الجزء 1 · صفحة 5
لمحات النظر في سيرة الإمام زفر
رضي الله عنه
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فقه في الدين من أراد به خيراً، ووفقه لصالح العمل وزاده رفعة وقدراً، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فان الامام المبجل جيلا بعد جيل، زفر من الهذيل رضى الله عنه من كبار أئمة الاجتهاد في الفقه الاسلامي و من أقدم أصحاب فقيه الملة أبى حنيفة النعمان وفاة، وأحدهم قياسا، وأذكاهم فؤاداً، وأدقهم تفريعا، وأجودهم نظراً، حتى تراه يقيم مذهبا فقهياً مقام مذهب فقهى متأصل في نفوس أهل البصرة، بأنظاره الدقيقة، ومناظراته الحكيمة، فمثل هذا الامام الدقيق النظر، الواسع الفريحة لا يجوز إهمالى أمره.
ولذا اقترح على بعض إخواننا الأعزاء الأفاضل، أن أكتب كلمة في ترجمة هذا الامام العظيم. وقد سبق أن ترجمت للامامين الجليلين محمد بن الحسن وأبى يوسف ـ رضى الله عن الجميع - فوافقت على اقتراحه وكتبت هذه الرسالة الوجيزة في ترجمته ذاكراً فيها موجز أحوال هذا الامام الجليل وسميتها (لمحات النظر في سيرة الامام زفر) رضى الله عنه، جعلها الله خالصة لوجهه الكريم ومستنهضة لهسم الاخوان، فى الاستزادة من معرفة أحوال أئمة هذا الشان، ومن الله التوفيق والتسديد.
نسب الامام زفر وميلاده:
هو الامام المجتهد المطلق المقدم بين أصحاب أبي حنيفة أبو الهذيل زفر العنبري البصرى ابن الهذيل بن زفر بن الهذيل بن (قيس بن سليم بن مكمل بن قيس بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو بن حنجور بن جندب بن العنبر بن عمر و بن تميم ابن مرين أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان على ما ساق ابن خلكان نسيه في وفيات الأعيان تبعاً للواقدى فى غير مازدته بين قوسين تعويلا على رواية أبى بشر الدولاني كما سيأتي. وفيما ساق أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان بعض
الجزء 1 · صفحة 7
مخالفة لذلك.
وقد ترجم لزفر أبو الشيخ فى (طبقات المحدثين بأصبهان) - وهي محفوظة بظاهرية دمشق - وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ـ وهو مطبوع في ليدن -
ولد الامام زفر بن الهذيل فى أصبهان سنة 110ه في عهد ولاية أبيه هناك، وكانت وفاته بالبصرة سنة 158 هـ في شهر شعبان فيما ذكره ابن خلكان فتكون وفاته قبل وفاة المنصور العباسي بأربعة أشهر لأنه توفى فى 7 ذى الحجة من السنة، وشذ يعقوب ابن شيبة فقال توفى زفر في أول خلافة المهدى بن المنصور المذكور، فتابعه من تابعه المكن الجمهور على الرواية الأولى، وأسند الصيمري الى يعقوب بن شيبة السدوسي أنه قال: (زفر بن الهذيل عنبرى من أنفسهم يكنى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث ونظر فى الرأى فغلب عليه، ونسب اليه ومات بالبصرة وأوصى الى خالد بن الحارث وعبد الواحد بن زياد وكان أبوه الهذيل إلى الأعمال، ومات وهو والى اصبهان، وكان أخوه صباح بن الهذيل على صدقة بني تميم، وزفرهو زوج أخت خالد. بن الحارث ومات في أول خلافة المهدى سنة ثمان وخمسين ومائة). وأول خلافة المهدى منتصف ذى الحجة من السنة بعد وفاة والده أبى جعفر المنصور بمكة سابع ذى الحجة فلا تكون وفاة زفر في أول خلافة المهدى مادامت وفاته في شعبان من السنة كما سبق، وسأعيد الكلام في وفاته في آخر هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.
قال ابن أبي العوام حدثني محمد بن احمد بن حماد عن زكريا بن خلاد الساجي ثنا الأصمعي قال داود بن يزيد بن المهلب (?) عن أبيه:
الهذيل الى يزيد بن المهلب وهو فى حبس الحجاج فقال لابنه مخلد: استأذن لى على أبيك، فاستأذن
(?) وفى الأصل حاتم وهذا والد يزيد حفيد المهلب، وصاحب الحكاية هو يزيد بن المهلب مباشرة فوهم فى الاسم أحد الرواة، والحفيد لم يلحق الحجاج بل الحجاج بل المحبوس في حبس الحجاج هو الابن وقد فر من المحبس وتولى الولاية بدل الحجاج عند وفاته واستعاد منزلته التي كان أضاعها الحجاج (ز).
الجزء 1 · صفحة 8
له عليه فدخل فقال: السلام عليك أيها الأمير قدرك أعظم من أن يستعان عليك أو يستعان بك وقد حملت خمسين حمالة وقد قصدتك.
فقال: قد أمرت لك بها وشفعتها مثلها. فقال زفر: والله لا أقبل منها شيئا فقال له يزيد: ولم ذلك؟ قال إلى بذلت لك من وجهى أكثر مما بذلت لى من مالك. فخرج ولم يقبل منه شيئا. قال ابن أبى العوام: قال أبو بشر (الدولاني): زفر بن الهذيل هذا هو جد زفر بن الهذيل الفقيه صاحب أبي حنيفة اه). والمطالبة في عهد الدولة الأموية كانوا كالبرامكة فى الدولة العباسية في الجود وعلو المنزلة، وحال يزيد بن المهلب فى الجود فى تاريخ ابن خلكان و تاريخ ابن كثير وغيرهما. وكان ما بين الحجاج وبين يزيد بن المهلب هذا ساء جداً حتى حبسه الحجاج على خلاف رضا عبد الملك، وهو يجود هذا الجود وهو في المحبس؛ وهذا مالا نظير له بين الأجواد، وعدم قبول زفر هذا البذل يدل على شهامته البالغة بعد أن رأى أربحية ابن المهلب هذه. وخالد بن الحارث المذكور في كلام يعقوب ابن شيبة من بنى العنبر ومن الحفاظ الثقات. وقال أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ اصبهان: (كان الهذيل والد زفر بأصبهان في خلافة يزيد بن الوليد بن عبدالملك وكان ينزل قرية بزاء ان وكان له ثلاثة بنين: الكوثر وهرثمة وزفر اهـ). ولم يستوف أبو نعيم ذكر إخوته كما رأيت. وقد سبق في كلام يعقوب بن شيبة ذكر صباح بن الهذيل في عداد إخوة زفر والله أعلم.
اتصال زفر بأبي حنيفة:
قال الصيمري: أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدى قال أخبرنا أبو بكر الدامغاني الفقيه قال أخبرنا الطحاوى قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي ثور قال أخبرني محمد بن وهب قال: (كان سبب انتقال زفر إلى أبي حنيفة أنه كان من أصحاب الحديث، فنزلت به وبأصحابه مسألة فأعيتهم فأتى أبا حنيفة فسأله عنها، فأجابه في ذلك فقال له من أين قلت هذا؟ قال: الحديث كذا وللقياس من. جهة كذا. ثم قال له أبو حنيفة: فلو كانت المسألة كذا ما كان الجواب فيها؟ قال فكنت فيها أعيا مني في الأول. فقال - الجواب فيها كذا من جهة كذا. ثم زادني مسألة أخرى وأجابني فيها وبين وجهها. قال: فرخت إلى أصحابي فسألتهم عن المسائل، فكانوا فيها أعمى منى فذكرت لهم الجواب، وبينت لهم العلل فقالوا من أين لك هذا؟ فقلت من عند أبي حنيفة. فصرت رأس الحلقة بالثلاث المسائل. ثم انتقل الى أبي حنيفة فكان أحد العشرة الأكابر الذين دونوا المكتب مع أبي حنيفة اهـ. وساق ابن فضل الله العمري في (مسالك الابصار) هذا الخبر بنصه بطريق الطحاوي.
