كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كثر التساؤل في هذه الأيام عن حكم صلاة المصلى وهو حاسر الرأس من غير عذر، وعن حكم الصلاة فى النعال، حيث نجم أناس يلذ لهم إنكار خلفا عن سلف المعروف وإذاعة المنكر، ومفاجأة الجمهور بخلاف ما توارثوه الله وهؤلاء المتمجهدون الساعون فى الفتنة بإثارة قلاقل بين المسلمين في بيوت في عباداتهم له سبحانه من أعجب الناس عقولا وأشبههم بالخوارج في استعظام الصغير واستصغار الكبير، ولا داعى للإفاضة في الكشف عن أحوالهم هنا، وقد عرفهم الناس بسعيهم فى تفرقة كلمة المسلمين فنبذوهم ودعوتهم في كل مكان فاتحدث هنا. المسألتين بتوفيق الله سبحانه:
أما عن صلاة المصلى وهو حاسر الرأس من غير عذر فصحيحة إذا كانت مستجمعة للشروط والأركان لكنها خلاف السنة المتوارثة، والعمل المتوارث في كل بقعة من بقاع المسلمين على توالى القرون وتشبه بأهل الكتاب فإنهم يصلون وهم حسر الرؤوس كما هو مشهود ونبذ للزينة التي أمر المسلمون بأخذها عند كل مسجد وصلاة، وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى 236/2 بطريق أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله عز وجل أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليأتزر إذا صلى ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود».
وأخرج أيضا بطريق العباس الدورى: ثنا سعيد بن عامر الضبي عن سعيد بن أبي عزوبة عن أيوب عن نافع قال رآني ابن عمر وأنا أصلى في ثوب واحد فقال: ألم أكسك؟ قلت بلى قال فلو بعثتك كنت تذهب هكذا؟ قلت: لا، قال: فالله أحق أن تزين له.
وأخرج أيضا بطريق يوسف بن يعقوب القاضى ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال تخلفت يوما في علف الركاب فدخل على ابن عمر وأنا أصلى فى ثوب واحد فقال لى: ألم تكس ثوبين؟ قلت بلي، قال: أرأيت لو بعثتك إلى بعض أهل المدينة أكنت تذهب في ثوب واجد؟ قلت قالين فالله أحق أن تنجما له أمر الناس؟.
وهذه هى مدارك الفقهاء فى قولهم بكراهة صلاة المصلى في هيئة لا يخرج بها إلى من يحترمه ولا شك أن المرء لا يخرج إلى من يحترمه وهو حاسر الرأس في عادة المسلمين خلفا عن سلف فتكره صلاته وهو حاسر الرأس.
قال الماوردي: أخذ الزينة هو التزين بأجمل اللباس وقال أبو حيان والذي يظهر أن الزينة هو ما يتجمل به ويتزين عند الصلاة ولا يدخل فيه ما يستر العورة لأن ذلك مأمور به مطلقا اهـ.
وهذا الكلام وجيه جدا فشمول الزينة لغطاء الرأس ليس بموضع ريبة أصلا، وهو المعمول به من أول الإسلام إلى اليوم ولم ير أحد في زمن من الأزمان ولا في مكان الأمكنة انعقاد صفوف المسلمين في صلواتهم وهم حسر الرؤوس. ومن ينكر ذلك يكون مكابرا. فمحاولة إخراج غطاء الرأس من الزينة لا يعاضدها دليل بل تكون قولا بالتشهى بدون قدوة. ولاشك أن لفظ الزينة
يتناول غطاء الرؤوس تناولا أوليا فيكون مأموراً به في الآية، وتوهم اقتصار الآية على سبب نزولها من زجر أهل الجاهلية الذين كانوا يطوفون بالكعبة وهم عراة من جميع ملابسهم؛ ابتعاد عن منهج أهل الاستنباط العبرة بشمول اللفظ لا بخصوص السبب، ولذا ترى أهل المذاهب مجمعين على استحباب لبس القلنسوة والرداء والإزار فى الصلاة كما في شرح المنية 349 ومجموع النووى ?/ ??? وغيرهما.
وقد استقصى المحدث السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله في «الدعامة» ذكر الأحاديث الدالة على مبلغ مواظبته - على لبس القلانس بعمامة وبدون عمامة وأقوال أهل العلم في ذلك، فليراجع.
