الجزء 1 · صفحة 5
مصنفات الإمام أبي جعفر الطحاوى
على ذكر الخروج لرؤية الهلال قديما في الآفاق
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أطالع البارحة صفحة من التاريخ فمر بي أن قاضى مصر كان يخرج بالناس قديما لرؤية الهلال فى رجب والذي بعده احتياطا لشهر رمضان بجامع محمود بالقرافة وأول من خرج من القضاة بالناس إليه أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد البغدادي المالكي المتولى قضاء مصر من قبل الخليفة بعد الثلاثمائة كما ذكره ابن زولاق والقاضي عياض.
وكان هذا القاضى مع كونه قاضي القضاة يتردد إلى الإمام أبي جعفر الطحاوى ليسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوى عن مسألة والقاضى عنده فقال له الطحاوى مذهب القاضي أيده الله» كذا وكذا، فقال السائل ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك، فقال: يا هذا هو كما قلت: فأعاد السائل، فقال له القاضي أفته أيدك الله» برأيك، فقال له الطحاوى حيث أذن القاضى أيده الله أفتيه ثم أفتاه. وقد قال الحافظ السخاوى فى التبر المسبوك بعد هذه الحكاية فكان ذلك من أدب الطحاوى وفضله، كما أن مجىء القاضى إليه أيضاً من أدبه وفضله رحمهما الله. فأثارت هذه الحكاية فى نفسى لوعة وإكباراً لتلك النفوس النقية العالية، وأسفًا على نفوس جاهلة تهوى فى هاوية الهوان كلما ازدادت غطرسة وإعجابا بالنفس فى العلم وقاضي القضاة فى ذلك العهد في مثل مصر لم يكن ليعين إلا من أفذاذ أهل العلم ومع ذلك نراه لا يأبى أن يستفيد العلم
الجزء 1 · صفحة 7
ممن يراه أعلم منه وإن لم يكن على مذهبه.
ثم فكرت في جلالة مقدار الطحاوى فى الفقه والحديث ومعرفة الرجال وفي كثرة مؤلفاته الممتعة وإهمال كتبه وتركها فى خزانات الكتب طعمة للعت والأرض فازددت أسفا وليس بمنكور ما تقوم به مصر من إحياء كتب للأقدمين فى الأدب، ولكن عنايتها بإحياء تراث كبار الأئمة في العلوم ولاسيما الذين هم من أبناء مصر ليست بشيء يذكر بالنظر إلى الواجب. وهذا الركود المشهود فى الهمم يجب ألا يقعد عن التنويه بمثل الطحاوى ومؤلفاته ولعل ذلك يجد أذنا مصغية فى يوم من الأيام فلا بأس أن نترجم له ترجمة مختصرة هنا توطئة لذكر مصنفاته.
فأبو جعفر الطحاوي هذا هو الإمام المجتهد الحافظ المؤرخ النسابة أبو جعفر أحمد بن محمد سلامة الأزدى الطحاوى ولد بطحا الأشمونين بالصعيد الأدنى كما ذكره ياقوت فى المشترك. وميلاده سنة: تسع ومائتين على الصحيح على ما ذكره أبو سعيد بن يونس رواية عن الطحاوى نفسه، ومثل ذلك في أنساب السمعانى وفى كتاب التقييد لمعرفة رواة المسانيد لا بن نقطة تفقه على بكار بن قتيبة وابن أبي عمران وأبي خازم عبد الحميد بعد أن أخذ العلم عن خاله المزنى صاحب الشافعى. وفي شيوخه كثرة وقد جمع عبد العزيز بن أبى طاهر التميمى جزءاً في مشايخ الطحاوي. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلى فى الإرشاد في ترجمة المزني: «كان الطحاوى ابن أخت المزنى، وقال له أحمد بن محمد الشروطي: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ فقال: لأنى كنت أرى خالى يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه وأما ما ذكره الصيمري نقلا عن أبي بكر الخوارزمى فى سبب انتقاله إلى مذهب أهل العراق فخبر منقطع لا تقوم بمثله
الجزء 1 · صفحة 8
حجة، على أن لفظ والله لا جاء منك شيء ليس مما يوجب الكفارة في المذهبين على الصورة المبينة في الخبر المنقطع.
والطحاوى شارك مسلما فى الرواية عن يونس بن عبد الأعلى كما شارك أبا داود وابن ماجه والنسائى فى الرواية عن هارون بن سعيد الأيلى مثله. قال البدر العيني كان عمر الطحاوى حين مات البخاري صاحب الصحيح سبعا وعشرين سنة، وحين مات مسلم اثنتين وثلاثين سنة، وحين مات أبو داود ستا وأربعين سنة، وحين مات الترمذى خمسين سنة، وحين مات النسائى أربعا وسبعين سنة، وحين مات ابن ماجه أربعا وأربعين سنة، وحين مات الإمام أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة اهـ، ثم قال: ولا يشك منصف أن الطحاوى أثبت فى استنباط الأحكام من القرآن الأحاديث ومن النبوية وأقعد فى الفقه من غير ممن عاصره سنا أو شاركه رواية من أصحاب الصحاح والسنن، وهذا إنما يظهر بالنظر في كلامه وكلامهم اهـ.
