الجزء 1 · صفحة 1
صلة الإمام الكوثري بعلماء شبه القارة الهندية الباكستانية
لمؤتمر "محمد زاهد الكوثري" الدولي
24-25 من شهر نوفمبر سنة 2007
جامعة سقاريا، تركيا
بقلم:
أ . د. محمد عبد الشهيد النعماني
رئيس قسم اللغة العربية. جامعة كراتشي، باكستان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه وتابعيه ومن تبعه باحسان إلى يوم الدين وبعد...
لا يستطيع أحد أن يكتب عن تاريخ الثقافة الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري، وما جرت فيه من أحداث علمية وما بلغ فيه من رجال نابغة دون أن يذكر هذا النابغة، وكان إمام عصره في زمانه، جمع بين غاية سعة العلم ودقة النظر والحافظة الخارقة للعادة وعلوم الرواية والدراية على اختلاف فروعها وشعوبها مع علم واسع بنوادر المخطوطات وخزانات العلم في أقطار العالم.
وقد منحه الله قوة الحفظ ومحبة العلم ورزقه التوجه إلى العلوم القرآنية وعلوم الحديث وفقهه وفهمه والاشتغال بالمنقول أكثر من المعقول والدفاع عن الشريعة الغراء. ولم يتأثر بما حوله من جمود فكري وتقليد أعمى وركود علمي، وكان فاضلا صاحب معارف يضرب في كل فن بسهم، يتحقق في موضوع ويتعمق في مسألة ويعطي البحث حقه وينقي ما قاله وينشط للتحقيق. وكان متفننا في التأليف محققا منصفا مطلعا على مؤلفات السابقين اطلاعا واسعا، وكفانا شاهدا على فضله ورفعة مكانه ما تركه من تآليف ممتعة مفيدة في كل علم وفن والتعاليق البارعة في شتى الموضوعات، ولا سيما في فن الجرح والتعديل ومعرفة أحوال الرجال وتراجم العلماء وتاريخ الفرق الإسلامية وكما يقول الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله:
الجزء 1 · صفحة 2
"لقد كان الإمام الكوثري عالما حقا... عرفته في كتاباته التي يشرف فيها نور الحق، وعرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها وما كان والله عجبي من المخطوط قدر إعجابي بتعليق من علق عليه لقد كان المخطوط أحيانا رسالة صغيرة ولكن تعليقات الإمام عليه تجعل منه كتابا مقروءا وأن الاستيعاب والاطلاع واتساع الأفق تظهر في التعليق بادية وكل ذلك مع طلاوة عبارة ولطف إشارة، وقوة تغذ، وإصابة للهدف واستيلاء على التفكير والتعبير"(1)
إن خير ما يترجم لشخص أعماله…… و خير ما يشهد لرجل آثاره
وتصانيفه كلها جامعة مفيدة حاوية على فوائد لطيفة ولم يترك فنا من الفنون إلا وضرب فيه بسهم وافر في التأليف والابتكار.
وكان مرزوق القبول من العام والخاص ومن مشارق الأرض إلى مغاربها، وشهرته العلمية تجاوزت حدود وطنه إلى أقطار الأرض، وقد نشر نور معرفته في الأقاليم الإسلامية كلها فكان له في كل أفق تلاميذ نهلوا من منهله العذب وأشرفت في نفوسهم روحه المخلصة المؤمنة.
وقد كتب المحدث الفقيه البارع محدث الديار الهندية الأستاذ السيد محمد يوسف البنوري انطباعاته حول شخصية الإمام وقد تشرف بزيارة الإمام الكوثري في أول رحلته إلى القاهرة سنة ألف وثلاث مائة وسبع وخمسين الهجرية فيقول:
"أرى أن الكوثري ممن من الله به بعد دهور متطاولة في بلاد الأتراك نشأ في بيت العلم في مركز العلم ورزق قريحة وقادة وطبيعة نزوعة إلى التوسع ونشيطة في المكابدة لا يحول دونها ملل ولا سآمة، وتلقى العلوم من جهابذة عصره، وغرر وقته..."(2)
الشخصيات البارزة في الهند استفاد الإمام الكوثري من معارفهم:
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص س، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
(2) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص د، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 3
وكان الشيخ الكوثري حريصا على إقامة العلاقات المتينة مع الشخصيات الإسلامية البارزة في العالم الإسلامي وقد استجلب من جميع العالم الإسلامي أجل المصنفات الحاوية على علوم القدماء والمحدثين في شتى الفنون وكان مطلعا على مؤلفات السابقين والمعاصرين اطلاعا واسعا، وقد طالع مطالعة دقيقة ودرس دراسة عميقة ما كتبه علماء الهند في موضوعات شتى في جميع المعارف من علوم الدين لاسيما في مجال القرآن وعلومه والحديث وأصوله والفقه والسيرة والتاريخ وغيرهم إلى العلوم الإنسانية.
فيقول في مقاله الذي كتبه عن أحاديث الأحكام وعن أهم الكتب المؤلفة فيها:
"كانت أمصار المسلمين تتناوب في الاضطلاع بأعباء علوم السنة مدى القرون إن قصر ذلك قطر قام قطر آخر بواجبه في هذا الباب وهكذا ... ثم توزعت الأقطار النشاط العلمي، وكان حظ إقليم الهند من هذا الميراث منذ منتصف القرن العاشر هو النشاط في علوم الحديث فأقبل علماء الهند عليها إقبالا كليا، بعد أن كانوا منصرفين إلى الفقه المجرد والعلوم النظرية، ولو استعرضنا ما لعلماء الهند من الهمة العظيمة في علوم الحديث من ذلك الحين مدة ـ ركود سائر الأقاليم ـ لوقع ذلك موقع الإعجاب الكلي والشكر العميق، وكم لعلمائهم من شروح ممتعة وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات واسعة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أياد بيضاء في نقد الرجال، وعلل الحديث، وشرح الآثار، وتأليف مؤلفات في شتى الموضوعات. والله سبحانه هو المسؤول أن يديم نشاطهم في خدمة مذهب أهل الحق ويوفقهم لأمثال أمثال ما وفقوا له إلى الآن، وأن يبعث هذا النشاط في سائر الأقاليم من جديد(1).
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 73، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 4
وحين ما اعتزم المجلس العلمي طبع كتاب نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للحافظ جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفي سنة 762 من الهجرة، فالتمس هذا المجلس بالإمام البارع الكوثري بكتابة التقدمة على هذا الكتاب فكتب الإمام مقدمة حافلة جامعة.
يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غده:
"استوفى فيها أهم ما يتعلق بعراق بيئة وفقها وحديثا ورأيا واجتهادا.... وبخاصة ما يتعلق بفقه السادة الحنفية وأئمته ورجاله المحدثين الكبار .... وبين الشيخ رحمه الله تعالى فيما كتبه الحقائق ناصحة ناطقة بأدلتها من التاريخ والواقع فكان ما كتبه على لطافته وقلة أوراقه ذخيرة للعلم والعلماء من مختلف المذاهب والبلدان."(1) فنشر الشيخ عبد الفتاح هذه المقدمة في كتاب مستقل ومع تعديل يسير في العنوان الذي وضعه الأمام الكوثري فطبعه تحت عنوان "فقه أهل العراق وحديثهم"، وذكر كبار الحفاظ والمحدثين من الحنفية في العصور المختلفة واشتمل بعض كبار العلماء والمحدثين من الهند في هذا العقد الفريد فيقول:
"وفي الهند علماء بارعون في هذا المذهب لا مجال لاستقصائهم كثر الله أمثالهم وهذه نبذة يسيرة من محدثي الحنفية سردنا أسمائهم ليدل القليل على الكثير رحمهم الله."(2)
فمن العلماء البارزين من الهند ذكرهم في هذه التقدمة الشخصيات التالية:
الشيخ المحدث الحسن الصغاني 557 – 650:
العلامة المحدث رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن الحسن حيدر بن علي العدوي العمري القرشي الضغاني الهندي اللاهوري المتوفي سنة 650. كان الشيخ ولد بمدينة لاهور سنة سبع وخمسين وخمس مائة، سمع الحديث بمكة واليمن والبغداد والهند من شيوخ كثيرة أدرك كبار المحدثين في عصره.
