الجزء 1 · صفحة 5
محمد زاهد الكوثري راوية العصر وأمين التراث الإسلامي
بقلم الأديب الكبير الدكتور محمد البيومي
عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالمنصورة
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
يُطلقون وصف الراوية على من يحفظ الكثير من روائع الشعر العربي، فلماذا لا يتسعون فيطلقون هذا الوصف على من قرأكتب التراث الإسلامي في شتى فروعه المختلفة قراءة الدارس المستوعب الناقد؟ ومن تتبع المخطوطات الإسلامية عربية وغير عربية في شتى الأقطار المترامية ليقرأها في فروعها المختلفة؟
إننا نعهد من يتخصص في دروس التشريع فقه وأصول وتفسير وحديث لا يلم بكتب العقيدة ودقائق علوم التوحيد والمنطق والفلسفة، ودعك من علوم اللسان كالنحو والصرف والبلاغة واللغة والأدب، فما بالنا نجد الأستاذ الكوثري يقرأ كتب التراث الإسلامي في شتى مناحيه، قراءة ترشحه لأن يكون أمين هذا التراث في مختلف تياراته، لأنه لا يقرأ قراءة المتعجل، بل قراءة الفاحص الناقد البصير، حتى لنعجب حين نجد من يحققون كتب الكلام يتطلعون إلى مصباحه المضيء، فنظنهم وحدهم تلاميذ الرجل على حين نرى رجال الفقه في مختلف مذاهبه يعشون إلى ضوئه حين تنبهم المسائل وتتدجى وجوه الرأي، فيجدون شفاء الصدور، واطمئنان اليقين، فإذا كان المجال لمحققي كتب اللسان العربي، فإن استشارة الكوثري لهم ضرورة ملزمة، إذ يجمع المحققون على اختلاف
الجزء 1 · صفحة 7
مشاربهم وتنوع اتجاهاتهم على إمامة هذا الحبر في شتى الميادين، وما شهدنا إلا بما رأينا.
فقد كان مجلسه العلمي في مسجد محمد أبي الدهب المقابل للجامع الأزهر الشريف بعد صلاة الجمعة في كل أسبوع مجال تسابق علمي بين المحققين، إذ يعرفون أن الرجل الكبير لا يبخل بعلمه على أحد، وقد يستحيون من كثرة التردد على منزله العامر بالعباسية، فينتهزون فرصة صلاة الجمعة بمسجد أبي الذهب ليردوا مورده العلمي.
و الكوثري الجليل رحب الصدر، رحب العلم معا وطبيعي أن يكون هؤلاء الكبار ممن لا يسألون عن غير العويص المستغلق، وما أعياهم وجهه بعد طول الدأب وعناء المراجعة ولكن من غير الطبيعي - إلا لذي من اختصه الله بفضله - أن يكون المسؤول الكبير ملما بكل ما يسأل عنه، وكأنه سئل من قبل، فدرس ونقب حتى اهتدى إلى الرأي الصائب، مع بديهة حاضرة تقوم مقام الروية المتئدة عند سواه.
و قد يأتيه باحث بمخطوط نادر يظن أنه وحده الذي اطلع عليه، فهو يباهي به مباهاة لا تقف عند حد، ثم يفاجأ بأن الكوثري قد قرأ المخطوط في أكثر من نسخة، وأنه يشير عليه بالاطلاع على مخطوطات أخرى في مكاتب العالم الإسلامي عربية وغير عربية، كما يقدم إليه المخطوط النادر، فيعرف من طريقة نسخه من الكاتب؟ وفي أي سنة كتب؟ ويبدي احتمالات شتى لا تلبث بعد الفحص أن تصير إلى حقائق.
إننا نعرف كثيرا من الفضلاء يحرصون على جمع المخطوطات ولهم
الجزء 1 · صفحة 8
جهدهم المشكور لما بذلوه من وقت ومال واطلاع، ولكننا لا نجد مثيلا للكوثري في قراءة هذه المخطوطات واستيعابها على نحو فريد، ولعلنا نعترف بالفضل لأهله حين نذكر في هذا المجال الشيخ طاهر الجزائري والشيخ خليلد الخالدي، وأحمد باشا، تيمور ولكن الكوثري قد أربى عليهم بما قرأ واستوعب في اللغات الإسلامية من عربية وتركية وجركسية وفارسية.
إن هؤلاء الأفاضل قد وقفوا عند التراث العربي وحده، ولكن الكوثري تجاوز هذا النطاق إلى ما هو أرحب وأوسع، وقد يُترجم نقولا مختلفة من هذه اللغات إلى العربية، ويقدمها هدية لمن يسأله دون أن يحرص على نسبة الترجمة إليه، وهي مثالية عليا نادرة الوجود.
