الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب
للشيخ الامام جلال الدين السيوطي
المتوفى سنة 911هـ
ومعها تعليقات تبين ما فيها من غلط وسهو
لفضيلة الأستاذ المحدث الحجة الشيخ عبد الله محمد الصديق
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1373هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
حول مسألة المحاريب
لفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد زاهد الكوثري
من العجب أن نرى بين آونة وأخرى أناساً يسعون جهدهم في إثارة ضجات حول مسائل تافهة، متغاضين عن موبقات ملأت البقاع، وآذت الشرع الإسلامي في جوهره وصميمه، ولو كان رائد هؤلاء الإخلاص لرأوا الصغير صغيراً والكبير كبيراً، ووَسِعَهم ما وَسِعَ جماعة المسلمين على توالي القرون.
وقد بلغ ببعضهم التخطي إلى حد محاولة التحدّي في أمر يظن أنه قتله بحثاً، فينبري مستنكراً لما توراثته جماعة المسلمين في مساجدهم من أقدم العهود، وما ذلك إلا من سكوت كبار العلماء عن القطرة إلى أن تُصبحَ سَيْلاً، ولو حاسب هذا المتحدي نفسَهُ، ووازَنَ بين ما حَفِظَه وما غاب عنه لَعَلِمَ أنه اعْتَرَّر بسكوت أهل الشأن عن أمثالِه، فظَنَّ الجوِّ صَفَا له فأخَذَ يُشرِّعُ ما يشاء ويستنكر ما يشاء، وفي مثله قال
الشاعر:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحدَهُ والنزالا
ولو علم المسكينُ مقدار نفسه لسكَتَ فاستراح وأراح، لكن النملة لما
الجزء 1 · صفحة 7
سئلت: كم مقدار وزنك؟ أجابت قائلة: أزِنُ بميزاني مئة قنطار.
وقد اتفق أهل العلم على أنَّ المسائل الفرعية الاجتهادية لا تُتَّخَذُ مَثارَ إنكار، فكيف يقوم في صف الدعاة إلى الله من يجهل ذلك أو يتجاهله، ولا يُنزِل المسائ منازلها؟
وأشَدُّ ما قيل في قيام الإمام في الطاق كلمةُ أهل العراق. وفي الجامع الصغير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني: «محمد عن يعقوب، عن أبي حنيفة: لا بأسَ أن يكون مَقامُ الإمام في المسجد وسجودُهُ في الطاق، ويُكره أن يقوم في الطاق».
ويُروى مثل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، والثوري وغيرهم من علماء العراق وهذه الكراهة كراهة تنزيه عندهم على ما ذكره الخير الرملي في حاشية البحر الرائق وهي أقرب إلى الجواز من الحظر، ولم يثبت عن ابن مسعود التعليلُ بالتشبه بالنصارى، لأن خبر البزار عنه في سنده ميمون الأعور أبو حمزة قد ضعفه غيرُ واحد، وإن ثَبَت عنه القولُ بكراهة القيام في الطاق ـ أي المحراب -.
فسبر أهل العلم وجة الكراهة في ذلك، فلاحظوا احتمال أن تكون العلة امتياز الإمام عن الجماعة بمقام واحتمال أن تكون اشتباه حال الإمام على من في اليمين والشمال، فالاحتمال الأول رَدَّه ابنُ الهُتمام قائلاً: «إنَّ امتياز الإمام مقرر مطلوب في الشرع في حق المكان حتى كان التقدم واجباً عليه، وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان، ولا أثر لذلك فإنه بني في المساجد المحاريب من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولو لم تُبنَ كانت السُّنةُ أن يَتقدَّم في محاذاة ذلك المكان،
الجزء 1 · صفحة 8
لأنه يُحاذِي وسط الصف وهو المطلوب، إذ قيامُهُ في غير محاذاته مكروه، وغايته اتفاق الملتين في بعض الأحكام، ولا يدع فيه، على أن أهل الكتاب إنما يخصون الإمام بالمكان المرتفع على ما قيل فلا تشبه.
