الجزء 1 · صفحة 1
ضوابط الاجتهاد التنزيلي عند الشيخ محمد زاهد الكوثري
إعداد : الدكتور محمد المصلح جامعة محمد الأول وجدة/ المغرب
"وقد جرت سنة الله على اصطدام العتيق بالجديد، إلا أن من جمع الله له الدين مع العقل لا يعادي كل قديم ولا يؤاخي كل جديد، بل يأخذ بالأصلح من الاثنين، وهو الذي لا يصادم الشرع".…
الشيخ زاهد الكوثري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن والاه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن موضوع هذه الورقات يتمحور حول مسألة الاجتهاد في تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والمستجدات، انطلاقا من جهود وإسهامات الشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري فيه.
وسيكون حديثي عن الموضوع من خلال مدخل ومحورين أساسين، أتناول في المدخل العلاقة بين الاجتهاد البياني والاجتهاد التنزيلي، وفي المحور الأول أوضح اهتمام الشيخ الكوثري بالموضوع، والدواعي التي دفعته إلى ذلك، وفي المحور الثاني أتناول ضوابط الاجتهاد التنزيلي عند الشيخ الكوثري،مع نماذج تطبيقية لها من مقالاته وأبحاثه الفقهية والأصولية.
المدخل : بين الاجتهاد البياني والاجتهاد التنزيلي.
لا يخفى على المهتمين بموضوع الاجتهاد أن التعامل مع نصوص الشريعة وأحكامها يتأسس على مرحلتين اثنتين أولاهما ، إدراك معاني هذه النصوص والأحكام ودلالاتها، ووعي أبعادها الجزئية والكلية، القريبة والبعيدة.
ثانيهما، تنزيلها على واقع الناس لضبط مختلف علاقاتهم، وتقويم تصرفاتهم وسلوكهم.
المرحلة الأولى : تنجز في إطار الاجتهاد البياني القائم أساسا على فهم النصوص واستنطاقها، واستدرار الأحكام الشرعية منها، وترتيبها.
والمرحلة الثانية : تعالج في نطاق الاجتهاد التنزيلي الذي يتكفل بتحديد المحل المناسب لتوظيف الحكم، وتطبيقه وفق المقتضى الشرعي منه.
الجزء 1 · صفحة 2
وإذا كان الاجتهاد البياني الذي تنجز فيه المرحلة الأولى قد أشبع دراسة وبحثا حتى غدت مقوماته وشروطه ومجالاته مضبوطة ومجموعة في مصنفات خاصة قريبة التناول ، فإن الاجتهاد التنزيلي الذي تصاغ فيه المرحلة الثانية لم يحظ من تلك الدراسة والبحث إلا بالقليل، إذ على الرغم من عناية الفقهاء به فإن معظم ضوابطه ومكوناته المنهجية لا يزال مشتتا في ثنايا الكتب الفقهية والأصولية،
فباستثناء ما كتبه الإمام القرافي في كتابيه : "الفروق" و"الإحكام" في تمييز الفتاوى عن الأحكام" والعز بن عبد السلام في كتابه : "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وأبو إسحاق الشاطبي في كتابه "الموافقات" وابن قيم الجوزية في كتابه : "إعلام الموقعين" وما كتبه بعض المعاصرين مثل الدكتور عبد المجيد النجار في سلسلة كتاب الأمة والدكتور يوسف القرضاوي في بعض أبحاثه، والدكتور زيد بوشعرا في رسالته لنيل الدكتوراه "عوامل تغيير الأحكام"، أقول باستثناء هذه الكتابات التي حاول أهلها جمع بعض الضوابط وبعض المكونات المنهجية للاجتهاد التنزيلي، فإن الجهود الأخرى في الموضوع ما تزال متفرقة في الكتب الفقهية والأصولية.
ومن هنا تظهر أهمية البحث في الموضوع عموما، وأهمية البحث فيه من خلال إسهامات الشيخ الكوثري على الخصوص.
ولعل أهم ما في الموضوع هو الحفاظ على تحقيق الانسجام الدائم بين الأحكام الشرعية وما وضعت من أجله من مصالح وحكم؛ إذ لا يخفى أن التيسير والتبشير مبدآن أصيلان في الإسلام، لأن الأحكام الشرعية ليس فيها ما يرهق المكلفين أو يتنافى مع مصالحهم الحقيقية، لأنها موضوعة أصلا لجلب مصالحهم ودفع المفاسد عنهم(1).
(1) - أنظر الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي 1/139.
الجزء 1 · صفحة 3
وهذه المعاني المقصودة للشرع لا تنكشف بجلاء إلا بمراعاة ضوابط تنزيل الأحكام، وإهمال هذه الضوابط يفضي يقينا إلى تنزيل أحكام تتنافى مع مقصود الشرع منها وإيقاع الناس في ضيق وحرج، وقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله : "إن زلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه"(1).
المحور الأول : اهتمام الكوثري بالاجتهاد التنزيلي ودواعي هذا الاهتمام.
أولا : اهتمامه بالاجتهاد التنزيلي :
يجد القارئ صعوبة – وهو يتابع ما كتبه الشيخ الكوثري حول الاجتهاد مطلقا- في عزل ما ينتمي إلى الاجتهاد الاستنباطي عما يرتبط بالاجتهاد التنزيلي، ذلك بأن الشيخ يرى أحيانا أن الخطأ في التنزيل قد ترتب على خطأ في الفهم والاستنباط، ومن ثم يبدأ بتصحيح الفهم أولا ثم ينتقل إلى تصحيح التنزيل، كما وقع له مثلا في مسألة تعدد الزوجات وبيان حكمته وعلته(2)، فقد أورد نصا من مجلة الأهرام يدعي فيه صاحبه أن الضرورة الاجتماعية والدينية تقتضي وضع قيود على التعدد، وأن هذه القيود مأخوذة من النص القرآني نفسه الذي ربط التعدد بشرطين أولهما : تحقق العدل بين الزوجات، وهو مستحيل التحقق بدليل قوله تعالى "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" النساء 129. والثاني : القدرة على الإنفاق.
(1) - المصدر نفسه، 4/170.
(2) - مقالات الكوثري : حول تعدد الزوجات أيضا ص : 172. ط دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع.