يقول الذهبي:
(1) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 5، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(2) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 77، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 5
"الشيخ الإمام العلامة المحدث إمام اللغة .... كان إليه المنتهى في معرفة اللسان العربي، له كتاب مجمع البحرين في اللغة اثنا عشر مجلدا والشوارد في اللغة والكتاب العباب الزاخر في اللغة عشرون مجلدا وكتب عدة في اللغة وكتاب في علم الحديث وكتاب مشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين وكتاب في الضعفاء ومؤلف في الفرائض وأشياء."(1)
ويقول الدمياطي:
"كان شيخا صالحا صدوقا صموتا إماما في اللغة والفقه والحديث قرأت عليه الكثير."(2)
ومن مصنفاته في علم الحديث مشارق الأنوار النبوية في صحاح الأخبار المصطفوية جمع فيه ألفين وستة أربعين حديثا من الأحاديث الصحاح بترتيب أنيق، والكتاب رزق بالقبول وشروحه كثيرة كما ذكر المؤرخ الكاتب چلبي وذكر في وصف مشارق الأنوار بيتين في اللغة التركية:
مشارق بحرى ايچره جمع اولدن در …ايكى بيك ايكى يوز اللي اكيدر
بيك الليسنة شيخين اتفاقي……بيك ايكى يوز ايكيده مختلفدر(3)
ومصباح الدجى من صحاح أحاديث المصطفى والشمس المنيرة في الصحاح المأثورة وكشف الحجاب عن أحاديث الشهاب وله رسالتان جمع فيهما الأحاديث الموضوعة.(4)
وانتقد عليهما الشيخ عبد الحي اللكنوي وقال: "إنه أدرج فيهما كثيرا من الأحاديث الغير الموضوعة".(5)
يقول الإمام الكوثري في وصفه:
(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 23 ص283، مؤسسة الرسالة بيروت 1985
(2) أيضا
(3) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عيد الله الشهير بحاجي خليفة وكاتب الچلبي، ج 2 ص 1688، طبع باستنبول 1943
(4) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 1 ص 139، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(5) الفوائد البهية في تراجم الحنفية، عبد الحي اللكنوي، ص63، نور محمد كارخانه تجارت كتب، كراتشي، 1393
الجزء 1 · صفحة 6
"أبو الفضائل الحسن بن محمد الصغاني، المتوفى سنة 650، كان إماما في اللغة، والفقه، والحديث وله "العباب"، و"المحكم"، و"مشارق الأنوار".(1)
الشيخ على المتقي 885 – 975:
ومنهم الشيخ الإمام المحدث علاء الدين علي بن حسام الدين بن عبد الملك بن قاضي خان الملقب بالمتقي البرهان پوري ولد بمدينة برهان پورسنة خمس وثمانين وثمان مائة كان فقيها محدثا واعظا سكن المدينة وأقام بمكة مدة طويلة وتوفي بها سنة خمس وسبعين وتسع مائة وعمره سبع وثمانون سنة وقيل تسعون سنة ومن آثاره في خدمة الحديث التي لا تنسى تبويب الجامع الصغير من حديث البشير النذير للسيوطي. يقول الكاتب الچلبي:
"بوب أولا كتاب الجامع الصغير وزوائده وسماه منهج الأعمال في سنن الأقوال ثم بوب بقية قسم الأقوال وسماه غاية العمال في سنن الأقوال ثم بوب قسم الأفعال من جمع الجوامع وسماه مستدرك الأقوال ثم جمع الجميع في ترتيب كترتيب جامع الأصول وسماه كنز العمال ثم انتخبه ولخصه فسار كتابا حافلا."(2)
ويقول المحدث عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي في أخبار الأخيار:
"إن الشيخ أبا الحسن البكري الشافعي يقول إن للسيوطي منة على العالمين وللمتقين منة عليه."(3) ويقول الإمام الكوثري:
"على المتقي بن حسام الدين الهندي صاحب كنز العمال في ترتيب الجامع الكبير للسيوطي قال أبو الحسن البلاسي له منة على السيوطي توفي سنة 975."(4)
محمد بن طاهر الفتني 913 – 987:
(1) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 70، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(2) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عيد الله الشهير بحاجي خليفة وكاتب الچلبي، ج 2 ص 1688، طبع باستنبول 1943
(3) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 4 ص 244، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(4) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص --، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 7
الشيخ العالم المحدث اللغوي مجد الدين محمد بن طاهر بن علي الحنفي الفتني الكجراتي الشهير والملقب بملك المحدثين. ولد سنة ثلاث عشرة وتسع مائة بفتّن من بلاد كجرات، ونشأ وترعرع حتى برع في فنون عديدة وسافر إلى الحرمين وأقام بها مدة وكان من تلامذة الشيخ أبي الحسن البكري والشهاب بن حجر المكي والشيخ علي بن حسام الدين المتقي.
يقول ابن العماد الحنبلي:
"برع في فنون عديدة حتى لم يعلم أن أحدا من علماء كجرات بلغ مبلغه في الحديث." (1)
وله مصنفات قيمة في علم الحديث وفنونه فقد ألف لطائف الأخبار في مجلدين كبيرين جمع فيه كل غريب الحديث وما ألف فيه وجاء كالشرح للصحاح الستة وألف تذكرة الموضوعات في مجلد كبير والمغني في ضبط الأسماء وقانون الموضوعات والضعفاء.(2)
ويقول الكاتب الچلبي:
"وألف كتابا حافلا في تفسير الأحاديث جامع لأشتات ما تفرق في الكتب المؤلفة فبله وسماه مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار وله عليه ذيل وتكملة جرى فيه على طريق نهاية ابن الأثير."(3)
ويقول السيد صديق حسن خان القنوجي:
"إن هذا الكتاب المستطاب جامع لغريببي القرآن والحديث لا يحتاج واجده إلى كتاب آخر في هذا الفن وكأنه شرح للكتب الستتة بالصحاح."(4)
ويقول الإمام الكوثري:
(1) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي ابن العماد الحنبلي 1089 ،ج 4 ص 415، دار الفكر، البيروت
(2) تقدمة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي على مجمع البحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار، ص ح، محمد طاهر الفتني، مطبعة دائرة معارف الإسلامية، حيدر آباد الدكن الهند 1967
(3) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عيد الله الشهير بحاجي خليفة وكاتب الچلبي، ج 2 ص 1599، طبع باستنبول 1943
(4) اتحاف النبلاء بإحياء مآثر المحدثين الفقهاء، صديق حسن خان، ص 34 ، طبع بالهند
الجزء 1 · صفحة 8
"ملك المحدثين الشيخ محمد بن طاهر الفتنى الكجراتي مؤلف مجمع بحار الأنوار وتذكرة الموضوعات والمغنى وغيرها من المؤلفات الممتعة في الحديث وغريبه، توفي 987 شهيدا."(1)
الشييخ عبد الحق المحدث الدهلوي 958 – 1052:
محدث الهند الشيخ الإمام الفقيه أبو محمد عبد الحق بن سيف الدين سعد الله البخاري الدهلوي الملقب بالمحدث الدهلوي والحقي ولد سنة ثمان وخمسين وتسع مائة بمدينة دهلي ونشأ ودرس في بلده دهلي وسافر إلى الحرم وأخذ بمكة والمدينة عن أشياخها.
يقول الشيخ النعماني:
"جاء محي السنة النبوية في القرن الحادي عشر الشيخ الأجل أسوة العرفاء وقدوة العلماء الإمام العلامة العارف بالله تعالى محدث الهند أبو المجد محمد الشهير بعبد الحق بن سيف الدين الدهلوي المتوفى سنة اثنتين وخمسين بعد الألف فملأ هذه الديار علما ورواية وبورك له علمه وعمره وتصدى لنشر الحديث مدة اثنتين وخمسين سنة بحيث لم يتيسر مثله من العلماء السابقين واللاحقين في الديار الهندية فصنف وأجاد ودرس وأفاد حتى عم نفعه البلاد وانتفع به الحاضر والباد،.... خدم الحديث النبوية تدريسا وتصنيفا، تصانيفه من الصغار والكبار بلغت مائة جلد. ومن أشهر تصانيفه لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح وفتح المنان في أدلة مذهب النعمان وأكثر تصانيفه في الفارسية وكلها مقبولة ومتداولة، وظهر في أولاده وأحفاده محدثون بارعون خدام السنة النبوية وحملة العلوم المحمدية فكان بيته بيت علم وفضيلة وورع وتقوى، ورثوا المجد كابرا عن كابر."(2)
ويقول الإمام الكوثري:
(1) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 74، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(2) من بياض الشيخ النعماني
الجزء 1 · صفحة 9
"محدث الهند عبد الحق سيف الدين الدهلوي مؤلف اللمعات شرح المشكاة والتبيان في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان توفي سنة 1052 أخذ عن عبد الوهاب المتقي تلميذ علي المتقي وعن علي القاري، أخذ عنه محمد حسين الخافي، وعنه حسن العجيمي."(1)
أبو الحسن الكبير 1138:
الشيخ الإمام المحدث أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي الحنفي السندي المدني محدث المدينة المنورة ولد ببلدة تهته من أقليم السند ونشأ بها وأخذ حميع العلوم والفنون في بلده ثم سافر إلى المدينة المنورة وسكن بها، يروي عن الشيخ إبراهيم بن الحسن الكوراني وعبد الله بن السالم البصري وآخرون من تلك الطبقة.
يقول عنه الكتاني: "هو أحد من خدم السنة من المتأخرين خدمة لا يستهان بها."(2)
ويقول عنه الشيخ إسماعيل بن محمد سعيد سفر: "كان أحد الحفاظ المحققين وجهابذة المدققين".(3)
وله مؤلفات نافعة في علم الحديث علق الحواشي على الكتب الستة لكن حاشيته على الترمذي ما تمت.(4) وله حاشية على مسند الإمام أحمد بن حنبل وعلى الفتح القدير لابن الهمام وعلى شرح جمع الجوامع للقاسم، وله شرح على الأذكار للإمام النووي، مات بالمدينة المنورة سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف. وفي تاريخ الجرت أنه مات في سنة ست وثلاثين ومائة وألف. وكتب عن حياته تذكرة حافلة تحيط جميع جوانبه العلمية الشيخ المحدث محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله باللغة الأردية وذكر فيه جميع خدماته لنشر الحديث الشريف.
ويقول الإمام الكوثري:
(1) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 74، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(2) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات، ج 1 ص 148، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
(3) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات، ج 1 ص 148، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
(4) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 6 ص 6، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
الجزء 1 · صفحة 10
"أبو الحسن الكبير ابن عبد الهادي السندي المتوفي سنة 1139، صاجب الحواشي على أصول الستة ومسند أحمد."(1)
السيد محمد مرتضى الزبيدي 1145 - 1205:
الشيخ الإمام المحدث محي الدين أبو الفيض السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الشهير بالمرتضى البلجرامي الحسيني الواسطي الزبيدي، ولد بمدينة بلجرام بالهند سنة خمس وأربعين ومائة وألف. نشاء بالهند وارتحل في طلب العلم وحج مراراً.
وورد إلى مصر وأصبح نزيلا هناك، شهد العلماء بعلمه وفضله وأجازوه. وله من المؤلفات شرح قاموس أسماه بتاج العروس، وعقود الجواهر المنيفة في أدلة الإمام أبي حنيفة مما وافق فيه الأئمة الستة أو أحدهم، واتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين للغزالي، والمواهب الجلية في ما يتعلق بحديث الأولية وغير ذلك من الكتب المهمة في الحديث وغيره من العلوم تزيد على مائة كتاب.
توفي رحمه الله شهيداً بالطاعون سنة خمس ومائتين وألف.