الجزء 1 · صفحة 9
أقوال أهل العلم في زفر:
قال الصيمري أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال حدثنا احمد بن محمد المسكى قال حدثنا ابن أبي خيثمة عن أبي الحسن المدائني قال: زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة عنرى. وقال أيضا: أخبرنا المرزباني قال حدثنا الحسن بن محمد المخرمى قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سألت أبي وعمى أبا بكر عن زفر ابن الهذيل فقالا: كان زفر من أفقه أهل زمانه قال أبي: وكان أبو نعيم - يعنى الفضل بن دكين - يرفع زفر ويقول كان نبيلا فقيها. قال وحدثنا أبو الحسن على بن الحسن الرازي قال حدثنا أبو عبد الله الزعفراني نزيل واسط قال حدثنا احمد بن أبي خيثمة قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثني عمرو بن سليمان العطار قال كنت بالكوفة أجالس أبا حنيفة فتزوج زفر لحضره أبو حنيفة فقال له: تكلم. فخطب فقال في خطبته: هذا زفر بن الهذيل وهو إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلام الدين في حسبه وشرفه و علمه. فقال بعض قومه: ما يسرنا أن غير أبى حنيفة خطب حين ذكر خصاله ومدحه، وكره ذلك بعض قومه وقالوا له - حضر بنو عمك وأشراف قومك وتسأل أبا حنيفة أن يخطب؟! فقال لو حضر نيابى لقدمت أبا حنيفة عليه اه (?) وكفى في معرفة منزلة زفر فى الفضل قول ابى حنيفة هذا فيه. وقال الصيمري حدثنا أبو الحسن العباس بن احمد بن الفضل الهاشمي قال حدثنا احمد بن محمد المسكي قال حدثنا على بن محمد النخعي قال حدثنا ابراهيم بن اسحاق قال حدثنا على بن مدرك عن الحسن بن زياد قال: كان زفر و داود الطائي متواخيين فاما داود الطائي فترك الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فانه جمع الفقه مع العبادة، ثم ذكر الصيمري بسنده قدوم زفر البصرة يزور داود الطائي رحمهما الله.
وساق الصيمرى بطريق على بن محمد النخعى عن محمد بن على بن عفان قال حدثنا وليد (?) بن حماد عن الحسن بن زياد قال: مارأيت أحداً يناظر زفر إلا رحمته قال وقال زفر: إنى لست أناظر أحد أحتى يقول: قد أخطأت، ولكن أناظره حتى يجن قيل وكيف يحن؟ قال: يقول بما لم يقله أحد.
#
(?) ومثله عند ابن أبى العوام عن ابى بكر محمد بن جعفر بن أعين البغدادي عن يعقوب بن شيبة بن الصلت (السدوسي (عن سليم بن منصور عن عمرو بن سليمان العطار على حد سواء (ز).
(2) هو ابن أخي الحسن بن زياد (ز).
الجزء 1 · صفحة 10
وقال الصيمرى أيضا أخبرنا عمر بن ابراهيم المقرى، قال حدثنا مكرم بن احمد قال حدثنا احمد بن محمد قال حدثنا مليح بن وكيع قال سمعت أبي يقول: كان زفر شديد الورع حسن القياس قليل الكتابة يحفظ ما يكتبه، وقال: أخبرنا عمر بن ابراهيم قال حدثنا مكرم قال حدثنا أبو حازم القاضي حدثنا ابن أبي عمران قال: كان زفر من بلعنبر من بيت شريف منهم وكانت أمه أمة فكان وجهه يشبه وجوه العجم لأمه، ولسانه يشبه لسان العرب قال فحضر مجلس الحجاج بن أرطاة - وكان يتولى القضاء بالكوفة وكان يغلب عليه البذاء وكانت النخع تغمزه في نسبه - فتكلم زفر فأخذ المجلس فملأ قلب الحجاج فالتفت اليه فقال: أما اللسان فلسان عربى، وأما الوجه فليس وجه عربي. فقال زفر: أما أنا فقد قبلنى قومى. وفى رواية ابن أبى العوام عن الطحاوى عن ابن أبي عمران: (دخل زفر وأبو يوسف على حجاج بن أرطاة فجرت مسألة فقال الحجاج لزفر أما اللسان فعربى وأما الصورة فتدل على غير ذلك فقال له زفر أما أنا فيقبلني قومى وكان عنبريا من بني تميم، وكان الحجاج يطعن في نسبه فاشتد ذلك عليه وأسكته ثم ناظره أبو. ره أبو يوسف فقطعه فلما قاما قال الحاجبه لا يدخل هذان على بعد).
وقال ابن أبى العوام حدثنا أبو معمر محمد بن احمد بن خزيمة البصرى قال ثنا عباس بن محمد بن حاتم قال سمعت يحيى بن معين يقول: زفر صاحب الرأى ثقة مأمون سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين وذكر له زفر فقال: كان ثقة مأمونا. وجعل يعظم أمره وهذه الدار التي فيها الجبان دار هم قلت فكيف وقع الى البصرة قال: في ميراث له فتشبث به البصريون وقالوا حدثنا فأقام فيهم (1). وقال ابن أبى العوام أيضا حدثني أبو بشر محمد بن احمد بن حماد (الدولاني) قال سمعت العباس ابن محمد الدورى يقول سمعت يحيى بن معين يقول ثم ذكر مثله وزاد قال يحيى ابن معين سمعت أبا نعيم يقول: زفر بن الهذيل من خيار الناس. وأراني أبو نعيم منول زفر بالكوفة فى جبانة كندة في وسط الجبان وجعل أبو نعيم يثنى عليه و به الى أبي بشر عن يعقوب بن اسحاق بن أبى اسرائيل حدثني محمد بن عبد العزيز ابن أبي رزمة حدثني أبي ثنا ابراهيم بن المغيرة قال قيل لوكيع بن الجراح تختلف
(1) لوفر رحلتان الى البصرة احداهما فى حياة الامام عثمان بن مسلم البتي وثانيتهما بعد وفاة أبى حنيفة فاستقر بها (ز).
الجزء 1 · صفحة 11
الى زفر؟! فقال غرر تمونا عن أبى حنيفة حتى فات فتريدون أن تغرونا عن زفر حتى نحتاج إلى أبى أسيد وأصحابه.
و به إلى أنى بشر سمعت محمد بن مقاتل قال سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول قال لى زفر بن الهذيل: أخرج الى حديثك حتى أغر بله لك. وقال الذهي: زفر ابن الهذيل العنبرى أحد الفقهاء والزهاد صدوق، وثقه غير واحد وابن معين اه. وقال ابن حجر: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا حافظالم يسلك مسلك صاحبيه وكان أقيس أصحابه وأكثرهم رجوعا الى الحق توفى بالبصرة في ولاية. أبي جعفر وقد وقع لنا حديثه بعلو في حديث ابن أبي الهيثم اه. وقد أسقط ابن حجر بعض كلمات من كلام ابن حبان. وقال ابن عبد البر: كان زفر ذا عقل ودين وفهم وورع وكان ثقة في الحديث اه. وقد ترجم له في (الانتقاء) ومع ذلك كله يوجد من يتكلم فيه وسنذكر ذلك في فصل خاص إن شاء الله تعالى للفت النظر الى مواضع العبرة في كلام المتعنتين.