وأما ما يروى من أنه السلام - كان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه وهو يصلى فضعيف كما في شرح الشمائل وغيره. فلا يعرج عليه، وليس له ذكر في دواوين الحديث المعتبرة فلا يمكن أن يناهض العمل المتوارث والسنة المتوارثة فى تغطية الرأس، نعم كان عمر – رضي الله عنه - ينهى الإماء عن تغطية رؤوسهن فلعل هؤلاء الحسر يعدون أنفسهم من الإماء!! أو يحبون التشبه بهن في صلواتهن. وهذا ليس من شأن الرجال في نظرنا وهم وشأنهم في ذلك. فمن استهان بالعمل المتوارث والسنة المتوارثة فى تغطية الرأس ولم يكترث بحصول التشبه بحال النصارى فى صلواتهم ولا بمشابهة الإماء، لا يكون سليم النية فلا يمكن من شغبه الفارغ.
وأما الحج فعبادة خاصة فى مكان خاص وزمان خاص فلا يقاس عليه شيء في باب الكشف عن الرؤوس.
وفي شرح منية المصلى 348: ويكره أن يصلى حاسرا رأسه تكاسلا بأن استثقل تغطيته ولم يرها أمرا مهما في الصلاة فتركها لذلك – ولا بأس إذا فعله تذللا وخشوعا - وقوله لا بأس يدل على أن الأولى أن لا يفعله وأن يتذلل ويخشع بقلبه فإنهما من أفعال القلب» اهـ.
وهكذا الحكم في باقي المذاهب وزد على ذلك أن كشف الرأس في الصلاة أصبح شعاراً لطائفة من مبتدعة اليوم فينبذ نبدا بعداً عن التشبه بهم. والحاصل أنه لم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه صلى وهو حاسر الرأس من غير عذر حتى نقتدى به - في كشف الرأس في الصلاة، وقد سبق بيان عادة كشف الرؤوس فى صلواتهم بل هم يفعلون كذلك في كل النصارى من موقف احترام يقفونه.
ومن الأنباء الطريفة المتصلة بكشف الرؤوس، أن الروس لما استولوا على قوقاسيا الإسلامية سنة ???0هـ بعد حرب دامت نصف قرن ألزم حكام الروس المسلمين هناك أن يكشفوا رؤوسهم عند دخولهم على الحكام، فأنف عالم ربانى ملء قلبه العزة الإسلامية من قبول هذا الإرغام، وقال للحاكم العام أنتم أعطيتم كلمة بأن لا تتدخلوا بشؤون ديننا، وكشف المسلم عن رأسه عند دخوله على الحكام محظور في دين الإسلام فكيف تحاولون الآن أن ترغمونا على ذلك؟!.
فقال الحاكم: سأجمع علماءكم فى مؤتمر لأعلم ما إذا كانت آراؤهم تطابق رأيك، ففعل، فإذا العلماء يتخاذلون ممجمجين وذلك العالم مصر على رأيه. فقال الحاكم لذلك العالم: اكتب مستندك في رأيك هذا لأرفعه إلى الرئيس الأعلى لعلماء الدين الإسلامى فى الدولة، فإذا وافقك على رأيك هذا أنفذ حكم إعفاء المسلمين
من ذلك الإلزام في قطركم رغم انفرادك فى الرأى، وإلا فأنت تتحمل عاقبة إصرارك، فقال العالم: وهو كذلك، وكتب ما معناه: إن المسلمين لا ينزعون قلانسهم عند دخولهم المساجد وفى صلواتهم الله جل جلاله، فإذا فعلوا ذلك عند دخولهم إليكم يكونون كأنهم يجلونكم فوق إجلال الله وهذا مما لا يجوز في دين الإسلام. فبعث الحاكم ما كتبه إلى الرئيس الأعلى فاتفق أن وافق الرئيس على رأى هذا العالم الغيور، فتم إعفاء المسلمين في ذلك القطر من هذا الإلزام.
هكذا تكون العزة والأنفة والابتعاد عن التشبه بأهل الكتاب بخلاف ديدن دعاة توحيد الأديان وجعلها فى منازل متساوية، ودعاة إزالة الحواجز بينها.
وأما الصلاة بالنعل فصحيحة إذا كانت طاهرة لا تمانع وضع باطن رؤوس الأصابع على الأرض كما شان هو تمام السجدة - على ما ذكره الخطابي وغيره - وكان مسجد النبي - لم - مفروشا بالحصباء، وحجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت في اتصال المسجد فلم تكن نعله – السلام مظنة إصابة قذر أصلا؛ لأنه لم يكن يطأ بها شوارع قذرة وكانت المدينة المنورة طاهرة الأزقة من الأرواث والأرجاس انصياعا من الصحابة - ع - لأمر الرسول - - فى مراعاة النظافة الكاملة في البيوت وأفنيتها فضلا عن بيوت الله .. فكان الماشي فيها يتمكن من التحفظ فى المشى من وطء الأقذار وأراضيها كانت رملية رخوة يؤمن معها الرشاش وعند إرادة صب الماء كانوا يبتعدون عن الأزقة والمساكن ويتطلبون دمثا من الأرض لا يرش وكان - لام - إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد، وكان ينهى عن الملاعن الثلاث، وكان ينهى عن التخلى فى طريق الناس أو ظلهم - كما أخرجه أبو داود وغيره، بخلاف شوارع اليوم ومراحيض اليوم فإنها لا يمكن فيها التحفظ من وطء الأقذار والرشاش على النعال لكون مراحيضها صلبة ترش
حتما في النعال، ولا سيما إذا بال الشخص وهو قائم لأنها على طراز أفرنجي لا يتمكن المرء من البول فيها إلا وهو قائم.
