عقيدة التنزيه
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
عقيدة التنزيه
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
تنزيه الله جل شأنه عن سمات الحدوث وعن حلول الحوادث فيه مما ثبت في دين الإسلام بالضرورة، وعلى هذه العقيدة جرت الأمة من فجر الإسلام إلى اليوم، قال الله تعالى: ليس كمثله شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 1، وقال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق، وقال جل شأنه: ولم يكن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ، وقال تعالى: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمثال}، وقال سبحانه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصفُونَ}، إلى غير ذلك من آيات التسبيح والتعالى الدالة على تنزه الله جل جلاله عن مشابهة المخلوقات في ذاته وصفاته وأفعاله حتى أصبحت هذه العقيدة راسخة كل الرسوخ في نفوس العامة والخاصة على حد سواء، بل العامة تجدهم أكثر تهيبا من الخوض في ذات الله وصفاته من بعض من يصف في صف الخاصة.
ذلك لا تخلو من أن يفاجئك فى بعض الحشود الحاشدة فلتات في هذا الباب على مرأى من الناس ومسمع منهم، من يصون لسانه
فربما تدعو تلك الشطحات بعض الناس إلى الاغترار بالباطل لصدورها من أصحاب عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، فيجب إذ ذاك وجوبا مؤكدا لفت النظر إلى مبلغ خطورة نسبة الحركة والحد والنهاية والجلوس والاستقرار المكاني على العرش والثقل ونحو ذلك من سمات الحدوث إلى الله جل جلاله.
وقد كتبت كثيرا في هذا الموضوع فيما علقته على أمثال الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة و التبصير فى الدين لأبي المظفر الإسفرايني» و «الأسماء والصفات للبيهقى و السيف الصقيل للتقى السبكي وغير ذلك بل في مقالات خاصة جامعة مانعة فى سنين متعاقبة، ويظهر أن كل ذلك لا ييغنى عن العود إلى المسألة بين حين وآخر.
وقد قال الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادى المتوفي في سنة 429هـ في كتابه أصول الدين المطبوع قبل سنين وهو المعروف بين أهل العلم بعنوان التبصرة البغدادية في ص ??? بعد أن نص على أن المشبه عابد وثن: وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم بأن الله له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه، ولقولهم بأن الله محل للحوادث، وإنما يرى الشيء برؤية تحدث فيه ويدرك ما يسمعه بإدراك يحدث فيه، ولولا حدوث الإدراك فيه لم يكن مدركا لصوت ولا مدركا لمرئى، وقد أفسدوا بإجازة حلول الحوادث فى ذات الله تعالى لأنفسهم دلالة الموحدين على حدوث الأجسام بحلول الحوادث، وإذا لم يصح على أصولهم حدوث العالم لم يكن لهم طريق إلى معرفة صانع العالم وصاروا جاهلين به اهـ وقال أيضا في كتاب الأسماء والصفات له: إن الأشعرى وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفرا أو أدت إلى كفر كمن زعم أن المعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون ولا إشكال لذى لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إن الله له حد ونهاية من تحته، وإنه مماس لعرشه وإنه محل الحوادث وإنه يحدث فيه قوله وإرادته اهـ. وكم من أمثال هذا النص فى الإرشاد والشامل لإمام الحرمين والتمهيد للباقلاني والقواصم والعواصم لأبي بكر بن العربي ودفع شبه التشبيه لابن الجوزى
وغيرهم من أساطين أهل العلم ممن ذكرت نصوصهم في مواضع كثيرة مما كتبت وكلها تحت متناول الأيدى.
وخطورة تلك الكلمات على منزلة واحدة سواء صدرت من الكرامية أو المتسلفين أو الشيخ الدارمي أو الشيخ الحراني أو الشيخ الزرعى أو غيرهم، لأن الضلال ضلال حيثما وقع .. ففى نقض الدارمي ص ??: «الحى القيوم .. يتحرك إذا شاء ويقبض ويبسط إذا شاء ويقوم ويجلس إذا شاء؛ لأن أمارة ما بين الحى والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة وكل ميت غير متحرك لا محالة وهذا هو نص الدارمى بعينه ويتكرر مثل ذلك في كتابه كثيرا، وذلك النص بعينه منقول فى موافقة المعقول لصحيح المنقول في هامش منهاج السنة للشيخ الحراني بذكر يهبط بدل ينزل مقرا بذلك لا رادا عليه راجع ج ? ص 13 و 26 و 30 وكم فى كتاب الدارمي من شطحات خطرة عرضتها للأنظار في تحريراتي فيما سبق.
وقد قال ابن القيم الزرعى فى غزو الجيوش ص ??» من الطبعة الهندية عن كتاب الدارمى هذا وكتاب آخر له وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه يوصى بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس فى غيرهما». فتبين بذلك أن كتابي الدارمي على علاتهما مرضيان عند الشيخين الحراني والزرعى فيقعان کالدار مي تحت ذلك الحكم القاسي من قبل أئمة هذا الشأن.
نعم بعد ابن عبد السلام فى قواعده الكبرى العامى معذورا في الكلمة الموهمة، لكن ناقشه المقبلى فى ذلك فى العلم الشامخ، وعلى كل حال لا يرضى
هؤلاء أن يعدوا من العامة ليعذروا في كلماتهم الشاطحة، وقد ملأت مؤلفاتهم البقاع فلا محيص عن عدهم واعين لما نطقوا به فتعين إلزامهم بما يترتب على تلك التقولات فى نظر أهل البرهان الصحيح.
ومن حاول أن يستدل على إثبات الحركة الله سبحانه بحديث النزول تغافل عن الدليل العقلى القاضى باستحالة ذلك على الله، مما يحتم الحمل على الإسناد إلى السبب الأمر أو المجاز فى الطرف، وتجاهل اختلاف الروايات في النزول من إنزال، وتنزل وغير ذلك ومعانيها فى لسان العرب، وتغاضى عن حديث النسائى الدال عن إنزال ملك ينادى فى الثلث الأخير من الليل كل ليلة المعين لإرادة الإسناد المجازى من قائله، وتناسى أيضا أن الثلث الأخير من الليل مستمر فى ليالى السنة كلها في أقطار الأرض على اختلاف المطالع. حتى عند ابن حزم الظاهري على ظاهريته فيستمر النزول بل الكون في السماء الدنيا على هذا الزعم الباطل.
وأما حديث الجارية فى السؤال بأين ففي سنده و متنه اختلاف واضطراب كما شرحت ذلك في تكملة الرد على نونية ابن القيم 90-95 وفيما علقت على الأسماء والصفات ص 422 على أن سمت الرأس الآن ينقلب إلى سمت أخمص القدم بعد ساعات حيث يتجدد سمت الرأس كل آن. فادعاء أن الله فى مكان فى سمت الرأس الآن يناقض الإشارة إلى سمت الرأس بعد ساعات فإنه سمت القدم بالنظر إلى الأول.
وقد أغنى الله سبحانه العلم عن اتخاذ أصحاب تلك الطامات قدوة فيه، فمن حاول المناصرة لهؤلاء الزائغين فى آخر الزمن قد غفل عن أن الجو لن يصفو
لعقيدة التشبيه ما دام للإسلام عرق ينبض وأن عقيدة التنزيه أرسخ في النفوس مما يتصوره شخص ذلك المحاول المتعود أن يهرف بما لا يعرف. وأكتفى بهذا القدر لهذه المرة وللحق كرة بعد كرة. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.