(زاهد أصيل):
أذكر أن الأستاذ العقاد حين تحدث عن الأستاذ الكبير محمد فريد وجدي رحمهما الله، قال في مقدمة حديثه في «رجال عرفتهم للأستاذ العقاد» ص 147: (هو فريد عصره غير مدافع، ولطالما قيلت هذه الكلمة عن عشرات من حملة الأقلام في عصر واحد كلهم فريد في عصره، إلا أننا نقولها اليوم عن محمد فريد وجدي لنعيد إليها معناها الذي يصدق على اللغة حرفا حرفا ولا ينحرف عنها كثيرا أو قليلا حتى في لغة المجاز، نعم الفريد حتى في لغة الجناس لأن اسمه فريد!).
و ما قاله العقاد عن فريد، وانطباق الوصف الدقيق على اسمه، أقوله عن (زاهد) وانطباق الوصف الدقيق على اسمه فما رأينا من كبار
الجزء 1 · صفحة 9
العلماء من زهد في المناصب العلمية المغرية على ما تمنحه من جاه ممتد ومال مسعف وعيش رافه، كما زهد الأستاذ زاهد الكوثري.
لقد دعي إلى أن يكون أستاذا للغة التركية بمعهد اللغات الشرقية قبل أن ينضم إلى كلية الآداب، فرفض لأنه رأى بين أساتذة المعهد مستشرقين يخفون ما لا يبدون، وليس من خلقه أن يزامل من لا يثق في طويته، ودعي لأن يأخذ أجرا على ما يقوم به من عناء التصحيح والتوثيق والتقدمة لبعض كتب التراث، فرفض على شدة احتياجه وضيق ذات يده، لأن ذلك في رأيه قد يحول دون ثواب الآخرة، وما عند الله أبقى وأفضل!
لقد قدم إليه تلميذه الناشر الكبير الأستاذ حسام القدسي مئة نسخة من كتاب قام على تصحيحه عاما كاملا فأبى، وقال: أخاف ألا مع ثواب الآخرة، وفي أزمة مالية مرهقة حين اشتدت به العلة وزادت تكاليف العلاج شاء تلميذه الأستاذ أحمد خيري أن يمده بثمن الدواء وفاء لما قام به من تعليمه وتهذيبه فأبى، وآثر أن يبيع كتبه الثمينة بثمن بخس ليجد ما ينفق دون مرارة تلحقه.
و قد أراد الأستاذ الكبير محمد أبو زهرة أن يكون الكوثري أستاذا للطلاب بقسم الدراسات العليا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكان الرجل يعاني أعباء الشيخوخة، فقال لأبي زهرة ليست لدي القوى الجسمية التي أطمئن إليها في تأدية الدرس على الوجه المنشود! وألح أبو زهرة قائلا: إن مجرد حديث الكوثري مع الطلاب كسب أي كسب وإنه يتحدث مع كبار العلماء فيبهرهم، فليجرب مع الطلاب ولكن
الجزء 1 · صفحة 10
الكوثري قال: التدريس أمانة وله عندي ميزان خاص أخاف على نفسي أن أتجاوزه، ولقاء الله قريب
وخرج الأستاذ أبو زهرة من بيت الكوثري وهو يضرب كفا بكف ويقول: عندنا من يدخل قاعة المحاضرات، ولا يستحيي من نفسه أن يصرف الوقت فيما لا يفيد، وهذا الكوثري في ضيق من العيش، وضرورة لثمن الدواء، يستشعر فداحة الموقف العلمي، وينهاه ضميره الأدبي أن يتهيأ للدرس، مع أنه أهل له!! ثم يبعث له زميله الأستاذ علي الخفيف إلى الكوثري مرة أخرى فيجده مصمما على ما يريدا فيتكرر الرفض، ويخرج الخفيف هو الآخر ليضرب كفا بكف!
و قد أحسن الأستاذ أبو زهرة كل الإحسان، حين قال عن الكوثري في مقدمة كتاب مقالات الكوثري الذي طبع بعد رحيله مجموعا من الصحف الدينية التي كان يؤثرها بنتاجه الغزير:
(إن ذلك الإمام الجليل لم يكن من المنتحلين لمذهب جديد ولا من الدعاة إلى أمر بدئ لم يسبق به، ولم يكن من الذين يسمهم الناس بسمة التجديد، بل كان ينفر منهم، فإنه كان متبعا ولم يكن مبتدعا وأنا مع ذلك أقول: إنه كان من المجددين بالمعنى الحقيقي لكلمة التجديد، لأن التجديد ليس هو ما تعارفه الناس من خلع للربقة ورد لعهد النبوة الأولى وإنما التجديد أن يعاد إلى الدين رونقه، ويزال عنه ما علق به من أوهام ويبين للناس صافيا كجوهره نقيا كأصله، وإنه لمن التجديد أن تحيا السنة وتموت البدعة ويقوم بين الناس عمود الدين ذلك هو التجديد حقا وصدقا وقد
الجزء 1 · صفحة 11
قام الإمام الكوثري بإحياء السنة النبوية، فكشف عن المخبوء بين ثنايا التاريخ من كتبها، ثم عكف على جهود السابقين من الذين قاموا بالسنة ورعوها حق رعايتها، فنشر كتبهم).