يقول الإمام الكوثرى:
"السيد محمد مرتضى الزبيدي شارح الإحياء ومؤلف عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة المتوفى سنة 1205."(2)
الفقيه المحدث محمد عابد السندي 1190 - 1257:
الإمام الفقيه المحدث الحافظ الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري رئيس علماء المدينة المنورة في عصره ولد رحمه الله في بلاد السند في حدود سنة 1195، كان من أبرز علماء السند من المحدثين والفقهاء المتأخرين. رحل من السند إلى الحرمين وهو صغير درس على عمه وعلى علماء الحرمين واليمن.
يقول الكتاني:
(1) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 75، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(2) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 76، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 11
"هو محدث الحجاز ومسنده العالم الجامع المحدث الحافظ ... إن عليه المدار اليوم في صناعة رواية الحديث."(1)
ويصف تلميذه الشيخ عاكش بقوله:
"العلامة المحدث الحافظ النقاد عالي الإسناد، وكان يستحضر متون الأحاديث ويعرف عللها وله في نقد الرجال يدٌ طولى وإذا تكلم لسعة حفظه فكأنما يملي من صحيفته إملاء."(2)
تنوعت مؤلفات الشيخ محمد عابد في علم الحديث منها ما اتصل بمتون الأحاديث وشرحها ومنها ما هو في المصطلح والأسانيد وتراجم الرجال.
فمنها كتابه المواهب اللطيفة في الحرم المكي على مسند الإمام أبي حنيفة من رواية الحصكفي. يعتبر هذا الكتاب من أعظم كتب شروح أحاديث الأحكام ومنحة الباري في جمع روايات صحيح البخاري وترتيب مسند الإمام أبي حنيفة برواية الحصكفي وترتيب مسند الإمام الشافعي ومعتمد الألمعي المهذب في حل مسند الإمام الشافعي المرتب وشرح تيسير الوصول لمختصر جامع الأصول لابن الديبع وشرح بلوغ المرام لإبن حجر العسقلاني وحصر الشارد من أسانيد محمد عابد، وطوالع الأنوار على الدر المختار. (3)
ويقول الإمام الكوثري في وصف الشيخ محمد عابد السندي:
"الشيخ محمد عابد السندي صاحب حصر الشارد وطوالع الأنوار على الدر المختار في ستة عشر مجلدا ضخما وشارح مسند أبي حنيفة في مجلدات سماه المواهب اللطيفة."(4)
(1) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات، ج 2 ص 720، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
(2) محمد عابد السندي الأنصاري، سائد بكداش، ص 28، دار البشائر الإسلامية، بيروت 1423
(3) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 4 ص 749، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(4) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 76، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 12
واعترافا بخدماته الجليلة في ميدان الحديث اقترح الإمام الكوثري في تقرير قدمه لإحياء علوم السنة بالأزهر الشريف تدريس كتاب ترتيب مختصر مسند أبي حنيفة وترتيب مسند الشافعي لمحمد عابد السندي.
ويقول: " في تقدمة ترتيب مسند الشافعي الواقع أن اهل العلم قصروا ........."
الشيخ عبد الغني الدهلوي 1235 – 1296:
الشيخ المحدث عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي. ولد سنة خمس وثلاثين وماتين وألف بمدينة دهلي، درس في الهند وسافر الى الحرمين وأخذ الإجازة عن الشيخ محمد عابد السندي ورجع إلى الهند واشتغل بالحديث وأخذ عنه خلق كثير من العلماء.(1)
يقول الكتاني : "كان منقطعا للرواية والتحديث دؤوبا على إسماع الكتب الستة."(2)
وله حاشية على سنن ابن ماجه سماها إنجاح الحاجه عن سنن ابن ماجه وهو شرح مختصر مطبوع وله أيضا تخريج أحاديث مكتوبات جده الإمام الرباني، وله ثبت لطيف بإسم اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني، ألفه الشيخ المحسن الترهتي، وقد اشتمل الثبت على إسناد المؤطا والكتب الستة فقط.
يقول الكتاني: "وبالجملة فإن الثبت المذكور هو أحلى أثبات المتأخرين وأوثقها سياقا وأعذبها موردا."(3)
ويقول الإمام الكوثري: "الشيخ عبد الغني المجددي الموفى سنة 1296 أسانيده في اليانع الجني."(4)
توفي رحمه الله سنة ست وتسعين ومأتين والف.
الشيخ المحدث محمد حسن السنبهلي 1264 – 1305:
(1) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 7 ص 389، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(2) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات، ج 2 ص 759، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
(3) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات، ج 2 ص 1166، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
(4) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 76، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 13
الشيخ المحدث العلامة محمد حسن بن ظهور حسن بن شمس علي الإسرائيلي السنبهلي ولد رحمه الله في مدينة سنبهل ودرس في الهند، كان من كبار العلماء وواسع النظر يقول الشيخ عبد الحي الحسني: "كان ذكيا فطنا حاد الذهن سريع الملاحظة ذا حافظة عجيبة."(1)
وله مؤلفات كثيرة في فنون عديدة. يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الذي كتب ترجمته بأمر الإمام الكوثري وزاده في كتابه فقه أهل العراق:
"الشيخ المحقق محمد حسن السنبهلي – عصري الشيخ عبد الحي وصديقه ومشابهه في كثرة التآليف العديدة وتنوعها مع قصر العمر أيضا، ولد سنة 1264 وتوفي سنة 1305. له نحو مائة مؤلف أو أكثر، وبعضها في مجلدات ضخمة، كحاشيته على الهداية وكتابه تنسيق النظام في مسند الإمام ينادي بقوة بحثه وضلاعته في الحديث والرجال ومعرفة العلل."(2)
توفي سنة خمس وثلاث مائة وألف.
نقد الإمام الكوثري على بعض علماء الهند وباكستان:
وقد انتقد انتقاد بليغا على بعض علماء الهند مع الاعتراف بخدماتهم المشكورة في ميادين العلم فنذكر أولا شيئا يسيرا عن أحوالهم وما قاله الإمام الكوثري في حقهم نقدا وتعريفا وتقريظا، فمنهم:
مسند العصر المحدث الشاه ولي الله الدهلوي 1114 – 1186:
(1) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 8 ص 418، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(2) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 77، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
الجزء 1 · صفحة 14
الشيخ الإمام قطب الدين أحمد المعروف بولي الله ابن عبد الرحيم الدهلوي ولد سنة أربع عشرة ومائة وألف. أخذ العلوم عن والده ثم سافر إلى الحرمين وصحب علماء الحرمين وتلمذ على الشيخ أبي طاهر الكردي وآخرون. ثم رجع إلى الهند. وكان حامل لواء الحديث وناشرها في القرن الثاني عشر ومسند وقته. أخذ عنه أبناءه وخلائق لا يحصون وإليه المنتهى في علم الاسناد والرواية وهو شيخ غالب محدثي الهند منذ زمنه إلى زمننا هذا تنتهي أسانيدهم إليه ومصنفاته في التفسير والحديث والسير والأدب وغير ذلك من العلوم كثيرة تدل على غزارة علمه وسعة نظره.
وانتقد الإمام الكوثري انتقادا بليغا على بعض الآراء الشاذة له وعلى الأخص ما كتبه في الإسراء والمعراج والتخيل أن المعراج كان في عالم المثال وليس بالروح والجسد وأشار على عادته في المشاكل وخروجه عن الجادة بدون أي حجة.(1)
فيقول في كتابه حسن التقاضي في سيرة أبي يوسف القاضي:
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 418، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 15
"الشيخ ولي الله أحمد ين عبد الرحيم الدهلوي رحمه الله له خدمة مشكورة في انهاض علم السنة بالهند. وكان يعني بمتون الأصول الستة من غير نظر في أسانيدها ولكتبه روعة وفيها فوائد بيد أن له فيها انفرادات لا تصح متابعته فيها لما عنده من اضطراب فكري مع قلة اطلاع على كتب المتقدمين وقلة دراسة لأحوال الرجال وتاريخ العلوم والمذاهب فمن اغراباته حمله لمشكلات الآثار على وجوه مبينة على تخيل عالم يسميه عالم المثال تتجسد فيه المعاني. وهذا خيال، لأن حمل الشيء على ما لا يفهمه أهل التخاطب في الصدر الأول هو محض خيال وضلال فلا يبقى مجال لحل المشكلات غير النظر في الأسانيد ورجالها وفي وجوه الدلالة المعتبرة عند الأئمة ومنها عده انشقاق القمر عبارة عن ترائيه كذلك للأنظار مع أن سحر الأعين ليس من شأن رسل الله عليهم الصلاة والسلام ومنها إذاعته القول بالتجلي في الصور والظهور في المظاهر مع أن هذا وذاك من باب القول بالحلول. ومنها اختياره لقدم العالم وهذا داهية الدواهي، وكان يرى أن الإمام الأعظم المتقدم القريب من النبع الصافي كدر الروايات. ثم جنح بأخرة عن الجموح بمبشرة رآها في المدينة المنورة حيث قال في (فيوض الحرمين ص 48) عرفني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في المذهب الحنفية طريقة أنيقة هي أوفق الطرق بالسنة المعروفة التي جمعت ونقحت في زمان البخاري وأصحابه وأورد نحو ذلك في كتابه التفهيمات الإلهية فخاب بذلك من يسعى في هدم المذهب بمعاوله في الإنصاف وعقد الجيد وحجة الله البالغة وغيرها."(1) توفي سنة ست وسبعين ومائة وألف.
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 419، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 16
وكذلك انتقد على ما كتبه العلامة صديق بن حسن القنوجي رحمه الله المتوفى سنة 1307 في تهوين أمر القراءات السبع أو العشرة المتواترة وإنكار تواترها، مع أن تواترها معتبر لدى حذاق القراء المتفرغين لعلوم القراءة دون عامتهم.
الشيخ الفقيه المحدث محمد عبد الحي اللكنوي 1264 – 1304:
ومنهم الشيخ العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم بن أمين الله الأنصاري اللكنوي، وهو من سلالة الشيخ الشهيد قطب الدين السهالوي، ولد في سنة أربع وستين ومأتين وألف بالهند، وقرأ على والده وخاله المفتي نعمت الله ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدرآباد (الدكن) وسافر للحج وحصل له الإجازة من السيد أحمد زيني دحلان وآخرون.