الجزء 1 · صفحة 4
وقد انتقد الشيخ الكوثري هذا الفهم للعدل الوارد في الآية، كما انتقد الحكمة التي استند إليها صاحب النص لتقييد التعدد، يقول : "والعدل المطلوب عند تعدد الزوجات هو التسوية في النفقة والكسوة والسكنى لا الحب الذي لا يستطاع العدل فيه، وحديث "هذا قسمي فيما أملك" في غاية من الشهرة"(1) ويقول في نقد تلك الحكمة : "... ثم الضرورة الاجتماعية التي يلمح إليها هي كثرة النسل من غير وجود من يعولهم، ومن الهين على أصحاب الشأن إيجاد أعمال للأيدي العاملة فتصبح كثرة النسل مفتاح كل خير للأمة الناهضة، وأما منع الناس من الزواج خوفا من كثرة النسل فسعي سلبي يأباه الرجال الإيجابيون العمليون، لما في ذلك من التهرب مما ينهض الأمة"(2).
وقد يُلاحظُ أحيانا أن استنباط الحكم صحيح، لكن النص محل الاستنباط لا يصح التعويل عليه، فينتقد النص ثم ينتقد الحكم المنزل المستنبط منه، من ذلك : اجتماع العيد والجمعة، فقد رد على من يرى أن صلاة العيد تكفي عن صلاة الجمعة، لأن الحديث الوارد في ذلك واه لا يصح الاحتجاج به في نظره(3).
ومؤاخذاته لبعض المنتسبين للفتوى على عمليتي الاستنباط والتنزيل معا كثيرة عنده، والقارئ لبعض مقالاته الفقهية يلحظ ذلك بوضوح. ويبدو أن الشيخ حين يعقب على الأمرين : الفهم والتنزيل، يركز غالبا على تصحيح الفهم، ويشير باقتضاب إلى تصحيح التنزيل، وقد يكون السبب أن الفهم إذا لم يكن صحيحا فالتنزيل حتما سيكون خطأ، ومن ثم ينبغي التركيز على تصحيح الفهم أكثر من التركيز على تنزيل الحكم.
(1) - مقالات الكوثري : المقال نفسه، ص : 174.
(2) - المقال نفسه، ص : 172.
(3) - مقالات الكوثري : العيد والجمعة، ص : 128-133.
الجزء 1 · صفحة 5
وحين يرى أن فهم النص صحيح والحكم المستنبط منه واضح لا غبار عليه وأن الخطأ إنما وقع في التنزيل فقط، حينئذ يتجه إلى تصحيح التنزيل، وذلك بعرضه على ضوابطه المعتبرة عند فقهاء الإسلام، وهنا يظهر مدى إلمامه بهذه الضوابط، ومدى قدرته على الاحتكام إليها وتوظيفها، كما سيكشف البحث عن ذلك لاحقا.
ثانيا : دواعي اهتمامه بضوابط الاجتهاد التنزيلي.
إن الشيخ الكوثري كان يحمل هموم الداعية المسلم الذي يؤرقه أن يرى تجاوزات وانحرافات في مجال الدعوة، كما كان يحمل هموم العالم الذي يقض مضجعه أن يرى مهمة الفتوى في الدين يتولاها من ليسوا من أهلها؛ لذلك تصدى لمن يسميهم المتمجهدين(1) (بدل المجتهدين) المتطاولين على الإفتاء الخارجين على المألوف المتوارث في مجال الفقه، فكشف عن خلفياتهم وتخبطهم وتناقضاتهم في مسالكهم المتبعة في تنزيل أحكام الشرع على وقائع الناس، وأبان عن هفواتهم في الإفتاء من خلال توظيفه للضوابط المعتبرة لدى فقهاء الإسلام في تنزيل الأحكام.
ويمكن تلخيص دواعي اهتمام الكوثري بموضوع تنزيل الأحكام في النقط الآتية :
1- تجرؤ بعض المنتسبين إلى الفتوى على الفقه الإسلامي والمذاهب الفقهية المتوارثة.
(1) - مقالات الكوثري، ص : 135.
الجزء 1 · صفحة 6
يرى الكوثري أن الفقه في جوهره هو معرفة الدين وفهمه، وأن التطاول عليه تطاول على الدين، إذ لا يتصور في نظره مغايرة علم الدين للدين(1)، كما يرى أن تنازع الفقهاء في بعض المسائل لا يسوغ أبدا انتهاك حرمة الفقه مطلقا، يقول : "وأما تنازع الفقهاء في الربع من مسائل أبواب الفقه لتجاذب أدلة الأحكام، وتفاوت الأفهام، بعد اتفاقهم على ثلاثة أرباع المسائل، فلا يسوغ انتهاك حرمة الفقه مطلقا، بل الدين ينص على أن المجتهد المخطئ بريء الذمة مأجور، والمجتهد المصيب يضاعف له الأجر"(2)، ويقول أيضا في السياق نفسه : "ويأسف المسلم كل الأسف من وجود أناس في أزياء العلماء تحملهم شهوة الظهور على التظاهر بمظهر الاستدراك على فقهاء الصدر الأول، وعلى محاولة ابتداع أساليب بها يحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الشرع الواضح المنهاج الصريح الأحكام يتقلب مع الزمن..." (3).
ويبدو أن تقدير الكوثري للفقه إلى هذه الدرجة، ورميه بالمروق من يتطاول عنه وينتهك حرمته ناتج أساسا عما كان يلاحظه من محاولة البعض فصل الفقه عن الدين، واعتبار الفقه مجرد تراث حتى يتسنى له انتقاده وتجاوزه.
(1) - مقالات الكوثري : الدين والفقه، ص : 76.
(2) - مقالات الكوثري : المقال نفسه، ص : 77.
(3) - مقالات الكوثري : شرع الله في نظر المسلم، ص : 81.
الجزء 1 · صفحة 7
وإذا كان الكوثري ينتقد بشدة انتهاك حرمة الفقه والتطاول عليه، فإنه ينتقد أيضا وبنفس الشدة والصرامة التطاول على الفقهاء، خصوصا أصحاب المذاهب المتوارثة خلفا عن سلف، يقول معلقا على أحد المفتين في مجلة الرسالة : ".... ثم عدم تقيده بالمذاهب الأربعة يجعل الأمة- أتباع تلك المذاهب- في حل من عدم الأخذ بآرائه المخالفة للأئمة الأربعة، وليس تعبيد الطريق إلى المروق والتجرؤ على الفقه المتوارث شأن العالم الحازم"(1). ويقول في السياق نفسه : "وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة، لا أن يُبدوا آراء في الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان..." (2).