وقد صح أنه سلام خلع نعله عند الصلاة في فتح مكة فيكون هذا آخر الأمرين. كما أنه خلع حينما أعلمه جبريل أن بنعله أذى. والترخيص عند التحقيق من طهارة النعل هو مقتضى الأدلة عند المحققين. ومن يرى استحباب لبسها بشرطه إنما استحب لمخالفة اليهود لكن أهل الكتاب أصبحوا اليوم يدخلون كنائسهم ويصلون بنعالهم فتكون المخالفة لهم في خلع النعال لا في لبسها. وقول أنس - ه - نعم لمن سأله أكان يصلى في النعلين؟» لا يدل على المواظبة، كما تجد ما يوضح ذلك فى شرح النووى لمسلم عند كلامه في صلاة الليل. فتكون دعوى بعض الحنابلة الشذاذ سنية لبس النعل في الصلاة غير قائمة الحجة بل يعد اليوم من سوء الأدب دخول المساجد بالنعال؛ لما ذكره النووى والأبى في شرح مسلم وعلى القارى في شرح المشكاة والمقرى في فتح المتعال واللكنوى فى غاية المقال وابن أبى سعيد السجستاني في منية المفتى والحموى في الأشباه، بل لهم سلف في الصحابة – رضي الله عنهم -.
وإليك تفصيل ما يدل على ذلك:
قد صح عن أنس بن مالك – رضي الله عنه - أنه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ فقال: نعم. كما فى الصحيحين وغيرهما. وقال النووى في باب قيام الليل من شرح مسلم: إن المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة كان لا يلزم منها الدوام ولا التكرار إنما هي فعل ماض يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على ذلك عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها اهـ.
وفى حاشية معاني الآثار قال النووى: لا يؤخذ منه لغيره - الأن حفظ غيره لا يلحق به ثم إن فعل لا يفعل فى المساجد لئلا يفضي إلى الفساد، بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا وهي في كن يحفظها. وفي المجموع للنووى 3-427 قال الشافعي: وأحب إن لم يكن الرجل متخففا أن يفضى بقدميه إلى الأرض ولا يسجد متنعلا اهـ. ومصداقه ما فى الأم للشافعي ??/? وأحب إذا لم يكن الرجل متخففا أن يفضى بقدميه إلى الأرض ولا يسجد متنعلا فتحول النعلان بين قدميه والأرض اهـ. قال ابن بطال: الحديث محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة. ثم هو من الرخص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحبات لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهى وإن كانت من ملابس الزينة إلا أن ملامستها الأرض التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة .. وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسات قد تقصر عن هذه وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة؛ قدمت الثانية لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح إلا أن يرد دليل إلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر اهـ. كما في شروح البخاري.
وأنت تعلم منزلة ابن دقيق العيد في الحفظ والاجتهاد والجمع بين مذهبي مالك والشافعي أتم جمع. وقال ابن حجر ورد في كون الصلاة فى النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جداً أورده ابن عدى في الكامل، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة والعقيلى من حديث أنس. اهـ. ولا شأن لمثل هذا الضعيف فى باب الأحكام فيبقى نظر ابن دقيق العيد مأخوذاً به
وفى شرح جامع الترمذى للعراقي: اختلف نظر الصحابة والتابعين في لبس النعال فى الصلاة هل هو مستحب أو مباح أو مكروه؟ والذي يترجح
التسوية بين اللبس والنزع مالم يكن فيهما نجاسة محققة أو مظنونة اهـ.