بعض ما قيل في الموازنة بين زفر وأبي يوسف:
قال ابن أبي العوام حدثني: محمد بن احمد بن حماد (الدولابي (قال. سمعت محمد ابن شجاع الثلجي أبا عبد الله قال سمعت بعض البصريين يقول لما قدم زفر البصرة لقوه فسألوه فأعجبوا به فبلغه أنهم قالوا: ما رأينا مثل زفر في الفقه هو الناس، فقال زفر و بلغه ذلك: كيف لور أيتم أبا يوسف اه؟. وحدث عن الطحاوى عن ابن أبي عمران عن محمد بن سلمة البلخى عن شداد قال سمعت زفر يقول: يعقوب - يعنى أبا يوسف - أفقه من أتى اهـ. وبهذا وذاك يكون زفر فضل أبا يوسف على نفسه رحم الله تلك النفوس الطاهرة ما كان لهوى النفس سلطان عليهم، وكانت خدمتهم في العلم باخلاص لله وفي الله فبارك الله لهم فى علومهم. وما غرهم ثناء الناس عليهم بل وقفوا موقف اتهام النفس نفعنا الله بعلومهم
ومما يروى فى تفضيل زفر على أبي يوسف ما حدثه ابن أبى العوام عن الطحاوى عن أبي خازم عبد الحميد القاضى أنه سمع بكراً العمى يقول سمعت محمد بن سماعة يقول عن محمد بن الحسن قال: حضرت زفر وأبا يوسف يتناظران فكان ابو يوسف يقهره بكثرة الرواية عن ابى حنيفة والأخبار فاذا صار الى المقايسة قهره زفر اه واسند عن ابى بشر عن احمد بن القاسم حدثني أبو حفص المروزي عن بشر بن يحيى عن خالد بن صبيح قال: رحلت الى ابي حنيفة فنعى الى في الطريق فدخلت مسجد الكوفة فاذا الناس كلهم على زفر بن الهذيل وعند أبي يوسف رجلان أو ثلاثة اهـ. لعل هذا كان في مبدأ الأمر، ثم
الجزء 1 · صفحة 12
علا شأن أبي يوسف
بكثرة الآخذين عنه بحيث لا يلحقه لاحق؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و ما ذكره ابن أبي العوام بسنده إلى الفضل بن دكين: كان زفر يجلس الى اسطوانة وأبو يوسف بحذائه وكان زفر يلبس قلنسوة بيضاء فخمة فكانا يتناظران في الفقه وكان زفر ركينا جيد اللسان وكان أبو يوسف يضطرب في مناظرته فربما سمعت زفر يقول لأبي يوسف أين تفر؟ هذه أبواب كندة مفتحة فخذ في أيها ششت اه وأبواب كندة أبواب لقبائل كندة في الكوفة معروفة، ووقع فى بعض النسخ (أبواب كثيرة) بدل أبواب كندة والمعني صحيح في اللفظين، و لفظ الصيمري بسنده إلى محمد بن: (كان زفر يستند الى اسطوانة وكان رجلا ركينا فينتصب فلا يزول وكان أبو يوسف اذا ناظره يكثر الحركة حتى يحى، فيجلس بين يديه او قال بالقرب منه فكان زفر يقول إن هذه أبواب كندة فإن اردت أن تفر فخذ في أيها شئت)
وذكر عن وكيع ما نصه: (لما مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر فما كان يأتي أبا يوسف الا نفر يسير النفسان والثلاثة). فكان جو الكوفة صفا لأبي يوسف بعد انتقال زفر إلى البصرة، بالنظر إلى هذه الروايات، على أنه ليس بقليل في الروايات ما يفضل جانب أبي يوسف، منها كون أبي يوسف أوسع صدراً بالتعليم من زفر ومنها ما ساقه الخطيب بطريق حماد بن أبي حنيفة انه قال:) رأيت أبا حنيفة يوماً وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر وهما يتجادلان في مسألة فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولا إلا أفسده أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها على فخذ زفر وقال: لا تطمع في رئاسة ببلدة فيها أبو يوسف.
قال وقضى لأنى يوسف على زفر). وفى معناه ما ذكر الخطيب بسنده عن عبد الرزاق بن، عمارة أنه قال: (رأيت أبا يوسف وزفر يوما افتتحا مسألة عند أبى حنيفة من حين طلعت الشمس إلى أن نودى بالظهر، فاذا قضى لأحدهما على الآخر، قال له الآخر أخطأت ما حجتك؟ فيخبره حتى كان آخر ذلك أن قصى لأنى يوسف على زفر حين نودى بالظهر، فقام أبو يوسف، قال: فضرب أبو حنيفة على فخذ زفر وقال: لا تطمعن فى الرياسة بأرض يكون هذا بها) وحضور الاستاذ في المناظرة بين تلميذيه هكذا ومصارحته لها بالصواب والخطأ طريقة بديعة في التدريب على المناظرة فى العلم ومنهج رائع في شحذ الاذهان وتنمية الملكات، وعلى كل حال هما كانا كفرسى رهان حتى إن أبا حنيفة قال يوما: (أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون، ومنهم. سنة يصلحون للفتوى، ومنهم اثنان يصلحان يؤديان القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أنى يوسف وزفر) كما أخرجه الخطيب في تاريخه
الجزء 1 · صفحة 13
للقضاء بسنده، وهذا شهادة من الامام الاعظم فى حقهما أنهما بلغا أعلى درجات الاجتهاد عندما نطق بهذا الحكم، وساق أيضا بطريق اسماعيل بن حماد: (كان أصحاب أبي حنيفة عشرة: أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمر و البجلي، وعافية الأودى، وداود الطائي، والقاسم بن معن المسعودى، وعلى بن مسهر، ويحي بن زكريا ابن أبي زائدة، وحبان ومندل ابنا على العنزى، ولم يكن فيهم مثل أبي يوسف وزفر) وهؤلاء العشرة هم أكابر أصحاب أبى حنيفة الذين دونوا الفقه معه كما سبق في رواية الصيمري عن الطحاوي.
وفي طبقات على القارى: قال شداد بن حكيم سألت أسد بن عمرو: أبو يوسف أفقه ام زفر؟ فقال زفر اورع. قلت: عن الفقه سألتك فقال: يا شداد بالورع يرتفع الرجل، ومثله في مناقب الكردري، وهذان الامامان العظيمان اللذان هما کفري رهان عند اهل النقد يقول عنهما الصيمري ما رواه عن عبد الله بن محمد عن ابى بكر الدامغانى عن الطحاوى عن ابن ابي عمران عن وليد بن حماد ابن اخي الحسن بن زياد قلت لعمى الحسن بن زياد: رأيت زفر وأبا يوسف عند أبي حنيفة فكيف رأيتهما قال: رأيتهما كعصفورين انقض عليهما البازي اهـ. وحكى على القارى عن أبي مطيع: زفر حجة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور، ومثله في مناقب الكردري، هكذا يكون كلام الناس فيمن ولى الاحكام، مع انه لا تصلح أحوال الناس الا بقضاة عدول، فمن تولى القضاء وعدل فهو القائم بأشق الأمرين فيستحق الاجلال ولقد صدق ابن الوردي حيث قال: ان كل الناس أعداء لمن ولى الاحكام هذا ان عدل ولذا طال لسان بعض الناس في أنى يوسف مع ما شهر عنه من العدل في الاحكام.
وقد حكى جماعة عن محمد بن عبد الله الانصارى انه قال: أكره زفر على ان على ان يلي القضاء فأبى وهدم منزله واختفى مدة ثم خرج واصلح منزله ثم هدم ثانيا واختفى كذلك حتى أعفى: عن تولى القضاء رحمه الله
بعض شيوخ زفر والآخذين عنه:
تفقه زفر على الامام الأعظم أبى حنيفة وجالسه أكثر من عشرين سنة، وفي المناقب الكردرية (2 - 104) عن زفر (جالست أبا حنيفة أكثر عشرين سنة فلم أو أحداً أنصح وأشفق للناس منه وأنه كان يبذل نفسه الله تعالى
أما عامة النهار فانه كان مشغولا بالمسائل وحلها وتعليمها وما يعرض عليه من النوازل وجوابها
الجزء 1 · صفحة 14
فاذا قام من المجلس عاد مريضا أو شيع جنازة أو واسى فقيرا أو واصل أخا أو سعى فى حاجة، فاذا كان الليل خلاللتلاوة والعبادة والصلاة فكان هذا سبيله حتى توفى) فنعم الشيخ ذلك الشيخ ونعم التلميذ ذلك التلميذ. ومع تفقه زفر عليه أكثر رواية الحديث عنه أيضا. وقد ذكر ابو سعد السمعاني في الأنساب عند ذكر الجصينى احمد بن بكر بن سيف: (ثقة يروى عن ابى وهب محمد بن مزاحم المروزى عن زفر عن ابى حنيفة كتاب (الآثار) وروى عن غيره فأكثر اهـ). وذكر الحاكم فى) 164 (من كتابه (معرفة علوم الحديث) د ان لزفر نسختين في الحديث. احداهما رواية ابى وهب والأخرى رواية شداد ابن حكيم .. ومرويات زفر فى الحديث بأسانيده مسرودة في كثير من المكتب. کتاريخي اصبهان لأبى الشيخ والى نعيم وتاريخ الخطيب وغيرها.