والخلاصة أن الكوثري قد حمل بشدة على المتطاولين على الفقه والفقهاء، وكان يرى أن الخروج عن المذاهب الفقهية المتوارثة يؤدي في نهاية المطاف إلى مروق عن الدين، وقد كتب مقالا حول اللامذهبية عنونه بقوله : "اللامذهبية قنطرة اللادينية" حمل فيه بشدة على دعاة اللامذهبية في الفقه، واعتبرهم إمعة مخادعين للجمهور، يقول : "فالمسلم الرزين لا ينخدع بمثل هذه الدعوة فإذا سمع نعرة الدعوة إلى الانفضاض من حول أئمة الدين الذين حرسوا أصول الدين الإسلامي فروعه من عهد التابعين إلي اليوم، كما توارثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو طرق سمعه نعيق النيل من مذاهب أهل الحق، فلا بد له من تحقيق مصدر هذه النعرة واكتشاف وكر هذه الفتنة"(3).
2- تجاوز بعض المنتسبين للعلم والفتوى لأحكام الفقه باسم المصلحة وتغير الأوضاع.
(1) - مقالات الكوثري : منشأ إلزام أهل الذمة بشعار خاص، ص : 183.
(2) - مقالات الكوثري : شرع الله في نظر المسلم، ص : 80.
(3) - مقالات الكوثري : ص : 109
الجزء 1 · صفحة 8
من العوامل البارزة التي دعت الكوثري إلى الاهتمام بضوابط تنزيل الأحكام الشرعية تجاوز بعض المشتغلين بالفقه لأحكامه، باسم المصلحة أحيانا، وباسم تغير الزمان وتطور الأوضاع أحيانا أخرى.
إن الشيخ الكوثري لا ينكر تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والمآلات كما سأوضح ذلك لاحقا، وإنما ينكر وبشدة أن تتخذ هاته العوامل مطية لتجاوز الأحكام الفقهية والتملص من تبعاتها.
يقول عن دعوى تغير الأحكام بتغير الأزمان مطلقا : "وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية، وذلك مما يأباه أهل الدين"(1).
ويقول في مقال بعنوان "شرع الله في نظر المسلم" عن دعوى تغير الأحكام بتغير الأعراف مطلقا :" فليتق الله المرجفون في محاولاتهم تغيير الشرع باسم العرف(2) وفي مقال بعنوان "الدين والفقه" يقول : وأما تحكيم العرف على النصوص فلم يقع من مسلم ولن يقع"(3).
وعن دعوى تغير الأحكام بالمصلحة يقول : "وما هذا إلا محاولة نقض الشرع الإلهي بتحليل ما حرمه الشرع باسم المصلحة..." (4).
ثم أورد ما ينسب إلى نجم الدين الطوفي الحنبلي من دعواه أن رعاية المصلحة مقدمة على النص والإجماع عند التعارض، ثم رد عليه بشدة وقال : إن هذه الكلمة (أي تقديم المصلحة على النص والإجماع) لم يقل بها أحد من المسلمين قبل الطوفي ولم يتابعه بعده إلا من هو أسقط منه(5).
(1) - مقالات الكوثري : الدين والفقه، ص : 77.
(2) - مقالات الكوثري : ص : 81.
(3) - مقالات الكوثري : ص : 78.
(4) - المصدر نفسه، ص : 82.
(5) - المصدر نفسه.
الجزء 1 · صفحة 9
وهكذا يظهر من خلال هذه النصوص وغيرها مما هو مبثوث في مختلف مقالاته الفقهية والأصولية، أن الشيخ الكوثري كان حريصا على التشبث بالضوابط التي قررها علماء الإسلام في الإفتاء وتنزيل الأحكام، ولم يأل جهدا في الكشف عن تخبط أولئك الذين حملوا هذه الضوابط علي غير معاملها ووظفوها بأساليب ملتوية خادعة، لتبرير أوضاع معينة غير شرعية باسم الشرع. وسأبين هذه الضوابط ومدى مراعاة الكوثري لها لاحقا.
3- تتبع بعض المنتسبين للإفتاء للرخص والشواذ في المذاهب لتبرير بعض الأوضاع.
مما لا حظه الشيخ الكوثري وهو يتابع ما ينشر من الفتاوى على بعض المناظر أن بعض المتصدين للإفتاء يتصيدون الرخص والأقوال الواهية لإضفاء صفة الشرعية عليها، وكان ذلك من دواعي اهتمامه بقواعد الإفتاء وشروطه، وعنايته بضوابط تنزيل الأحكام عموما.
ففي مقال له بعنوان : "كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة" أورد الروايات عن الإمام مالك في طهارة الثياب، وذكر أن بعض المفتين عزا إلى مالك القول بصحة الصلاة مع نجاسة الثياب ولو مع العلم والقدرة على إزالتها، وأن إزالتها سنة وليست بفرض. وقد رد عليه قائلا : وأما محاولة استغلال ما يروى عن مالك من أن طهارة الثياب ليست بشرط في صحة الصلاة، فعلى مخالفتها للأدلة الصريحة لم تصح عن مالك أصلا، بل الصحيح عنه هو ما رواه أبو طاهر عن ابن وهب عنه : "أن طهارة الثياب في الصلاة فرض..."(1). وبعد ما أورد الروايات عن مالك في الموضوع علق قائلا : فتبين من ذلك ومما نقلناه عن رجال مذهب مالك الثقات أنه لا مجال للتمسك بمذهب مالك أصلا في التساهل في أمر طهارة الثياب عند مناجاة العبد ربه في صلاته، وصدق من قال : "من تتبع شواذ العلماء ضل" و "من حمل الشاذ حمل شرا كثيرا و "لا يحمل الشاذ إلا الرجل الشاذ"(2).
(1) - مقالات الكوثري : ص : 143.
(2) - مقالات الكوثري : ص : 144.
الجزء 1 · صفحة 10
وفي حديثه عن نكاح المتعة ذكر أن أحد فقهاء عصره (لم يسمه) عزا إلى الإمام مالك تجويزه لهذا النكاح، ثم رد عليه قائلا : "وعزو تجويزها إلى مالك في الهداية خطأ بحت كما سبق، بل مذهبه وجوب الحد على من وطئ بنكاح المتعة في رواية ابن نافع، بخلاف من يعد ذلك وطأ بشبهة فيسقط عنه الحد، فيكون مسعى ذلك الفاتن (يقصد الذي عزا جواز المتعة إلى مالك) في منتهى الخذلان... "(1).
وقال في تعليقه على فتوى أحد الشيوخ يجيز فيها حل الأوقاف وتصفيتها : "ولا تحل الأوقاف المتوارث نفاذ حكمها من الصدر الأول بقول يعزى إلى ابن عبدوس أو عبدون"(2).