يقول الشيخ محمد عبد الحي الحسني:
"كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند وكان الثناء عليه كلمة اجماع."(1)
ويقول الشيخ عبد الحي اللكنوي في ترجمته في كتاب النافع الكبير: "إني رزقت التوجه إلى متن الحديث وفقه الحديث .... ألقى الله في روعي من بدء التحصيل لذة التدريس والتصنيف فصنفت الدفاتر الكثيرة .... وأما تعليقاتي على الكتب الدرسية فهي كثيرة".(2)
ويقول الأستاذ عبد الفتاح أبوغدة:
"وفي رأي استاذ الفاضل الشيخ المحدث المحقق عبد الفتاح أبوغده رحمه الله أن هناك تشابه كبير في النبوغ والمزايا والتآليف النادرة في دقائق المسائل من العلم بين الإمام الكوثري والإمام اللكنوي."(3)
وقد أهدى الشيخ أبوغده تحقيقاته على كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل إلى أستاذه الإمام الكوثري فيقول:
(1) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 7 ص 389، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(2) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، عبد الحي اللكنوي، ص 15، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1407
(3) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، عبد الحي اللكنوي، ص 15، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1407
الجزء 1 · صفحة 17
"يلاحظ القاري أني أهديت عملي في هذا الكتاب الى روح أستاذنا الإمام الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى الذي كان يوصي بكتب الإمام اللكنوي ويحض عليها."(1)
وقد وصفه الإمام الكوثري بقوله:
"الشيخ محمد عبد الحي اللكنوي أعلم أهل عصره بأحاديث الأحكام."(2)
ومع هذا له نقد على بعض آرائه فيقول:
"إلا أن له بعض آراء شاذة لا تقبل في المذهب واستسلامه لكتب التجريح من غير أن يتعرف دخائلها لايكون مرضيا عند من يعرف ما هنالك."(3)
وتوفي رحمه الله سنة اربع وثلاث مائة والف.
وقد نبه الإمام الكوثري على بعض أخطاء الشيخ اللكنوي في كتابه التعليق الممجد على المؤطا للإمام محمد.(4)
السيد الشريف نواب صديق حسن خان 1248 - 1307:
السيد الشريف النواب صديق حسن بن أولاد حسن بن أولاد علي الحسني البخاري القنوجي، ولد سنة ثمان وأربعين ومأتين وألف بالهند، درس في الهند وسافر للحج وقرأ الصاح الستة على محدثي اليمن وأخذ منهم الإجازة في الحديث.
(1) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، عبد الحي اللكنوي، ص 15، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1407
(2) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 77، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(3) فقه أهل العراق وحديثهم، الإمام الكوثري، ص 76، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت 1970
(4) بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، محمد زاهد الكوثري، ص 66، مطبعة الخانجي، مصر 1355
الجزء 1 · صفحة 18
كان مشتغلا بالعلم مكبا على التأليف وله مؤلفات في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ والأدب، وكان سريع الكتابة ولكن تأليفاته إما تلخيص أو تحرير أو نقل من لسان إلى لسان وقد بلغ عددها إلى اثنين وعشرين ومأتين،(1) وكان كثير النقل عن الشوكاني وابن القيم وشيخه ابن تيمية وأمثالهم، شديد التمسك بمختاراتهم وقد طالع الإمام الكوثري ماكتبه في القراءات المتواترة تبعا لآراء الشوكاني وانتقده إنتقادا حيث يقول:
"فتهوين أمر القراءات السبع أو العشر المتواترة خطرجدا وإن اجترأ على ذلك الشوكاني وصديق خان القنوجي مع أن شيخ الصناعة الشمس الجزري يسرد أسماء رواة العشر طبقة بعد طبقة في كتابه منجد الممقرئين بحيث يجلو لكل ناظر أمر تواتر القراءات العشر في كل الطبقات جلاء لا مزيدا عليه فضلا عن السبع وهذا مع عدم استقصائه رواة العشر في كل طبقة. ومن المضحك جدا دعوى الشوكاني والقنوجي استنتاج مزاعهما السابقة من كلام ينسب الى ابن الجزري ودونك النص الصريح في كتاب المنجد له على التواتر." (2)
توفي رحمه الله سنة سبع وثلاث مائة وألف وله من العمرتسع وخمسون سنة.
وكذلك اختلف ببعض الآراء الشاذة للإمام عبد الحي اللكنوي التي لا تقبل في المذاهب واستسلامه لكتب التجريح من غير أن يتعرف دخائلها.
بعض كبار المعاصرين للإمام الكوثري:
(1) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 8 ص 187، الهند دائرة المعارف العثمانية 1943
(2) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 74، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 19
فمن الشخصيات البارزة من الهند وباكستان الذين عاصروه وكتب الإمام الكوثري عن أحوالهم الشخصية أو كان بينه وبينهم مراسلات علمية أو لقاء أو قرّظ الإمام الكوثري تقريظا علميا على مؤلفاتهم. الشيخ المحدث ظهير أحسن النموي، والشيخ المحدث محمد أنور شاه الكشميري، والشيخ الفقيه حكيم الأمة أشرف على التهانوي، والشيخ المحدث شبير أحمد العثماني، والشيخ المحدث أبو الوفاء الأفغاني، والشيخ المحدث ظفر أحمد التهانوي، والشيخ المحدث محمد يوسف البنوري، والشيخ المحدث المفتي مهدي حسن الشاهجهانبوري. فنذكر هنا نبذة يسيرة عن أحوالهم وعلاقاتهم مع الإمام الكوثري وملاحظات الكوثري على مكانتهم العلمية والتعليق على مؤلفاتهم.
العلامة الفقيه الشيخ ظهير أحسن النموي 1325:
العلامة الفقيه المحدث ظهير أحسن بن سبحان علي الحنفي النموي أحد العلماء البارزين في الهند في الفقه والحديث، وكان من تلامذة نابغة الفضلاء المتأخرين الإمام عبد الحي اللكنوي رحمه الله، وقد وفقه الله سبحانه وتعالى من خدمة الحديث فصنف آثار السنن ثم علق على هذا التعليق تعليقا سماه التعليق الحسن على آثار السنن ثم علق على هذا التعليق تعليقا بإسم تعليق التعليق وكل ذلك من أول أبواب الطهارة الى آخر أبواب الصلاة يقول المؤلف في مقدمة الكتاب:
"إن هذه نبذة من الأحاديث والآثار وجملة من الروايات والأخبار انتخبتها من الصحاح والسنن والمعاجم و المسانيد وعزوتها إلى من أخرجها وأعرضت عن الإطالة بذكر الأسانيد وبينت أحوال الروايات التي ليست في الصحيحين بالطريق الحسن."(1)
يقول الشيخ العلامة الشريف عبد الحي الحسني:
"كان دقيق النظر في الحديث والرجال ونقد الحديث ومعرفة علله وطبقاته وتلقى كتبه بالقبول في الهند وخارجها، وقد طالع الإمام الكوثري كتاب آثار السنن بدقة النظر فيقول:
(1) نزهة الخواطر، عبد الحي الحسني، ج 8 ص 207، مطبع نور محمد أصح المطابع كراتشي 1976
الجزء 1 · صفحة 20
"وها هو العلامة المحدث ظهير حسن النيموي رحمه الله قد ألف كتابه "آثار السنن" في جزئين لطيفين، وجمع فيهما الأحاديث المتعلقة بالطهارة والصلاة على اختلاف مذاهب الفقهاء، وتكلم على كل حديث منها جرحا وتعديلا على طريقة المحدثين، وأجاد فيما عمل كل الإجادة، وكان يريد أن يجري على طريقته هذه الى آخر أبواب الفقه لكن المنية حالت دون أمنيته رحمه الله. وهذا الكتاب مطبوع بالهند طبعا حجريا إلا أن أهل العلم تخاطفوه بعد طبعه، فمن الصعب الظفر بنسخة منه إلا إذا أعيد طبعه."(1)
الشيخ المحدث الكبير محمد أنور شاه الكشميري:
ومن المعاصرين من الهند اعترف الإمام الكوثري بخدماتهم العلمية الجليلة الشيخ المحدث الكبير محمد أنور شاه الكشميري وكان الشيخ أنور رحمه الله بلا ريب محقق هذا القرن وله يد بيضاء في تحقيق مشكلات العلوم وصعاب المسائل ودقاق الحوادث والنوازل وكان مرجعا في هذا البلاد لحل كل غامض دقيق في أي علم من العلوم وكان مبدع طريقته العذراء في تدريس العلوم النبوية وفي تحقيق كل ما له صلة بالمقام متنا وسندا وجرحا وتعديلا وكان درسه جامعا لبدائع تنحل به مشاكل سائر العلوم كما له منن كبيرة في القيام بالرد على أهل البدع والفتن خصوصا أكبر فتن هذه القرون فتنة المرزائية القاديانية.(2) وله مؤلفات كثيرة لا سيما في علم الحديث منها كتاب فيض الباري على صحيح البخاري من أماليه في الدرس والعرف الشذي من جامع الترمذي من أماليه في درس الترمذي وله أيضا أمالي على سنن أبي داود والصحيح لمسلم وحاشية على سنن ابن ماجة وكتب أخرى وكل هذه المؤلفات طافحة بأبحاث سامية.(3)
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 74-75، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
