مسألة الخلود
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مسألة الخلود
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
دوام نعيم أهل الجنة، واستمرار عذاب أهل الجحيم مما علم من الدين بالضرورة، وقد تواردت الأدلة على بقاء الجنة والنار ومضت الأمة على هذه العقيدة مدى الدهور.
فجهم بن صفوان بزعمه فناء الجنة والنار قد نابذ الكتاب والسنة وخرق الإجماع اليقيني وهو الذى نسب إليه كثير من البدع المكفرة باتفاق بين الفرق الإسلامية، فأصبح منبوذا عند أهل السنة، مهجوراً عند المعتزلة، بغيضا عند الشيعة والخوارج وسائر الطوائف، فلا يكون صنيع الشيخ الحراني وزميله ابن زفيل من مسايرتهما لجهم فى نصف رأيه بإنكارهما بقاء النار سوى خرق للإجماع اليقيني وغير تشغيب متهافت فيما ثبت من الدين بالضرورة كيف وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على بقاء الجنة والنار لا إلى نهاية بعد دخول أهلهما فيهما، بحيث لا يدع أى مجال لزائغ في التشكيك.
وقد ورد في القرآن الكريم وحده من الأدلة نحو مائة آية في الخلود فنحو ستين منها فى النار، ونحو أربعين منها فى الجنة، وقد ذكر الخلد أو ما اشتق منه فى أربع وثلاثين فى النار، وثمان وثلاثين في الجنة. وذكر التأبيد في أربع فى النار مع الخلود وفى ثمان في الجنة منها سبع مع الخلود؛ وذكر التصريح بعدم الخروج أو معناه فى أكثر من ثلاثين، وتضافر هذه الآيات ونظائرها يفيد القطع بإرادة
حقيقتها، كما تجد تفصيل ذلك كله في الاعتبار ببقاء الجنة والنار للتقى السبكى وهو مطبوع مع الدرة المضية في الرد على ابن تيمية فنحيل القارئ الكريم عليه
وأما ما ورد في السنة مما يدل على بقاء الجنة والنار فأكثر من أن يحصى. وما في الأصول الستة و مجمع الزوائد من ذلك كاف شاف، ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفا سلف عن النبي وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة كما يقوله عن التقى السبكي. ومن المعلوم أن ابن حزم بالغ التشدد كثير الإنكار على دعوى الإجماع في المسائل، ومثله إذا أقر بالإجماع فى مسألة تكون تلك المسألة في أعلى مراتب الإجماع، فدونك مراتب الإجماع له وهو يقول في أوله: إن من خالف مسألة من مسائل الإجماع المدونة فى كتابه المذكور يكفر بالإجماع ... ثم ذكر فى عداد تلك المسائل مسألة الخلود حيث قال في ص???: وإن الجنة حق وإنها دار نعيم أبداً لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية، وإنها أعدت للمسلمين والنبيين وأتباعهم على حقيقة الدين كما أتوا به قبل أن ينسخ ا أديانهم بدين الإسلام وإن النار حق وإنها دار عذاب أبدا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدا بلا نهاية وإنها أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام ولمن خالف الأنبياء السالفين قبل مبعث رسول الله عليه وعليهم الصلاة والتسليم وبلوغ خبره إليه».
ولذا قال السبكي في صدر كتابه السابق ذكره إن اعتقاد المسلمين أن الجنة والنار لا تفنيان وقد نقل أبو محمد بن حزم الإجماع على ذلك، وأن من خالفه كافر بإجماع اهـ.
والكلام في أنواع التقدم والتأخر طويل الذيل وليس فيها ما يبرر تمسك
جهم ومن لف لفه بقوله تعالى هو الأول والآخر وإنما دلالة القول الكريم على أن وجود الله سبحانه ليس له ابتداء ولا انتهاء وأنه هو القديم الباقي بذاته والمحكمات الدالة على الخلود دلالة باتة لا يناهضها مجمل محتمل، بل رده إليها هو الأصل الأصيل على أنه قد ورد بيانه ممن إليه البيان حيث قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: أنت الأول فليس قبلك شيء. وأنت الآخر فليس بعدك شيء كما في سنن أبي داود وجامع الترمذي وغيرهما، فهذا يقطع دابر الوساوس والهواجس، وقد قال الإمام أبو عبد الله الحليمي في منهاجه: «الأول الذى لا قبل له والآخر هو الذي لا بعد له فبان بذلك أن بقاء الجنة والنار بإبقاء الله الباقى بذاته لا ينافي كونه تعالى هو الآخر بالمعنى الذي بينه الرسول – صلى الله عليه وسلم- وبالمعنى الذى لا يختلف ومحكمات القرآن الكريم.