و ما قاله الإمام أبو زهرة يجب أن يكون موضع الاهتمام والنظر، لأن من الكاتبين من يرى التجديد هدما لا بناء! بل منهم من يرى التجديد في الشذوذ عن الطريق السوي والافتيات على السابقين بغيا دون علم وليس بذلك بتجديد بل هو تدمير وتخريب.
(ظروف حياة)
ينتهي نسب الكوثري إلى الجركس ببلاد القوقاز، وللجراكسة عزيمة صلبة، يعرفها من يقرأ سيرهم في الحروب واقتحام الأهوال، وأبناء الجراكسة من العلماء يحملون هذه العزيمة في مضمار العلم والثقافة، فلهم اعتزاز بالرأي ومجاهرة بالحق، وعدم الخضوع لما يرونه باطلا في الاتجاه، وتلك صفات بارزة عرف بها الأستاذ محمد زاهد الكوثري من عهد الطلب إلى أن سعد بجوار ربه الكريم.
صَحِبَتْه هذه العزيمة طالبا، حيث برز على أقرانه في مجال الدراسة، ونال الشهادة العالمية، فكان الأول بين زملانه وعين مدرسا بجامع الفتح مباشرة لما شوهد من نبوغه المبكر، ولكن الاتحاديين حينئذ قد أرادوا انتقاص المواد الدينية من جداول الدراسة لتحل محلها العلوم الحديثة، فرأى الكوثري أن يجهر بالمعارضة دون حذر، ولاحظ الاتحاديون الأتراك صلابة موقفه، فخافوا أن يلتف حوله من يستطيع إقناعهم باتجاهه،
الجزء 1 · صفحة 12
وعملوا على إبعاده عن الآستانة مدرسا في معهد فرعي وسط الأناضول.
ثم رأت الجامعة أن تعين أستاذا للشريعة الإسلامية عن طريق الامتحان بين المتسابقين من حملة العالمية مع الخبرة والتدريس فتقدم الأستاذ الكوثري للامتحان، فوقع عليه الاختيار وغاظ الاتحاديين أن يرجع من الأناضول مرقى إلى هذا المنصب الخطير، فاكتفوا بانتداب أستاذ آخر دون تعيين أحد، ولكن صيت الكوثري دفع به إلى مجالات علمية حتى صار وكيلا للمشيخة الإسلامية، فأصبح الرجل الثاني في المنصب الديني، إذ لا يتقدمه غير شيخ الإسلام فحسب.
ثم جهر بمعارضته الشديدة لهدم مدرسة دينية أراد الاتحاديون تحويلها إلى مستشفى عام وبادر برفع دعوى إلى المحكمة المختصة موضحا أن المدرسة ذات وقف متعين ولا سبيل إلى إلغائه، ولم تصل المحكمة إلى حكم عادل لأن الكماليين قد احتلوا الآستانة، وأصبح أمرهم بالغ
النفاذ، بحيث لا تخضع لرقابة قضائية فهدمت المدرسة وبدرت دلائل فصل الدين عن السياسة، والدعوة إلى العلمانية.
فجند الكوثري جبهة لمحاربة هذا الاتجاه، وصدر الأمر باعتقاله فلم يخف على نفسه قدر خوفه على إسكات أصوات المعارضة لهذا الحدث المنكر، ورأى أن يفر بدينه مجاهرا إلى الله، ليستطيع أن يتحدث بما يشاء، ففر وحيدا أعزل من كل شئ وطاف ببلاد الشرق منتقلا بين القاهرة ودمشق حتى استقر بالقاهرة، ونزل أول أمره برواق الأتراك بالأزهر، فعرف الطلاب مكانته وتجمعوا حوله ولكن ظروف حياته ظلت بين الجذب
الجزء 1 · صفحة 13
والشدة، لأن لم يسع إلى منصب علمي ترشحه له كفاءته الواضحة.
وكان من عارفي فضله من أبدوا استعدادا لمعاونته، ولكنه أصر على الانطواء الوظيفي دون الانطواء العلمي، ولعل تجاربه الأولى بتركيا قد أقنعته بالبعد عن ميادين التنافس، وقد نشر من التحقيقات العلمية ما قربه لذوي النباهة من أستاذة العلم.
و كان في الرجل تواضع كريم، فأراد إحياء سنة السلف في رواية الحديث النبوي واتصل بشيخ الشافعية بمصر ليروي عنه (المسلسل) عن مشايخه، كما اتصل بالشيخ يوسف الدجوي أحد كبار العلماء في زمنه ليروي عنه موطأ مالك وفي أثناء مقامه بدمشق روي کتاب الشمائل للترمذي عن السيد محمد بن جعفر الكتاني بالجامع الأموي بدمشق، ولم يكن الشيخ طالبا صغيراً حتى يحرص كل الحرص على هذه الروايات، ولكن كان في مستوى من يأخذ عنهم، بل كان يفوق بعض من جلس بين أيديهم وهم يعلمون ذلك عنه، ولكنهم جميعا يحيون سيرة السلف في امتداد الرواية إلى هذا العصر.
