الجزء 1 · صفحة 5
مقدمة إشارات المرام من عبارات الإمام
تأليف العلامة
كمال الدين أحمد البياضي الحنفي
من علماء القرن الحادي عشر الهجري
حقق نصوصه وعلق عليه وضبطه
يوسف عبد الرزاق
المدرس بكلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة عن كتاب إشارات المرام من عبارات الإمام
للعلامة البياضي رحمه الله
تفضل بها علينا حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الجليل المحدث الأشهر، ناصر السنة في هذا العصر، أستاذنا الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية سابقا، فنثبتها شاكرين لفضيلته تشجيعه، وعنايته بالعلم وأهله، أمتع الله المسلمين بحياته قال حفظه الله:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه وكل من والاه.
و بعد؛ فقد بلغنا أن كتاب إشارات المرام من عبارات (الإمام تأليف الحبر البحر الهمام، عمدة المتأخرين في علم الكلام، الشيخ (كمال الدين أحمد بن الحسن بن يوسف البياضي القاضي ابن القاضي قد أعد للطبع بتحقيق فضيلة الأستاذ البحاثة المحقق، العالم العامل المدقق، السيد جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن
الجزء 1 · صفحة 7
عبد الرازق (1) المشهدي الشافعي (2) الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وتقرر طبعه في مطبعة المرحوم السيد (مصطفى البابي الحلبي) بمعرفة أنجاله النجباء، الماضين على منهج والدهم الغيور، في إحياء الكتب النافعة للأعلام العلماء.
فشكرت هذا الاتجاه الحميد والاختيار السديد ودعوت الله سبحانه للقائمين بطبع هذا الكتاب وتحقيقه بالتوفيق والتسديد في شؤونهم كلها، مقدرا حسن اختيارهم في ملء فراغ ملموس بهذا العمل المفيد والله جل شأنه هو الموفق للمضي على هذا المهيع الرشيد.
وبهذه المناسبة أحببت أن أتحدث عن الكتاب واتجاهه وأهميته وجلالة قدر مؤلفه، وما إلى ذلك، فأقول:
إن العقيدة الصحيحة المنجية في الآخرة، الباعثة لكل سعادة وكل خير في الدارين هيا العقيدة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين، رضي الله عنهم أجمعين، ولذا كان أئمة الهدى رضي الله عنهم، يسعون جهدهم في المحافظة على مسائلها وعلى صفاتها الأصلي، حذرا من أن يعكر صفوها مبتدع طارئ.
# (1) توفي الأستاذ الشيخ يوسف عبد الرازق سنة 1386 هـ أثناء تدريسه بكلية الشريعة في العراق، وقدر درس قبل ذلك في مكة المكرمة، وهو صهر الشيخ عيسى منون.
(2) و قد عارضه بخمس نسخ منها نسخة مكتبة الأستاذ المفضال السيد أحمد خيري بروضة خيري باشا بمديرية البحيرة. (ز).
الجزء 1 · صفحة 8
ومن أقدم من أبرز خدمات جليلة في هذا الميدان الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، وقد سهل الله له هذا العمل، بسابق اشتغاله بالجدل، والرد على أهل الأهواء والنحل، مدة مديدة قبل تفرغه للفقه، وكل ميسر لما خلق له.
وقد روى الخطيب في (تاريخه) (333/ 13) بسنده إلى أبي حنيفة أنه قال: (كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلي بالأصابع)، ثم ذكر كيف لازم حماد بن أبي سليمان في الفقه، منصرفا عن الكلام.
و حكى الموفق في (المناقب) (63/ 1) عن أبي حفص الصغير أنه قال: (لم يزل أبو حنيفة يلتمس الكلام ويخاصم الناس حتى مهر في الكلام).
و حكى أيضا عن الزرنجري: أن أبا حنيفة كان صاحب حلقة في الكلام - يعني قبل اتصاله بحماد وساق في (59/ 1) بطريق الحارثي، عن أبي حنيفة أنه قال: كنت أعطيت جدلا في الكلام فجرى دهر فيه أتردد وبه أخاصم وعنه أناضل وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرها بالبصرة، فدخلت البصرة نيفا وعشرين مرة، منها ما أقيم سنة وأقل وأكثر، وكنت قد نازعت طبقات الخوارج: من الإباضية والصفرية وغيرهم وطبقات الحشوية ثم ذكر كيف أقبل على الفقه.