وفي معرض رده على من أفتى بكفاية صلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعتا في يوم واحد بناء على رواية في المذهب الحنبلي قال : "إن هاته الرواية شاذة، ولا يجوز لعالم أن يفتي بقول شاذ عن الجمهور بمجرد أن يجده مدونا في بعض الكتب ولا سيما في الرخص، لأن ذلك يكون تشهيا لا تعبدا"(3).
إن هذه العوامل الثلاثة : التجرؤ على الفقه والمذاهب الفقهية، وتغيير الأحكام الفقهية باسم المصلحة والتجديد وتبدل الأوضاع واختلاف الأزمنة، وتصيد الرخص والأقوال الشاذة الواهية، هي أهم الدواعي التي حركت الشيخ الكوثري، ودفعته إلى الاهتمام بموضوع تنزيل الأحكام، والعناية بضوابط الإفتاء.
ويلاحظ أن الشيخ حين يناقش التجاوزات الوقعة في هذا المجال يستعمل غالبا أسلوبا متسما بالشدة والصرامة، ويصف مرتكبي تلك التجاوزات بصفات تحمل من القدح ومن اللوم ما يدل بوضوح على أن معركته مع هؤلاء كانت حامية الوطيس، وليس ذلك بمستغرب منه ومن أمثاله من العلماء والدعاة المخلصين، ما دام الأمر متعلقا باستباحة حمى الدين، وانتهاك حرماته باسم الدين نفسه أحيانا.
(1) - مقالات الكوثري : ص : 196.
(2) - المصدر نفسه، ص : 192.
(3) - المصدر نفسه : العيد والجمعة، ص : 129.
الجزء 1 · صفحة 11
المحور الثاني: الضوابط الواجب مراعاتها عند تنزيل الأحكام وبعض تطبيقاتها عند الشيخ الكوثري:
سبقت الإشارة إلى أن الشيخ الكوثري كان يدعو بإلحاح إلى احترام الضوابط التي وضعها علماء الشريعة لضمان التنزيل الصحيح للأحكام على وقائع الناس، وأن ما يظهر من انتقاده لبعضها مثل مراعاة المصلحة والأعراف وتغير الأزمنة، ليس مقصودا منه عدم مراعاتها وإنما المقصود بالنقد هو سوء استعمالها وتوظيفها من قبل البعض، واستغلالها من قبل آخرين للتحلل من أحكام الشريعة وتجاوزها يقول: "وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء، فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية."(1)
فتغير الأحكام بتغير الأزمنة إذا كان ذلك منضبطا بما قرره الفقهاء فنظر سديد مطلوب التحصيل عند الكوثري، لكن إذا كان التغير في الأحكام بتغير الزمن مطلقا دون الانضباط بما قرره الفقهاء فذلك هو العمل المرفوض عنده، كما أن موقفه من التجديد والأخذ من عطاء العصر لتطوير الحياة وتحسينها ليس سلبيا رافضا بإطلاق، بل هو موقف ايجابي يرحب بكل جديد نافع لا يتعارض ومقررات الشرع الحكيم، يقول مبينا ذلك : "وقد جرت سنة الله على اصطدام العتيق بالجديد، إلا أن من جمع الله له الدين مع العقل لا يعادي كل قديم ولا يؤاخي كل جديد، بل يأخذ بالأصلح من الاثنين، وهو الذي لا يصادم الشرع"(2).
فليس الشيخ –إذن- ضد تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال، ولا ضد التجديد بإطلاق، ولا ضد الأخذ بما فيه مصلحة للناس والوطن والأمة، وإنما هو ضد تجاوز الضوابط المقررة لدى فقهاء الإسلام في تلك المجالات.
(1) - مقالات الكوثري: الدين والفقه ، ص77.
(2) - مقالات الكوثري: انتهاك حرمة الحقيقة والتاريخ، ص122.
الجزء 1 · صفحة 12
وبما أن المجال غير متسع للحديث عن مختلف الضوابط والآليات المقررة عند علماء الإسلام في تنزيل الأحكام على وقائع الناس وتصرفاتهم، والتي استعملها الشيخ الكوثري في أبحاثه ومقالاته ذات الصبغة الفقهية والأصولية، فإنني سأقتصر على أهمها وأكثرها ورودا عنده، سأوضح هذه الضوابط وأؤصل ما يحتاج إلى التأصيل منها مع أمثلة من مقالات الكوثري تؤكد اعتماده عليها والتزامه بها، وسأبدأ بالضوابط العامة ثم أردفها بالضوابط الخاصة الواجب مراعاتها على فقيه الفتيا في تنزيل روايات وأقوال مذهب إمامه.
أولا: التحقق من مآلات الحكم ومراعاتها أثناء تنزيله.
مراعاة مآل الحكم من أهم الضوابط التي يجب مراعاتها والتحقق منها قبل تنزيل الحكم الشرعي على وقائع الناس، إذ من المعلوم لدى فقهاء الشريعة أن الفعل الذي يرتبط به الحكم الشرعي ليس غاية في حد ذاته وإنما هو وسيلة إلى غاية هي تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، فإذا لم تتحقق هذه الغاية وجب إعادة النظر في وسيلتها.
يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام : ومن الأفعال … ما ينهى عنه مرة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته ويباح تارة لمصالح متقاربة في الإقدام عليه والإحجام عنه(1)، وعبر عن ذلك الشاطبي بقوله : إن العمل يكون في الأصل مشروعا لكن ينهي عنه لما يؤول إليه من مفسدة، أو ممنوعا لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من مصلحة(2) وقد تتوارد على الفعل الواحد الأحكام التكليفية الخمسة بالنظر إلى مآلاته المختلفة فالزواج – مثلا - يكون واجبا على الإنسان إذا كان قادرا عليه وخشي على نفسه الوقوع في الحرام إن لم يتزوج ويكون حراما بالنسبة للعاجز عن تلبية الرغبة الجنسية للزوجة، كما يكون مكروها أو مندوبا أو مباحا، كما قال ابن عاصم في التحفة :
وباعتبار الناكح النكاح ***** واجب أو مندوب أو مباح .
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/90 ط دار الكتب العلمية – بيروت-
(2) الموافقات لشاطبي 4/198.
الجزء 1 · صفحة 13
ومما يدل على اعتبار المآل عاملا مهما لتغيير الحكم من الطلب إلى المنع أو العكس ويؤصل له من السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" فمراعاته صلى الله عليه وسلم لما يؤول إليه هذا الفعل من مشقة لم يوجب على أمته الاستياك عند كل صلاة بل ترك ذلك على الندب والاستحباب.