و قد رأيت بنفسي إحدى مجالس الحديث النبوي بدار العلامة يوسف الدجوي، وشاهدت العلامة الكوثري يقرأ في خشوع حديث الموطأ، الدجوي فوق كرسيه يسمع في يقظة وانتباه، وكان المشهد عجيباً، تحدَّثت عنه بإفاضة في إحدى مجلات الأزهر تحت عنوان (مقارئ الحديث في مصر)، فليت هذه المقارئ تعود.
(أنصار ومعترضون):
الجزء 1 · صفحة 14
لكل مفكر تلاميذه المؤيدون ومخالفوه المعترضون وتلك ظاهرة صحية دون جدال، فما زال اختلاف الرأي سبيلا إلى إيضاح الحق، إذا خلصت النيات وسلمت الضمائر، وقد نزل الكوثري القاهرة، وهو صاحب رأي في مسائل الدين وشؤون التاريخ، ينافح عنه ويعارض مخالفه، فمن الطبيعي أن يلتف حوله من ينحو منحاه، كما من الطبيعي أن يجهر خصومه بمعارضته ولهم تلاميذهم الذين يؤيدونهم في الصحف، وينقدون ما يرونه محتاجا للنقد من أقوال المخالفين.
قد قلت: إن الكوثري صلب صخري المسكر، لا يسكت عن نقد، ولا يغمض عن اعتراض وإذا كان قد جاهر الكماليين والاتحاديين في تركيا مع سلطانهم القاهر، وبطشهم الغادر، فإن مجاهرة مخالفيه من علماء مصر مأمونة العاقبة، إذ لا خطر فيها على أحد، فله أن يقول ما يريد متى يريد! وقد قال الرجل آراءه الصريحة في اتجاهات المجدين من ذوي الإصلاح الديني، وهذا ما يحمد، له، كما أن مما يُحمد لمخالفيه أنهم واجهوا النقد بالنقد دون افتيات، وتلك سبيل الفضلاء!
وقد يقال إن بعض الطلاب من الشباب المندفعين قد هاجموا الرجل بمقالات صاخبة، ولكن الكوثري نفسه قد هاجم الطلاب والأساتذة بمقالات صاخبة وفي هؤلاء الكبار شيخ الأزهر الإمام المراغي والعلامة الشيخ عبد المجيد سليم المفتي الأكبر وشيخ الأزهر أيضا، والأستاذ الكبير محمود شلتوت شيخ الأزهر من بعد، والأستاذ أحمد شاكر شيخ المحدثين في عصره، والقاضي الكبير.
الجزء 1 · صفحة 15
وكنت أوثر أن ينهض باحث مخلص بكتابة مؤلف عن هذه الحركة العلمية الخصيبة، بعد أن ذهب أصحابها إلى رحمة الله ورضوانه، وكلهم مخلص أمين أجل كنت أوثر أن ينهض باحث لكتابة مؤلف تحت عنوان (الكوثري بين مؤيديه ومعارضيه) ليرى الخلف بعض جهاد السلف في خدمة العلم، ومضمار التجديد، وليتصل التاريخ العلمي اتصال الحلقات الممتدة في نظام دقيق.
و إذا كان المراغي وعبد المجيد سليم وشلتوت ممن يذهبون في الإصلاح الديني والتفكير الإسلامي مذهب الإمام محمد عبده، فإن الكوثري رحمه الله لم يعف الأستاذ الإمام من انتقادات متتابعة وهو بذلك يعيد معارك الفكر الإسلامي في أخصب عهوده، حين كانت آراء أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ومالك بن أنس والليث بن سعد موضع.
(جدل كبير)
و مما يبعث على الارتياح أن مقام هؤلاء جميعا كان موضع التكريم من القارئ المعاصر، فقد كان الكوثري - على حدة صياله – موضع التقدير من أساتذة الأزهر الشريف، ومن طلابه، إذ كان له حواريون مخلصون من طلبة الكليات الأزهرية ومن أساتذتها المرموقين، وكان الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين بعده باحثا إسلامية منقطع النظير.
كما كان الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي يراه ساعده الأيمن في
الجزء 1 · صفحة 16
اتجاهه الفكري، وقد أجبره على السكني معه هو وعائلته في بيته بعزبة النخل في ضواحي القاهرة، حين ن كان الكوثري يسكن بالعباسية، وقد تعرضت لقنابل الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، فلم يأمن الدجوي أن يعود الضرب ثانية فيتعرض صاحبه لما يخشاه.
كما أن الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر كان يختص الكوثري باهتمامه، إذ عرف فضله العلمي فيما حققه من كتب التراث الإسلامي خاصا بالفلسفة التي كان الأستاذ مصطفى عبد الرازق أستاذا لها بكلية الآداب بالجامعة المصرية حينا من الدهر.
