الجزء 1 · صفحة 5
محادثة قديمة حول الوقف الأهلى
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل نحو عشر سنوات من هذا التاريخ كان النزاع اشتد حول فكرة حل الأوقاف الأهلية، وكان العلامة الشيخ محمد بخيت رحمه الله أعلن إذ ذاك قد أنه يلقى محاضرة في الرواق العباسي عن ذلك، وقبل الميعاد المحدد لإلقاء تلك المحاضرة بنحو يومين زارني عالم أزهرى لم يجاوز العقد الرابع من عمره حينذاك وهو معروف فى بيئته بجودة الإلقاء وسيلان القلم مع طموح منه إلى الاجتهاد وإبداء آراء لم يسبق إليها - وكان من العلماء الذين يتفضلون بالزيارة حينًا بعد آخر في ذلك العهد ليؤنسونى فأشكر فضلهم - لكن وجدته في تلك المرة متهيجا مكفهراً؟ فسألته مالك يا أستاذ أراك في حالة غير معتادة؟. فبدأ يشكو ما به قائلا: أما ترى مبلغ جمود كبار العلماء؟ وها هو أعلن الشيخ بخيت أنه يلقى محاضرة ضد إلغاء الوقف الأهلى مع أن المصلحة قاضية بحل الوقف المذكور، وقد شرح أهل الشأن فى الصحف السيارة ماجره الوقف الأهلى من الويلات إلى المستحقين وإلى البلد نفسه، ولا مجال للتترس فى ذلك بالشرع بعد قول أبي حنيفة فقيه الملة في الوقف، فلا جرم أني أقوم بواجبي نحو الشيخ بخيت فأقاطعه فى الملأ أثناء محاضرته وأتعقب کلامه كلمة كلمة في ذلك الحشد الحاشد.
ففكرت مليا وقلت في نفسى لا يمكن أن يريد بالمصلحة المصلحة المرسلة المعروفة عند الفقهاء فإنهما فيما لا نص فيه، بل يريد مصلحة النجم الطوفى ذلك الزائغ المشهور، والكلام فيها متشعب طويل الذيل فأترك الخوض فى بحث المصلحة الآن وأحادثه في ذات مسألة الوقف فقلت: هون عليك الأمر يا أستاذ
الجزء 1 · صفحة 7
إنى أراك - ولا مؤاخذة في جولتك وصولتك بدون أن تدرس المسألة كما يجب من جميع نواحيها، فإن كنت تستطيع أن تسمع بعض ما أعلم في هذا الصدد فإني أرى أنك تجد فيما أقول ما يسكن أعصابك ويغير اتجاه بحثك، ويحميك أن تظهر بمظهر التهور أمام ذلك الشيخ الكبير المعروف بجودة استحضار المسائل المدونة فى مذاهب الأئمة المتبوعين، وحسن الإلمام بأدلتها وقوة العارضة - وكان من عادة هذا الزائر أن يصغى إلى كلامي من غير أن يقاطعني في أثناء الحديث على اختلاف بيننا في المنهج والمدرك - فقال:
هات ما عندك وأنا مستعد لسماع كلامك ولى فيما بعد ذلك الرفض أو القبول.