و قال حافظ الدين محمد بن محمد الكردري صاحب الفتاوى البزازية المشهورة في المناقب) (38/ 1): (ذكر جمال الدين أبو يعلى أحمد بن مسعود الأصفهاني بإسناده عن خالد بن زيد العمري أنه قال: كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قوما قد خصموا بالكلام الناس، وهم أئمة العلم.
وتلك نصوص تدل على مبلغ اهتمام أبي حنيفة وأصحابه بعلم الكلام،
الجزء 1 · صفحة 9
حتى إن الإمام أبا جعفر الطحاوي رحمه الله، عنون (عقيدته) المشهورة بقوله: (بيان عقيدة فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله ويسوق عقيدة السلف التي لا خلاف فيها بين أهل السنة كعقيدة لهم جميعا.
و قال الإمام عبد القاهر البغدادي الشافعي في أصول الدين) (308) (و) أول متكلميهم من الفقهاء وأرباب المذاهب أبو حنيفة والشافعي، فإن أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سماه الفقه الأكبر) وله رسالة أملاها في نضرة قول أهل السنة: إن الاستطاعة مع الفعل، ولكنه قال: إنها تصلح للضدين وعلى هذا قوم من أصحابنا، وللشافعي كتابان في الكلام أحدهما في تصحيح النبوة والرد على البراهمة، والثاني في الرد على أهل الأهواء .....
وقال أبو المطفر الإسفرايني الشافعي في (التبصير) (113): (كتاب (العالم) لأبي حنيفة فيه الحجج القاهرة على أهل الإلحاد والبدعة .. وكتاب (الفقه الأكبر) الذي أخبرنا به الثقة بطريق معتمد وإسناد صحيح عن نصير بن يحيى، عن أبي حنيفة وما جمعه أبو حنيفة في (الوصية) التي كتبها إلى أبي عمرو عثمان البتي رد فيها على المبتدعين، ومن نظر فيها وفيما صنفه الشافعي لم يجد بين مذهبيهما تباينا بحال، وكل ما حكى عنهم خلاف ما ذكرناه من مذاهبهم، فإنما هو كذب يرتكبه مبتدع ترويجا لبدعته.
و هذا من الدليل على وحدة المعتقد: الأئمة، بين ومع ذلك ما كانوا يرون خوض المرء فيما يعلو على مداركه وكان مالك يكره ما ليس تحته عمل من العلم، وكان أحمد بن حنبل مثله في ذلك، منها للجمهور عن الخوض فيما لا قبل لهم، به خوفا من الزلل، واكتفاء بمسائل الاعتقاد المتوارثة مع التنزيه والابتعاد عن
الجزء 1 · صفحة 10
التشبيه.
و كان أبو حنيفة مرهف النظر حيث اشتغل بالجدل مدة طويلة، قبل إقباله على الفقه، حتى أسس بعد تفقهه مجمعا فقهيا، كيانه من أربعين عالما من عظماء أصحابه، المسرودة أسماؤهم في التاريخ، يرأسهم هو في تحقيق المسائل وتبيين الدلائل ولا يخفى ما هو في هذه الطريقة من استثمار المواهب،
وتنيمة الملكات، حتى كثرت عندهم المسائل التقديرية في الفقه (1)، وسهل عليهم الرد على أهل الأهواء، فملأوا بقاع الأرض علما بتلك الطريقة المثمرة.
و من الكتب المتوارثة عن أبي حنيفة في العقيدة كتاب الفقه الأكبر) رواية علي بن أحمد الفارسي، عن: بن يحيى، عن أبي مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، وتمام السند في النسخة المحفوظة ضمن المجموعة رقم (226) بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة.
#
(1) وفي (الكلمات الشريفة في تنزيه أبي حنيفة، عن الترهات السخيفة للعلامة نوح ابن مصطفوى القونوي، نقلا عن العناية: (إن المسائل الـ دونها أبو حنيفة ألف ألف ومتنا ألف وسبعون ألفا ونيفا. اهـ. ومن المعلوم أن تدوينه للمسائل كان بإملاته إياها على أصحابه، راجع (النكت الطريفة ص 5 وهناك ذكر الاختلاف في عدد مسائله. (ز)
الجزء 1 · صفحة 11
وكتاب (الفقه الأبسط) (1) رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف بطريق نصير بن يحيى (64 م) و (215 م) بدار الكتب المصرية.
والعالم والمتعلم رواية أبي الفضل أحمد بن علي البيكندي الحافظ، عن حاتم بن عقيل عن الفتح بن أبي علوان، ومحمد بن يزيد، عن الحسن بن صالح، عن أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، عن أبي حنيفة، ويرويه أبو منصور الماتريدي، عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، عن محمد بن مقاتل الرازي عن أبي مقاتل عنه، وتمام الأسانيد في (مناقب) الموفق و (التأنيب) (73 و85).
