ليلة النصف من شعبان
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
ليلة النصف من شعبان
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ليلة النصف من شعبان ليلة اعتادت الأمة إحياءها بصنوف العبادة ورفع الدعوات إلى قاضي الحاجات جل جلاله؛ للآثار الواردة في فضلها .. وهي تبشرنا بقرب حلول شهر الصيام لنستعد له.
وقد ألف أهل العلم قديما وحديثا في ذلك مؤلفات خاصة فللنجم الغيطى وابن حجر المكي، وعلى القارى وسالم السنهورى وغيرهم رسائل معروفة فى هذا البحث، ومن أنفع ما ألف في فضائل الليالي والأيام المباركة كتاب اللطائف لابن رجب الحنبلى وهو مطبوع متداول بالأيدى.
أما ما ذكره الثعلبى فى تفسيره من حمل الليلة المباركة المذكورة في أول سورة الدخان على ليلة النصف من شعبان، فسبق قلم لمخالفة ذلك لنص القرآن القاضي بنزوله فى شهر رمضان، فلا يعرج عليه وإن تبعه بعض من بعده من المفسرين ..
ولا مانع من أن تكون تلك الليلة زمن تسليم بعض سجلات الشقاء والسعادة السنوية لموكليها من الملائكة الكرام كما ورد في بعض وكما روى عن بعض السلف الرغبة فى رفع طاعة له في تلك الليلة الفاضلة لتلك المناسبة، فتكون المقادير السنوية موزعة بينها وبين ليلة القدر على هذا الرأي.
وأخرج الترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم خروجه – صلى الله عليه
وسلم- إلى البقيع في تلك الليلة يدعو الله عز وجل.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة – رضي الله عنها -: كثرة مغفرة الله سبحانه في تلك الليلة المباركة للمذنبين التوابين ... إلا أنه نظر البخاري فى سند الحديث لانقطاعين في موضعين من سند الحديث حيث لم يسمع الحجاج بن أرطاة من يحيى بن أبى كثير ويحيى من عروة، لكن الانقطاع بمجرده لا يدل على ترك الحديث إطلاقا .. نعم في ابن أرطاة كلام إلا أن الترمذي حسن بعض حديثه، ولاسيما أن هذا الحديث له شواهد عند ابن ماجه والبيهقى وابن خزيمة وغيرهم فلا ينكر فضلها وفضل الدعاء والاستغفار والعبادة فيها، ولذا تجد فى كتب لأهل الفقه عدّ إحياء تلك الليلة في عداد الليالي المندوب إحياؤها في الشرع فيشتغل الشحيح بدينه الحريص على الليالى الفاضلة بصنوف العبادات المستجلبة لرضا الله سبحانه وغفرانه، كما هو الجاري في جميع بلاد الإسلام.
وأما الصلوات الخاصة فلم يثبت منها شيء خاص، وإن ذكرها أمثال قوت القلوب والإحياء والغنية، وقد أطال المحدث عبد الحى اللكنوى النفس في تبيين وجوه الفساد فى رواياتها فى الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص 307 - 314، وقال ابن رجب فى يلطائف المعارف في فضل ليلة النصف من شعبان» أحاديث متعددة، وقد اختلف فيها فضعفها الأكثرون وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه، ومن أمثلها حديث عائشة عند أحمد والترمذي وابن ماجه اهـ.
وهو حديث خروجه – صلى الله عليه وسلم - إلى البقيع في تلك الليلة، وقد قسا ابن العربي عليه وتشدده معروف، وغاية ما قاله فيه الترمذى حديث
عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعت محمداً يعني البخارى يضعف هذا الحديث وقال: يحيى لم يسمع من عروة والحجاج لم يسمع من يحيى. اهـ. وذلك بعد أن قال: وفي الباب عن أبي بكر الصديق يريد به ما أخرجه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الملك بن عبد الملك بن المصعب بن أبي ذئب الفهرى عن المصعب بن أبي ذئب عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن جده أبي بكر الصديق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فى التوحيد لابن خزيمة، وكتاب التوحيد له يعد من صحيحه، وأخرجه تلميذه ابن حبان أيضاً في صحيحه لكن في سماع مصعب من القاسم وقفة. والله أعلم.
وأما حديث على بن أبي طالب – رضي الله عنه - عند ابن ماجه مرفوعا: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها» الحديث .. ففى سنده ابن أبي سبرة ولم يخرج عنه أحد من الأئمة الستة غير ابن ماجه، وهو يرمى بالوضع لكن ابن جريج كان يروى عنه ويدخل أحاديثه في كتبه، وكان تولى القضاء ببغداد قبل أبي يوسف وتمام الحديث فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر.
ومعنى النزول فتحه لباب الإجابة لعباده وهو استعمال عربي صحيح وحمله على الانتقال من فوق إلى تحت جهل بما يجوز في الله ومالا يجوز، فلا بد من حمل النزول على الإسناد المجازي بمعنى بعثه من ينادى هذا النداء كما يدل على ذلك حديث النسائي، أو على المجاز في الطرف، بمعنى أنه يقبل على المستغفرين كما ذهب إلى ذلك حماد بن زيد وغيره، والغروب وثلث الليل مما يختلف باختلاف المطالع فيستمر هذا وذاك بالنظر إلى مختلف البلاد، فلا يتصور أن يراد الهبوط
الحسى فى مطلق أحاديث النزول، فيكون على نمطها حديث ليلة النصف من شعبان، بل حديث شعبان متكلم فيه، فسوق ابن خزيمة له في صدد الاحتجاج به على النزول الحسى باطل مردود بالمرة.
قال ابن حزم في الفصل ?-???: وهذا إنما فعل يفعله الله هو تعالى في سماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة مظان القبول والإجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين والتائبين، وهذا معهود في اللغة، تقول: نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لى وتطول به على، ومن البرهان على أنه صفة فعل لا صفة ذات أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- علق النزول المذكور بوقت محدود، فصح أنه فعل في ذلك الوقت مفعول حينئذ، وقد علمنا أن ما لم يزل فليس متعلقا بزمان البتة، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل، وهو أنه ذكر - صلى الله عليه وسلم - أن الله يأمر ملكا ينادى فى ذلك الوقت بذلك، وأيضاً فإن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه، فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى فى ذلك الوقت لأهل كل أفق.
وأما من جعل ذلك نقلة فقد قدمنا بطلان قوله فى إبطال القول بالجسم بعون الله و تأييده، ولو انتقل تعالى لكان محدوداً مخلوقاً مؤلفا شاغلا لمكان، وهذه صفة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله وعبده - صلى الله عليه وسلم - إذ بين لقومه بنقلة القمر أنه ليس ربا فقال: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين} وكل منتقل عن مكان فهو آفل عنه. تعالى الله هذا اهـ.
هذا ما يقوله ابن حزم الظاهرى فى حديث النزول وأين هذا من حشوية اليوم الذين يدعون الأخذ بالظاهر فيما يخرجهم من الملة! والله ولى الهداية