وزِدْ على ذلك احتجاج من يحتج بشرائع من قبلنا بالشرط بالمعروف، قال الله تعالى: (فنادَتْهُ الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب) الآية.
وأما الاحتمال الثاني وهو كونُ علة الكراهة خفاء حال الإمام على بعض الجماعة، فقد قواه ابن الهمام ذاكراً أن محاريب أهل العراق مجوفة مطوقة، حتى إذا وقف الإمام في داخل المحراب تشتبه حاله على من عن يمينه ويساره، فلو كان بجنبي الطاق عَمُودانِ وراءهما، فُرجتان يَطَّلعُ منهما أهل الجهتين على حال الإمام، لا يكره، فعلى هذا يكون الأمر خاصاً بأهل العراق.
ومن أهل العلم من عَدَّ وجه الكراهة قيامَ الإمام في محل مرتفع في المحراب، وقد قال ابن الهمام أيضاً عند التعرض لذلك: واختلف في مقدار الارتفاع الذي تتعلق به الكراهة، فقيل: قَدْرَ القامة، وقيل: ما يَقَعُ به الامتياز، وقيل: ذراع كالسترة، وهو المختار». اهـ.
والتقدير بالقامة رواية الطحاوي عن أبي يوسف.
وعالم دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، مع أهل العراق، في كراهة انفراد الإمام في مكان مرتفع في رواية ابن القاسم، وفي «المُدَوَّنة»: «كَرِهَ مالك أن يُصلِّي الإمام على شيء هو أرفَعُ مما يُصلِّي عليه مَنْ خَلْفَه، مثل الدُّكَّان في المحراب إلا أن يكون على دكان يسير الارتفاع، مثل ما كان عندنا الأشياء. ونحوه من بمصر، فإن صلاتهم تامة». اهـ. وبذلك تعلمُ حُكم المحاريب المتوارثة بمصر منذ
الجزء 1 · صفحة 9
عهد ابن القاسم صاحب الإمام مالك رضي الله عنه
لكنَّ عالم قريش الإمام محمد بن إدريس المطلبي رضي الله عنه، اختار في «الأم» للإمام أن يُصلِّيَ على الشيء المرتفع ليراه من وراءه، فيقتدون بركوعه وسجوده. وذلك بعد أن ساق حديث أبي مسعود رضي الله عنه في النهي عن ذلك. وأما قولُ ابن الهمام ببناء المحاريب في المساجد من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيؤيده حديثُ وائل بن حجر رضي الله عنه عند البيهقي، وفيه ... فدَخَل المحراب ..... وليس عَدَمُ ذكر أم عبد الجبار في سندِهِ بضائره، لأنها لا تَشِذُ عن جمهرة الراويات اللائي قال عنهن الذهبي: وما علمتُ في النساء من اتهمت، ولا من تركوها. على أنها زوجة صحابي.
ولعل قول ابن حجر في نفي وجود المحاريب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بمعنى نفي وجودِها مُطلقاً، بل يُريد نفي كونها على أخص أوصاف محاريب عصره، وإلا فحديث وائل بن حُجْر أحقُّ بالتعويل من حديث عبد المهيمن بن عباس الذي يقول فيه: «لم يكن لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم مِحراب في زمنه، ثم أحدثه عُمر بن عبد العزيز لأنه يُناقض روايته الأخرى التي توافقُ حديثَ وائل وهي روايته عند الطبراني من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه وفيه ... فلما بني له محراب تقدم إليه .... وما له متابع أحَقُّ بالقبول مما ينفرد به مثل عبد المهيمن وقد ضعفه غير واحد.
