كعب الأحبار والإسرائيليات
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
كعب الأحبار والإسرائيليات
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
رغب بعض أفاضل أهل العلم فى بعض الأقطار الشقيقة في أن أدلى بدلوى في الجواب عن السؤال الآتى، فأبديت ما عندي في هذا الموضوع، وسقت هنا نص السؤال وجوابى عنه، وإليكم نصّ السؤال:
ماذا كان تأثير كعب الأحبار (اليهودى – المسلم) على أفكار وتقاليد الإسلام بما يخصّ الجنة والنار، كما أتت بقصة الإسراء والمعراج لمولانا ابن العباس المتداولة بين الشعب والمثبتة بالتفسير الحديث - الجزء الثاني؟
وجوابي عنه: لم يبين السائل مراده بالتفسير الحديث، ولا أوضح القصة المتداولة بين الشعب ... ليمكن التحدث عنهما بجلاء، فإن كان يريد بالقصة تلك القصة الطويلة التى يسردها ابن جرير وغيره في تفسير سورة الإسراء؛ فليس فى أسانيدها كعب ولا ابن عباس، بل فيها أبو جعفر عيسى ابن ماهان الرازي المعروف بسوء الحفظ، وأبو هارون عمارة بن جوين العبدي وخالد بن يزيد بن أبي مالك المتهمان بالكذب فلا تقوم بروايتهم الحجة، ولا سيما في مثل تلك القصة الطويلة.
وليس لتلك القصة صلة بكعب من قرب ولا بعد، على أنّ الجنة والنار مما أهمل ذكره في أسفار التوراة الموجودة اليوم عند اليهود حتى عد ذلك من أبرز الأدلة على التحريف في التوراة، لخلوها من أخصّ ما يدعو إليه رسل الله من الإيمان بالبعث بعد الموت، فلا يلهج كعب بنقل قصّة فى الجنة والنار عن كتب
اليهود، بل في التلمود نصّ على التناسخ المناقض لدعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام
وأما كلام ابن عباس – رضي الله عنه - مع كعب في رؤية الله ليلة المعراج فقد أخرجه الترمذى فى «جامعه» فى تفسير سورة النجم لكن بسند فيه مجالد بن سعيد وهو سيئ الحفظ مختلط، ولفظ الشعبي فيه لفظ لا يفيد الاتصال ويعارضه أحاديث صحيحه.
وكعب هذا يقال له: كعب الأحبار، وكعب الحبر، وهو ابن ماتع الحميري، كان من أحبار اليهود ومن أوسعهم اطلاعاً على كتبهم، وكان من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام؛ لأنه ولد في اليمن وأقام بها إلى أن هاجر وأسلم سنة اثنتى عشرة في زمن عمر – رضي الله عنه -، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعى أهل الشام وقال: كان على دين اليهود فأسلم وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفى بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان. اهـ وفيها أرخه غير واحد.
وقال ابن حبان في الثقات: إنه مات سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وقد بلغ مائة وأربع سنين، اهـ.
وقد ذكر ابن سعد بطريق حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن ابن المسيب أن العباس قال لكعب: ما منعك أن تسلم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبى بكر حتى أسلمت في خلافة عمر؟ قال: إن أبي كان كتب لى كتابا من التوراة فقال: اعمل بهذا وختم على سائر كتبه، وأخذ على بحقّ الوالد على الولد أن لا أفض الختم عنها فلما رأيت ظهور الإسلام.
قلت: لعل أبي غيب عنى علمًا ففتحتها، فإذا صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلماً، اهـ.
وفى سند هذا الخبر حماد بن سلمة وهو مختلط تحاماه البخارى وتحاماه مسلم أيضا، لكن في غير روايته عن ثابت لبقائها في ذهنه كما هي بعد الاختلاط فى نقده، وفيه أيضا على بن زيد بن جدعان ضعفه غير واحد.
والجمهور على توثيق كعب، ولذا لا تجد له ذكراً في كتب الضعفاء والمتروكين، وقد ذكره الذهبي فى «طبقات الحفاظ» وترجم له ترجمة قصيرة، وتوسع ابن عساكر في ترجمته فى تاريخ دمشق، وأطال أبو نعيم في الحلية الكلام فى أخباره وعظاته ومجالسه وتخويفه لعمر وذكره للجنة والنار بإطالة بسند فيه فرات بن السائب من غير ذكر مصدره، وترجم له ابن حجر في «الإصابة» و «تهذيب التهذيب»، وقد اتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، لكن البخارى روى فى كتاب الاعتصام من صحيحه عن معاوية أنه ذكر كعباً، وقال: كنا نبلو عليه الكذب اهـ ويروى فى «الإصابة» تكذيبه عن حذيفة وكذا ابن عباس نسبه إلى الكذب.