و (رسالة أبي حنيفة إلى البني رواية نصير بن يحيى، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة وبهذا السند رواية (الوصية) أيضا. وتمام الأسانيد في نسخ دار الكتب المصرية، ولأبي حنيفة وصايا أخرى لعدة. من أصحابه.
فينور تلك الرسائل سعى أصحاب أبي حنيفة وأصحاب أصحابه، في إبانة الحق في المعتقد، في غير لبس ولا تعمية، على طبق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي! الله عنهم، فنشروا العقيدة الصحيحة مع الفقه في بقاع العالم مشكورين على هذه الخدمة المهمة.
#
(1) شرحه بعض الحشوية، ودست كلمة من الشرح في رواية عبد الله الهروي المجسم في (الفاروق) باسم (الفقه الأكبر)، فتناقلها الحشوية مدى الدهور، وهي مدرجة في الرواية، كما يظهر من شروح أهل السنة للكتاب (ز). وانظر مقدمة المؤلف لكتاب (العالم والمتعلم) للإمام أبي حنيفة ضمن هذا المجلد صفحة 168 تعليقا).
الجزء 1 · صفحة 12
وكان بلاد ما وراء النهر سليمة من أهل الأهواء والبدع لسلطان السنة على النفوس هناك من غير منازع بتناقل تلك الآثار بينهم جيلا بعد جيل، إلى أن جاء إمام السنة فيما وراء النهر أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي المعروف بإمام الهدى، فتفرغ لتحقيق مسائلها، وتدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد. منها:
(التأويلات) في تفسير القرآن الكريم، وهو كتاب لا نظير له في بابه، ويؤسف على عدم نشره إلى الآن. ومنها: كتاب (المقالات)، وكتاب (التوحيد)، وكتاب (مآخذ الشرائع في أصول الفقه وكتاب الجدل في أصول الفقه) أيضا، وكتاب (بيان) وهم المعتزلة) وكتاب (رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي)، وكتاب (رد الإمام لبعض الروافض)، وكتاب الرد على أصول القرامطة)، وكتاب (رد تهذيب الجدل للكعبي) أيضا، على ما في (تاج التراجم) للعلامة، قاسم، توفي سنة 332 هـ على ما ذكره الحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي.
و أما أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (1) إمام أهل السنة في العراق وناشر ألوية السنة في الآفاق، بعد أن رجع عن الاعتزال، وقام بمناصرة السنة، فقد توسعنا في بيان طريقته في مقدمة تبيين كذب المفتري للحافظ ابن عساكر، فلا نعيد الكلام هنا.
#
(1) قال ابن الأثير في (اللباب): (توفي سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، وقيل بعد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة). اهـ. راجع (الكامل) والثاني قول ابن عساکر (ز).
الجزء 1 · صفحة 13
و من العزيز جدا الظفر بأصل صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة وطبع كتاب (الإبانة) لم يكن من أصل وثيق، وفي (المقالات) المنشورة باسمه وقفة، لأن جميع النسخ الموجودة اليوم من أصل وحيد، كان في حيازة أحد كبار الحشوية، ممن لا يؤتمن لا على الاسم ولا على المسمى، بل لو صح الكتابان عنه على وضعهما الحاضر، لما بقي وجه لمناصبة الحشوية العداء له على الوجه المعروف.
على أنه لا تخلو آراؤه من بعض ابتعاد عن النقل مرة، وعن العقل مرة أخرى، في حسبان بعض النظار، كقوله في التحسين والتعليل، وفيما يفيده الدليل النقلي، كما هو شأن طول أمد الجدال مع أصناف المبتدعة في بندر الأهواء في عهده البصرة وبغداد، بخلاف معاصره الماتريدي، فإنه كان في بيئة لا سلطان لأهل الابتداع فيها، كما سبق.
وقد اهتم أهل العلم بتعرف وجوه الخلاف بين إمامي أهل السنة دراسة وتدوينا، وتحقيقا ومقارنة بينهما وشارح (الإحياء) المرتضى الزبيدي ترجم لهذين الإمامين العظيمين إمامي أهل السنة، وذكر المسائل التي اختلفا فيها، أخذا من إشارات المرام)، تقديرا منه لهذا الأصل الأصيل.