أقول ذلك قبل أن أعرض بعض مناحي الخلاف الفكري بين الكوثري ومعارضيه الكبار، وكلهم خيار من خيار.
إن اختلاف مناحي التفكير في القضايا التشريعية والكلامية، قد فسح مجال التباعد بـ بين الأستاذ الكوثري ومخالفيه، لأن الإمام المراغي وتلاميذ مدرسة الشيخ محمد عبده جميعا، يرجعون في الرأي العلمي إلى قضايا علمية يؤكدونها قبل الإدلاء بأحكامهم التشريعية، فتجئ هذه الأحكام متفقة مع ما قرروه من القضايا الكلية، أما الأستاذ الكوثري وتلاميذه فهم متشبعون بالأحكام الجزئية التي سجلها الفقهاء في كتبهم المتداولة، وقد يرجعون إلى نصوص متأخرة قال بها من الفقهاء من لا يجيز لنفسه أن يجتهد في الرأي، بل من يحرم الرأي، ويعد باب الاجتهاد الفقهي قد أوصد تبعا لما قرره أمثال ابن الصلاح ومثل هذا الاختلاف في تناول قضايا العلم لا ينتهي بالمتناظرين إلى وفاق، ولكل مشربه ومتحاه
الجزء 1 · صفحة 17
أضرب المثل لما أقول فأعلن أن الإمام المراغي حينما تقدم ببحثه عن قانون الزواج والطلاق رقم 25 سنة 1929، وقد صار معتمدا لدى المحاكم ومرجعا للرأي في شؤون الأسرة، قدم له بقواعد ثابتة لا يراها مجالا للاعتراض، حيث أوضح خطر الحكم بالكفر على من يخالف آراء الفقهاء المتداولة، وأوضح معنى الاجتهاد فارقا بين المجتهد المطلق والمجتهد المقيد، واعتماد الآراء الفقهية المخالفة لأئمة المذاهب الأربعة، إذا كانت ذات دليل راجح، كما بين تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والعرف، وأفاض في هذه المسائل إفاضة شافية حتى كادت تكون بحثا مستقلا في علم الأصول.
و في ضوء هذه الكليات أصدر أحكامه عن تعدد الزوجات وطلاق المكره والسكران والطلاق غير المنجز، والطلاق المعلق، ووقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة وشروط عقد الزواج، وجاء العلامة الكبير أحمد شاكر فاعتمد كثيرا من هذه الأصول في كتابه عن الطلاق، ولكن الأستاذ الكوثري لم ينح منحى الشيخين الكبيرين وأصدر كتابه الإشفاق على أحكام (الطلاق متقيدا بمذهب الإمام أبي حنيفة في أكثر ما قرر، وراجعا إلى أقوال الأئمة الثلاثة في غير الأكثرا وما قرره الكوثري معروف مشتهر وعليه دارت الفتوى الشرعية، والحكم القضائي قبل صدور القانون سنة 1929م، وقارئ كتاب الإشفاق مقارنا بكتاب الشيخ شاكر يشعر بأن الجهة منفكه كما يقول المناطقة، وقد دل كتاب الإشفاق على علم غزير وغوص بعيد ولكن الطريقين متباعدان.
وما يقال في قانون الأسرة يقال في مسألة نزول عيسى عليه السلام،
الجزء 1 · صفحة 18
حيث أصدر الإمام محمد شلتوت فتوى تنتهي إلى أن منكر هذا النزول لا يخالف نصا قطعيا مجمعا عليه، وأبدى من الأدلة الملزمة ما يرجح قوله، وكان قد تلقى سؤالا عن نزول ع من جهة رسمية بالهند، فأعمل فكره الدقيق حتى اهتدى إلى حكمه المعلل.
والأستاذ الكوثري على نقيض هذا الرأي ولكل وجهة هو موليها فعارض الحكم مستندا إلى ما فهمه من نصوص مطلقة تقبل الرأي وسواه ولا تجزم برأي قاطع، وقد قسا في مقاله قسوة بالغة، حيث اتهم المخالف بالهوى وحب الظهور الشخصي ومجاراة ذوي الأهواء، مما دفع الأستاذ شلتوت أن يكيل بالصاع صاعا غير مصرح باسم الكوثري ولا بمن نحا منحاه، وقد مهد لحديثه بمقال جامع عن العقيدة الدينية وطريق ثبوتها مؤكدا اتفاق العلماء على أن الدليل العقلي الذي سلمت مقدماته وانتهت في أحكامها إلى الحس أو الضرورة يفيد اليقين، ومبينا أن الاجتهاد في ما لا قاطع فيه يمنع التأثيم، ومفسرا ما يتعلل به المخالفون من نصوص ليست صريحة فيما يدعون، وليس المجال هنا مجال استقصاء وتتبع، ولكننا نحدد تيارين يختلفان ولا يتفقان.