و من شيوخ زفر فى الحديث سليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن سعيد الانصارى، ومحمد بن اسحاق صاحب المغازى، ويحي بن عبد الله التيمي واسماعيل بن الى خالد، وأيوب السختياني، وزكريا بن أبي زائدة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من شيوخ الحديث فى الامصار، وفي سرد اسمائهم طول. و ممن أخذ عن زفر عبد الله بن المبارك، وشقيق بن ابراهيم، ومحمد بن الحسن، ووكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وابو على عبيد الله بن عبد المجيد البصرى - من اصحاب البتى الذين انتقلوا إليه. و محمد بن عبد الله الانصاري القاضي من ولد انس بن مالك، وهلال بن يحي المعروف بهلال الرأى، والحكم بن ايوب، وشداد بن حكيم، والنعمان بن عبد السلام، ومالك بن فديك، وابو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، والحسن بن زياد اللؤلؤى، وابو وهب محمد بن مزاحم المروزي، وابو نعيم الفضل بن دكين، وبشر بن القاسم، وسعيد بن أوس، وابراهيم بن سليمان، وحسان بن ابراهيم، ومسلم بن ابراهي واكثم والديحي، والحسن بن الوليد، ومحمد بن اعين، وعبد الله بن أبى رزمة، ومحمد بن وهب، وعمر بن الزجاج، وعبد الله بن داود الخريبي، وخالد بن الحارث الحافظ، وعبد الواحد بن زياد وغيرهم من حملة العلم في الامصار.
وروى الطحاوى والدولابي: ان ابا عاصم النبيل كان يختلف الى زفر، وكان ثمة رجل آخر يكنى أبا عاصم رث الهيئة يختلف الى زفر ايضا. فجاء ابو عاصم الضحاك بن مخلد يستأذن على زفر، فخرجت جارية لوفر، فقالت: من هذا؟ فقال انا ابو عاصم. فدخلت الى مولاها فقالت: ابو عاصم بالباب فقال ايهما هو؟ فقالت النبيل منهما، فأذنت لي فدخلت. فقال لى زفر يا ابا عاصم قد لقبتك الجارية بلقب لا اراه يفارقك ابدا. لقبتك بالنبيل، فلزمني هذا اللقب. وقال ابن الى العوام: حدثنيه محمد بن احمد بن الاشعث
الجزء 1 · صفحة 15
قال سمعت يزيد بن سنان يقول سمعت ابا عاصم يقول مثله سواء اهـ.
وفي المناقب السكردرية عن ابن المبارك انه سمع زفر يقول: (نحن لا نأخذ بالرأى ما دام اثر، فاذا جاء الاثر تركنا الرأى اهـ) وعن والد يحيى بن اكثم (رأيت وكيعا يختلف الى زفر بالغدوات والى ابى يوسف بالعشيات ثم ترك ابا يوسف ثم جعل كل اختلافه اليه لانه كان افرغ. وكان يقول: الحمد لله الذى جعلك خلفا لنا عن الامام ولكن لا يذهب على حسرة الامام) وعن الفضل ابن دكين: (لما مات الامام لزمت زفر لانه كان أفقه اصحابه واورعهم).
وعن الحسين بن الوليد: (انه كان اصلب اصحاب ابي حنيفة وادقهم نظرا).
نماذج من اقوال زفر واجوبته في المسائل:
روى ابن أبى العوام عن الطحاوى عن محمد بن الحسن بن مرداس عن ابي بكرة العطار عن أبي عاصم النبيل قال قال زفر بن الهذيل: (من قعد قبل وقته ذل) يعنى من جعل لنفسه مجلسا خاصا لنشر العلم قبل أن يتكامل في العلم فضحته شواهد الامتحان وتكشف جهله بأخطائه فى أجوبة المسائل، وكم من ناشيء يعتريه الغرور فيظن بنفسه الاستغناء عن أستاذه فيستقل بمجلس في العلم قبل أوانه. ثم يعود إلى رشده فيرجع الى ملازمة شيخه.
وبه الى ابن مرداس عن زيد بن أخزم عن أبي عاصم عن زفر في رجل باع من رجل جارية بألف درهم على أن ينقده الثمن فيما بينه وبين ثلاثة أيام وإلا فلا بيع بينهما قال: البيع فاسد. وروى ابن أبي العوام عن الطحاوى عن الى العباس الا يلى عن زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود: سألت زفر ابن الهذيل عن قرض الخبز فقال لى: لا يجوز الا وزنا. وروى ابن الى العوام بن عبد الله بن سعيد البصرى عن اسحاق بن ابراهيم الشهيدي عن يحيى بن عمان عن سفيان عن زفر عن قيس بن حبتر قال: مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية كمثل مؤمن آل فرعون. وروى ابن ابي العوام الطحاوى عن ابراهيم بن مرزوق عن محمد عبد الله الانصاري الاشعث عن الحمراني عن عبد الواحد بن صبرة قال كنت عند القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وعندها اياس بن معاوية فسألهما رجل عن رجل قال لامرأته: (أنت طالق إن). فلم يدريا ما يجيبان به فقالا أفته يا أبا وائلة، فقال إياس: هذا رجل أراد أن يطلق امرأته فلم يفعل. قال الأنصاري: فذكرت ذلك لزفر ابن الهذيل فقال: أخطأ اياس هذا رجل طلق وأراد أن يستثنى فلم يفعل.
الجزء 1 · صفحة 16
وروى ابن أبي العوام عن ابي بكر محمد بن هارون بن حسان البرقى عن بكر بن القاسم عن يحيى بن المغيرة القرشى عن سعيد بن أوس. قال: سمعت زفر يقول في رجل أسقط سجدة من ركعة فاستوى قائما قبل أن يفتتح فاتحة الكتاب: انه يخر ساجدا ثم يعود الى استئناف عمله.
وروى ابن أبى العوام عن الطحاوى عن بكار بن قتيبة عن هلال بن يحيى قال سألت أبا يوسف عن رجل له ماثنا درهم حال عليها حولان قال فى الحول الأول خمسة دراهم ولا شيء عليه في الحول الثاني فقلت له فان زفر يقول: ان عليه عشرة دراهم. فما حجتك عليه؟ قال: ما حجتى على رجل يزعم فى مائى درهم أربعمائة درهم. قال بكار: تكرر الأحوال عليها.
وقال أبو نعيم الأصبهانى فى تاريخ اصبهان في ترجمة زفر: رجع عن الرأى وأقبل على العبادة اهـ. لكن هذا وهم منه لأن الذي ترك الرأي وأقبل على العبادة هو صديقه داود الطائي كما سبق وأما زقر نفسه فمن جمع بين الفقه والعبادة، والرأي المستمد من الكتاب والسنة ليس بشيء يرجع عنه وانما الذي يستحق الهجر هو الرأى المستند الى الهوى دون الكتاب والسنة وأصحا بنا براء من ذلك. وزفر عاش فقيها يستعمل الرأى واليقظة في الفهم ومات فقيها ذا بصارة في الرأى والفقه ولم يكن يرى أن الرأى والفهم في دليل الحكم مما يتاب منه
الدليل على ذلك ما حدثه ابن ابى العوام عن الطحاوى عن ابن الى عمران عن ابى نعيم الفضل بن دكين: دخلت على زفر وقد احتضر وهو أهكذا يكون من رجع يقول: في حال لها مهر وفي حال لها ثلث مهر اهكذا يكون من رجع عن الرأى! رضى الله عنه.
