ما هي الأحرف السبعة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
ما هي الأحرف السبعة
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يسجل التاريخ لأمة من الأمم فى العناية بكتابها تعليما وحفظا، مثل ما سجل لهذه الأمة المحمدية من العناية البالغة بالقرآن الكريم، حفظا وتحفيظا ودراسة وتدوينا لكل ماله به صلة من قرب أو بعد، مدى القرون من فجر الإسلام إلى اليوم وإلى ما شاء الله. وقد صدق الله وعده في حفظه حيث قال: {إِنَّا نحن نزلنا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
يستظهره الصغير والكبير، والناشئ والكهل في المدن والقرى وأصقاع الأسلام كلها بحيث إذا سها تال فى كلمة منه أو حرف أو حركة في أبعد المواطن عن العواصم يجد هناك من يرده إلى الصواب ويرشده إليه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الاهتمام بتحفيظ كل ما نزل من القرآن إثر نزوله يحض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على تعلم القرآن وتعليمه قائلا لهم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه وما ورد في هذا الصدد من الأحاديث الصحيحة يعد بالعشرات.
وقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير – رضي الله عنه - في العقبة الأولى إلى المدينة ليعلم الأوس والخزرج القرآن قبل الهجرة ونزل دار القراء بها وعلمهم القرآن وكانت صفة المسجد النبوى بعد الهجرة كدار
للقراء يأوى إليها فقراء الصحابة ممن لا أهل لهم، يتدارسون القرآن ويتعلمونه ثم يعلمونه لأهل البلاد المفتوحة على تجدد الفتوح.
وكان جماعة من كبار الصحابة تفرغوا لتعليم الناس القرآن في المدينة المنورة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى امتلأت المدينة بالقراء.
وكان لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه -، ثم لابن عباس رضي الله عنه عناية عظيمة بتعليم القرآن وعلومه لأناس لا يحصيهم العد فى مكة المكرمة، وكان ابن مسعود - قد علم القرآن وعلومه لعدد عظيم من أهل الكوفة. ويبلغ بعض ثقات أهل العلم عدد هؤلاء إلى نحو أربعة آلاف قارئ ما بين متلق منه مباشرة أو آخذ عمن أخذ عنه، وأبو موسى الأشعرى – رضي الله عنه - كان يصنع صنيعه أيضا بالبصرة.
وقد حدث الحافظ ابن الضريس أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي في كتابه «فضائل القرآن» عن مسلم بن إبراهيم عن قرة عن أبي رجاء العطاردي البصرى أنه قال: كان أبو موسى يطوف علينا في هذا المسجد، يعنى مسجد البصرة فيقعدنا حلقاً حلقاً يقرئنا القرآن. اهـ.
وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يعلم القرآن في كل يوم بجامع دمشق من طلوع الشمس إلى الظهر، ويقسم المتعلمين عشرة عشرة، ويعين لكل عشرة عريفا يعلمهم القرآن وهو يشرف على الجميع يراجعونه إذا غلطوا في شيء كما في تاريخ دمشق لأبي زرعة الدمشقى وتاريخ ابن عساكر. وهكذا كان أصحابهم وأصحاب أصحابهم.
وها هو الإمام ابن عامر – رضي االله عنه - أقدم القراء السبعة طبقة كان له
وحده بدمشق أربعمائة عريف يقومون بتعليم القرآن تحت إشرافه.
وهو الإمام الذى يجترئ على قراءة مثله الشوكاني والقنوجي بدون وازع لهما مع خطورة الكلام على القراءة المتواترة. وفى المجلد الثاني من «النشر الكبير» لابن الجزرى بحث ممتع يردع أمثالهما من الخاطئين أو المخطئين المتحاملين على القراءات المتواترة، كما توسعت فى بيان ذلك في الأعداد ?? و 25 و 26 لسنة 1357هـ من مجلة الإسلام.
والقراءات المروية بطريق التواتر مدى القرون منذ آخر عرضة عرض فيها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فى آخر رمضان من عمره الكريم؛ هي أبعاض القرآن المروية بواسطة الأئمة السبعة بل العشرة تواتراً فيكون إنكار شيء من تلك القراءات فى غاية الخطورة، إلا أن من القراءات المتواترة ما يعلم الجماهير تواتره بالضرورة ومنها ما يعلم تواتره حذاق القراء المتفرغون لعلوم القراءة فقط دون عامتهم، فإنكار شيء من القسم الأول يكون كفراً باتفاق، وأما إنكار شيء من القسم الثاني فإنما يعد كفراً عند إصرار المنكر على الإنكار بعد إقامة الحجة عليه.
