيث شاهد في عصره من التطورات الشائنة ما يحمله على هذا الاعتدال، فيحكم فيه بالنظر إلى خواتم أعماله.
وأما الفقيه فيعتبر بما يذكره المصنف في هذا الكتاب في شأن الرأي، وإمام أهل الرأي بأسلوب يؤذن بارتجاعه عن التجاهل بمقادير أهل الفقه في الدين، منزجرا عما استرسل فيه من المسايرة لسذج الرواة، كما فعل في تأويل مختلف الحديث الذي كان يألفه بإيعاز منهم، وضمنه ما يعز علينا أن يصدر من مثله من النيل من أئمة الرأي وفقهاء الملة والتخبط في علم أصول الدين بما هو حجة عليه، مسجلة مدى الدهر وشية مشوهة لوجه حسناته، كما هو مبسوط في رفع الريبة عن تخبطات ابن قتيبة (1) في (تأويل مختلف الحديث) عفا الله عما سلف!.
# (1) اسم مؤلف من مؤلفات المصنف رحمه الله كان ألفه أول هجرته إلى مصر، وأفادنا هنا أنه تتبع ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) فقط، لا في كتبه عامة.
الجزء 1 · صفحة 8
ولا علينا أن نلم هنا بسبب تحامله على أبي حنيفة سابقا، قبل رجوعه إلى الاعتدال، وهو تشبع بيئته بالانحراف عنه وقتئذ، بسبب تولي بعض القضاة المتفقهين على طريقة أبي حنيفة من متكلمي المعتزلة اختبار المحدثين في المعتقد في المحنة المشهورة التي قام بها المأمون ومن بعده، فحملوا وزر ابن أبي دؤاد على غير وازره فقيه الملة أبي حنيفة، الذي فتق الله الفقه الإسلامي على لسانه وألسنة أصحابه، وجرى تدوين المذاهب المتبوعة على نبراس تأصيله وتفريعه كما يشهد بذلك تاريخ الفقه الإسلامي.
على أن ابن راهويه شيخ ابن قتيبة في الفقه لم يخل من تأثير عليه، تأثر هو من تلك البيئة المنحرفة التي حل بها، بعد أن تفقه بمرو على مذهب أهل الرأي عند عبد الله بن المبارك وأصحابه، وبعد أن جمع ما يوافق رأي أبي حنيفة من الأحاديث المخرجة في كتب ابن المبارك، ليسأل عنها شيوخ ابن المبارك من الأحياء المعمرين في رحلته إلى العراق والحجاز، فبلغت ثلثمائة حديث كما في (كتاب الورع) رواية أبي بكر المروذي - وهذا عدد ليس بيسير في مسائل ينفرد بها أبو حنيفة ويستدل عليها بهذا المقدار من الأحاديث في كتب أحد أصحابه – وهو ابن المبارك الذي تواطأت القلوب مع الألسن من الفريقين على إجلال منزلته في العلم والورع - خلا ما في بقية كتب أصحابه.
مع أن جملة أحاديث الأحكام حوالي خمسمائة حديث على ما يقولون، وما كان ابن راهويه إذ ذاك يظن أن يجترئ أحد على رد قول أبي حنيفة، ولما حل بالبصرة في رحلته جلس إلى عبد الرحمن بن مهدي ولازمه وكان شديد الحب لابن المبارك، فأنشد ابن راهويه مرثية ابن المبارك لأبي تميلة على طلب من ابن مهدي وهو يصغي إليه ويبكي ولما بلغ ابن راهويه إلى قول أبي تميلة:
الجزء 1 · صفحة 9
و برأي النعمان كنت بصير
حين تبغي مقايس النعمان
فاجأه بقوله: اسكت قد أفسدت القصيدة .. ما نعرف لابن المبارك زلة بأرض العراق إلا روايته عن أبي حنيفة - قول ما أجدره أن يكون من تأكيد المدح بما يشبه الذم في نفس الأمر! - ولوددت أنه لم يرو عنه وأني كنت أفتدي ذلك بعظم مالي!
فاندهش ابن راهويه من هذه المفاجأة وحيث دامت صلته به واستمر بقاؤه في بيئة منحرفة: حصل فيه الانحراف شيئا فشيئا، حتى أصبحت طريقته في الفقه أشبه شيء بالظاهرية، بل هي تمهيد لها. فسبحان مقلب القلوب.
و ما كان انحراف ابن مهدي عن هوى، بل عن طيبة قلب، وإنما وقع فيما وقع بتأثير شيخه سفيان الثوري الذي مات بداره بالبصرة، بعد أن تخبأ عنده عنده عدة سنوات لما هرب من المنصور، حين طلبه للقضاء.
فورث ابن مهدي من هذا الضيف الكريم الانحراف عن النعمان، مع أن كلام الثوري فيه من قبيل النيل ممن لا تنال منزلته، كما يقع بين المتعاصرين، على أن الثوري من أكثر فقهاء الأمصار موافقة لرأي أبي حنيفة في المسائل الخلافية، كما يظهر من استقراء أقوال الأئمة في الخلافيات بوجه لا يدفع، ومع ذلك كله كان ابن مهدي كثير التشدد وكثير التراجع، حتى في الأحاديث ورجالها ردا وقبولا سامحهم الله ورضي عنهم.
و سبب تراجع ابن قتيبة إلى نوع من الاعتدال في هذا هو تيقنه من سوء مغية المسايرة للتطور والتدهور المشهودين في أواخر عهده.
الجزء 1 · صفحة 10
و أما المحدث ومن يعنى بعلوم الحديث والرجال فيظفر فيه بما يجلو سر ما يجده في كثير من كتب الجرح والتعديل من الغلو في الكلام على كثير من أعلام العلماء، على استمرار نقل الخالف على سالفة ذلك الغلو، كأسراب طير تتابع مع أن من وقاه الله من الهوى، ودرس سير أولئك الأعلام حق الدرس، يجد أحوالهم وسيرهم على خلاف تلك الكلمات الطائشة، فيدعوه ذلك إلى التبصر في التعويل على أمثال هذه الكلمات المتناقلة والتثبت فيها، وصون النفس من الهلاك مع الهالكين. ومن الله التوفيق والتسديد.