و مما زاد الرهج هياجا والحرقة اشتعالا أن الأستاذ الكوثري يتسرع في القسوة دون موجب، فقد صادرت مشيخة الأزهر كتابا يتضمن بعض العقائد المنحرفة، ولكن الأستاذ شلتوت وهو عضو بجماعة كبار العلماء فقد رأى أن المصادرة ليست هي الحل الأمثل، إنما الحل أن تقوم الجماعة بالرد على الأخطاء التي يتضمنها الكتاب وأن ترشد المسلمين إلى الانحرافات المبثوثة في بعض كتب التراث، كي يستضيء القارئ فلا يضل؛
الجزء 1 · صفحة 19
إذ أن هذه المصادرة في مصر لا تمنع ذيوع الكتاب في قطر آخر، فالأفضل أن يترك الحكم للقارئ بعد أن يجد الرد الشافي من العلماء، وقال الأستاذ شلتوت: إن من واجبات جماعة كبار العلماء أن تصحح لا أن تصادر ولكن الأستاذ الكوثري رأى المصادرة حلا صحيحا، وكتب مقالا يتهم فيه الأستاذ بمجاراة أهل البدع والأهواء وكان أحراه أن يجادل بالتي هي أحسن.
والحق أن الكوثري لم يكن في اتجاهه المخالف صاحب غرض شخصي ولكنه ذو إخلاص وحمية تدفعانه إلى المعارضة، كما كان معيرا عن مشاعر علماء فضلاء يشاركونه الرأي، ولا يملكون ما يملك من حجج وبراهين، لأن قراءاته الكثيرة قد ساعدته على استيعاب نصوص مختلفة لا يتيسر الحصول عليها لسواه، وما زالت الأفكار تتعارض منذ تمتع الإنسان بعقله المستقل وتفكيره المستدل، فالجدل المخلص طريق الحق والحقيقة بنت البحث.
(دعوى التعصب)
ذاع عن الكوثري - بغيا دون حق – أنه شديد التعصب للمذهب الحنفي، وأنه يراه المذهب الحق، وأن ما عداه لا يرتفع إلى مستواه، والحق أن الفقيه الكوثري قد درس الفقه الحنفي دراسة مستوعية فاحصة وآثر اتباعه والالتزام بأحكامه، وهذا مما لا غضاضة فيه، ولكن هجوم بعض الأدعياء على الإمام أبي حنيفة دون دليل، وحرصهم على نشر كتب منسوبة لبعض الأئمة تتضمن تجريح أبي حنيفة، خطأ لا يجب السكوت عنه،
الجزء 1 · صفحة 20
فتصدى الكوثري لتفنيد كل ما يروى عن أبي حنيفة من افتراءات.
و قد تورط الخطيب البغدادي في ذكر مفاتح لا تصدر من مثله، وكان ذلك تعصبا مقيتا لا يليق بمؤرخ يكتب تاريخ بغداد في عدة مجلدات فيتعرض لمئات العلماء والفضلاء تعرض من لا يهمه التزام الحيدة الصريحة فيما يقول، وقد طبع كتاب تاريخ بغداد طبعة مغرية، وتناقله الدارسون عن ثقة واحتفال وفيهم من أخذ يردد أوهامه المغرضة عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فانبرى الإمام الكوثري لتزييف هذه الأباطيل في كتاب (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب) وفي بعض هذه الأكاذيب بشاعة شنيعة حملت الكوثري على أن ينقضها في انفعال لا سبيل إلى تلافيه ولا يعد كتابه هذا مثلا للتعصب، بل هو ضرورة ملزمة يفرضها العلم على من يملك القول.
و قد رد بعض الفضلاء على كتاب التأنيب، فتقبل الكوثري رده بقبول حسن، وأتبعه بما يراه من تعقيب جاد ولو كان الكوثري متعصبا دون حق لنار في وجه ناقد التأنيب، ولكنه يعرف أن النقد سبيل الصواب متى خلصت السرائر، وصحت الأفهام!
و الرجل لا يثور إلا حين يرى حقا يشوه وباطلا يزين، بدليل أنه كان متزنا كل الاتزان في رده على ابن أبي شيبة، فيما ألفه تحت عنوان (النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة، وقد دل هذا الكتاب على عمق فريد وتخصص بالغ في أعقد مشاكل الفقه ومعضلاته، وقد قاربت صفحاته منتين وثلاثا وسبعين صفحة، على غير
الجزء 1 · صفحة 21
عادة الكوثري في الاختصار، لأن تشعب الأحكام قد دفع به إلى موج يجيد السياحة في محيطه الزاخر ويصل إلى الشاطئ بسلام!
أما اشتغال الكوثري بتراجم أئمة الأحناف من أمثال أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر والطحاوي وابن الهمام وغيرهم، ففضل كبير يعزى إليه، فقد درس الرجل الكبير أقوال هؤلاء الأئمة وسرد ما يعرفه من مبتكراتهم الفقهية الرائعة ودل على تهافت من قاوموا هذه الآراء بمنطق جيد لا يغلب فليت أبناء المذاهب المختلفة يتجرؤون لكتابة تراجم الأئمة من أعيان المذهب، فتكون لنا ثروة علمية وسير تاريخية تنشئ جوا فكريا نحن في حاجة إليه في مضمار التشريع.