ومؤلف «الإشارات» العلامة البياضي من بيت قضاء وفقه وعلم تقلب في مناصب العلم إلى أن حاز أعلاها، بعد أن أقبل على العلم حتى أصبح فريد عصره، مشارا إليه بالبنان، فألف أولا متنا متينا في اعتقاد أهل السنة وسماه الأصول المنيفة للإمام أبي حنيفة) جمع فيه نصوص الإمام في رسائله السابقة في معتقد أهل الحق على ترتيب بديع جامع، محافظا على ألفاظ أبي حنيفة، فجاء في غاية التناسب، ومنتهى التجاذب.
الجزء 1 · صفحة 14
ثم شرح هذا المتن المتين شرحا ممتعا في تحقيق المسائل وتدقيق الدلائل وإزالة الشبهات وحل المعضلات حتى أصبح مرجعا للباحثين، ومعقدا لآمال المتطلعين، وكانت مسائل أبي حنيفة في تلك الرسائل غير مرتبة على نظام خاص، بل كان يمليها إملاء على أصحابه، على طبق الأسئلة التي كانت توجه إليه من غير انسجام فرد البياضي مسائل تلك الرسائل إلى ترتيبها الصناعي في كتب الكلام، من غير تصرف منه في عبارات الإمام.
وقال في كيفية جمعه للمتن ومسائله: (جمعتها من نصوص كتبه التي أملاها على أصحابه من الفقه الأكبر) و (الرسالة)، و (الفقه الأبسط)، وکتاب (العالم) و (الوصية) برواية الإمام حماد بن أبي حنيفة، وأبي يوسف الأنصاري وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي (1).
وذكر في الشرح رواة تلك الرسائل ونص على نحو ثلاثين عالما من كبار علماء هذا الفن قد عولوا عليها وسجلوا مسائلها في كتبهم، برغم إنكار بعض المعتزلة نسبة بعضها إلى الإمام، وساق سند أبي منصور الماتريدي فيها، حيث استند إليها في شرح معتقد أهل السنة.
# (1) تكلموا فيه على عادتهم في أصحاب أبي حنيفة، لكن قال أبو يعلي الخليلي في (الإرشاد مشهور بالصدق غير مخرج في الصحيح، وكان يفتي وله في الفقه محل ويعنى بحديثه) راجع (اللسان) (ز).
الجزء 1 · صفحة 15
والواقع أن العلامة البياضي ممن كرمه الله بالاطلاع الواسع والغوص الدقيق في المسائل والبيان الواضح في سرد الدلائل، والذهن الوقاد في استثارة الفوائد الكامنة، من ثنايا النصوص والعبارات مع ما جمعه إلى خزانته من كتب نادرة جدا في هذا الفن، حتى شفى النفوس بنقوله الرصينة عن أئمة هذا العلم، فيسرد النصوص من أقوال أئمة الفريقين من الأشعرية والماتريدية، ليكون المطالع على بينة من أمر مسائل الوفاق والخلاف، ويقول:
مسألة – خلاف:
(إن الماتريدي ليس بمبتكر الطريقة، بل هو مفصل لمذهب أبي حنيفة وأصحابه، وإن الخلاف بين الأشعري والماتريدي – في نحو خمسين لكنه معنوي، في التفاريغ، التي لا يجري في خلافها (التبديع وسرد تلك المسائل وحققها أتم تحقيق، وانتهى في شرحه إلى آخر الإلهيات تجاه بيت الله الحرام، أيام كان قاضيا بمكة المكرمة، ثم تنقل في الوظائف إلى أن تولى منصب قاضي العسكر في الدولة، الذي هو رئاسة قضاة المملكة العثمانية، وبراعته في علم الكلام، بحيث يخضع لتحقيقاته من بعده من العلماء الأعلام، ولا سيما الذين كتبوا بعده في مسائل الخلاف بين الأشعرية والماتريدية، حتى إنك ترى المقبلي على جموحه وغلوائه وشذوذه وكبريائه، يحسب حسابه في كتابه (العلم الشامخ).
و له أيضا كتاب (سوانح) العلوم في ستة من الفنون وكان رحمه الله فقيها واسع الأفق، صارما في الحكم، لا يخاف في الله لومة لائم، فخلد ذكرا جميلا، وعلما غزيرا تغمده الله، برضوانه، وكافأه على إحسانه.
و صفوة القول: أن طبع كتابه هذا بشرى عظيمة يزف بها إلى الراغبين في
الجزء 1 · صفحة 16
التحقيق في مسائل التوحيد على مناهج الفريقين من أهل السنة، الله سبحانه يكافئ القائمين بنشره وتحقيق أحسن مكافأة، ويوفقهم لنشر كثير من أمثاله من الكتب النافعة في خير وعافية، وهو المجيب لمن دعاه.
محمد زاهد الكوثري