فخلافهم فيما إذا كانت طاهرة لا فى النعل التي يمشى فيها لابسها في مثل شوارعنا وأزقتنا ومراحيضنا أصلا كما نوضح ذلك، واستحباب من استحب لبسها إنما هو باعتبار المخالفة لليهود لحديث أبي داود والحاكم: عن شداد بن أوس لكن في سنده مروان بن معاوية وهو مدلس، وقد عنعن ويعلى بن شداد وعنه يقول الذهبي بعض الأئمة توقف في الاحتجاج بخبره اهـ
على أن أهل الكتاب أصبحوا يصلون فى نعالهم فتكون المخالفة لهم في نزعها لا فى لبسها في الصلاة كما في بذل المجهود وكما هو مشهود. وقال الأبي في شرح مسلم 2/35? فى شرح حديث أنس السابق: ظاهره التكرار ولا يؤخذ منه جواز الصلاة فى النعل وإن كان الأصل التأسي لأن تحفظه - لا يلحق به غيره بل الناس تختلف حالهم في ذلك، فرب رجل لا يكثر المشى فى الأزقة والشوارع، وإن مشى فلا يمشى في كل الشوارع التي هي مظنة النجاسة، وإنما يؤخذ جواز الصلاة فيها من فعل الصحابة – رضي الله عنهم - منضما إلى إقراره لهم، ثم إنه وإن كان جائزا - يعنى عند إمكان إتمام السجدة فيها مع طهارتها، فلا ينبغى أن يفعل لاسيما في المساجد الجامعة فإنه قد يؤدى إلى مفسدة أعظم كما اتفق فى رجل يسمى هداجا من أكابر أعراب أفريقية إذ دخل الجامع الأعظم بتونس بأخفافه فزجر عن. فقال: دخلت بها كذلك والله على السلطان، فاستعظم ذلك العامة منه وقاموا عليه وأفضت الحال إلى قتله وكانت فتنة، وأيضا فإنه يؤدى إلى أن يفعله من العوام من لا يتحفظ فى المشى بنعله، بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا وهي في كن يحفظها اهـ.
وأنت تعلم منزلة الأبى بين شراح، مسلم ومن نظر إليه بمنظار مصغر فهو مختل البصر عليل النظر، وترجمته فى نيل الابتهاج «???».
وقد تابعه السنوسي شارح مسلم. وقال الأبى أيضاً في 2/66 وأما إدخال الأنعلة غير مستورة فسأل الشيخ الصالح أبو على القروى الشيخ الفقيه الصالح أبا الحسن المنتصر عن ذلك فقال: يا سيدى ألم تخبرني أن سيدى أبا محمد الزواوي رآك وضعت نعلك غير مستورة بإزاء سارية. فقال: أنتم أيها الرهط يقتدى بكم فلا تفعل فكان القروى بعد ذلك يقول حدثنى المنتصر عنى أن الزواوى كرهه اهـ ومثل ذلك في مدخل ابن الحاج المالكي.
هكذا كان علماء المالكية فى التحفظ أسوة بإخوانهم من علماء باقي المذاهب. ومخالفة هؤلاء جميعاً ليست بالأمر الهين عند من أوتى بصيرة. قال ابن حجر المكي في شرح المشكاة في شرح حديث «خالفوا اليهود: وقضيته ندب الصلاة فى النعال والخفاف لكن قال الخطابي: ونقل عن الإمام الشافعي أن الأدب خلع نعليه في الصلاة، وينبغى الجمع بحمل ما في الخبر على ما إذا تيقن طهارتهما، ويتمكن معهما من تمام السجود بأن يسجد على جميع أصابع رجليه وكلام الإمام فيما إذا كان على خلاف ذلك. اهـ. ورد عليه على القارى فى شرح المشكاة 483/1 وقال: «هذا خطأ ظاهر لأنه يلزم منه أنه إذا تيقن الطهارة ولم يمكن معهما إتمام السجود يكون خلع النعل أدبا مع أنه حينئذ واجب. فالأولى أن يحمل قول الشافعي على أن الأدب الذي استقر عليه آخر أمره – عليه السلام - خلع نعليه، أو الأدب في زماننا عند عدم اليهود أو النصارى أو عدم اعتيادهما الخلع. ثم سنح لى أن معنى الحديث خالفوا في تجويز الصلاة. مع النعال والخفاف فإنهم لا يصلون أى لا يجوزون الصلاة فيهما، ولا يلزم منه الفعل وإنما فعله -
لام- تأكيدا للمخالفة خصوصا على مذهب من يقول إن الدليل الفعلى أقوى من الدليل القولى اهـ.
ونعال الصحابة كانت لينة مكشوفة الأصابع كالنعال المعروفة في الحجاز إلى اليوم فيسهل معها إتمام السجود بخلاف مداسات اليوم فإنها صلبة، فوضع الرجل فيها كوضعها فى صندوق فلا يتمكن المصلى من إتمام السجود فيها. وحديث السجود على سبعة آراب مما أخذ به جميع الفقهاء في جميع المذاهب.