قال أبو سعيد بن يونس فى تاريخ العلماء المصريين: كان الطحاوى ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. اهـ. ومثله فى تاريخ ابن عساكر بحروفه، وقال ابن عبد البر: كان الطحاوى كوفى المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء اهـ وقال السمعانى كان الطحاوى إماما ثقة فقيها عاقلا اهـ، وقال ابن الجوزى فى المنتظم وكان الطحاوى ثبتا فهما فقيها عاقلا اهـ. وقال سبطه واتفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه. اهـ. وقال البدر العيني: وأما الطحاوى فإنه مجمع عليه فى ثقته وديانته وأمانته وفضيلته التامة ويده الطولى فى الحديث وعلله وناسخه، ومنسوخه ولم يخلفه فيها أحد ولقد أثنى عليه السلف والخلف اهـ.
الجزء 1 · صفحة 9
قال الذهبي: كان ثقة دينا عالما عاقلا اهـ. وذكر في طبقاته ما يدل على مبلغ براعة الطحاوى فى الفقه والحديث وإمامته فيهما. وقال ابن كثير في البداية والنهاية فى ترجمة الطحاوى وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة اهـ.
وما ذكره ابن تيمية في حقه عند توهين حديث أسماء إنما هو مجازفة من مجازفاته، وليس أدل على ذلك من الاطلاع على كتبه، وما كتبه كثير من الحفاظ في حديث أسماء برغم ابن تيمية الذى ألف في أغلاطه في الرجال خاصة أبو بكر الصامت الحنبلى جزءاً، وحق لمثله أن يقبع ولا يتكلم في مثل ذلك. ولا كلام فى صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة فى المطالب العلمية ومعرفة الطحاوى بالعلل لا يتجاهلها إلا من اعتل بعلل لادواء لها، نسأل الله السلامة.
من روى عنه من الحفاظ أبو القاسم بن أبي العوام ومسلمة ابن القاسم القرطبي والطبراني صاحب المعاجم وابن يونس صاحب التاريخ وغنجر البغدادى وأبو بكر بن المقرى وابن الخشاب وابن المظفر وابن عدى صاحب الكامل وغيرهم. وقد ألف بعضهم جزءا في الذين أخذوا العلم عنه. وتوفى بمصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. أغدق الله على جدثه سحائب رضوانه وقبره ظاهر يزار على يمين السالك لشارع الليث قبل الإمام الشافعي قرب آخر موقف الترام فى الشارع الموازي لشارع الترام يمينا.
وأما تصانيفه ففى غاية من الحسن والجمع والتحقيق وكثرة الفوائد، ولم تحظ مصر بطبع شيء منها رغم كون مصنفها من مفاخر وادى النيل، سوى رسالة صغيرة سبقتها بلاد في طبعها. وهذا مما يؤسف له.
الجزء 1 · صفحة 10
ومن مصنفاته الممتعة كتاب معانى الآثار، وهو يحاكم بين أدلة المسائل الخلافية بأن يسوق بسنده الأخبار التى يتمسك بها أهل الخلاف في تلك المسائل، ويخرج من الأبحاث بما يقنع الباحث المصنف المتبرئ من التقليد الأعمى، وليس لهذا الكتاب نظير فى التفقيه وتعليم طريق التفقه وتربية ملكة الفقه رغم إعراض من أعرض عنه ولذلك كان شيخنا العلامة الأستاذ محمد خالص الشرواني رحمه الله اختاره في عداد كتب الدراسة للإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله مع الآثار.
وكان لأهل العلم عناية خاصة بتدريس كتاب معاني الآثار وروايته وتلخيصه وشرحه. ومن شراحه الحافظ أبو محمد المنبجي مؤلف اللباب في الجمع بين السنة والكتاب والحافظ عبد القادر القرشي صاحب الحاوى في تخريج أحاديث الطحاوى والحافظ البدر العينى وله شرحان كبيران عليه: أحدهما خلو عن الكلام فى رجاله بخلاف الآخر، وكلا الشرحين في غاية من النفع فى الكلام على أحاديث الأحكام قد عنى بتدريسه سنين متطاولة في المؤيدية، وله أيضا كتاب مفرد لرجاله وكتاب القرشي، وكتب العيني من محفوظات دار الكتب المصرية على خرم فيها فياحبذا لو طبعت تلك الكتب القيمة.