(2) نفحة العنبر، محمد يوسف البنوري، ص 298، المجلس العلمي، كراتشي
(3) نفحة العنبر، محمد يوسف البنوري، ص 291، المجلس العلمي، كراتشي
الجزء 1 · صفحة 21
وصفه الإمام الكوثري في كتابه تأنيب الخطيب بالعلامة الحبر البحر.(1) وبالعلامة فقيد الاسلام المحدث المحجاج وبمولانا الحبر الكشميري في مقاله ضد القاديانية فيقول: "وفي عقيدة الاسلام في حياة عيسى عليه السلام لمولانا الحبر الكشميري بسط القول في وجوه دلالة الكتاب على ما عليه أهل الحق فليراجعها من شاء للاستزادة.(2) ويقول في مقاله الذي كتبه في مروق القاديانية:
" أعلى الله سبحانه منزلة العلامة فقيد الإسلام المحدث المحجاج الشيخ محمد الأنور الكشميري في غرف الجنان وكافأه مكافأة الذابين عن حريم دين الإسلام فإنه قمع القاديانية بحججه الدامغة، وحال دون استفحال شر معتدليهم ومتطرفيهم بالهند بتأليف كتب ممتعة في الرد عليهم بلغات شتى، وحقق في كتابه "إكفار الملحدين" أمر إكفار هؤلاء وأمثالهم، وفي ذيله نحو سبعة وسبعين نصًا من نحو ما سبق من عبارات غلام أحمد المتنبئ المذكور نقلاً من مؤلفات هذا المارق مع تعيين صفحاتها – بتحقيق الاستاذ الجليل مولانا السيد مرتضى الهندي- ومع تلك النصوص ترجمتها إلى العربية بقلم الاستاذ الغيور المولوي محمد شفيع الديوبندي. والإطلاع على واحد منها كاف في الجزم بخروج قائله ومشايعيه من حوزة الإسلام."(3)
الشيخ الفقيه حكيم الأمة أشرف على التهانوي:
(1) تأنيب الخطيب، محمد زاهد الكوثري، ص 84، ---
(2) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص354، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
(3) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 359، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 22
الشيخ المفسر الفقيه الداعي إلى الله أشرف على بن عبد الحق التهانوي، ولد رحمه الله 1280هـ في أسرة كريمة بقرية تهانه بهون بالهند، نشأ في بلده ثم انتقل إلى ديو بند ودرس في دار العلوم وتلقى جميع العلوم في هذه المدرسة. واشتغل بالتدريس في عدة مدارس في الهند وهو أكثر الناس تأليفا في عصره وله نحو ألف كتاب مطبوع بين صغير وكبير وله تفسير الفرآن الكريم وجامع الآثار وتابع الآثار وكان من الدعاة البررة المخلصين، اشتغل طول حياته في الدعوة والإرشاد والتصنيف والتدريس توفي رحمه الله سنة 1362 هـ. وقد أشاد الإمام الكوثري في مدحه والاعتراف بخدماته في مقالته التي كتبه في جهود علماء الهند وباكستان ومعاصريهم في خدمة السنة المطهرة في القرون الأخيرة فيقول: "وكذلك عنى بهذا الأمر العلامة الأوحد والحبر المفرد شيخ المشايخ في بلاد الهندية المحدث الكبير والجهبذ الناقد مولانا حكيم الأمة محمد أشرف علي التهانوي صاحب المؤلفات الكثيرة البالغ عددها نحو خمسمائة مؤلف ما بين كبير وصغير، فألف – طال بقاؤه – كتاب "إحياء السنن" وكتاب "جامع الآثار" في هذا الباب ويغنى عن وصفهما ذكر اسم مؤلفهما العظيم وكلاهما مطبوع بالهند إلا أن الظفر بهما أصبح بمكان من الصعوبة حيث نفدت نسخهما المطبوعة لكثرة الراغبين في اقتناء مؤلفات هذا العالم الرباني – وهو الآن قد ناهز التسعين أطال الله بقاءه – وهو بركة بلاد الهندية وله منزلة سامية عند علماء الهند حتى لقبوه حكيم الأمة."(1)
والشيخ المحدث شبير أحمد العثماني 1305 - 1369:
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 75، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 23
الشيخ العلامة المحدث فضل الله المعروف بشبير أحمد بن مولانا فضل الرحمن العثماني الديوبندي ولد سنة ثلاث مائة وخمس بعد ألف من الهجرة، نشأ وتعلم في ديوبند لدى أشياخه الكبار لاسيما الأستاذ الأكبر شيخ الهند محمود الحسن، درّس في دهلي وفي دار العلوم ديوبند ودابهيل وكان له دور هام في تأسيس دولة باكستان وإنفاذ القوانين الإسلامية فيها، واقترح اقتراحا أساسيا في البرلمان أعلن فيه أن باكستان دولة إسلامية يهدف إلى إيجاد كيان إسلامي في أضواء القرآن والسنة ومن مصنفاته تفسير القرآن العظيم وشرح صحيح مسلم وغيرهم من الكتب المفيدة توفي رحمه الله 1369هـ.
ولما ظهركتاب فتح الملهم شرح صحيح مسلم للشيخ المحدث شبير أحمد العثماني أثنى عليه الإمام الكوثري ثناء حسنا وكتب مقالة فائقة في وصف الكتاب وعن بحوثه النافعة الرائقة فأولا ذكر مجملا عن اعتناء أهل العلم بصحيح مسلم بتأليف مستخرجات وانتقاد بمواضع النقد سندا ومتنا وسعي في ايضاح مخبآت معانيه وكشف ما أغلق في أسانيده وذكر بعض أسماء الشارحين من جملة الشراح لهذا الكتاب الجليل وقال:
الجزء 1 · صفحة 24
"ولكن والحق يقال إنه لم يكن شرح من تلك الشروح يفي صحيح مسلم حقه من الشرح والإيضاح من جميع النواحي التي تهم الباحثين المتعطشين ... وهذا فراغ ملموس كنا في غاية الشوق إلى ظهور شرح لصحيح مسلم في عالم المطبوعات يملأ هذا الفراغ وها نحن أولاء قد ظفرنا بضالتنا المنشودة بظهور فتح الملهم في شرح صحيح مسلم بثوبه القشيب وحلله المستملحة في عداد المطبوعات الهندية .... وقد اغتطبتنا جدا الاغتباط بهذا الشرح الضخم الفخم صورة ومعنى حيث وجدناه قد شفا وكفى من كل ناحية وقد ملأ بالمعنى الصحيح ذلك الفراغ الذي كنا أشرنا إليه فيجد الباحث مقدمة كبيرة في أوله تجمع شتات علم أصول الحديث بتحقيق باهر يصل آراء المحدثين النقلة في هذا الصدد بما قرره علماء أصول الفقه على اختلاف المذاهب غير مقتصر على فريق دون فريق فهذه المقدمة البديعة تكفي المطالع مؤنة البحث في مصادر لا نهاية لها وبعد المقدمة البالغة مائة صفحة يلقي الباحث شرح مقدمة صحيح مسلم شرحا ينشرح له صدر الفاحص، حيث لم يدع الشارح الجهبذ موضع إشكال منها أصلا بل أبان ما لها وما عليها بكل انصاف ثم شرح الأحاديث في الأبواب بغاية من الاتزان فلم يترك بحثا فقهيا من غير تمحيصه بل سرد أدلة المذاهب في المسائل وقارن بينها وقوى القوي ووهن الواهية بكل نصفة وكذلك لم يهمل الشارح المفضال أمرا يتعلق بالحديث في الأبواب كلها بل وفاه حقه من التحقيق والتوضيح فاستوفى ضبط الأسماء، وشرح الغريب، والكلام على الرجال، وتحقيق مواضع أورد عليها بعض أئمة هذا الشأن وجوها من النقد من حيث الصناعة غير مستسيغ اتخاذ قول من قال: "كل من أخرج له الشيخان فقد قفز القنطرة" ذريعة للتقليد الأعمى، وكم رد في شرحه هذا على صنوف أهل الزيغ، وله نزاهة بالغة في ردوده على المخالفين من أهل الفقه والحديث، وكم أثار من ثنايا الأحاديث المشروحة فوائد شاردة، وحقائق عالية لا ينتبه إليها إلا أفذاذ الرجال وأرباب القلوب،
الجزء 1 · صفحة 25
ولا عجب أن يكون هذا الشرح كما وصفناه وفوق ما وصفنا عند المطالع المنصف.
ومؤلفه ذلك الجهبذ الحجة الجامع لأشتات العلوم محقق العصر المفسر المحدث الفقيه البارع النقاد الغواص مولانا شبير أحمد العثماني شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية في دابهيل سورت بالهند ومدير دار العلوم ديو بندية أزهر الأقطار الهندية وصاحب المؤلفات المشهورة في علوم القرآن والحديث والفقه والرد على المخالفين أطال الله بقاءه في خير وعافية ووفقه لإتمام طبع هذا الشرح الثمين ولتأليف كثير من أمثاله بما فيه سعادة الدارين ونفع بعلومه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إنه قريب مجيب."(1)
وبهذه المناسبة نود أن نقدم أمام القراء رسالة بعث بها مؤلف هذا الكتاب الشيخ شبير أحمد العثماني إلى الإمام الكوثري رحمهما الله وقد من علي باعطاء هذه الرسالة الأستاذ الشيخ المحقق البارع محمد محمد عوامة جزاه الله خير الجزاء. وكانت الرسالة محفوظة لدى شيخنا الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله فيقول:
"لما آلت إلي أوراق شيخنا رحمه الله تعالى آثرت حفظ هذه الرسالة هنا مع كتاب المؤلف لتكون تذكارا وأثرا غالبا يستمطر البقاء بالرحمة للشيخين الراحلين رحمها الله تعالى قاله وكتبه عبد الفتاح أبو غدة 17 من رجب 1377.
وإليكم نص هذه الرسالة:-
من فضل الله المدعو بشبير أحمد العثماني صدر المدرسين بالجامعة الإسلامية دابهيل سورت إلى حضرة الشيخ العلامة الحبر المحقق مولانا محمد زاهد بن حسن بن علي الكوثري أطال الله بقاءه وأحسن إليه في دنياه وآخرته وأفاض علينا من شآبيب علمه وفضله.