وفي شرح المنية 285: المراد من وضع القدم وضع أصابعها قال الزاهدى: ووضع رؤوس القدمين حالة السجود فرض، وفى مختصر الكرخي سجد ورفع أصابع رجليه عن الأرض لا تجوز. وكذا فى الخلاصة والبزازية، والمراد بوضع الأصابع توجيهها نحو القبلة ليكون الاعتماد عليها، وإلا فهو وضع ظهر القدم وهو غير معتبر وهذا مما يجب التنبيه له فإن أكثر الناس عنه غافلون اهـ. وذلك بعد أن رد على صاحب العناية وهمه. وقال عن قوله في عدم وجوب وضع الأصابع فى السجود إنه بعيد عن الحق وبضده أحق إذ لا رواية تساعده والدراية تنفيه اهـ.
ومن الدليل على أن نزع النعلين آخر الأمرين: حديث عبد الله السائب عند أبي داود أنه رآه عام الفتح يصلى وقد خلع نعليه.
ثم ما وقع في حديث أنس عند الطبراني وغيره من أنه -سلام- الم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة فالمراد به خلعهما أثناء الصلاة لصريح لفظ الحديث نفسه، لأن الصلاة فى الحديث جعلت ظرفا للخلع، فلا يتصور تكون الصلاة ظرفا للخلع إلا إذا وقع الخلع فى أثناء الصلاة كما لا يخفى فيكون تخيل أنه لام لم يخلع
النعلين قبل الصلاة طول عمره إلا مرة، خروجا على نص الحديث ودلالته الصريحة، فلا ينافي هذا الحديث كثرة خلعه قبل الصلاة على أن في سند حديث أنس ثمامة بن عبد الله. ممن يشير ابن معين إلى ضعفه وكان غير محمود فى القضاء وإن كان ممن ينتقى بعض حديثه فى الصحيح وليس هذا منه - ... وفيه أيضا عبد الله المثنى - وهو متكلم فيه وإن انتقى بعض حديثه في الصحيح أيضاً على أن خبر أنس هذا تعارضه روايات عن ابن عباس وأبى هريرة، وابن مسعود، بن الشخير – رضي الله عنهم - حيث لم يوجد فيها القصر على مرة واحدة، بل فيها ذكر الخلع أثناء الصلاة فقط من غير قصر على مرة واحدة وهو الموافق لأحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص وأبى هريرة وعائشة وعبد الله بن السائب – رضي الله عنهم - المخرجة في سنن أبى داود والبيهقى ومسند أحمد، ومعجم الطبراني في الأوسط، وغيرها فى صلاته عليه الصلاة والسلام وهو غير لابس النعلين.
على أن المسجد النبوى كان مفروشا بالحصباء فى مبدأ الأمر، وليس له سقف يحمى أرضه من حرارة الشمس فكان يحوج ذلك إلى اتخاذ نعال خاصة اتقاء من حرارة الحصباء وخشونتها، وأين هذا مما استقر عليه الأمر فيما بعد؟ ولا لوم على من اتخذ نعالا لينة كأخفاف لينة دون الكعبين لتلبس أثناء الصلاة خاصة كما كان أصحاب شيخ مشايخنا الضياء المحدث يفعلون ذلك؛ لأن مثل هذه النعال لا تحول دون التمكن من إتمام السجود، ولا هي مظنة لصوق النجاسة بها لعدم المشى بها في الأزقة والشوارع.
وفي حديث الطحاوى بطريق شعبة عن النعمان بن سالم عن عثمان بن عمرو بن أوس: قال كان جدى - يعنى أوس بن أبى أوس – رضي الله عنه - يصلى فيأمرني أن أناوله نعليه فينتعل ويقول: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يصلى في نعليه اهـ. وهذا اتخاذ نعل خاصة للصلاة، وهذا مما لا كلام فيه كما سبق، ومن لم يعترف بمبلغ تحفظ النبي – صلى الله عليه وسلم - وتحفظ أصحابه – رضي الله عنهم - من الأقذار في ثيابهم ومساجدهم ومنازلهم وأزقتهم مع كثرة ما ورد في ذلك من الأحاديث التي أشرت إلى بعضها ولم يلتفت إلى صنوف الأرجاس والأنجاس المشهودة في أزقة اليوم ومراحيض اليوم بل منعرجات الشوارع التي اتخذها حمير البشر مذاهب ومبالات تسيل أرجاسها إلى تلك الشوارع المرشوشة، وحمل العامة على أن يوسخوا المساجد بنعالهم القذرة، وعرض صلواتهم هكذا للفساد بنجاسة نعالهم، وعدم تمكنهم من إتمام السجود فيها لصلابتها فهو مريض القلب زنخ العقل، وسخ الفعل متعام عن الحقائق، مكابر فلا يستحق الخطاب.