ومن ذلك أيضا أمره صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة بأن ينظر إلى المرأة التي أراد أن يتزوجها وعلل ذلك بقوله : "لأن ذلك أجدر أن يؤدم بينكما" (1)، أي أن ذلك النظر أجدر أن تتحقق به بينكما الألفة والتساكن، فتركيز النظر بقصد إلى محاسن المرأة الأجنبية منهي عنه، لكن إذا كان النظر من أجل الزواج بها، فإنه يصير مطلوبا باعتبار مآله الذي هو تحقيق الألفة بين الزوجين، وترك النظر في هذه الحال قد يفضي إلى مآل معاكس إذ قد يفاجأ الزوج أو الزوجة بما لم يكن يتوقعه ويرغب فيه من صاحبه فيكون ذلك مفسدة عليهما.
لذلك ينبغي للفقيه المفتي أن ينظر دائما إلى مآل الحكم قبل تنزيله فإذا كان يفضي إلى مصلحة راجحة أفتى به وأنزله وإذا كان يؤول إلى مفسدة راجحة أجله إلى حين وبحث عن حكم آخر يناسب ذلك المآل.
وتغير مآل الفعل أو الحكم له صور عدة أهمها :
أ- أن يتحول المآل من مصلحة إلى مفسدة، وذلك بأن يكون الفعل مأمورا به ثم يتحول إلى منهي عنه لتغير مآله.
(1) - سنن ابن ماجة كتاب النكاح باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها.
الجزء 1 · صفحة 14
ب– تغير المآل من مفسدة إلى مصلحة، وذلك بأن يكون الفعل منهيا عنه لما فيه من مفسدة ثم تزول عنه صفة المنع لمآل طارئ فيه مصلحة من ذلك أن الغيبة منهي عنها لما يترتب عليها من مفاسد فإذا طرأ عليها مآل آخر فيه مصلحة شرعية محضة زالت عنها صفة النهي وصارت مشروعة نظرا لهذه المصلحة الطارئة لذلك تجوز الغيبة إذا كانت تفضي إلى نصيحة، فيجوز مثلا للشخص الذي استنصحته امرأة وطلبت منه إبداء رأيه في رجل يعرفه يريد الزواج منها، أن يذكر لها ما يعرفه من صفات الرجل الحميدة والذميمة، لأن الغيبة في هذه الحال تنقلب نصيحة.
كما تجوز الغيبة أيضا أمام المفتي إذا كان المقصود منها معرفة الحكم الشرعي.
ومن تطبيقات هذا الضابط عند الشيخ الكوثري:
الصلاة في النعال: قال الشيخ : أما الصلاة في النعال فصحيحة إذا كانت طاهرة لا تمانع وضع باطن رؤوس الأصابع على الأرض(1) وقد ورد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النعلين، لكن الشيخ لم يرتض فتوى من أفتى في عصره بصحة الصلاة في النعال في المسجد نظرا لمآلها الذي فيه مفسدة واضحة، يقول: وصفوة القول أن حمل الناس على الصلاة في المساجد بنعالهم التي يطؤون بها هذه الشوارع وهذه الأزقة، وتلك المراحض، تعريض لصلواتهم للفساد بسبب النجاسة التي تشربتها النعال، وبعدم إمكان إتمام السجدة في هذه المداسات الصلبة عند جمهور الفقهاء، وتوسيخ المساجد التي أمرنا بتطييبها وتطهيرها، ونشر للجراثيم التي تحملها تلك النعال القذرة إلى أقدس بقعة حيث يناجي المصلي ربه، وكل ذلك شر يجب إبعاده عن المساجد بالسهر على أحوال أئمة المساجد الذين منهم من يتساهل في ذلك بكل أسف(2).
(1) - مقالات الكوثري ص 137.
(2) - مقالات الكوثري، ص137.
الجزء 1 · صفحة 15
إعطاء الزكاة في بناء المساجد: لم يوافق الشيخ من أفتى بجواز دفع الزكاة في بناء المساجد والمدارس وسائر المؤسسات ذات النفع العام، وبعدما ناقش أصحاب هذه الفتوى مناقشة مستفيضة بين المآل الذي يفضي إليه تنزيل هذه الفتوى اليوم، والذي لو راعاه هؤلاء ما أفتوا بالجواز، قال: فماذا يكون الحال... لو حرم الفقراء والمعوزون حقهم في الزكاة باسم صرفها في وجوه البر من بناء مساجد ومدارس ومستشفيات... إلى مالا آخر له من اقتراحات في زمن أصبح العقلاء يفكرون في الحيلولة دون استفحال شر الفقر والفاقة في كثير من بقاع العالم، ويرون أنجع دواء في الإسلام لداء الفقر وما يترتب على ذلك من شر مستطير هو إعطاء الفقراء حقهم في أموال الأغنياء(1).
إلغاء الوقف الأهلي: أفتى البعض بجواز حل الوقف الأهلي لما تقتضيه المصلحة الوطنية بناء على رواية تنسب إلى أبي حنيفة، وقد رد عليهم الكوثري وبين المآلات الفاسدة التي تفضي إليها فتواهم لو نزلت، يقول : "ونحن نعلم جيدا أنه لم يكن في دار الخلافة العثمانية موضع شبر غير موقوف منذ افتتحها المسلمون، فإذا ألغي الوقف يسهل على الغريب تملك ما يشاء وبناء ما يشاء في العاصمة وغيرها، ثم إن الوقف ميزانية الإسلام في غالب البلدان الإسلامية، فإذا ألغي وقطع مدده فسرعان ما يختل نظام الجوامع والمساجد والمدارس والمعاهد والملاجئ والمستشفيات ومساعدة المعوزين وسائر وجوه الخير..."(2).
(1) - مقالات الكوثري: عمارة المساجد من زكاة المال، ص151.
(2) - المصدر نفسه: حول الوقف الأهلي ص159.
الجزء 1 · صفحة 16
منع تعدد الزوجات: أورد الشيخ الكوثري اجتهادا نسبه إلى أحد الباحثين لم يذكر اسمه، مفاده أن الضرورة الاجتماعية تقتضي منع التعدد وهذه الضرورة هي كثرة النسل من غير وجود من يعولهم، ثم رد عليه الشيخ بأن المآل المراعى في هذه الاجتهاد فاسد ومصلحة متوهمة إذ "من الهين على أصحاب الشأن إيجاد أعمال للأيدي العاملة فتصبح كثرة النسل مفتاح كل خير للأمة الناهضة، وأما منع الناس من الزواج خوفا من كثرة النسل فسعي سلبي يأباه الرجال الإيجابيون العمليون، لما في ذلك من التهرب مما ينهض الأمة(1).