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 82، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 26
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....وبعد التحية والسلام فقد تشرفت بمكتوبكم السامي وسررت بمطالعته جدا - كيف لا- وهو مشتمل على كلمات طبية مباركة من عالم متبحر ناقد نافذ البصيرة عديم النظير في عصره قد قرظ بها كتابي "فتح الملهم" بعدما دقق النظر فيه فوالله قد حصل لي به سرور وابتهاج عظيم لم يحصل لي قط من تقريظ أحد من العلماء بعد الشيخ العلامة الأنور قدس الله روحه وبهذا تم نصاب الشهادة واطمأن قلبي وسكن جأشي حين شهد شاهدان خبيران حاذقان ذوا عدل منا بما يدل على ان عملي ليس بضائع ورجائي غير خائب إن شاء الله تعالى. وإني بفضل الله تعالى وعونه أعد هذه الشهادة العادلة وثيقة نجاحي وذخيرة فلاحي في آخرتي والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به. وقد ورد في الحديث عن عمر رضي الله عنه مرفوعا "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان قال اثنان ثم لم نسأله عن الواحد".
الجزء 1 · صفحة 27
قال الزين بن المنير وإنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب أه. وألتمس من حضرة الشيخ الدعاء لي بحسن الخاتمة ولهذا الشرح بحسن القبول عند الله تعالى وعند الناس مع التيسير لإتمامه. وها أنا رافع يدي إلى الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم ويبارك في مساعيكم الجملية ويؤيدكم بنصره لنصرة الدين واعلاء كلمة الحق ويزيدكم من فضله ويجمع بيننا وبينكم في أحسن الأحوال وأطيبها آمين. وما كنت أظن أن عملي هذا يقع هذا الموقع من القبول عند أمثالكم من الفضلاء المتبحرين ولكن ذلك فضل من الله تفضل به على العبد المذنب الحقير فلله الحمد والمنة والمرجو من حضرة الشيخ إذا اطلع على خطأ أو غلط في هذا الكتاب ولا بد أن يصححه ويصلحه ويعلمني به حتى أتوقاه في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى ولكم مني جزيل الشكر. والجزء الثالث من الكتاب تحت الطبع وهو من كتاب الزكاة إلى آخر النكاح وسيصل إلى فضيلة الأستاذ بعد رمضان إن شاء الله تعالى.
ثم إني قد انتفعت بمصنفاتكم من "التعليقات على ذيول طبقات الحفاظ وعلى السيف الصقيل وبلوغ الأماني والاشفاق ثم الآن بمقدمة تخريح الزيلعي فسبحان الله ماذا أفيض من العلوم والحقائق النادرة وسأقتبس من الاشفاق بعض نوادره في كتاب الطلاق من فتح الملهم حسب ما يليق بذلك المقام.
والسيف الصقيل عندي مستعار من حضرة الأخ الفاضل مولانا أبي الوفاء الأفغاني مدير دائرة المعارف النعمانية بحيدر آباد دكن. والمرجو من مكارمكم أن تسمحوا لي بنسخة منه لتكون تذكارا عندي من حضرتكم أدامكم الله محفوظين والسلام مع ألوف الاحترام.
العبد الضعيف شبير أحمد العثماني الديوبندي من دابهيل سورت (كجرات ) الهند. 3 رجب 1357
الشيخ المحدث المحقق أبو الوفاء الأفغاني:
الجزء 1 · صفحة 28
ولا نعرف عن لقاء الإمام الكوثري مع الشيخ أبي الوفاء الأفغاني ولكن كان بينهما مراسلات علمية وكان أبو الوفاء الأفغاني مشاركا معه في تحقيق كتاب "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن" الذي عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن. وقد التمس الشيخ الأفغاني بالإمام الكوثري بالكتابة عن أحواله الشخصية فاجابة لمأموله كتب الإمام الكوثري شيئا يسيرا عن أحواله الشخصية وأرسله إلى الشيخ الأفغاني وقد ترجمت هذه السيرة الشخصية إلى الأردية وطبعت في مجلة معارف لدار المصنفين، أعظم كرهـ في العدد الثاني في مجلد اثنين وسبعين بعيد وفاة الإمام الكوثري. وكانت العلامة المحدث الفقيه الشيخ أبو الوفاء الأفغاني من العلماء الأفاضل في الهند وكان رئيس لجنة احياء المعارف النعمانية وشيخ الحديث بالمدرسة النظامية بحيدر آباد وقد طبع تحت إشرافه عدد كبير من الكتب النادرة وقد حقق كتاب الآثار لأبي حنيفة نسخة أبي يوسف ونسخة أبي محمد وكتب كثيرة أخرى واعترافا بمساعيه المخلصة يقول الإمام الكوثري في كتابه بلوغ الأماني.
وقد قام جماعة من فطاحل العلماء بالهند تحت رئاسة العلامة المحدث الفقيه أبي الوفاء حفظهم الله بالبحث عن كتب الأقدمين من الفقهاء في خزانة العالم لنشرها .... ومسعاهم مشكور جدا لقيامهم بواجب عظيم كان أهل الشان أهملوه قرونا سدد الله سبحانه خطواتهم ووفقهم لإنتاج هذا العمل النافع إنه سميع مجيب.
ويقول في ذيل المصنفات للإمام محمد.
"ومنها الكيسانيات .... وتوجد قطعة منها في المكتبة الآصفية في حيدر آباد الدكن بالهند كما بلغني من صديق العلامة المحدث الفقيه أبي الوفاء شيخ الحديث بالمدرسة النظامية بحيدر آباد الدكن".(1)
والشيخ المحدث ظفر أحمد التهانوي:
(1) بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، محمد زاهد الكوثري، ص 61، مطبعة الخانجي، مصر 1355
الجزء 1 · صفحة 29
العلامة المحقق المحدث الفقيه الشيخ ظفر أحمد بن لطيف أحمد العثماني التهانوي ولد سنة 1310 هـ، نشأ ودرس في ديوبند وسهارن بور وتهانه بهون وعين مدرسا في مدرسة سهارن بور ودرّس الحديث والفقه والتفسير ومن تأليفاته إعلاء السنن في ثمانية عشرة مجلدا وعلق له في جزئين مقدمة، ودلائل القرآن على مسائل النعمان على منوال أحكام القرآن للجصاص وألف كتبا أخرى في الفقه والتفسير وغير ذلك من العلوم.
ويقول عنه المحقق البحاثة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في وصف تأليفه إعلاء السنن: "ومن أفضل بل أفضل ما ألف فيها (في شرح أحاديث الأحكام) في هذا القرن الرابع عشر وأوسعه جمعا من وجهة نظر السادة الحنفية كتاب إعلاء السنن تأليف شيخنا العلامة المحدث الفقيه الأصولي البارع المتتبع الشيخ ظفر أحمد التهانوي رحمه الله تعالى. ولعل الشيخ أشرف علي التهانوي بعد طبع هذا الكتاب أرسل نسخته إلى الإمام الكوثري فكتب تعليقا قيما على هذا الكتاب وأثنى عليه أطيب الثناء في مقالته تحت عنوان "أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها" أشار فيها دور علماء الهند من أهل السنة في خدمة الحديث مبتدئا بذكر جهود الشيخ أشرف علي التهانوي في تدوين أحاديث الأحكام فيقول:
الجزء 1 · صفحة 30
"وهذا العالم الجليل (الشيخ أشرف علي التهانوي) قد أشار على تلميذه وابن أخته المتخرج في علوم الحديث لديه المحدث الناقد والفقيه البالغ مولانا ظفر أحمد التهانوي- زادت مآثره - أن يستوفى أدلة أبواب الفقه بجميع أحاديث الأحكام في الأبواب من مصادر صعبة المنال مع الكلام على كل حديث في ذيل كل صفحة بما تقضي به صناعة الحديث. من تقوية وتوهين، وأخذ ورد على اختلاف المذاهب فاشتغل هذا العالم الغيور بهذه المهمة الشاقة نحو عشرين سنة اشتغالا لا مزيد عليه حتى أتم مهمته بغاية من الإجادة بتوفيق الله سبحانه في عشرين جزءا لطيفا بقطع "آثار السنن" وسمى كتابه هذا "إعلاء السنن" وجعل له في جزء خاص مقدمة بديعة في أصول الحديث نافعة للغاية في بابه. والحق يقال إني دهشت من هذا الجمع وهذا الاستقصاء و من هذا الاستيفاء البالغ في الكلام على كل حديث بما تقضي به الصناعة متنا سندا غير أن يبدو عليه آثار التكلف في تأييد مذهبه، بل الإنصاف رائده عند الكلام على آراء أهل المذاهب، فاغتبطت به غاية الإغتباط. وهكذا تكون همة الرجال وصبر الأبطال – أطال الله بقاءه في خير وعافية، ووفقه لتأليف أمثاله من المؤلفات النافعة . وقد طبع المؤلف – حفظه الله نحوعشرة أجزاء من ذلك الكتاب طبعا حجريا وقد نفدت نسخ الأجزاء الأول. وأما طبع الباقي فيجري ببطء بالغ، فيا ليت بعض أصحاب المطابع الكبيرة بمصر سعى في جلب الكتاب المذكور من مؤلفه وطبع تمام الكتاب أوله الى آخره بالحروف الجميلة المصرية. ولو فعل ذلك أحدهم لخدم العلم خدمة مشكورة، وملأ فراغا في هذا الباب."(1)
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 74، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 31
وقد كمل أمنية الإمام الكوثري حيث طبع الكتاب في عشرين مجلدا ومنها مجلدان جعلا مقدمتين للكتاب إحداهما مقدمة حديثية وطبعت هذه المقدمة الحديثية الجامعة النافعة المسماة إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن في الهند وباكستان ثم حقق وراجع نصوصها وعلق عليها العلامة المحقق البحاثة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى ونشرها بإسم قواعد في علوم الحديث وتم طبعها في بيروت سنة 1383 هـ في 550 صفحة. والمقدمة الثانية أصولية فقهية.