وساق احمد بن محمد بن سعيد التميمي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول - كما رأيت بخط الحافظ البرزالي: (جاء رجل الى الى حنيفة، فقال: الى شربت البارحة نبيذا ولا ادرى طلقت امرأتى ام لا؟ قال: المرأة امرأتك حتى تستيقن انك قد طلقتها. ثم جاء إلى سفيان الثورى فقال: يا أبا عبد الله الى شربت البارحة نبيذا ولا أدرى طلقت امرأتى أم لا؟. قال: اذهب فراجعها فان كانت قد طلقتها لم تضرك المراجعة شيئا. ثم أتى شريك بن عبد الله فقال يا أبا عبد الله الى شربت البارحة نبيذا ولا أدرى طلقت امرأتى أم لا؟ قال: اذهب فطلقها ثم راجعها ثم أتى زفر بن الهذيل فقال يا أبا الهذيل إلى شربت البارحة نبيذا ولا أدرى أطلقت امرأتي أم لا؟ قال: هل سألت غيرى قال نعم أبو حنيفة، قال فما قال لك؟ قال المرأة امرأتك حتى تستيقن انك قد طلقتها. قال الصواب ما قال فهل سألت غيره؟ قال: سفيان الثوري.
الجزء 1 · صفحة 17
فما قال لك؟ قال اذهب فراجعها فان كانت قد طلقتها فقد راجعتها وان لم تكن طلقتها لم تضرك المراجعة شيئا. قال: ما أحسن هذا. قال فهل سألت غيره؟ قال: شريك بن عبد الله قال: فما قال لك؟ قال: اذهب فطلقها ثم راجعها. قال: فضحك زفر ثم قال: أضرب لك مثلا: رجل مر بثعب يسيل ماء فأصاب ثوبه. قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر وصلاتك تامة حتى تستيقن أمر الماء، وقال لك سفيان: اغسله فان يك نجسا فقد طهر وان يك نظيفا زاده نظافة، وقال لك شريك: اذهب قبل عليه ثم اغسله ام و تلك نماذج من آرائه وأجوبته.
منع زفر العامة من الخوض في مضايق المباحث الكلامية:
أنبا ابن أبي العوام عن الدولابي عن محمد بن شجاع عن الحسن بن زياد سمعت زفر بن الهذيل وسأله رجل فقال له: القرآن كلام الله. فقال له الرجل أمخلوق هو؟ فقال له زفر: (لو شغلك فكر فى مسألة أنا فيها أرجو أن ينفعني الله بعلمها لشغلك ذلك عن ذلك الذى فكرت فيه، والذى فكرت فيه بلا شك يضرك، سلم لله عز وجل ما رضى به منك ولا تكلف نفسك مالا تكلف).
وبه عن الحسن بن زياد وقد قال له رجل من أهل بغداد أكان زفر قياسا فقال له الحسن: وما قولك قياسا؟ هذا كلام الجمال، كان عالما. فقال الرجل: أكان زفر نظر فى الكلام؟ فقال سبحان الله ما أسخفك! تقول لأصحابنا انهم نظروا في الكلام، وهم بيوت العلم والفقه، إنما يقال نظر في الكلام فيمن لا عقل له، وهؤلاء كانوا أعلم محدود الله عز وجل وبالله من أن يتكلموا في الكلام الذي تعنى وما كان يهمهم غير الفقه (?) والاقتداء بمن تقدمهم اهـ.
(?) والفقه: معرفة النفس ما لها وما عليها فيشمل باطلاقه العمل والعقيدة والخلق عند أبي حنيفة بل كان يسمى ما يتعلق بتمحيص العقيدة الصحيحة الفقه الأكبر وكان الذى يأباه أصحابه هو الخوض في مثارات الشبه في الاعتقاد عند العامة بدون حجة قائمة من الكتاب والسنة والنظر العقلى الصحيح. (ذ)
الجزء 1 · صفحة 18
ومعنى ذلك زجر العامة عما لا قبل لهم به من دقائق علم الكلام خوفا عليهم من الزلل والا فهو من أئمة علم أصول الدين جادل الناس في مسائله فجدهم، ويشهد لذلك ما ذكره جمال الدين ابو يعلى أحمد بن مسعود ود الأصبهاني باسناده عن خالد بن زيد العمرى أنه قال: (كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن ابي حنيفة قوما قد خصموا بالكلام الناس، وهم أئمة العلم) كما ذكره صاحب الفتاوى البزازية في المناقب (? - ??).
نشر زفر لمذهب أبي حنيفة في البصرة:
روى ابن ابي العوام عن الطحاوي عن أبي حازم القاضي سمعت احمد بن عبدة يقول قدم يوسف بن خالد السمتى البصرة من عند ابي حنيفة، فكان يأتي عثمان البتى وهو رئيسها وفقيها فيجاذب اصحابه المسائل؛ ويذكر لهم خلاف ابي حنيفة اياهم فيضربونه ويسبون أبا حنيفة فلم يزالوا كذلك حتى قدم زفر بن الهذيل البصرة فكان أعلم بالسياسة منه فكان يأتي حلقة البتى فيسمع مسائلهم فاذا وقف على الأصل الذي بنوا عليه تتبع فروعهم التي فرعوا على ذلك الأصل، فاذا وقف على تركهم الأصل طالب البنى حتى يلزمه د أصحابه شهودا عليه بذلك، فاذا وقف قوله ويبين له خروجه عن أصله فيعود اصحاب البتي على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففى هذا الباب احسن من هذا الأصل ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البقى بالرجوع اليه ويشهد اصحابه عليه بذلك ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة. فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة الى زفر وبقى البتى وحده اه هذا في رحلة زفر الى البصرة فى حياة امام اهل البصرة عثمان بن مسلم البي رضى الله عنه
وأما رحلته الى البصرة بعد وفاة البتى وأبى حنيفة واستقراره فيها ففيما انبأ الصيمري عن أبي الحسن العباس بن احمد بن الفضل الهاشمي عن احمد بن محمد المسكى عن على بن محمد النخعى عن أبي خازم القاضى عن بكر (العمى) عن هلال بن يحي قال: رحل يوسف بن خالد السمى من البصرة إلى الكوفة فتفقه عند أبي حنيفة فلما أراد الخروج الى البصرة قال له ابو حنيفة: اذا حضرت الى البصرة فانك تجي الى قوم قد تقدمت لهم الرئاسة فلا تعجل بالقعود عند اسطوانة واتخاذ حلقة ثم تقول قال أبو حنيفة وقال ابو حنيفة فانك اذا فعلت ذلك لم تلبث حتى تقام. قال: فخرج يوسف فأعجبته نفسه وجلس عند اسطوانة وقال: قال ابو حنيفة. قال فأقاموه من المسجد فلم يذكر احد أبا حنيفة حتى قدم زفر البصرة فجعل يجلس عند الشيوخ الذين تقدمت لهم الرئاسة فيحتج لأقوالهم بما ليس عندهم فيعجبون من ذلك ثم يقول ها هنا قول آخر احسن من هذا فيذكره ويحتج له ولا يعلم انه قول ابي حنيفة فاذا حسن في قلوبهم
الجزء 1 · صفحة 19
قال: انه قول ابى حنيفة فيقولون هو قول حسن لا نبالي بمن قال به فلم يزل بهم حتى ردهم الى قول ابي حنيفة رضى الله عنه اهـ.