وقد تطابقت كلمات أهل العلم على أن الصلاة في نعال الشوارع اليوم خلاف الأدب وإن كانت طاهرة، بل سوء الأدب كما تجد تفصيل ذلك في منية المفتى» للسجستاني و «فتح المتعال» للعلامة المقرى، و «شرح المشكاة» لعلى القارى و «غاية المقال للمحدث عبد الحى اللكنوى وغيرها.
وأما طهارة النعل بالمسح على الأرض ففيما إذا كان الأذى فيها ذا جرم غير رطب تتشرب النعل رطوبته النجسة؛ لأن لفظ الحديث عن أبي داود - الصلاة: من روايته عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبي نعامة السعدى عن أبى نضرة عن أبي سعيد الخدرى مرفوعا: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا - أو قال أذى - فليمسحه وليصل فيهما، ومثله في صحيح ابن حبان إلا أنه لم يقل فيه: وليصل فيهما. ولفظ الطيالسي بطريق حماد وبهذا السند مرفوعا: فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى فليخلعهما وإلا
فليصل فيهما، وهذا ساكت عن المسح بل آمر بالخلع فيكون الخلاف في حديث أبي سعيد بعيد الثقة كما ترى مع سنده أمثل من سند حديثى الأوزاعي عند أبي داود.
وفي لفظ إن وجد فدل لفظ إن رأى ولفظ إن وجد على أن المراد بالأذى هو المرئى ونحو البول لا يرى بعد الجفاف فيكون المراد من الأذى في لأنه هو الذى يرى ويوجد. وفي حديث أبي هريرة الحديث ما هو ذو جرم عند أبي داود بين تطهيرهما بقوله – عليه السلام - «فطهورهما التراب ومن المعلوم أن التراب لا يزيل الرطوبة التى تتشربها النعل فيكون التطهير بالتراب مقصوراً على الأذى اليابس ذى الجرم بهذا التعليل لأنه هو الذي يزول بالتراب، وأما تطهير الرطب أو المائع فلا يكون إلا بالماء لنص قوله تعالى: وثيابك فطهر ولصرائح السنة فى عذاب من كان لا يستبرئ من بوله في الصحيحين وغيرهما. والأمر بالاستنزاه من البول في كتب السنن والمسانيد، ومن لم يغسل نعله من البول ونحوه لم يطهر ثيابه ولم يستنزه من البول.
وهذا ظاهر جدا، فمن تساهل فى المتشرب والجاف غير المرئيين يكون متمسكا بالسراب بدون دليل يقبله أهل التخاطب على أن النجاسة هنا حسية لا تزول إلا بإزالة عينها، لا حكمية حتى نحكم عليها بالزوال بدون مزيل حسى - بخلاف التيمم المزيل للحدث. بل أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن حفص بن غياث عن الأعمش عن يحيى بن وثاب قال: سئل ابن عباس رضي الله عنه عمن خرج إلى الصلاة فوطئ على عذرة قال: وإن كانت رطبة غسل ما أصابه، وإن كانت يابسة لم تضره. اهـ ورجاله رجال الصحيح، ولفظ ابن عباس عند رزين العبدرى فى جامعه: إذا مر ثوبك أو وطئت قذرا رطبا فاغسله، وإن كان يابسا فلا عليك.
فعلم أن القول بوجوب غسل الرطب والاكتفاء بالمسح في ذي جرم يابس فى غاية من قوة الحجة وسلامة الفهم، فيتعين الغسل إذا أصاب النعل بول أو خمر أو مشى لابس النعل فى شارع مرشوش غير خال من النجاسة، كما هو مذهب جمهور أئمة الهدى.
قال البدر العيني في شرح البخارى ???/?: «قال مالك وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابسا أجزأه حكه وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات إلا الماء فى الخف والنعل وغيرهما، اهـ.
وأما محاولة استغلال ما يروى عن مالك من أن طهارة الثياب ليست بشرط في صحة الصلاة، فعلى مخالفتها للأدلة الصريحة لم يصح عن مالك أصلا، بل الصحيح عنه هو ما رواه أبو طاهر عن ابن وهب عنه: أن طهارة الثياب في الصلاة فرض ومن مثل ابن وهب بين أصحاب مالك في قبول مروياته جمعاء، عند جميع الفقهاء والمحدثين؟.
قال النووى في «المجموع 3: 132 عند الكلام في اشتراط الطهارة من النجاسة في الصلاة: «هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء السلف والخلف وعن مالك فى إزالة النجاسة ثلاث روايات أصحها وأشهرها: أنه إن صلى عالما بها لم تصح صلاته، وإن كان جاهلا أو ناسيا، صحت وهو قول قديم للشافعي، والثانية لا تصح الصلاة علم أو جهل أو نسي. والثالثة: تصح الصلاة مع النجاسة وإن كان عالما متعمدا وإزالتها سنة" اهـ.