فقلت: ليس في استطاعة عالم لا يجازف أن يلهج بحل الأوقاف الأهلية من جهة من الجهات أما من جهة الشرع فدونك كتب الصحاح والسنن ففيها من الأحاديث الصريحة مالا يستطيع مسلم بعد العلم بها إنكار ندب الشرع إلى الوقف وأبو حنيفة فيما قال متابع لشريح القاضي دون بذل الجهد بنفسه في حكم المسألة، ولو بلغته تلك الأحاديث لما تبعه، وقد أقر بذلك تلميذه البار له حيا وميتا أبو يوسف كما روى ذلك عنه ابن أبي العوام الحافظ بسنده إليه، ومن يكون أعلم بحال أبي حنيفة من تلميذه المذكور؟ والمجتهد كثيرا ما يتابع بعض من تقدمه من أهل العلم في مسألة بدون أن يفحص عن الدليل، ولأبي حنيفة مسائل تابع فيها أمثال شريح والنخعى من غير أن يبذل المجهود في معرفة دليل قول منها .. لكن إذا وضح الحق وظهرت الحجة فى خلاف ذلك القول فليس يصح أن يعزى إلى اجتهاده ما تابع فيه سواه بدون دليل ثم ظهر خطأ متبوعه كوضح الصبح؛ لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لا نص فيه وللأئمة كلهم مسائل من القبيل، كرواية ترك
الجزء 1 · صفحة 8
التوقيت فى المسح على الخفين للمسافر، والإثفار عند مالك، وكرواية ترك التسمية عمدا عند الذبح ونكاح بنت المزنية عند الشافعي إلى غير ذلك مما هذا ليس موضع، شرحه، وأمثال تلك المسائل مغمورة فى زاخر استنباطاتهم الدقيقة وقد تدارك أصحابهم الأمر بتصحيح ما يجب تصحيحه في المذهب .. على أن أبا حنيفة يرى لزوم الوقف و تأبده إذا لحقه حكم حاكم من حيث إن حكم الحاكم يرفع الخلاف القائم، فلا يكون مجال لحل الوقف المذكور فى الشرع باتفاق الأئمة، وليس حجر العاقل عن التصرف فى أمواله فى أيام صحته والاعتداء على شروط الواقفين المشروعة في شيء من شرع المسلمين.
فقاطعنى فى هذه النقطة قائلا: إنما ذلك فى الوقف الخيري؛ وكلامنا في الوقف الأهلى فقلت: سبحان الله! كيف يخفى على مثلك أن الوقف خيرى كله فى نظر الشرع؛ فالصدقة الجارية على ذوى الواقف كالصدقة على الغريب فى استجلاب الثواب. وأما تقسيم الوقف إلى خيرى وأهلى فاصطلاح حكومي حديث جدا لم ينشف حبره بعد، وهو مأخوذ مما كان مصطلحا عليه في عهد دولة المماليك من تقسيم الوقف إلى أهلى وغيره كما تجد شرح ذلك فى خطط المقريزى وكانوا يريدون بالوقف الأهلى ما يكون تحت نظر أحد من ذرية الواقف دون غيرهم، وأمامك الخطط فلا تحوجنا إلى شرح الأنواع الثلاثة من الحبوس فى ذلك العهد، ومن المعلوم أن من شروط صحة الوقف عند الأكثرين أن يكون الوقف لجهة خير تنقطع، وذرية الواقف وذرية عتقائه وخدامه وذويه عرضة للانقطاع. ولذلك يقول الواقف فى حجة الوقف بعد ذكر ذويه: ثم يصر ف ريع الوقف لسائر وجوه الخير فكل وقف تخلص ريعه لسائر وجوه الخير بانقطاع ذوى الواقف سموه خيريا اصطلاحا جديدا كما قلنا لا بمعنى أن الأهلى المصطلح ليس
الجزء 1 · صفحة 9
بخيرى ولا ثواب فيه.
فتبين أنه ليس في الشرع ما يقال له أهلى وخيرى تختلف أحكامهما وإنما الكل خيرى، كما أن مآل الأهلى المصطلح إلى الخيرى المصطلح؛ فمن يسعى فى إلغاء الوقف الأهلى فهو ساع في قطع الخيرين العاجل والآجل في آن واحد، ولولا الأوقاف التى تسمى أهلية لما وجدت الجوامع والمساجد والمعاهد والمستشفيات والملاجئ وصنوف المعوزين مددا لا ينقطع. وفى انقطاع ذلك كل الخسار للمجتمع الإسلامي، بل أوقاف الصحابة المدونة في كتب السنة غالبها أهلى على المصطلح الحديث.