و لا أترك هذا المجال دون أن أشير إلى ما كتبه الكوثري في كتابه (إحقاق الحق بابطال الباطل في مغيث الخلق) ردا على كتاب ظهر تحت عنوان (مغيث الخلق في ترجيح المذهب الحق) منسوبا لأبي المعالي الجويني إمام الحرمين وأستاذ الغزالي، فقد سل الكوثري سلاحه الباتر في معارضة ما جاء بهذا الكتاب ونحا باللوم على مؤلفه المزعوم، وقد تعرض المفتي الأكبر الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي وهو شيخ الحنفية في عصره، وموضع الثقة من الشيخ الكوثري إلى القول فيما نشر تحت عنوان (مغيث الخلق فشكك في نسبة الكتاب لأبي المعالي الجويني إمام الحرمين، ونقل من كتاب البرهان للجويني ما يخالف ما جاء في مغيث الخلق، مما يدل على أن النسبة إليه في تأليف هذا الكتاب ذات ريب أكيد.
و لو التفت الكوثري إلى المقارنة بين ما جاء في البرهان وما افترى به
الجزء 1 · صفحة 22
مؤلف مغيث الخلق على الإمام أبي حنيفة لجاهر بنفي هذا الهراء عن إمام جليل كالجويني ولا أدري ما حظ الذين يفترون الأكاذيب ويلصقونها بأكابر العلماء زيفا وبهتانا؟ وماذا يقولون يوم الحساب حين ينتصف منهم من افتروا عليهم وهم فقهاء يفترض فيهم أن يحملوا أمانة الخلق قبل أن يحملوا رسالة العلم! ذلك جرم خطير! هذا، وللأستاذ ترجمة رائعة عن الليث بن سعد فقيه مصر وصاحب المذهب المستقل، وقد سعى سعيا حثيثا لنشر كتاب أدب الشافعي ومناقبه للإمام عبد الرحمن الرازي، وكتب مقدمة حافلة لهذا الكتاب القيم قال فيها ص6: (إن أئمة الهدى المتبوعين رضي الله عنهم أجمعين، لهم منازل سامية في قلوب الأمة حتى انحصر تمذهبهم في مذاهب هؤلاء السادة القادة علما منهم بسعة علومهم، وعظم إخلاصهم في خدمة دين الله، فبارك الله في علومهم، وعلوم من انضووا تحت راياتهم. ثم قال: وكان الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي أكثر تحريا فيما يسوق من الأنباء، ولذا كنت متشوقا إلى الظفر بنسخة من كتابه في سيرة الإمام الشافعي فعلمت أنه في المكتبة الأحمدية في حلب الشهباء نسخة منه، فرجوت صديقنا الأستاذ الألمعي الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - حفظه الله ورعاه - أن يبحث عن ناسخ هناك، ينقل الكتاب على حسابي ففعل وتفضل بمقابلته بالأصل مقابلة دقيقة أوجبت مضاعفة شكري له، والله سبحانه يكافئه على هذا الجميل، وبقي الكتاب محفوظا عندي إلى أن رغب الأستاذ الأديب السيد محمد عزة العطار في نشره فنزلت على رغبته رجاء دعوة صالحة تلحقني المطلعين على الكتاب).
الجزء 1 · صفحة 23
فالذي يبحث جاهدا عن كتاب في مناقب الشافعي، ثم يعجل بنسخه على حسابه ويدعو الناشر لطبعه لا يكون متعصبا لمذهبه وحده ولا لرجال المذهب بأعيانهم، ولكنه محب للفقهاء الأئمة في كل زمن ومكان وهذا ما سمعناه منه ووعيناه، فكيف يرمى بالتعصب وعلى من؟ وكل الأئمة الأربعة في الدرجة العليا من الفقه والإيمان.
و فيما قاله الكوثري إشارة إلى العالم الفاضل الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة، وهو من أكرم تلاميذ الكوثري، وقد تميز في مؤلفاته وتعليقاته وتحقيقاته بدقة بحث، وعمق تحقيق ومتانة علم وإتقان لما يخرجه.
(مقدمات الكوثري):
عرفنا سعة إحاطة الكوثري بالتراث الإسلامي، حتى صار أحد الأعلام المعاصرين في هذا المجال إن لم يكن أوحدهم، وقد كان إقبال القراء في النص الأول من هذا القرن على اقتناء هذه الذخائر الثمينة دافعا لأرباب المكاتب على نشر هذه المؤلفات، فتسابقت المطابع إلى نشر الموسوعات وما دونها من الكتب والمختصرات وتطلب هذا النشر الملح تعريفا بالكتاب والمؤلف فمهر جماعة في التحقيق التراثي، كما مهر آخرون في التعريف بالكتاب مؤلفا وغرضا وموضوعا ونقدا.