فالأولى: رواية المدونة والثانية رواية ابن وهب كما في المنتقى للباجي. والثالثة: رواية محمد بن أحمد العتبى المتوفى سنة 255هـ صاحب المستخرجة
المعروفة بالعتبية، وعنها يقول محمد بن عبد الحكم: رأيت جلها كذبا ومسائل لا أصول لها. وقال ابن وضاح فى المستخرجة خطأ كثير. قال ابن لبابة: كثر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الشاذة وكان يؤتى بالمسألة الغريبة، فإذا أعجبته قال: أدخلوها فى المستخرجة، كما في الديباج لابن فرحون ???، فلا يعول على رواية مثله المخالفة لما عليه الجماعة ولروايات ثقات أصحاب مالك.
فإذا اختلفت الروايات عن إمام فالمتعين هو الأخذ بما يوافق الجماعة منها إذا تساوت الروايات قوة وضعفا، لئلا يعد فى موقف الشذوذ عن الجماعة، فكيف إذا كانت الرواية المخالفة لما عليه الجماعة واهية كما هنا لكونها رواية العتبى الواهي الروايات؟!.
وأما الأولى: فرواية المدونة التى لها المقام الأول عند المالكية، وأيدها الباجي.
وأما الثانية فرواية ابن وهب المتفق بين الفرق على جلالة قدره، وهي الموافقة لما عليه الجماعة تمام الموافقة وعليها عول القاضى عبد الوهاب البغدادي المالكي المشهور.
وأما الثالثة فمخالفة لما عليه الجماعة كل المخالفة، فتهجر لضعفها رواية، وتفاهتها دراية بل قال الباجى فى المنتقى1: 42: «فمن رأى نجاسة من بول أو غيره فى ثوبه أو فى جسده وهو في صلاته فروى ابن القاسم عن مالك: يقطع الصلاة. اهـ. وقال أيضا فى1: 41: «قال القاضي أبو محمد - يعنى عبد الوهاب - في التلقين: إن إزالة النجاسة واجبة لا خلاف في ذلك من قوله، وإنما الخلاف فى الإزالة هل هى شرط في صحة الصلاة أم الصحيح عندى إن شاء الله، وبالله
التوفيق" اهـ.
لا. وهذا هو فتبين من ذلك ومما نلقاه عن رجال مذهب مالك الثقات أنه لا مجال للتمسك بمذهب مالك أصلا فى التساهل فى أمر طهارة الثياب عند مناجاة العبد ربه فى صلاته وصدق من قال: من تتبع شواذ العلماء ضل» و «من حمل الشاذ حمل شرا كبيرا و لا يحمل الشاذ إلا الرجل الشاذ كما في شرح علل الترمذي لابن رجب.
وتبين أيضا أنه لا مجال لمغالط أن يحاول التشغيب في التساهل في أمر الطهارة فى الصلاة، لوضوح حجة الجمهور في المسألة في نص الكتاب على تطهير الثياب، وفي صرائح السنة الآمرة بالاستنزاء من البول إطلاقا، أو المبينة أن عامة عذاب القبر من عدم الاستنزاه من البول كما في السنن والصحاح.
وأما حديث المضى على الصلاة بعد خلع النعل أثناء الصلاة فقد اختلفت الفاظه فى الروايات من شيء أو أذى أو قذر أو خبث فيكون أحدها لفظ الرسول – صلى الله عليه وسلم - وما سواه لفظ الراوى على طريقة الرواية بالمعنى، فلا يتعين قصد النجاسة بتلك الألفاظ والقذر قد يطلق على المستكره طبعا وكذا الخبث قد يطلق على المستخبث طبعا، وقد يطلقان على النجاسة إطلاق المشترك على المعنيين لا إطلاق العام على متناولاته؛ لأن الطاهر وغير الطاهر حقيقتان مختلفان فلا تندرجان تحت عام فيحتاج الأمر إلى بيان يعين المراد من المجمل على تقدير ثبوت تلك الألفاظ المتفاوتة المعاني عن المعصوم - أن الرواية بالمعنى واضحة فى تلك الألفاظ المتعددة، على أن شيئًا من رواية هذا الحديث - أعنى المضى على الصلاة بعد خلع النعلين لأذى فيهما - لم يرد في الصحيحين؛ وتساهل
الحاكم وابن حبان في التصحيح مشهور بل ليس سند من أسانيد هذا الحديث - في السنن والمسانيد يسلم من المآخذ، من انقطاع أو وجود رجل متكلم فيه في سنده أو اختلاف فيه وصلا وإرسالا، أو غير ذلك مما ينزل درجة الحديث من مرتبة الصحة إلى منزلة ما يتقوى بعض رواياته ببعض؛ ومثله لا يصلح أن يكون مناهضا لنص الآية وصرائح وجوب الاستنزاه من البول فى السنة الصحيحة، بل تحمل تلك الدلائل الواضحة على حمل أحاديث المضى على الصلاة بعد خلع النعل لأذى فيها، على معنى الأمر المستخبث الذي لا يمنع صحة الصلاة كالطين والمخاط ودم حلمة - كما ورد في بعض الروايات - مما لا يمنع صحة الصلاة، وإلا أعاد عليه الصلاة والسلام ولم يعدها.