البناء على القبور: أورد الشيخ الكوثري عن بعض علماء عصره فتوى تحرم البناء على القبر وتدعو إلى هدم ما بني على المقابر من مساجد وقباب، وبعد مناقشتهم أشار إلى أن مآل هذه الفتوى -إذا نزلت- سيكون فتنة عريضة بين المسلمين، وأن ما سيحدث من مفاسد بسببها أعظم من المصالح التي يتوهمها هؤلاء يقول: "فعلى هذا الرأي من صاحب التوقيع يجب على أولياء الأمور في بلاد الإسلام أن يمسكوا بمعاول الهدم ليعملوها في هدم قباب الصحابة وأئمة الدين وصالحي الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، والمساجد المضافة إليهم، وقباب ملوك الإسلام وأمراء الإسلام وغيرهم في كل قطر، مع ما توارثت الأمة من خلاف ذلك خلفا عن سلف، ففي مثل هذه البلوى العامة يجب على العالم التروي واستقصاء أقوال أهل العلم في جميع الطبقات ليجد بينها ما يزيل الحرج(2).
هذه بعض النماذج من مراعاة المآل الذي كان الشيخ الكوثري يحتكم إليه لرد بعض الفتاوى والاجتهادات التي غفل أهلها عن هذه المراعاة للمآل، أورعوا مآلات فاسدة لا تنسجم مع مقاصد الشرع.
(1) - مقالات الكوثري: حول تعدد الزوجات 172.
(2) - المصدر نفسه: بناء مساجد على القبور والصلاة إليها ص125.
الجزء 1 · صفحة 17
وقد أطلت قليلا في الحديث عن ضابط المآل لأنه من الضوابط المهمة المراعاة عند الفقهاء أثناء تنزيل الحكم، وكثير من ضوابط التنزيل عند تدقيق النظر فيها تبدو وسائل للمآل أكثر منها ضوابط في حد ذاتها.
ومن أهم الأدوات المنهجية التي يتأسس عليها النظر في مآلات الأحكام والأفعال: الاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع، وقد تحدث عنها الأصوليون ضمن مقومات الاجتهاد بالرأي، واعتبروها من المقومات المختلف فيها بين الأئمة المجتهدين، لكن يبدو أن هذا الخلاف ملاحظ في المجال النظري فحسب، أما في الميدان التطبيقي فالفقهاء المجتهدون كلهم يعتمدون هذه المقومات أثناء تنزيلهم للأحكام الشرعية على الواقع ولا يختلفون إلا في مقدار استعمالها وتوظيفها كما هو واضح في كتب الفروع الفقهية.
ثانيا: اعتبار خصوصيات الأزمنة والأعراف:
إن الأحكام الشرعية منها ما هو مطلق وعام في جميع العصور والأماكن والأشخاص لكون المقصود الشرعي منها يتحقق على العموم والدوام، ومنها ما هو مرتبط أثناء تشريعه بظروف زمنية أو مكانية أو شخصية لا يتحقق المقصود الشرعي منها إلا بوجود هذه الظروف أو ما يشبهها، وإذا انعدمت فإن المقصود الشرعي من تلك الحكام يتخلف ويصير تنزيلها في هذه الحال مفوتا لمصالح المكلف، وموقعا له في الضيق والحرج المرفوعين عنه شرعا.
1- مراعاة خصوصيات الزمن أثناء تنزيل الحكم : لقد اتفق الفقهاء على أن اختلاف الأزمنة من العوامل المؤثرة على الحكم المبني عند تشريعه على اعتبار أحوال الوقت، يقول أبو إسحاق الشاطبي: قد علمنا من خطابه – يعني الشرع– أنه يتوجه بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات(1)
(1) - الموافقات للشاطبي 2/41 وانظر أيضا إغاثة اللهفان لابن القيم 1/365 و إعلام الموقعين له 4/220.
الجزء 1 · صفحة 18
والمقصود بتغير الزمان أن تظهر في زمن ما أحوال وظواهر لم تكن معروفة في العهد الذي شرع فيه الحكم. والفقيه مطالب بملاحظة هذا التغير الزمني ومدعو إلى النظر في الملابسات والأحوال التي شرع فيها الحكم قبل أن ينزله على واقعه، فإذا لاحظ أن الحكم قد ارتبط بأحوال وظروف معينة لزمه أن يقارن بينها وبين أحوال زمانه فإذا تشابهت أو تقاربت أفتى بذلك الحكم إن توافرت الشروط الأخرى، وإن تباينت واختلفت غير الفتوى وبحث عن الحكم المناسب لظروف زمانه المحقق لمقصود الشرع.
ومما يدل على صحة اعتبار تغير الزمن عاملا مؤثرا في الحكم تصرفات الصحابة رضوان الله عليهم – خصوصا الخلفاء الراشدين – ومن جاء بعدهم من الأئمة المجتهدين، فقد غيروا الفتوى في كثير من الأحكام المنوطة بأحوال معينة زمن تشريعها حينما لاحظوا انتفاء تلك الأحوال في أزمنتهم.
من ذلك إسقاط عمر -رضي الله عنه – لسهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة في عهده، وذلك لأن مقصود الشرع من إعطاء هؤلاء المؤلفة جزءا من مال الزكاة هو استمالتهم إلى الإسلام وكسب تعاطفهم مع أهله وكف أذاهم وتثبيت قلوبهم من أسلم منهم، وكان هذا المقصود مطلوبا يوم كان الإسلام بحاجة إلى مزيد من المناصرين والمؤيدين، وحين أصبح الإسلام ظاهرا قوي الشوكة ، لم يعد هذا المقصود مطلوب التحقيق لذلك قرر عمر - ض – إيقاف هذا الحكم لانتفاء المقصود الذي من أجله شرع ووافقه الصحابة على ذلك .
2- مراعاة العرف والعادة :
الحكم الشرعي في علاقته بأعراف الناس وعوائدهم يتخذ شكلين رئيسين:
أولهما، أن يكون العرف مشروعا مأمورا به على جهة الوجوب أو الندب ، وذلك بأنه يقره الشرع ويحث على التزامه، مثل الطهارة وستر العورة والنفقة على الزوجة والأولاد والأبوين … فهذه الأعراف وما يشبهها انتقلت بطلب الشرع فعلها من مجرد الأعراف والعوائد إلى تكاليف شرعية ملزمة على الدوام لا يجوز تغييرها مهما تبدلت أحوال الناس وتطورت أوضاعهم .