سوء السياسة من العالم يحرمه نشر العلم واستفادة المجتمع منه ولو اخذ يوسف السمتي بوصايا أبي حنيفة فى معاشرة الناس وسياستهم لما أودى ولا طعن في دينه ولا رمى ببدع فظيعة ليس هذا موضع شرحها (1). ووصية الى حنيفة ليوسف السمتي مدونة في كتب المناقب وقد قام بتحقيقها الأستاذ الغيور المفضال الشيخ ابراهيم المختار الزيلعي الجبرتى حفظه الله وهي مطبوعة في مطبعة السيد مصطفى البابي الحلبي، وهى من عيون الوصايا: تعلم القائم بالارشاد بين الناس طارق معاشرتهم وسياستهم لينجح فى ارشادهم وتعليمهم، وقد روى الصيمري عن معبد الله بن محمد الأسدى عن أبى بكر الدامغاني عن الطحاوى عن ابن ابى ثور عن سلمان بن عمران عن أسد: قدم زفر البصرة فدخل مسجدها فا نفضت اليه حلق اصحاب التابعين
زفر في طبقة المجتهد المطلق في التحقيق وان حافظ على انتسابه الى ابي حنيفة:
بعد ان علم أن زفر مع ابى يوسف كفرسى رهان في الاجتهاد لا يبقى وجه للالتفات الى قول من ظن أن زفر في عداد المجتهدين في المذهب كما اوضحنا ذلك في غير موضع، وانما وقع فى ذلك الفن من رأى كثرة تنويه زفر بأقوال الامام الاعظم مع ان ذلك التنويه والموافقة لآرائه انما كنان بمعرفته لدليل الحكم كما عرف هولا تقليدا له.
(1) اصعبها ما عند ابن ابى حاتم لكن ليس عليها مسحة الثبوت، ومثله اني ينكر القيامة والميزان؟! راجع تهذيب التهذيب، وكان في حد ذاته عالما جليلا وكفى دليلا على جلالة قدره اخذ الامام الشافعى عنه رغم تقولات المتقولين فيه، واخرج له ابن ماجه وله احاديث كثيرة مخرجة في تاريخ اصبهان الأبي نعيم و غيره (ز).
الجزء 1 · صفحة 20
قال ابن ابي العوام حدثني محمد بن احمد بن حماد س سمعت ابا عاصم بن شجاع الضحاك مخلد يقول سمعت زفر يقول: ما خالفت ابا حنيفة في قول الا وقد كان ابو حنيفة يقول به وحدث ابن ابى العوام ايضا عن الطحاوى عن ابن ابي عمران سمعت سوار بن عبد الله العنبرى القاضي يعنى الحفيد - يقول سمعت أبا عاصم يقول قال زفر بن الهذيل: كل اقوالى هذه قد قالها ابو حنيفة قبلى ثم وقف منها على اشياء لم اقف انا عليها فخالفها لما وقف عليه منها وثبت أنا عليها. قال أحمد بن ابي عمران فأنكرت ذلك، فأتيت محمد بن شجاع فحدثته بذلك فقال لى: مكانك ثم دخل منزله وخرج وفى بده كتاب فقرأ على منه هذه الحكاية عن ابي عاصم كما سمعتها. سوار العنبرى اه.
وفي الكردرية ان يحيى بن اكثمر روى عن والده انه سمع الزفر يقول (لم اجترى ان اخالب الامام بعد وفاته لأني اذا خالفته في حياته وابرزت الدليل واتيت به ألزمن بالحق الظاهر من ساعته وردنى إلى قوله فأما بعد وفاته فكيف اخالفه؟ وربما لو كان حيا وحاج لردني الى قوله). وهذا ليس بتقليد له بل سكوت عما لا يعلم دليله واطمئنان الى الدليل وفهم صحيح للدليل فيما يعلم وهو الاجتهاد بعينه، وأبو حنيفة هو الذي كان ينهى عن التقليد ويأمرهم بابداء ما عندهم من الحجج فيناقشهم فيها حتى يستقر الحق في نصابه، وكان لاصحابه مقام عظيم فى سرد الدلائل وتحقيق المسائل بل كان ابو حنيفة يقول لا يحل لأحد أن يفتى بقولى ما لم يعلم من اين قلته، ومع ذلك كله كان لزفر مخالفات في الأصول والفروع مدونة في كتب القوم فلا يكون تأدب زفر تجاه استاذه ومحافظته على الانتساب اليه وعرفانه الجميله عليه مما ينزل مقامه فى الاجتهاد المطلق على حدة ذهنه فى قياس المسائل وقوة ضبطه للدلائل وإتقانه للحديث كما اقر بذلك امثال ابن حبان، وورعه البالغ معروف عند الجميع رضى الله عنه وعن أساتذته واصحابه اجمعين
ولزفر نحو سبع عشرة مسألة يفتى بها في المذهب عند نقاد المذهب الف فيها السيد احمد الحموى شارح الأشباه والنظائر رسالة سماها (عقود الدرر فيما يفتى به في المذهب من اقوال زفر) وشرحها الشيخ عبد الغني النابلسي، ومحصها ابن عادين، وانفرادات زفر فى المسائل مدونة فى منظومة النسفي في الخلاف وشروحها ببسط. وقد اشار ابو زيد الدبوسى في تأسيس النظر في فصل خاص إلى مخالفات زفر فى الأصول والفروع كما اشير إلى آرائه الخاصة في الاصول في كتب الاصول المبسوطة كشامل الاتقانى وبحر الزركشى وشروح اصول البزدوى خاصة، فان كان شأن المجتهد المطلق الانفراد بمسائل في الأصول والفروع فها هو زفر له انفرادات في الناحيتين على ان الموافقة لامام في الرأي في بعض مسائل الأصول أو
الجزء 1 · صفحة 21
الفروع عن علم بأدلتها لا تخل بالاجتهاد المطلق اصلا كما اوضحت ذلك في كثير من المواضع والله سبحانه اعلم:
كلام أهل النقد في زفر:
قال الذهبي في الميزان: أحد الفقهاء والزهاد صدوق وثقه غير واحد وابن معين وقال ابن سعد: لم يكن فى الحديث بشيء اهـ. لعله يريد قلة حديثه لأنه يقال: فلان لم يكن في الحديث بشيء، معنى أنه قليل الحديث - يعنى في نظر القائل - كما في الرفع والتكميل لعبد الحى اللكنوى، وهذا ربما يسلم بالنظر الى علم ابن سعد فقط وإلا فزفر على علو منزلته فى الاجتهاد حافظ معروف بالاتقان عند ابن حبان وغيره.
وقال ابن حجر في اللسان: قال ابن أبي حاتم قرى. على عباس الدورى وأنا سمعت أبا نعم الفضل بن دكين وذكر عنده زفر فقال: كان ثقة مأمونا. قال أسمع. العباس وسمعت يحي - وهو ابن معين - يقول هو ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا حافظا لم يسلك مسلك صاحبه وكان أقيس أصحاب أبي حنيفة وأكثر هم رجوعا الى الحق توفى بالبصرة في ولاية أبي جعفر وقد وقع لنا حديثه بعلو في حديث ابن أبى الهيثم اه. ثم لخص ابن حجر كلام العقيلي وقال: قال أبو موسى محمد بن المثنى ما سمعت عبد الرحمن بن مهدى يحدث عن زفر شيئا قط، وقال أيضا حدثنا معاذ بن معاذ قال: كنت عند سوار (1) القاضي فجاء الغلام فقال: زفر بالباب فقال: زهر الرأى لا تأذن له، فانه مبتدع، فقيل له ابن عمك قدم من سفر ولم تأته ومشى اليك فلو اذنت له، فأذن له فما كلمه كلمة حتى خرج.
وقال بشر بن السرى: ترحمت يوما على زفر وانا مع سفيان الثورى فأعرض بوجهه عنى اهـ. ثم ذكر ابن حجر عن أبى الفتح الأزدي: زفر غير مرضى المذهب والرأى اه.
(1) استمر سوار على قضاء البصرة من سنة??? ه إلى وفاته في ذي القعدة سنة 156 هـ كما ذكره ابن حبان ثم خلفه ابنه عبد الله في قضاء البصرة فلا يتصور تولى زفر قضاء البصرة لافي حياة إلى حنيفة ولا بعد وفاته (ز).
الجزء 1 · صفحة 22
وذكر عن ابن عدى أنه قال الحارث بن مالك إن أول من قدم البصرة برأى أبى حنيفة زفر، وسوار بن عبد الله على القضاء فاستأذن عليه فحجبه وسعى فى اليه فقلت: أصلحك الله إن زفر رجل من أهل العلم و من العشيرة قال: أما من العشيرة فنعم: وأما من أهل العلم فلا، فانه أتانا ببدعة: برأى الى حنيفة. فقلت: انه يحب أن يتزين مجالسة القاضى. قال فائذن له على ان لا يتكلم معنا في العلم اهـ.