و كان الكوثري متطلع الأقطار في هذا المضمار، لأن تزكيته للكتاب وتعريفه به ومحاولة تحديد مكانته العلمية بين نظراته، والإلمام بمؤلفه واتجاهه المذهبي، وإخلاصه العلمي، مما لا يتاح لغير بحاثة كثير التنقيب.
و نحن نقرأ مقدمات الكوثري فتجدها مضرب المثل في التقديم،
الجزء 1 · صفحة 24
ونقارنها بكثير مما يكتب في بعض المنشورات، فتعرف فضل الله على هذا البحاثة الضليع، إذ أن لفيفا من الهواة حلا لهم أن تتصدر أسماؤهم وجوه الكتب دون دراية، وظنوا الإلمام بفهرس الكتاب ومؤلفه وترجمة حياته من المصادر القريبة مما يشفع لهم في كتابة هذه المقدمات، فهم يلوكون الذائع المشتهر عن الكاتب ومؤلفه ويحسبون أنهم على شيء، أما الأستاذ الكوثري ومن هم في طبقته من الراسخين الأثبات فيسلطون الأضواء الكاشفة في بصر نافذ وعمق بعيد، وقد لا يطيلون فيما يكتبون ولكن لكل كلمة مكانها ولكل حرف موضعه الصحيح.
و من فضل الله على الكوثري أنه ملم بنواحي الثقافة الإسلامية إلمام الدارس المتمكن، فإذا تحدث عن كتاب في الفقه أو علم الكلام أو التاريخ أو الحديث أو المنطق خيل لقارئه أنه تخصص في موضوعه وحده.
و نضرب المثل بمقدمته الرائعة لكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد الواقدي، إذ ألمت إلماما دقيقا بالأهم من حياة الواقدي واتجاهه الفكري، وقد أنصفه الكوثري حين حكم أنه جوزي جزاء سنمار على. ا صنع، فرماه أغلب الرواة عن وتر واحد حين كانوا يرون كثرة الغرائب في رواياته، كما نقل آراء الثقات عنه كإبراهيم الحربي ويعقوب بن شيبة وأبي بكر بن العربي وابن سيد الناس، ثم أصاب مقطع الحق حين قال: وليس كل ما فيه من الروايات قويا متينا، بل بين أسانيد رواياته ما هو مقطوع أو مرسل وبمعرفة أحوال الرجال تلك الأسانيد تعرف درجة الروايات وأمرها سهل عند أهل العلم. وقد امتدت المقدمة إلى تسع صفحات من القطع الكبير، وتلخيصها بل الإشارة إلى بعض نفائسها مما تضيق به
الجزء 1 · صفحة 25
العجالة وإني أقدم هذه التحفة القيمة مثلا دقيقا لمن يتصدرون لكتابة المقدمات، إذ كانت مصدر توجيه أكيد.
و قد علمت من بعض الناشرين الفضلاء أنه بسبيل أن يجمع مقدمات الكوثري في كتاب خاص على: با جمع من مقالات الكوثري وهو عمل جليل نتطلع إليه في شوق شديد.
و قد عقد الأستاذ أحمد خيري رحمه الله فصلا خاصا بمؤلفات الكوثري ما بين مخطوط ومطبوع وقد بلغت واحدا وخمسين مؤلفا، غير حواشيه التي كان يضعها على الكتب التي يقدمها، وقد تتبع الأستاذ أحمد خيري هذه التعليقات في مظانها، وأشار إليها مع مؤلفاته في سجل أن أسماء المؤلفات ما بين مطبوعة ومخطوطة ومعلق عليها قد استغرق أربع عشرة صفحة كاملة! حافل ملأ ما بين صفحة 36 وص50 بمعنى هي الفصل الخامس من ترجمة الأستاذ الكبير.
ومن بين هذه الكتب مخطوط مفقود في مجلدين كبيرين تحت عنوان (المدخل العام لعلوم القرآن) وهو في رأي الباحث أهم مؤلفات الكوثري لما فيه من الشمول والتقصي والمقارنة والاستنباط، يقول الأستاذ خيري ص38: ولم يكن الشيخ الكوثري يأسف على شيء أسفه على ضياع هذا الكتاب، ولعل الله يسهل العثور على مخطوطته الوحيدة بإحدى دور الكتب بالآستانة؛ لأن هجرته المفاجأة إلى مصر قد أعجلته عن حمل مؤلفاته وكان يأمل أن يجد من تلاميذه في تركيا من يسعفه بها، ولكن الاتصال به في مهجره قد كان مصدر خطر لمن يجازفون به في مبتدأ الثورة
الجزء 1 · صفحة 26
الكمالية، فلم يتيسر شيء من هذه المؤلفات ومن يعرف أن مؤلف العالم لديه كولده من صلبه لم يدرك كم عانى الكوثري من ألم مرير!! هذه أقباس من سيرة إمام كبير، نرجو أن تحفز ذوي الفضل إلى جميع مؤلفاته وإعادة نشرها الدقيق.