والواقع أن المحراب كان موجوداً، والذي زاد فيه عُمر بن عبد العزيز أيام إمرته بالمدينة المنورة سنة 83 هـ والتجويف البالغ في المحراب، وعمر بن عبد العزيز أقر له طوائف الفقهاء بالإمامة في الفقه والحديث والورع والاعتصام
الجزء 1 · صفحة 10
بالسنة، أفمثله يُعَدُّ مبتدعاً فيما فَعَل؟ ومن ظَنَّ أنَّ تغيير البناء إلى أكمَلَ فأكمل، وأحكم فأحكم، بدعةً ممقوتةً فهو الممقوت. ولم يكن مسجد النبي صلى الله عليه وسلَّم مبنياً بالحجارة لا في أساسه ولا مسقفاً بغير جريد النخل، فوسَّعَه عُمرُ رضي الله عنه وسَقَّفَهُ، ثم وسَعَه عثمانُ رضي الله عنه وبناه بالحجارة على أعمدة حجارة وسقفه بالسَّاج، إلى أن جُدِّدَتْ عِمارتُهُ في عهد إمرة عمر بن عبد العزيز بالمدينة المنورة سنة 83 بفسيفساء ورخام. أفيُعَدُّ هؤلاء مبتدعةً ضُلالاً؟!!.
وقد أجاد فضيلة الأستاذ الناقد السيد عبد الله بن الصديق الغماري فيما علقه على رسالة السيوطي في حكم الصلاة في المحاريب، وكشف الستار عن خبايا أسانيدها، وأبان عدَمَ صحة التمسك بما فيها من جهة التدليل على ما يَدَّعيه السيوطي. وتسرُّعُ العالم كثيراً ما يُوقعه فيما لا يرضاه لنفسه، وكم يُوقع السيوطي تسرعة في مثل هذه السقطة. وقد أحسن صُنعاً فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عمر عبد الوهاب الجندي، حيث ألَّفَ ما هو فَضْلُ الخِطاب في مسألة المحراب، وكَفَى وشفى من كل ناحية، ووصف ما في كنائس النصارى من المذابح التي قد تُسمى المحاريب وصفاً دقيقاً، لا يَدَعُ شبهةً لأحدٍ أنَّ محاريب المسلمين لا تُشبهها بوجه من الوجوه، فجزاهما الله تعالى عن السنة خيراً، حيث لم يَدَعا قولاً لقائل والعجب من السيوطي كيف يحاول الاستدلال بحديث البيهقي: «اتَّقُوا هذه المذابح»، بدون أدنى مناسبة له، بالموضوع ولا سيما بعد أن ادعى أن المحاريب لم تكن لها وجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
على أنَّ سالم بن أبي الجعد في سندِه مُدَلِّسٌ وقد عَنْعَنَ، وعنعنه المدلس مردودة عند أهل النقد. ونُعيم بن أبي هند ناصبي كان يتناول علياً كرم الله وجهه، فلا حُبَّ ولا كرامة وعبد الرحمن بن مَغْرَاء تركه ابنُ المديني وعَدَّه ابن عدي من
الجزء 1 · صفحة 11
الضعفاء. وسَهْلُ بن زَنْجَلَة على حفظه لم يَرْوِ عنه من أصحاب الأصول الستة غير ابن ماجه، ومثله متكلم فيه عند بعض أهل النقد. ومحمد بن عبد الله الحضرمي كان محمد بنُ أبي شيبة يُضعفه، وتوثيق ابن حبان لبعض هؤلاء على طريقته في توثيق المجاهيل. وأما ما يُروى عن ابن مسعود ففي سنده ميمون الأعورُ، ضعفه غير واحد، ومحبوب بن الحسن ضعفه النسائي، وإنما رَوَى البخاري عنه حديثاً واحداً بمشارك في شيخ شيخه، ومحمد بن مِرْدَاس جَهْلَه أبو حاتم، قال الذهبي: رَوَى عن خارجة خبراً باطلاً، ولم يرو عنه من الأئمة الستة غير أبي داود وهكذا.
وكراهَةٌ من كَرِهَ من أهل العراق الصلاة في الطاق: لما سبق من ابن الهمام، فلا يَنهَضُ ما يرويه السيوطي عن إبراهيم والحسن وابن مسعود وغيرهم الباب، وهذه كليمة أسوقها على عجل نزولاً عند رغبة بعض الإخوان، وللكلام متسع إذا لَزِم، والله يقولُ الحَقَّ وهو يهدي السبيل.
محمد زاهد الكوثري