ثم ذكرت له كيف سعى عالم مصر الليث بن سعد في إبعاد إسماعيل ابن اليسع القاضي من الحكم بسبب مسألة الوقف، وأريته من تاريخ قضاة مصر للكندى نص ما سرده الليث بأسانيده فى أوقاف الصحابة .. ثم قلت: يجوز الاعتداء على شروط الواقف التي أقره عليها القاضي الشرعي أثناء تسجيل الوقف؛ لأن الاشتراط شأن الواقف الذى هو كاسب أصل المال الموقوف، وأما من لا يعجبهم شروط الواقفين من جهة نفعها للمجتمع فليقفوا أموالهم بشروط يقرهم عليها قضاة الشرع مما يرونه أنفع للمجتمع ولهم ملء الحق في ذلك، وأما الاعتداء على أموال الآخرين أحياء وأمواتا فليس لأحد حق فى ذلك .. ثم قلت ولعل هذه الإلمامة تكون كافية من ناحية الإشارة إلى حكم الشرع فى المسألة. فتعجب وسكت ثم قال زد بيانا.
فقلت: وأما من جهة المنافع الوطنية فإن الأوقاف الأهلية إذا أعيدت أعيانها إلى المستحقين الذين لا يحسنون التصرف في الريع؛ فإن مصير تلك الأعيان
الجزء 1 · صفحة 10
إلى المرابين الذين لا يشبعهم استنفاد موارد هذا القطر العزيز ولا يرضى بذلك غير السماسرة، وأى وطنى يرضى إحداث ممتلكات في صميم الوطن يستدر خيراتها غير وطنى وتدعو مشاكل تلك الممتلكات إلى تدخلات لا تنتهى وقد رأيت كثيرا من العزب فى الوجه البحرى .. تؤلم روح الحر معرفة كيفية انتقالها إلى أصحابها الجدد هذا قبل حل الأوقاف، فماذا تكون الحالة على تقدير حل الأوقاف الأهلية؟!.
وأما ما يذكر في باب الاحتجاج على وجوب حل الوقف الأهلى من ركوب الديون على المستحقين للمرابين بسبب الوقف، فمن قبيل التسمك بخيوط الشمس؛ لأن الشرع لا يبيح رهن الوقف ولا رهن الريع غير المقبوض فإذن الذنب في ذلك إلى القانون الذى أباح للمستحقين رهن يملكونه والشرع براء من أن يكون مصدر مشاكل كهذه.
وأما اقتراح تسليم العين للمرء بحجة أنه لا يحسن التصرف في الريع فاقتراح تضحك منه الثكلى ولو كان سفه المستحق موجبا لإلغاء الوقف لكان مثل ذلك يجرى في الإرث وكم لهذا التحكم من لوازم مخجلة مزرية.
وأما المستحقون فلا ينالون من وراء ذلك مادة حيث تنتقل تلك الأعيان الموقوفة من أيديهم إلى المرابين بين عشية وضحاها، ثم يقاسون أنفسهم ما يقاسى كل من أساء التصرف في ماله في شقاء متزايد، وكل ذلك في الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إطالة الكلام، بل استبعد أن يكون تخمر هذه الفكرة بادئ بدء فى دماغ مفكر وطنى، وقد مثلت أمامنا عبر في التاريخ الحديث، وأحق الناس ألا تفوتهم عبر التاريخ بدون اعتبار بها. ورجال الدين؛ لأن سوق العبر التاريخية من طريق
الجزء 1 · صفحة 11
هداية القرآن الكريم، وفى مطاوى تاريخ الدولة العثمانية عبر أى عبر في هذا الصدد؟ وصلة هذا القطر العزيز بالدولة العلية صلة أخوية قديمة مستغنية عن الشرح وتعرف أطوارها ومعرفة المحن التي انتابتها مما يزيد في المرء تجريبا.
وقد ألف بعض سفراء فرنسة لدى الدولة العثمانية كتابا في تاريخ الإصلاحات العثمانية يحتوى على وثائق رسمية لا يمكن للجمهور أن يطلعوا عليها إلا من مثل ذلك المصدر، وقد ترجم بعض أهل الأدب من العثمانيين ذلك الكتاب فى أوائل إعلان الدستور في البلاد العثمانية، فاطلعنا بذلك على وجوه الأخذ والرد بين دول أوربة والدولة العلية فى صدد الإصلاحات في القرن المنصرم. والقرن الحاضر، فكنا إذا رأينا بين مقترحات دول أوربة ما يتعلق بترفيه الروم والأرمن والبلغار مثلا لا نستغرب ذلك كثيرا، لأن بين هؤلاء وهؤلاء من الصلات المذهبية والمنافع السياسية ما يدفع الدول المذكورة إلى مثل ذلك الاقتراح، ولكن إذا وجدناهم يقترحون على الدولة العلية تحت الخفاء إلغاء الأوقاف وجعل الأعيان والأراضى الموقوفة فى عداد أملاك الأمة، فهناك نقف وقفة نتساءل عن الغاية التى يرمون إليها بهذا الاقتراح، ونستجلى مصلحة هؤلاء فى هذا الطلب في أمر إسلامي بحت.
ونحن نعلم جيدا أنه لم يكن فى دار الخلافة العثمانية موضع شبر غير موقوف منذ افتتحها المسلمون فإذا ألغى الوقف يسهل على الغريب تملك ما يشاء وبناء ما يشاء في العاصمة، وغيرها ثم إن الوقف ميزانية الإسلام في غالب البلدان الإسلامية، فإذا ألغى وقطع مدده فسرعان ما يختل نظام الجوامع والمساجد والمدارس والمعاهد والملاجئ والمستشفيات ومساعدة المعوزين وسائر وجوه الخير، فإذ ذاك تبقى البلاد الإسلامية مفتحة الأبواب لتسرب صنوف من الكيد
الجزء 1 · صفحة 12
للمسلمين وأنواع من المكر بهم فى دينهم ودنياهم؛ لأن غالب المثرين من المسلمين لم يتعودوا أن يجعلوا في أموالهم حقا معلوما يؤدونه لدور العبادة والمؤسسات العلم والمساعدة. وقى الله سبحانه المسلمين شر الابتعاد عن دينهم وأيدهم بنصره ورد مكر الماكرين في نحرهم.
وكنا نجد غالب الاقتراحات الصادرة من ساسة الدولة العلية في الكتاب المذكور بكل صراحة، وما كان هؤلاء الساسة يظهرون بمظهر أنهم مرغمون فيما يقترحون بل كانوا يتظاهرون بأن تلك الاقتراحات بنات أفكارهم وكم رأينا من عبر تتعلق بالبلاد العثمانية في ذلك الكتاب وهو غير بعيد عن متناول الأيدى إذا صدقت العزيمة فى اجتلاء الحقائق والكلام فى هذا الصدد طويل عريض .. ثم قلت: وفيما ذكرت كفاية فيما أريد لفت النظر إليه فى المسألة التي نتحادث فيها، وبهذا ختمت کلامي معه.
فأطرق ذلك الزائر طويلا وسكت ولم ينطق ببنت شفة في الرد على کلامى ثم قام وسلم على وذهب وظنى أن كلامى لم يخل من تأثير عليه وإن كان مجيئه على أمل أن يجد عندى ما يتأيد به من مصادر الحجج في سبيل ما هو فيه حيث كان يظن بي - من بالغ إجلالي لأبي حنيفة ومزيد تمسكى به - أني أتصلب لكل رأى يروى عنه بدون تخير ولا نظر إلى ما هو من استنباطه بحججه الباهرة، وإلى ما هو من آراء من تقدمه وقد تابعه فيها من غير نظر، فإذ ذاك أكون متشررا لا متخيرا.
والذي علمته أن فضيلة الزائر عدل عن تصميمه وأن المحاضرة لم تلق في الرواق العباسي في ذلك الحين وإنما ألقيت فى موضع آخر وأن العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد بخيت - رحمه الله - ألف كتابا ممتعا في المسألة، كما أصدر
الجزء 1 · صفحة 13
الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسنين العدوى - رحمه الله - رسالة نافعة فيها فقبرت الفكرة إذ ذاك، ونراها اليوم قد بعثت من قبرها، وإلى الله عاقبة الأمور.
وقد رأيت سوق المحادثة القديمة فى مجلة الإسلام الغراء اليوم، لشبه ملموس بين الليلة والبارحة.