وقال على القارى فى «الموضوعات الكبرى» 100 من الطبعة الهندية: لما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أن يبنى المسجد الأقصى استشار الناس هل يجعله أمام الصخرة أم خلفها؟ فقال له كعب: يا أمير المؤمنين ابنه خلف الصخرة فقال يا ابن اليهودية خالطتك يهودية، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون، فبناه حيث هو اليوم اهـ.
هكذا حال عمر دون تمكين كعب من أن يُصلى إلى قبلة اليهود في مسجد
المسلمين.
وقد استبطن كعب اتهام عمر إياه حتى رئى اتصاله بالمتآمرين في اغتياله مع سبق إنذار منه لعمر بأنه سيقتل متظاهراً بالنقل عن كتب أهل الكتاب، وما لعمر ولكتب أهل الكتاب؟ فلو كان الشرع الإسلامي يبيح أخذ المتهم بالظنة لكان للقضاء الشرعي شأن مع كعب في قضية قتل عمر رضي الله عنه.
ومن المعروف فى التاريخ حمل أبي ذر إلى المدينة من دمشق بشكوى معاوية ورد كعب فى مجلس عثمان على أبي ذر في رأيه في المنع من اقتناء المال، وقول أبي ذر: لكعب يا ابن اليهودية ليست هذه مسائلك، ومن الثابت أيضا منع عوف بن مالك كعباً من أن يقصّ إلى أن سمح له بذلك معاوية.
فتبين من تلك النبذ أن عمر وحذيفة وأبا ذر وابن عباس وعوف بن مالك ومعاوية ما كانوا يأتمنون كعباً ائتمانا كاملاً مع رواية ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة عن كعب بعض روايات بالنظر إلى أن الأخبار الإسرائيلية القاعدة القاضية بتصديق ما صدقه الشرع الإسلامي وتكذيب ما كذبه والتوقف فيما سوى ذلك، لحديث البخارى لا تُصدِّقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون.
وهذا منهج سديد لا تخشى معه غائلة الإسرائيليات؛ لأن من ذكرها إنما ذكرها على أنها إسرائيليات خاضعة لذلك المعيار الصادق العيار؛ فإذن لا كعب ولا غيره من رواة الإسرائيليات أثروا ولا يستطيعون أن يؤثروا على أفكار الإسلام وعقائد الإسلام وتقاليد المسلمين أصلا ما دامت رواياتهم تعرض على ذلك المحك الدقيق: ولذا ترى كثيراً من المفسرين دونوا ما يظنون أن له نفعا لتبين
بعض النواحى فى أنباء القرآن الحكيم من معارف عصرهم به المتوارثة من اليهود وغيرهم تاركين أمر غربلتها لمن بعدهم من النقاد، حرصا على إيصال تلك المعارف إلى من بعدهم؛ لاحتمال أن يكون فيها بعض فائدة في إيضاح بعض ما أجمل من الأنباء فى الكتاب الكريم، لا لتكون تلك الروايات حقائق فى نظر المسلمين يراد اعتقاد صحتها والأخذ بها على علاتها بدون تمحيص فلا تثريب على من دون الإسرائيليات ما دام قصده هكذا.
وقد اعتذر سليمان بن عبد القوى الطوفى عن المفسرين في ملء تفاسيرهم بالإسرائيليات بحمل قصدهم على ذلك في كتاب «الإكسير في قواعد التفسير» المحفوظ في مكتبة قرا حسام الدين في الآستانة، وضرب لذلك مثلا بصنيع رواة الحديث حيث عنوا بادئ ذي بدء بجميع الروايات كلها تاركين أمر التمييز بين صحاحها وضعافها لمن بعدهم من النقاد، وهذا اعتذار وجيه.
وصفوة القول أنه لا ينخدع بالإسرائيليات الباطلة إلا من تعود أن يأخذ عن كل من هب ودب من غير رجوع إلى أهل العلم في البحوث المتشعبة على أن كثيراً من أهل العلم قاموا بما يصون المجتمع من الأخبار الزائفة فجردوا التفسير من الإسرائيليات الباطلة كما فعل ذلك عبد الحق بن عطية في تفسيره المسمى بـ «المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز»، فلا يكون للإسرائيليات وسائر الخرافات تأثير سيئ إلا على بعض العامة وبعض المتعالمين الذين يرون أنفسهم فى غنية عن الرجوع إلى العلماء، وإلى المصادر المتخيرة حتى في المهمات والله ولى التسديد.