فاذا تهرب سوار على ضيق دائرة روايته من كلام زفر معه في العلم لا يتعجب: لأن مثل الحجاج بن ارطاة القاضى المعدود في الحفاظ على سعة دائرة روايته كان يحجب ز فرعنه تهربا من كلامه معه فى العلم و أما عدر أى ابى حنيفة بدعة فما يرده عمل فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين كما تجد مصداق ذلك في «الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي و، جامع بيان العلم وفضله، لا بن عبد البر، ومن انكر الفهم في الكتاب والسنة، ورد النظير الى النظير فهو المبتدع، كما ذكرنا ذلك فيما علقناه على النبذ، لابن حزم.
واما حال سوار القاضى هذا - وهو الجد لا الحفيد ـ فلم يخرج عنه احد من اصحاب الأصول السنة على تقدم زمنه، وفيه يقول شعبة: ما تعنى في طلب العلم وقد ساد (1)، وقال الثورى: ليس بشيء. وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال ابن سعد: قليل الحديث. وقال الذهبي: روى القليل عن بكر المزني والحسن اهـ
وسلطان مثله يكون بقوة الحكم لا بقوة العلم، وقد روى عنه انه لما قيل له لو نظرت في شيء من كلام ابي حنيفة وقضاياه. قال: كيف انظر في كلام رجل لم يؤت الرفق في دينه.؟. فمن يكون زهده في الحديث كما سبق يكون زهده في الفقه ورأى ابي حنيفة واصحابه كما ترى، على ان زفر حيث حول وجوه المتفقهين بالبصرة الى فقه الى حنيفة كان رؤوس اهل البصرة من طوائف الفقه، لا يغتفرون ذلك الزفر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومثل سوار في ضيق دائرة علمه وكلام اهل النقد فيه لا يتحاكم اليه فى مثل زفر بعد ان تواطأت القلوب مع الألسن عند جمهرة النقاد على الثناء عليه خيراً والشهادة له بالحفظ والاتقان ودقة الفهم وشدة الورع
(?) وقد ورد: تعلموا قبل ان تسودوا. (ز).
الجزء 1 · صفحة 23
واما ابو الفتح الأزدى فلا يكون مرضى المذهب والرأى عنده إلا من كان رافضيا مثله في الرأى والمذهب، والحاصل ان الجرح غير المفسر لا يلتفت اليه إزاء صرائح التوثيق من اهل الشأن، واما حكاية عدم رواية ابن مهدى عن زفر فشهادة على النفى وعلى فرض ثبوتها لا يخلو ابن مهدى من تأثير الثورى عليه وهو ضيفه النازل عنده المختفى لديه سنين، كما ذكرت في لفت اللحظ، حيث كان عنده بعض انحراف عن ابي حنيفة واصحابه فى بعض الروايات كما هو شان التنافس بين الأقران على ان رستة عبد الرحمن بن عمر ظنين في ابن مهدى، كما ترى ذلك في الميزان وغيره، وبشر بن السرى ممن أطالوا الكلام فيه، ولا مانع من ان يستاء الثورى من زفر، وقد بلغه ماقاله فى جامع سفيان الثورى بالبصرة، وذلك ما حكاه عكرمة بن عمار انه لما قدم زفر البصرة ونقل اليه جامع سفيان قال: هذا كلامنا ينسب الى غيرنا اه والكلام بين الأقران مما لا يلتفت اليه كثيراً عند اهل النقد، راجع ما ذكرناه فى الثورى فى التأنيب.??? واما قول احمد بن المعدل:
إن كنت كاذبة الذي حدثني) فعليك إثم ابى حنيفة او زفر الماثلين الى القياس تعمداً والراغبين عن التمسك بالخبر ففة مصدور من تضايقه بالبصرة من اصحاب زفر القائمين بنشر فقه الى حنيفة هناك نشرا مكتسحا لآراء سائر الطوائف، لكن الواجب على الهاجي ان يعلم ان الهجر إنما يكب الهاجى فى النار، من غير ان يضر الأبرياء الأبرار في شيء، وأن التحاكم في المسائل الخلافية الى الحجج الناهضة لا الى الشعب الفارغ، والإقناع المزرى، فما ذنب زفر؟ حتى يستحل الولوغ في دمه ودم استاذه بهذه الصورة البشعة، ولم يريا الإنفار، ولا قدما القياس على صحاح الآثار، ولافتحا باب الاسترسال في نقض الشرع باسم المصلحة، ولا كانا يستصحبان من يغنى لهما في مجالس العلم، وانت تعلم تفقه ابن المعدل على شيخه القادم الى البصرة ومعه من يغنيه فزهد فيه أهل العلم بالعراق، وهو خلفه هناك في فقهه فمثله لو سكت لمكان أستر له ولطائفته، والمصراع الأول مضمن من شعر لحسان رضي الله عنه، واخوه عبد الصمد (1) إذا تحاكمنا اليه في أخيه نراه يقول فيه:
اضاع الفريضة والسنه ... كان لنا النار من دونه
فتاه على الانس والجنه ... وافرده الله بالجنه
وينظر نحوى اذا زرته ... بعين حماة إلى کنه
(1) يقول الذهبي في المشتبه: احمد بن المعذل - يفتح الذال المشددة - من أئمة المالكية تفقه عليه اسماعيل القاضي. واخوه عبد الصمد بن المعذل شاعر بديع القول اه (ن).
الجزء 1 · صفحة 24
وهذا هو قول أخيه فيه
وقد ذكر ابن عبد البر في الانتقاء ان ابا جعفر الطحاوى لما سمع البيتين الاحمد بن المعدل قال: (: وددت ان لى حسناتهما واجورهما وعلى إنهما اه. و من الناس من لم يكتف بذلك التهجم فى البيتين حتى غير المصراع الثالث وقال: (الواثبين على القياس تمرداً). وقد عارض كثير من أصحابنا البيتين، واقرب ماقيل في المعارضة الى الأدب قول الحافظ القاسم بن قطلوبغا:
كذب الذي نسب المآثم للذى قاس المسائل بالكتاب و بالأثر إن الكتاب وسنة المختار قد دلا عليه فدع مقالة من فشر وادلة القياس من الكتاب والسنة مبسوم رطة في كتب الأصول المبسوطة وفي كثير من سائر المكتب كما سبق، سامحهم الله وإيانا بمنه وكرمه ووقانا شر التعصب والتحزب ووفقنا لانزال الناس منازلهم با عدل الموازين. وتغاير العلماء وتحاسدهم مما أدى الى رد اقوال بعضهم في بعض عند اهل النقد ولا سيماعند اختلاف المذاهب كما هو معروف. فنسأل الله الصون من متابعة الهوى.