وكتاب معانى الآثار طبع مرات فى الهند لكن أين جمال الطبع المصرى من الطبع الهندى؟ وراوية هذا الكتاب أبو بكر بن المقرى. ومنها بيان مشكل الحديث المعروف بمشكل الآثار في نفي التضاد عن الأحاديث واستخراج الأحكام منها، وراويته أبو القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعيني وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في اصطنبول تحت أرقام ???-??? فى سبعة مجلدات ضخام وهى نسخة صحيحة مقروءة من رواية الرعيني المذكور قابلها
الجزء 1 · صفحة 11
وصححها ابن السابق المترجم في «الضوء اللامع". والقسم المطبوع منه في أربع مجلدات فى حيدر آباد الدكن ربما لا يكون نصف الكتاب.
ومن اطلع على اختلاف الحديث للإمام الشافعي ومختلف الحديث لابن قتيبة ثم اطلع على كتاب الطحاوى هذا يزداد إجلالا له وإكباراً ومعرفة لمقداره العظيم وكم كنا نود لو طبع بمصر تمام الكتاب من النسخة المذكورة.
ومنها كتاب أحكام القرآن فى نحو عشرين جزءاً. ويقول القاضي عياض في الإكمال إن له ألف ورقة فى تفسير القرآن وهو أحكام القرآن له.
ومنها اختلاف علماء الأمصار فى نحو مائة وثلاثين جزءاً، اختصره أبو بكر الرازى، واختصاره هو الموجود فى مكتبة جار الله باصطنبول وغيرها. وأما الأصل فلم أظفر به وأما القطعة الموجوة بدار الكتب المصرية فهي من المختصر، وفى المختصر يذكر أقوال الأئمة الأربعة وأصحابهم وأقوال النخعى وعثمان البنى والأوزاعى والثورى والليث بن سعد وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن بن حى، وغيرهم ممن يصعب الاطلاع على آرائهم في المسائل الخلافية، فياليت الأصل بحث عنه وطبع هو أو مختصره.
ومنها الشروط الكبير في التوثيق في نحو أربعين جزءا، قام بطبع جزء يسير منه بعض المستشرقين وقطع منه توجد فى مكتبة مراد منلا وفي مكتبة على باشا الشهيد باصطنبول بدون أن تتم بها نسخة كاملة، وله أيضا الشروط الأوسط ومختصر الشروط فى خمسة أجزاء، والأخير من محفوظات مكتبة الله المذكور، ومختصر الطحاوى فى الفقه من محفوظات مكتبة الأزهر ومكتبتى جار الله وفيض الله المذكورتين ومن أحسن شروحه شرح أبي بكر الرازى، وقطعة منه توجد بدار
الجزء 1 · صفحة 12
الكتب المصرية. وله أيضا النوادر الفقهية في عشر أجزاء، وكتب النوادر والحكايات فى نحو عشرين جزءاً، وجزء في حكم أرض مكة وجزء في قسم الفئ والغنائم، وخمسة أجزاء في الرد على المدلسين لحسين بن على الكرابيسى الذى أعطى حجة لأعداء السنة بكتابه هذا حيث حاول فيه توهين الرواة من غير أهل الحجاز وكلمة أحمد في كتاب الكرابيسي هذا مذكورة فى شرح علل الترمذي لابن رجب.
وله أيضا جزآن فى الرد على عيسى بن أبان وجزء في الرد على أبي عبيد في النسب وجزآن فى اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين، وجزء في الرزية، وله شرح الجامع الكبير للإمام محمد وشرح الجامع الصغير له أيضا، وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب الوصايا والفرائض وكتاب التاريخ الكبير، وكتاب فى النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما روى فيها من خبر فى نحو أربعين جزءا، وكتاب مناقب أبي حنيفة وأصحابه في مجلد، والعقيدة المشهورة، وجزء فى التسوية بين حدثنا، وأخبرنا، وقد لخصه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وله كتاب سنن الشافعى جمع فيه ما سمعه من المزنى من أحاديث الشافعي، والشافعية يروون تلك الأحاديث بطريقه، وله غير ذلك.
وتلك شذرة من فضائل هذا الإمام الجليل وكتبه في حاجة إلى دراسة خاصة وبحث خاص، ولو كان مثل هذا العالم فى الغرب لندب أهل الشأن لتلك الدراسة وذلك البحث رجالا خاصة، بل نراهم يعملون هذا في بعض رجال الشرق. لكن أصبحنا بعداء عن تقدير مقادير الرجال أغنياء بما نستقى من أدمغتنا فقط عن البحث والتنقيب، ولو زاحمناهم في البحث والتعب وراء اجتلاء معارفنا وباعدناهم فى الموبقات وصنوف السقوط، لكان لنا شأن غير شأننا والله ولى
الجزء 1 · صفحة 13
الهداية والإنهاض.