فإذا علم أن روايات المضى على الصلاة بعد خلع النعل متكلم فيها وأنها من قبيل ما يتقوى بعض ببعض، ظهر أنها لا تمكن معارضتها للكتاب والسنة الصحيحة الصريحة، ولاسيما فيما يخالف القياس. اللهم إلا أن يؤخذ بها فيما وافق القياس ولم يخالف النصوص، وهو الاكتفاء بالمسح فيما إذا كان الأذى نجسا يابسا؛ لأنه بالمسح يزول بخلاف الرطب الذي تتشرب النعل رطوبته النجسة، وهذا هو وجه قول القائلين بوجوب غسل الرطب كما سبق.
وأما العفو عن طين الشوارع فلا تعلق به فى مثل هذه البلاد الخالية من الأوحال، على أنه إنما هو عند الضرورة، ولا ضرورة فى استبقاء النعلين على القدمين فى مثل هذه البلاد ثم ما يباح للضرورة إنما يقدر بقدرهما عند أهل الفقه؛ فلا يستساغ الاسترسال فى ذلك استرسالا غير محدود
وأما إناخة رواحل بعض الوفود قرب المسجد النبوى فلا تصلح لاتخاذها
وسيلة لرمى أزقة المدينة المنورة بالقذارة فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وعهد أصحابه رضي الله عنهم أجمعين؛ لأنها أمر نادر لا يبنى عليه حكم عام؛ فسرعان ما كانت آثار تلك الإناخة تزال، لأن إزالة الأذى عن الطريق من تعاليم هذا الشرع الأغر فضلا عن أبواب المساجد، وكان الصحابة من أرعى الأمة لتلك التعاليم على أن كلامنا ليس فيما اختلف فيه، وإن كان الحريص على دينه يبتعد عن مواضع الخلاف ليطمئن إلى صحة صلاته خلاف.
وأما صب الخمور في الأزقة فما كان إلا يوم تحريمها، فمثل هذا الأمر الطارئ بعيد عن الدوام، بل يزال أثره فى الحال فلا يصلح لاتخاذه وسيلة لاستباحة استدامة الوساخة أصلا ولا لعد الصحابة – رضي الله عنهم - يطؤون بنعالهم الأرجاس ويصلون فيها، حاشاهم عن ذلك، بخلاف خمارات اليوم فإنها دائمة الأرجاس في الشوارع التى هى بها فوطء تلك الشوارع بالنعال لاسيما أثناء رشها بمناسبة الحر ثم الصلاة فى تلك النعال مما لا يتفق والتحفظ في شؤون الدين. وصفوة القول: أن حمل الناس على الصلاة في المساجد بنعالهم التي يطؤون بها هذه الشوارع، وهذه الأزقة وتلك المراحيض؛ تعريض لصلواتهم النجاسة التي تشربتها النعال وبعدم إمكان إتمام السجدة في بسبب هذه المداسات الصلبة عند جمهور الفقهاء، وتوسيخ المساجد التي أمرنا بتطييبها، وتطهيرها ونشر للجراثيم التي تحملها تلك النعال القذرة إلى أقدس بقعة حيث يناجى المصلى ربه وكل ذلك شر يجب إبعاده عن المساجد بالسهر على أحوال أئمة المساجد الذين منهم من يتساهل فى ذلك بكل أسف. ومن لا ينصاع منهم لأحكام الشرع فى ذلك زاعما أن ما فعله أن السنة، يرغم أن هو للفساد ذلك يبتعد عن الإمامة في مساجد أهل الحق وإن كان لابد من الإغضاء عن باسم الحرية فى المعتقد والعمل
فليكن عمله ودعوته إلى نحلته في معبد خاص تبنيه عشيرته، وحظيرة خاصة تحوطها طائفته بأموالهم التي يكتسبونها بكد يمينهم، وعرق جبينهم، لا بالأوقاف المرصدة الجوامع المسلمين.
ألهمنا الله سبحانه الرشد، والسداد والابتعاد عن وجوه الفساد.