الشيخ محمد يوسف البنوري 1316 - 1397:
المحدث البارع المحقق السيد محمد يوسف البنوري بن محمد زكريا بن مير مزمل شاه من سلالة إمام زين العابدين رحمه الله، ولد سنة ألف وثلاث مائة وست عشرة هجرية في قرية مهابت في باكستان، تعلم المبادئ على والده وخاله وقرأ الكتب المتوسطة على علماء بشاور وكابل، والتحق بدار العلوم ديوبند 1345 هـ وكمل فيها الدراسة العالية، ومن أكبر مشائخه الشيخ شبير أحمد العثماني والشيخ محمد أنور شاه الكشميري وقد لازم الشيخ الكشميري ورافقه حتى أصبح وارثا لعلومه وشارحا لتراثه الحديثية وله مؤلفات نافعة من نفحة العنبر في حياة الشيخ أنور، ومعارف السنن في شرح الجامع الترمذي في ستة مجلدات مع مقدمة مبسوطة عليه، تحتوي على أبحاث أصول الحديث في غاية من الأهمية، ويتيمة البيان في شيء من علوم القرآن وكتب أخرى في موصوعات شتى، وقد قام بتدريس الحديث طول حياته وأنشأ جامعة كبيرة في بلدة كراتشي توفي رحمه الله في ستة 1397 هـ ودفن في جامعته.
الجزء 1 · صفحة 32
وكان الشيخ البنوري من الشخصيات البارزة من الهند وباكستان لقي مع الإمام الكوثري عدة لقاءات وله إجازة في الحديث النبوي منه، وكان أول لقائه معه في سنة 1937 م لما نزل مصر لطبع بعض الكتب الحديثية مع زميله الأستاذ السيد أحمد رضا بن السيد شبير علي البجنوري وكان إذ ذاك عضوا للمجلس العلمي وأستاذا بالجامعة الإسلامية بدابهيل. وعرض عليه كتابه بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب فكتب الإمام الكوثري ما يأتي:
فقد اطلعت على كتاب "بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب" تأليف حضرة صاحب الفضل والفضيلة المتحلي بأخلاق الجميلة العلامة والزكن اللبيب السيد محمد يوسف البنوري البشاوري الهندي – دامت مآثره – فوجدته خير ما ألف في هذا الباب جمعا وتحقيقا – في ما أعلم – فجزى الله سبحانه مؤلفه البارع جزاء المحسنين، حيث لم يدع حكما من الأحكام المتعلقة باستقبال القبلة من قرب أو بعد كتابا وسنة وفقها ونظرا إلا وقد بينه أتم بيان بتحقيق ما له وما عليه وقد جمع في صعيد واحد المسائل المبعثرة في غير مظانها فأصبحت أحكام القبلة بذلك على طرف الثمام من المطالع المستطلع بكل اجادة وإفادة ولا عجب من مثله مثل هذه الإجادة ومنبته ذلك المنبت الزكي الطاهر وأساتذته هؤلاء الجهابذة الأكابر والله سبحانه نفع به المسلمين ووفق مؤلفه النحرير لتأليف أمثال أمثاله من الكتب النافعة في خير وعافية وطول بقاء وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وآله أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
في 16 جمادى الآخرة 1357هـ
كتبه الفقير إلى الله سبحانه محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري عفي عنهم نزيل القاهرة وخادم العلم بمعاهد دار الخلافة العثمانية السابقة.(1)
وكان من أمنية الشيخ البنوري في حياة الشيخ الكوثري جمع مقالاته ومقدماته فيقول:
(1) بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب، محمد يوسف البنوري، ص 6 ، مطبعة العلوم، القاهرة 1939
الجزء 1 · صفحة 33
"كنت أتمنى منذ زمن غير قصير في حياة الشيخ الكوثري جمع مقالاته ومقدماته في صعيد واحد حرصا على إبراز هذه النفائس القيمة من معادنها البعيدة حتى يستفيد منها كل مشتاق يقدر هذه الجواهر الغالية بين منايا ضلوعه حتى عرضت اقتراحي هذا على حضرة الشيخ نفسه ووجهت المجلس العلمية إلى القيام بها ولكن كانت هذه السعادة محتوما لصديقنا الفاضل الغيور على الدين فضيلة الشيخ رضوان محمد رضوان فقام بطبع تلك المقالات البديعة (بعد وفاة الإمام الكوثري) بترتيب جيد في غابة الحسن فجزاه الله عن العلم والدين خير الجزاء. وقال وأود أن لو طبع مقدمات الكوثري على كتب شتى على هذا المنوال فإني أرى فيه خدمة للعلم ونفعا لأهل العلم."(1)
والحمد لله قد اكتمل أمنية الشيخ البنوري رحمه الله حيث جمع مقدمات الكوثري وطبع تحت إشراف جماعة من العلماء سنة 1997 م من بيروت، ودمشق، ومصر.
وكتب الشيخ البنوري مقدمة قيمة على هذه المقالات أحاط فيه بجميع جوانبه الشخصية وشبه الإمام الكوثري بالإخاذ فالإخاذ يروي الرجل ويروي الرجلين ويروي العشرة ولو نزل به أهل الأرض لأصدرهم ويقول الشيخ النبوري هذه كلمة كنت قرأتها رأيتها صدقت في عهدنا على محقق العصر الجهبذ الناقد البحاثة الخبير الشيخ محمد الزاهد الكوثري سواء بسواء.
ونذكر ملخض ما كتبه المحدث البنوري عن خصائص الإمام وعن شخصيته اللامعة فيقول:
ناصع الجبين جميل المنظر وقوي الهيكل والأعضاء.
رقيق الشمائل وكريم الأخلاق ومتواضع وقانع بالكفاف وورع تقي صابر على المكاره.
حكيم متغلغل في غايات الدين ومبادئه وأصول الدين الأساسية.
جامع بين غاية سعة العلم ولاستبحار المدهش ودقة النظر والحافظة الخارقة للعادة والاستحضار المحير.
جامع بين علوم الرواية على اختلاف فروعها وعلوم الدراية على تفنن مراميها ومقاصدها.
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص ل، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
الجزء 1 · صفحة 34
كريم النفس سامح بخزائن معارفه ودفائن علمه.
واسع العلم بنوادر المخطزطات في أقطار الأرض وخزانات العلم.
غيور على حفظ سياج الدين وابداع وجه الحق إلى الأمة.
ولقد حلل الأستاذ البنوري تحليلا علميا لمقالاته ومؤلفاته وذكر أمهات خصائصها وملخصه ما يلي:
له عدة مقالات منها كلامية وطائفة منها حديثية بعضها في التفسير والقراءات وبعضها في الفقه والأصول.
كل ما يكتب يكون الحامل عليه الذب عن حوزة الدين الإسلامي والانتصار للحق وليس مرماه أبدا ابداع تحقيق فقط أو رجاء ثناء الناس عليه.
تجد في تأليفاته وتعليقاته ومقدماته ومقالاته غرر النقول مما لا يتلقى إلا بشق الأنفس وبدخول بطون المجلدات وبطون الخزانات الدولية أو الشخصية.
ترى في تحليله آراء ناضجة وأفكار صائبة وعللا للبحث شافية وافية هي نتيجة للبحث الطويل والتفكير العميق والعلم الوافر والسعي المتواصل.
أسلوبه متين كالبنيان المرصوص يخضع له كل ذوق سليم ومغاير بأسلوب عامة المتأنقين مع تجليه بأجلى مظهر الأدب والنزاهة ويتفاوت في الشدة واللين بمبلغ الخطورة في الكلام المردود.
ربما يحس بعض المستأنسين بلين القول ورفق اللهجة خشونة في الرد وقسوة في الدفاع وإنما هي نتيجة حرارة دينية وحماسة طبيعية لأن الحق عنده أحب من كل شيء باطل والصدق أقرب إليه من كل زور.
يكتب صفوة ولبابا وروحا وجوهرا مجتنبا عن التمهيد الفارغ والحشو في البين والخروج من الموضوع ولا يأتي في الاستدلال بأمور ذوقية أو وجدانية لا تقوم بمثلها حجة على الخصم.
محتاط متثبت في النقل متيقظ لكل مدلول الكلام مطابقة والتزاما بكل صنف الدلالات.
متصلب في المعتقد كصخرة صماء متيقض حارس يذب عن حريم الحنيفية كل حملة شنعاء.
والشيخ المحدث المفتي مهدي حسن الشاهجهانبوري:
الجزء 1 · صفحة 35
المحدث الجليل المفتي السيد مهدي حسن بن السيد كاظم حسن بن السيد فضل الله بن السيد محب الله الحسني الحسيني الكيلاني القادري ولد في رجب سنة 1300هـ في شاهجهان بور، قرأ القرآن على والده ودرس الكتب الإبتدئية في ديوبند، ثم انتقل إلى دهلي وقرأ الحديث والفقه على الشيخ المفتي محمد كفاية الله في المدرسة الأمينية ولازمه وعلى الشيخ محمود الحسن في ديو بند، ودرّس الحديث والفقه في راندهير وسورت والهند وفي دار العلوم ديوبند، وكان رئيس دار الإفتاء في دار العلوم ديوبند. وذهب إلى الحرمين الشريفين ولقي المشايخ وحصل له منهم الإجازة، وقد تلقى الإجازة بالإمام الكوثري مكاتبة.
ومن مؤلفاته قلائد الأزهار شرح على كتاب الآثار أربع مجلدات ضخمة، وشرح على كتاب الحجة لأهل المدينة للإمام محمد، والدر الثمين، ورجال كتاب الآثار، وشرح بلاغات محمد في الآثار وكتب أخرى باللغة العربية والأردية.(1)
ويقول الإمام الكوثري: " ومن مشاهير العلماء الهند أيضا ممن يعنون بأحاديث الأحكام العلامة المحدث الشيخ مهدي حسن الشاهجهانفوري المفتي حفظه الله فإنه شرح كتاب (الآثار) للإمام محمد بن حسن الشيباني في مجلدين ضخمين. كثر الله سبحانه من أمثال هولاء الرجال."(2)
وكان عداد الشيخ المحدث محمد عبد الرشيد النعماني من بين العلماء الذين استقوا استقاء جمّا من معارف الإمام الكوثري واستفادوا استفادة كبيرة من مؤلفاته. ومن يطالع كتب المحدث النعماني يجد فيها صبغة الإمام الكوثري، فيقول الشيخ المحدث السيد أحمد رضا البجنوري تلميذ الإمام الكشميري:
(1) راجع ترجمته في مقدمة كتاب الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن رتبها العلامة السيد محمد يوسف البنوري، وهذا ملخصه، ص15 مكتبة المعارف الشرقية حيدرآباد دكن الهند 1965
(2) مقالات الكوثري، ص 76
الجزء 1 · صفحة 36
"وأفكاره (أي النعماني) في مقدماته وتعليقاته على طراز الإمام الكوثري رحمه الله".(1)
و آن ذاك كان صغير السن ولم يكن من معاصريه، ولكن الإمام الكوثري فرح بمجهوداته وتحقيقاته التي كان يسمع عنها من زميله الشيخ أبي الوفاء الأفغاني.