ولولا هذا التحقيق لكان تطاول ابن جرير والزمخشري على بعض القراءات السبعية المتواترة عند حذاق القراء خطيرًا جدا. ولم يكن ابن جرير تفرغ لعلوم القراءة وإنما كان اكتفى بكتاب أبي عبيد فى اختلاف قراء الأمصار الخمسة فيسهو فيما لا يسهو فيه الحذاق المتفرغون لهذه العلوم، وأبو عبيد أيضا غير متفرغ لعلوم القراءة، بل مسعاه موزع على علوم شتى على أنه أول ألف في اختلاف القراء فيعذر هذا وذاك فى السهو؛ لكن من يتابعهما بعد وضوح الحجة لا يكون
معذوراً أصلاً.
وما في «التيسير» لأبي عمرو الداني و «حرز الأماني» للشاطبي من قراءات الأئمة السبعة كلها متواترة إلا فى مواضع يسيرة بينها أهل الصناعة، وكذا القراءات الثلاث المكملة للعشر كما في «منجد المقرئين» و «النشرالكبير». وفى «المنجد» بسط ما يحصل به تواتر العشر فى كل طبقة، مع أنه لم يستوف سرد قراء العشر في كل طبقة.
واختلاف هؤلاء القراء فيما وقع الاختيار عليه في نظر كل منهم، يُعَدُّ اعترافهم بتواتر قراءات الآخرين وتجويز القراءة بها سواء اعتبرناها وجوه قراءة واحدة أم اعتبرناها هى الأحرف السبعة محفوظة مدى الدهر والأول رأى القائلين بأن الأحرف السبعة كانت في مبدأ الأمر، ثم نسخت بالعرضة الأخيرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا حرف واحد، ورأى القائلين بأن عثمان – رضي الله عنه - جمع الناس على حرف واحد ومنع من الستة الباقية لمصلحة، وإليه نحا ابن جرير وتهيبه أناس فتابعوه، لكن هذا رأى خطير قام ابن حزم بأشد النكير عليه في «الفصل» وفى «الإحكام»، وله الحق في ذلك ..
والثانى رأى القائلين بأنها هى الأحرف السبعة المحفوظة كما هي في العرضة الأخيرة، وفي جمع أبي بكر وجمع عثمان بجمع الصحابة القراءات المختلفة في الخط فيما أمكن جمعه بالخط لعدم وجود الشكل والنقط وجمع الله والألتفات المتوسطة في خطهم، رضوان الله عليهم أجمعين، وبتوزيعهم من قبيل زيادة حرف أو نقصه على المصاحف في جمع عثمان.
وعلى الهامش في جمع أبي بكر كما يظهر من «المقنع» ومن «شروح الرائية»
المعروفة، وإليه ذهب الجمهور ومعهم ابن حزم وابن جبارة والجعبرى وغيرهم، ولا يتسع المقام لبسط أقوالهم في ذلك.
وقد تواترت الأحاديث في إنزال القرآن على سبعة أحرف، لكن اختلفوا في تفسيرها إلى نحو أربعين قولاً لا تعويل إلا على أقل قليل منها، والواقع أن القرآن الكريم كان ينزل معظمه على لغة قريش على حرف واحد إلى أن فتحت مكة وبدأ الناس يدخلون فى دين الله أفواجًا، وأخذت وفود القبائل العربية المختلفة تتوافد، فأذن الله سبحانه على لسان نبيه أن يقرؤوه على لغاتهم ولهجاتهم، تيسيراً لهم لصعوبة تحولهم من لغتهم إلى لغة النبي صلى الله عليه وسلم بمرة واحدة كما يدل على ذلك حديث أبي بن كعب عند البخاري ومسلم والترمذى وغيرهم.
قال الطحاوي في مشكل الآثار»: إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدروا بذلك على تحفظ الفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها. اهـ.
قال القرطبي قال ابن عبد البر فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد اهـ.