وذكر العقيلي عن عبد الرحمن بن محمد عن رستة عن ابن مهدى عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر بن الهذيل) عطلتم حدود الله كلها فقلنا ما حجتكم؟ فقلتم: ادرؤوا الحدود بالشبهات حتى اذا صرتم الى أعظم الحدود وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر. فعلتم ما نهيتم وتركتم ما أمرتم به. هذا او نحوه من الكلام) و لفظ عبد الواحد فى رواية الطحاوى عن ابن ابي عمران عن ابي عبيد عن ابن مهدى (قلت لزفر يقولون انكم تدرؤون الحدود بالشبهات وقد جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليه قال: وما هو؟ قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال فاشهد أنت على رجوعى عن هذا اهـ). على أن هناك اثار اعن عمر و على وعمر بن عبد العزيز ومراسيل يؤيد بعضها بعضا، مع كون المراد بالكافر من لا عهد له بدليل ذكر (ولا ذو عهد في عهده أي بكافر غير معاهد فلا يكون دليل المذهب ضعيفا. راجع جواهر الزبيدي (2 - 175) و موضع العبرة في عمل العقيلي هنا تصرفه فى الرواية فقارن بين الروايتين ثم احكم
الجزء 1 · صفحة 25
هل ولى زفر قضاء البصرة؟
قال الحافظ عبد القادر القرشي: قال ابو عمر كان زفر ذا عقل ودين وفهم وورع وكان ثقة فى الحديث اهـ. وذكر القرشى قبل ذلك عن أبي نعيم: كان زفر ثقة مأمونا، دخل البصرة في ميراث اخيه فتشبث به اهل البصرة فمنعوه الخروج منها اه ثم قال: وتولى قضاء البصرة اه وهذا متابعة منه لا بن عبد البرحيث قال " في الانتقاء:
كان زفر كبيراً من كبار اصحاب ابى حنيفة وافقههم، وكان يقال إنه كان احسنهم قياسا، ولى قضاء البصرة، فقال له أبو حنيفة: قد علمت ما بيننا وبين اهل البصرة من العداوة والحسد والمنافسة، وما اظنك تسلم منهم، فلما قدم البصرة قاضيا اجتمع اليه اهل العلم وجعلوا يناظرونه فى الفقه يوما بعد يوم، فكان إذا رأى منهم قبولا واستحسانا لما يجيء به قال لهم: هذا قول الى حنيفة فكانوا يقولون: أو يحسن ابو حنيفة هذا؟ فيقول لهم: نعم واكثر من هذا، فلم يزل بهم إذا رأى منهم قبولا لما يحتج به عليهم ورضا به وتسليما له قال لهم: هذا قول أبي حنيفة على هذا حتى رجع كثير منهم عن بعضه، فلم تزل حاله. فيعجبون من ذلكمعهم الى محبته، وإلى القول الحسن فيه بعد ما كانوا عليه من القول السيء فيه، وكان زفر قد خلف أبا حنيفة فى حلقته إذ مات، ثم خلف بعده ابو يوسف، ثم بعدهما محمد بن الحسن، ومات زفر سنة ثمان وخمسين ومائة:، وهو ابن ثمان و اربعين سنة اهـ. ويخدش في دعوى توليه قضاء البصرة استمرار قضاء سوار بن عبد الله العنبرى بالبصرة من سنة ??8 هـ الى وفاته فى ذى القعدة سنة 156 ه كما يقول ابن حيان وتولى ابنه عبد الله بن سوار قضاء البصرة بعد وفاة ابيه، فيكون القرشي وابن عبد البر واهمين فى ذلك، وكان لزفر قرابة بالبصرة فزارهم في عهد عثمان البتي المتوفى سنة 143 هـ فجرى بينهما ما سبق ذكره بأسانيده، ثم رحل إلى البصرة بمناسبة وفاة أخيه بعد وفاة أبي حنيفة فتمسك أهل البصرة به، فأقام هناك ينشر العلم إلى أن مات بالبصرة وسبق بيان مبلغ ما أودى به بسبب امتناعه عن قبول القضاء اء، رحمه الله وارضاه، ولا بن عبد البر بعض أغلاط في تراجم المشارقة.
وفاة زفر في البصرة و كلام اهل العلم في زهده في الدنيا:
سبق بيان سبب اتصال زفر بأبي حنيفة وملازمته المجلسه أكثر سنة وقد روى الصيمرى عن عبد الله بن محمد الشاهد عن مكرم عن احمد بن محمد عن مليح بن وكيع عن أبيه قال: لما مات أبو حنيفة اقبل الناس على زفر فما كان يأتي ابا يوسف الانفر يسير، النفسان والثلاثة. وكان زفر يكنى بأبي خالد و بأبي
الجزء 1 · صفحة 26
الهديل وكان من اهل اصبهان ومات اخوه فتزوج بعده بامرأة اخيه فلما احتضر دخل عليه ابو يوسف وغيره فقالواله ألا توصى يا أبا الهذيل فقال: هذا المتاع الذي ترونه لهذه المرأة، وهذه الثلاثة الآلاف الدرهم هي لولد أخي وليس الأحد على شيء ولا لى على أحد شيء، وكان زفر شديد العبادة والاجتهاد
وقال الصيمري أخبرنا عمر بن ابراهيم عن مكرم عن محمد بن احمد بن يعقوب السدوسي قال حدثنا جدى ـ وهو يعقوب بن شيبة بن الصلت المالكي ـ قال: زفر بن الهذيل عنرى من أنفسهم يكنى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث ونظر في الرأي فغلب عليه، ونسب اليه ومات بالبصرة، وأوصى الى خالد (الحافظ) وعبد الواحد بن زياد، وكان ابوه الهذيل على الأعمال ومات وهو والى اصبهان، وكان اخوه صباح بن الهذيل على صدقة بني تميم، وزفر هو زوج اخت خالد بن الحارث ومات فى اول خلافة المهدى سنة ثمان وخمسين ومائة اهـ.
وكلام يعقوب بن شيبة هذا لاغبار عليه إلا أن جعل وفاته في أول خلافة المهدى فيه وقفة لأنه نص ابن خلكان وغيره على أن وفاته في شعبان من سنة158 ه فتكون وفاته قبل وفاة المنصور بأربعة أشهر وسبق ان نقلنا من ثقات ابن حبان وفاته في ولاية ابى جعفر المنصور، وقال احمد بن خلف وعبد الباقي ابن قانع في رواية المرزباني عند الصيمري أن زفر مات سنة 158ه وفيها مات المنصور واسرائيل بن يونس. وحكى أبو خازم عن بكر العمى أن زفر توفى 158 ه سنة ابن ثمان واربعين سنة كما ذكره ابن أبى العوام
وهو سمعت زفر يقول: لا أخلف بعد موتى شيئا أخاف عليه وعن بشر بن القاسم. الحساب فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم، ولما احتضر قال له أبو يوسف وغيره أوص فقال هذا المناع لزوجتى وهذه الثلاثة الآلاف الدرهم لولد أخى ـ وكان تزوج امرأة أخيه بعد وفاته - وأما انا فليس لى على أحدثى، ولا لأحد على شيء كما في مفتاح السعادة والمناقب الكردرية، وعن ابراهيم بن سليمان قال: كنا إذا جالسنا زفر لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه فاذا ذكرها واحد منا قام من المجلس وتركه وكنا نتحدث فيما بيننا ان الخوف قتله، كما في الكردرية. وقال النواوى في تهذيب الاسماء: كان جامعا بين العلم والعبادة وكان صاحب حديث ثم غلب عليه الرأى قال ابن أبي حاتم: روى عن الحجاج بن أرطاة وروى عنه ابو نعيم (الفضل بن دكين) وحسان بن ابراهيم وأكثم بن (والد يحي) قال ابو نعيم كان زفر ثقة مأمونا، دخل البصرة في ميراث أخيه فتشبث به أهل البصرة فمنعوه الخروج منها قال يحيى بن معين: زفر صاحب الرأي ثقة مأمون قال ابن قتيبة: توفى بالبصرة اه.
الجزء 1 · صفحة 27
ومما قيل في مدحه رضى الله عنه: قوس القياس به كانت موترة ما عاش والآن أضحت مالها وتر لقد حوى في قياس الفقه مرتبة علياء قد قصرت من دونها الفكر قياسه قد صفا في بحر خاطره وحاسدوه لشوم الخلق قد كدروا غدا لكسر قياس الناس جابره وهم الحيدهم حقا قد انكسروا عيونهم في الليالى بالكرى كملت وعينه كملها في ليله السهر أنى يساويه في فقه له أحمد؟! هل يستوى الذهب الابريز والحجر؟!
وبهذا القدر نكتفى في بيان سيرة هذا الامام العظيم رفع الله مقامه في الجنة ونفع بعلومه الأمة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
قد فرغ الفقير اليه تعالى محمد زاهد بن الحسن بن على الكوثرى من تحرير هذه الرسالة بتوفيق الله تعالى عصر يوم م الأحد السابع عشر من شهر رجب الفرد من سنة 1368 هـ غفر الله لي ولوالدى ولمشايخي ولسائر المسلمين ونفعنا بركات العلماء العاملين.
وكان ختام طبعها بتوفيق الله سبحانه في 27 رجب سنة 1368 هـ في مطبعة الأنوار، بنهاية شارع بيبرس بالحمزاوى بالقاهرة.