وقد كتب الشيخ عب الفتاح أبو غده رحمه الله شيئا عن حياته في تعليقاته على الإمام ابن ماجه وكتابه السنن للشيخ النعماني، فنذكر ملخصا عنه:
(1) أنوار الباري، الجزء الأول والثاني، ص 456
الجزء 1 · صفحة 37
العلامة المحدث الناقد المحقق البارع الضليع الشيخ محمد عبد الرشيد ابن المنشي محمد عبد الرحيم بن محمد بخش الراجبوتي نسبا والهندي الجيبوري مولدا ومنشأ والباكستاني الكراتشي مهاجرا والنعماني نسبة للإمام أبي حنيفة مذهبا، أحد كبار علماء الحديث في الهند وباكستان وصاحب التحقيقات والتدقيقات والجولات الظافرة في ميادين العلم. ولد في سنة 1333هـ وقرأ الكتب العربية إلى مشكاة المصابيح في بلده على العلامة الجليل الشيخ قدير بخش البدايوني، ثم رحل الى دار العلوم بندوة العلماء لكنو ولازم المحدث الناقد الفقيه البارع مولانا حيدر حسن خان الطونكي وشقيقه المحدث الفقيه الأصولي محمود حسن خان الطونكي رحمهما الله، وعليهما تخرج وبهما اتنفع، وعيّن عضوا لندوة المصنفين بدهلي وهاجر إلى باكستان ودرّس الحديث في دار العلوم تندو الله يار وفي جامعة العلوم الإسلامية كراتشي وفي الجامعة الإسلامية بهاول بور. وهو من أفذاذ العلماء المحققين في تلك الديار علما وفهما وزهدا وتقًى. وأكبر شغله الدرس والإفادة والبحث والمطالعة، وله تصانيف ممتعة في علوم الحديث وغيره منها لغات القرآن في شرح مفردات القرآن كتاب عظيم فيه فوائد تفسيرية وفقهية وتاريخية وكلامية. ومنها الإمام ابن ماجه وعلم الحديث، وما تمس اليه الجاجه لمن يطالع سنن ابن ماجه، ومكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث، وله تعليقات مهمة نادرة على كتاب دراسات اللبيب للشيخ محمد معين السندي، وعلى ذب ذبابات الدراسات للشيخ المحدث عبد اللطيف بن محمد هاشم السندي، وله مقدمات علمية على كتاب الآثار ومسند الإمام أعظم وبلوغ المرام لإبن حجر ومقالات وكتب أخرى مفيدة في الرد على الناصبية وغير ذلك من الكتب النافعة.
وقد جمع تلميذه الشيخ محمد روح الأمين في شيوخه واسانيده كتابا أسماه الكلام المفيد في تحرير الأسانيد. توفي رحمه الله في 29 من شهر ربيع الثاني سنة ألف وأربع مائة وعشرون من الهجرة.
الجزء 1 · صفحة 38
نظره العميق على النهضة العلمية في الهند:
وكان إلمام الكوثري ملما بنواحي الثقافة الإسلامية إلمام الدارس المتمكن، طالع بدقة النظر جميع جوانب النهضة العلمية الحديثية في الهند في القرون المتأخرة وظل يثق الصلة بالمراكز العلمية في الهند وفي عالم الإسلام كله.
فيقول في المقدمة التي كتبه على كتاب "منية الألمعي ومؤلفه العلامة قاسم بن قطلوبغا":
"فإن لإخواننا الهنود جمعيات علمية في الهند تقوم بنشر أنفع الكتب من تراث السلف، في شتى العلوم لمجرد خدمة العلم ، لا لغاية مادية ، فبارك الله في علومهم، كما يعترف بذلك الحاضر والبادي.
فمن تلك الجمعيات: جمعية إحياء المعارف النعمانية في حيدر آباد الدكن،وقد قام أركان هذه الجمعية بتحقيق كتب متخيرة، فطبعوها مشكورا فضلهم في ذلك، وهم ما زالو جادين في إعداد الكتب النافعة للطبع، مواصلين السعي في جلب نوادر المخطوطات من أنحاء العالم ليحققوها ويطبعوها، لينتفع بها الباحثون، فندعو الله سبحانه أن يزيدهم توفيقا وتسديدا.
وكذلك جماعة المجلس العلمي للجامعة الإسلامية في دابهيل – سورت – في الهند ، فإنهم دأبوا أيضا على تحقيق الكتب النافعة وطبعها، وبين أيدينا كتب كثيرة من مطبوعاتهم المتخيرة حتى نالوا الشكر العظيم من جماهير أهل العلم. وللإخوان الأكارم آل ميان الأفاضل أركان بيت الحمد – حفظهم الله- فضل جسيم في إنهاض هذه الجماعة، على خطة رشيدة يزداد بها نهوضهم حيوية، وإزدهارا على توار الأزمان.... وقد حضر الى القاهرة سنة 1357هـ من الهند الأستاذان الغيوران مولانا السيد أحمد رضا البجنوري مدير المجلس العلمي المذكور ومولانا العلامة السيد محمد يوسف البنوري من كبار أركان المجلس المذكور لطبع نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي وغيره من الكتب المتخيرة.(1)
(1) مقدمات الإمام الكوثري، ص71، دار الثرية للطباعة والنشر، دمشق، بيروت 1997
الجزء 1 · صفحة 39
وكان الإمام الكوثري خبيرا بجميع النشاطات العلمية في الهند في مجالات مختلفة ولما التمس شيخ الأزهر الأستاذ المصطفى الرازق الإمام الكوثري بتقديم تقرير بسيط لإحياء علوم السنة في الأزهر، فمن الاقتراحات التي اقترحها الإمام الكوثري في مجال تطور السيرة النبوية تعيين شيخ لتدريس السير والمغازي وتدوين كتاب جامع حول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تحت ضوء علم نقد الرجال واقترح باستفادة كتاب السيرة النبوية لمؤرخ الهند العلامة الشبلي النعماني فيقول:
"كتاب الأستاذ الشبلي النعماني الهندي وتلميذه وزميله الأستاذ سليمان الندوي في تمحيص السيرة النبوية عن الروايات الزائغة – باللغة الهندية في عدة مجلدات – قد سد فراغا كبيرا في فضح دخيلة المستشرقين والرد عليهم وقد ترجم إلى اللغة الإنجليزية ثم إلى اللغة التركية ولو قام بعض رجال الأدب بترجمته إلى اللغة العربية مع اصلاح بعض مواضح أخطأ فيها لكان هذا عملا نافعا يرد به كيد أمثال البرنس كيتانو الايطالي وغولد زيهير الهنغاري".
وفي هذا التقرير أيضا اعتراف لجهود دار المصنفين وندوة العلماء لكنو في خدمة الإسلام والمسلمين فيقول:
"وكم أفاضت دار المصنفين في ندوة العلماء بالهند من خيرات وبركات في الانتاج العلمي حتى أصبح للندويين ذكر جميل في البيئات العلمية في العالم."
ويقول :في مقاله الذي كتبه عن " أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها":
الجزء 1 · صفحة 40
"ثم يأتي دور إخواننا الهنود -من أهل السنة- فمآثرهم في السنة في القرون الأخيرة فوق كل تقدير، وشروحهم في الأصول الستة تزخر بالتوسع في أحاديث في أحاديث الأحكام، فدونك "فتح الملهم في شرح صحيح مسلم"، و" بذل المجهود في شرح سنن أبي داؤد"، و" العرف الشذى في شرح سنن الترمذي" إلى مما لا يحصى، ففيها البيان الشافي في مسائل الخلاف، ولبعض علمائهم أيضا مؤلفات خاصة في أحاديث الأحكام على طراز بديع مبتكر، وهو استقصاء أحاديث الأحكام من مصادرها وحشدها في صعيد واحد في الأبواب، والكلام على كل حديث منها جرحا وتعديلا، وتقوية وتوهينا."(1)
مساعيه ضد الفرق الباطلة:
وكان له نظر وسيع على الفرق الباطلة ونشاطاته السرية والعلانية في جميع العالم، فكتب عن الجمعيات السرية ضد الإسلام وأثبت بأدلة قوية بأنها أخطر على عقيدة الإسلام وحكمها، وبالأخص كان ينظر بدقة النظر نشاطات فرق الباطلة في الهند وكان أمامه المؤسسات والأحزاب للتربية وتخريج الدعاة للبعث إلى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها.
فيقول في مقدمة قواعد عقائد آل محمد:
"إن الجمعيات السرية لخصوم الإسلام من أخطر الفرق على عقيدة الإسلام وحكم الإسلام منذ قديم...... فها هو مذهب الباطنية قد امتلأت التاريخ بأحداثهم الدامية...... وأخذوا في العهد الأخير ينتعشون انتعاشا غير عادي. ولهم جامعات في الهند لتخريج دعاة يبعثونهم الى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها....."(2)
وكذلك كان له نظر عميق على نشاطات غلاة الروافض في بلاد الهند وعلى ماكتبه في أحوالهم ومعتقداتهم علماء الهند وعلى رأسهم المحدث الشاه عبد العزيز الدهلوي فيقول في مقاله تحت عنوان حول فكرة التقريب بين المذاهب:
(1) مقالات الكوثري، الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 74، مطبعة الأنوار، القاهرة، الطبعة الأولى
(2) مقدمات الإمام الكوثري، ص 206، دار الثرية للطباعة والنشر، دمشق، بيروت 1997