وقد أطال الطحاوى النفس فى مشكل الآثار فى الجزء الرابع. منه ??? 194 فى تمحيص هذا البحث بما لا تجد مثله في كتاب سواه ..
ومن جملة ما يقول فيه بعد أن أخرج حديث ما لم تختم عذابا برحمة أو رحمة
بعذاب، فكان فى هذا الحديث ما قد دل على أن السبعة الأحرف هي التي ذكرنا، وأنها مما لا تختلف معانيها وإن اختلفت الألفاظ التي يلفظ بها، وأن ذلك توسعة الله تعالى عليهم لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه، وإن كان الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم إنما نزل بألفاظ واحدة اهـ.
وقال الإمام الشافعي في اختلاف الحديث عند كلامه في اختلاف ألفاظ التشهد فى الصلاة، وقد اختلف بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض لفظ القرآن عند رسول الله ولم يختلفوا في معناه فأقرهم وقال: «هكذا أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع هذا فيه إذا لم يختلف المعنى.
وقال السخاوى في شرح ألفية العراقي ص ??? في بحث رواية الحديث بالمعنى قال الشافعي: إذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف، معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه، مالم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف مالم يحل معناه اهـ.
وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان فإنه قال: القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف. وأسند الخطيب في الكفاية ??? إلى يحيى بن سعيد أنه قال: أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ لأن القرآن أعظم حرمة ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدا اهـ.
وفي فتح الباري عند شرح حديث عمر وهشام بن حكيم في اختلافهما فى قراءة سورة الفرقان وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن أنزل على
سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه أى من المنزل.
وفيه إشارة إلى الحكمة فى التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ.
وهذا يقوى قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة لأن لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما. نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة.
وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات وهو اختيار ابن عطية، يعنون أفصحها، وقد أنزل أولا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك بعد الفتح.
و حاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله أنزل القرآن على سبعة أحرف أى أنزل موسعاً على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه أي يقرأ بأى حرف أراد منها على البدل من صاحبه كأنه قال أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة وذلك لتسهيل قراءته إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لشق عليهم.
ثم ذكر ابن حجر ما قاله ابن قتيبة في مشكل القرآن من أن الهذلي يقرأ عتى حين، والأسدى يقرأ تعلمون بكسر التاء، والتميمي يهمز والقرشى لا يهمز ثم قال ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى عليه لسانه طفلا وناشئا وكهلا لشق عليه غاية المشقة، فيسر عليهم ذلك بمنه.
ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه لقال مثلا: أنزل القرآن سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان أو ثلاثة أو أكثر إلى
سبعة. وقال ابن عبد البر: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات لما تقدم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة وقالوا إنما المعنى سبعة أوجه من المعانى المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو أقبل وتعال وهلم اهـ.
ولاحظ ابن حجر أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهى أى أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعي في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعا له اهـ إلى آخر ما توسع به في ??/?.
فيتلخص من ذلك أن القراءات السبع المدونة في التيسير والشاطبية قراءات متواترة تعد أبعاض القرآن إلا فى بعض مواضع نبه عليها أهل الشأن، وأن إقامة المرادف مقام اللفظ المنزل كانت لضرورة وقتية نسخت في عهد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالعرضة الأخيرة المعروفة، وأن القراءات المختلفة المتواترة إلى اليوم إما وجوه حرف واحد، والستة من أمثال تعال أقبل نسخت فى عهد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أو هي الأحرف السبعة بعينها محفوظة كما هي في العرضة الأخيرة، المعروفة بالجمع النبوى، وفى جمع أبي بكر – رضي الله عنه -، وفى جمع عثمان – رضي الله عنه - الذي هو عبارة عن تكثير عدد المصاحف بالنسخ عن صحف أبي بكر لتوزيعها على أمصار المسلمين، حتى اشتغلوا بنسخ المصاحف خمس سنين متوالية شكر الله فضلهم، وأعظم أجرهم فيكون الخلاف في التسمية لا في تواتر القراءات المتوارثة مدى الدهر طبقة
فطبقة، فإنه لا خلاف في أنها متواترة، وأنها أبعاض القرآن كما سبق.
ولعل في هذا القدر كفاية فى هذا البحث المتشعب، ولا تسع المجلات بسط القول في ذلك بأكثر من هذا والله سبحانه ولى التسديد.