الجزء 1 · صفحة 19
ثانيهما ، أن يكون العرف مناطا للحكم ، بمعنى أن يكون الشرع قد راعى ذلك العرف وبنى عليه حكما معينا ، فهذا العرف إذا تغير فإن الحكم يتغير معه يقول أبو عبد الله المقري في قواعده : كل حكم مرتب على عادة فإنه ينتقل بانتقاله إجماعا(1).
وقد كان للشيخ الكوثري اهتمام كبير بتغير الأحكام تبعا لتغير الأزمنة والأعراف، ذلك أنه لاحظ أن كثيرا ممن تصدوا لمهمة الإفتاء في عصره قد اعتمدوا على هذين العاملين : تغير الزمان والعرف، للتحلل من بعض الأحكام الشرعية، وقد سبق بيان ذلك أثناء الحديث عن دواعي اهتمامه بموضوع تنزيل الأحكام، غير أن الكوثري بالرغم من إنكاره الشديد على دعاة التغير للأحكام الشرعية بتغير الأزمنة والأعراف فإنه كان يتبنى ما قرره فقهاء الإسلام في شأن هذين العاملين، وكان يرى أن الأحكام التي روعي فيها العرف أو الحال أثناء تشريعها تتغير إذا تغير ذلك العرف أو الحال. يقول : "وأن ما نيط بالعرف أو المصلحة من أحكامه (أي الشرع) إنما يختلف عند تغير العرف والمصلحة"(2).
ويقول في شأن تغير الزمن : وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء، فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية"(3).
فقوله في النص : بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء"يدل على أنه يرى تغير الأحكام بتغير الأزمنة بشرط التقيد بما قرره الفقهاء في الموضوع، وما قرره الفقهاء في الموضوع هو أن الحكم الذي يتغير بتغير الزمن هو الحكم الذي روعي فيه أحوال الوقت عند تشريعه، وكانت تلك الأحوال مناطا له، مثل سهم المؤلفة قلوبهم وأخذ ضوال الإبل.
(1) - نقلا عن كتاب العرف والعمل للدكتور عمر الجيدي، ص : 154.
(2) - مقالات الكوثري: نظر المرء إلى شرع الله معيار دينه ص 191.
(3) - المصدر نفسه، الدين والفقه ص 77.
الجزء 1 · صفحة 20
غير أن الكوثري لا يرى أن تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأعراف داخل في الاختلاف الفقهي أو من باب تبديل الأحكام،وإنما هو اختلاف في الأحوال وظروف تنزيل الحكم فقط، يقول : "وأما ما أقره الفقهاء في كتب قواعد الفقه وكتب الأشباه والنظائر الفقهية باختلاف حكمه حسب اختلاف الزمان والمكان، فليس من الاختلاف في شيء، بل هو تفصيل للحكم بالنظر إلى حال وحال، فإدخال ذلك في الاختلاف المنبوذ إنما يكون من خلل في تعقل الموضوع ودخل في التفكير"(1).
ويقول أيضا : "وأما ما نيط بالعرف والمصلحة من أحكامه إنما يختلف عند تغير العرف والمصلحة، لكن هذا ليس من التغير والتبديل في شيء وإنما هو تفصيل من الشارع الحكيم للحكم بالنظر إلى حال وحال، فلا دخل لأهواء الرجال في ذلك أصلا"(2).
وهكذا يقطع الكوثري الطريق على أولئك الذين يسعون إلى تغيير أحكام الشريعة بناء على تغير الأزمنة والأعراف والأمكنة بدعوى أن الفقهاء كانوا يفعلون ذلك، بل كان يفعل ذلك حتى الصحابة رضوان الله عليهم.
(1) - مقالات الكوثري: الدين والفقه، ص77.
(2) - المصدر نفسه: نظر المرء إلى شرع الله معيار دينه ص191.
الجزء 1 · صفحة 21
ومن الأمثلة التطبيقية لدى الكوثري من هذين الضابطين: الصلاة في النعال داخل المسجد. وقد ذكرت هذا المثال في مراعاة المآل، وأعيده هنا لأن الشيخ الكوثري حين رد على المفتين بالجواز اليوم، ذكر أن هؤلاء لم يراعوا مآلات هذه الفتوى، كما ذكر أن حال المدينة وطرقها وأزقتها ونعال أهلها والمسجد النبوي يومئذ ليس كحال مدننا وشوارعنا ومساجدنا وأحذيتنا اليوم، وهذا احتكام منه إلى تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة، يقول موضحا ذلك: "وكان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مفروشا بالحصباء، وحجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت في اتصال المسجد فلم تكن نعله عليه السلام مظنة إصابة قذر أصلا، لأنه لم يكن يطأ بها شوارع قذرة، وكانت المدينة المنورة طاهرة الأزقة من الأرواث والأرجاس انصياعا من الصحابة رضي الله عنهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في مراعاة النظافة الكاملة في البيوت وأفنيتها فضلا عن بيوت الله...
فكان الماشي فيها يتمكن من التحفظ في المشي من وطء الأقذار، وأراضيها كانت رملية رخوة يؤمن معها الرشاش، وعند إرادة صب الماء كانوا يبتعدون عن الأزقة والمساكن ... بخلاف شوارع اليوم ومراحيض اليوم فإنها لا يمكن فيها التحفظ من وطء الأقذار والرشاش على النعال لكون مراحيضها صلبة ترش حتما على النعال..."(1).
(1) - مقالات الكوثري: كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة ص 137-138.
الجزء 1 · صفحة 22
هذا عن تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة، أما عن تغير الأعراف فقد أورد أمثلة كثيرة مثل: "حمل الدرهم في العقود على الدرهم المتعارف في البلد، وكذا الرطل، وكون المشروط عرفا كالمشروط لفظا، وزوال خيار الرؤية برؤية المشتري أحدى غرف الدار عندما كان العرف جاريا بين الناس ببناء دورهم متساوية الغرف، وعدم زوال الخيار المذكور عند تغير العرف المذكور، واعتبار اللفظ صريحا في معنى تعورف فيه بخلاف ما إذا نقل إلى معنى آخر وتنوسي المعنى الأول..."(1).
هذه جملة من الأمثلة لتغير الحكم بتغير العرف جمعها هنا في هذه النص، وهي كافية للتدليل على أن الشيخ كان يرى جواز تغير الأحكام المبينة على الأعراف إذا تغيرت تلك الأعراف، وكان متقيدا بما قرره الفقهاء في هذا الشأن.
ثالثا : مراعاة التيسير على الناس
هذا الضابط له حضور قوي في أبحاث ومقالات الشيخ الكوثري، يقول: لأصحاب الشأن الملمين بأدلة الشرع الورعين في دين الله أن يأخذوا بما هو أرفق للأمة من أقوال الأئمة المجتهدين..."(2) غير أن الشيخ يرى أن التيسير ينبغي أن يبحث عنه داخل أحكام الشريعة الصحيحة الثابتة وليس خارجها، فلا يجوز التساهل في أحكام الشريعة بدعوى التيسير على الناس.
بعض الضوابط الخاصة بفقيه الفتيا في تعامله مع أقوال أئمة مذهبه
(1) - مقالات الكوثري: شرع الله في نتظر المسلمين، ص 81.
(2) - مقالات الكوثري: نظر المرء إلى شرع الله ص 192.
الجزء 1 · صفحة 23
سبقت الإشارة إلى أن الشيخ الكوثري كان يكن احتراما كبيرا لأرباب المذاهب الفقهية المعروفة، خصوصا المذاهب الأربعة التي توارثتها الأمة خلفا عن سلف، وكان لا يجيز الخروج عنها بالنسبة للمقلد الذي لم يبلغ درجة النظر الصحيح في أدلة الأحكام والترجيح بينها، إذ الواجب عليه التقيد بنصوص مذهبه(1) وهذه النصوص تعتبر بالنسبة إليه مثل الأدلة بالنسبة للمجتهد يقول: "لأن دليل المقلد قول إمامه فلا يلزم بالحجة بخلاف من له إلمام بأدلة الأحكام"(2).
وإذا كان المقلد ملزما باتباع مذهب إمامه فما هي الضوابط التي يراعيها أثناء تنزيل قول من أقوال أئمة مذهبه؟
إن هذه الضوابط كثيرة، ولا يتسع المجال لذكرها، لذا سأقتصر فقط على التي ذكرها الشيخ الكوثري التزاما بموضوع البحث.
وبما أن نصوص المذهب تعتبر بالنسبة للمقلد بمثابة الأدلة بالنسبة للمجتهد، فإن على هذا المقلد أن يراعي تلك الضوابط السابقة، فلا بد أن يراعي المآل والأعراف وتغير الأزمنة والأمكنة أثناء تنزيل قول من أقوال أئمة مذهبه.
ومن الضوابط التي ذكرها الكوثري بالنسبة للمقلد في تنزيل قول إمامه:
التأكد من صحة نسبة القول إلى إمامه.
البحث عن الراجح من الأقوال في حالة وجود خلاف في المسألة، والراجح هو القول الذي يكون دليله أقوى من دليل غيره.
(1) - المصدر نفسه : العيد والجمعة 128.
(2) - المصدر نفسه: العيد والجمعة 132.
الجزء 1 · صفحة 24
إذا لم يقف على أي ترجيح لأقوال الخلاف، بحث عن المشهور منها، والمشهور هو ما كثر قائله. ولا يجوز له أن يترك الراجح والمشهور ويفتي بغيرهما، وإن لم يتمكن من معرفة الراجح والمشهور من الأقوال فعليه أن يعتمد الأقوال والروايات التي نص أئمة مذهبه على اعتمادها في الإفتاء، يقول الشيخ الكوثري في ذلك: "إن أصحاب هؤلاء الأئمة قد محصوا الصحيح في مذاهبهم مدى القرون، وعينوا قولا واحدا في الإفتاء في كل مذهب، فليس للمفتي المقلد إلا أن يراجع الكتب المعتمدة عندهم فيفتي بالقول الصحيح في المسألة"(1).
ينبغي للمقلد أن يقتصر على قول واحد في التنزيل، ولا يذكر الخلاف للمستفتي ويخيره في الأخذ بأي قول شاء يقول: "وإنما يفتي بالقول الصحيح المفتى به في مذهبه قولا واحدا، بدون ذكر اختلاف، لأن من المعلوم أن بيان الخلاف في جواب المستفتي لا يفيده سوى الحيرة، مع أن الإفتاء من أجل التخلص من الحيرة لا لأجل الإيقاع في زيادة الحيرة..."(2).
هذه بعض الضوابط التي يلزم المقلد التقيد بها أثناء تنزيل قول من أقوال أئمته، وخلاصتها أن يراعي تلك الضوابط التي يراعيها المجتهد في تنزيل الحكم مثل مراعاة المآل والعرف وتغير الزمان والمكان، ويتأكد من القول، ومن صحة نسبته إلى إمامه أو إلى أئمة مذهبه، ثم يبحث عن الراجح، فإن لم يجده بحث عن المشهور، فإن تعذر عليه ذلك، اعتمد ما نص أئمة مذهبه عل اعتماده في الإفتاء، وأثناء التنزيل لا يذكر الخلاف للمستفتي حتى لا يوقعه في حيرة.
(1) - مقالات الكوثري: خطورة التسرع في الإفناء ص 115.
(2) - نفسه.
الجزء 1 · صفحة 25
وصفوة القول أن الشيخ الكوثري اهتم بضوابط الاجتهاد التنزيلي وفق ما قرره فقهاء الإسلام في شأنها، وواخذ بشدة من تجاوز هذه الضوابط ولم يحترمها أثناء تنزيل الحكم، وانتقد كثيرا من الفتاوى التي لم يراع أهلها هذه الضوابط، كما أنكر بشدة على من يسعى إلى استغلال هذه الضوابط لتجاوز أحكام الشريعة وتنزيل أحكام غريبة عنها، وقد كان ذلك من أهم الدواعي التي دفعته إلى الاهتمام بالموضوع.
وهذه الضوابط المقررة عند فقهاء الإسلام في تنزيل الأحكام يجب الاهتمام بها اليوم أكثر من ذي قبل، نظرا لتشعب وقائع الناس، وتشابك قضاياهم نتيجة التطورات المذهلة التي عرفها العصر الحديث في مختلف مجالات الحياة.
وهذا كله يفرض على الفقيه المنتصب للإفتاء أن يكون ذا خبرة واسعة بالواقع، وأن يشرك معه ذوي التخصصات المختلفة لتشخيص هذا الوقع حتى يكون تنزيله للحكم عليه مناسبا لمقتضى الشرع في تحقيق مصالح الناس ورفع الحرج والمشقة عنهم، كما ينبغي للمفتين عبر القنوات الفضائية وعبر شبكة الانترنيت والصحف السيارة أن يراعوا هذه الضوابط، أن يراعوا خصوصيات الأمكنة، والأعراف السائدة فيها، وأحوال أهلها من سعة وشدة، حتى لا يوقعوا الناس في الحرج والضيق المرفوعين شرعا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات