شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ليس بخاف ما في استذكار أنباء أهل العلم والورع من استنهاض الهمم إلى اقتفاء آثارهم مع ما فى ذلك من استنزال الرحمات، وإذن فلا بأس أن نتحدث للقراء اليوم عن بعض أنباء مقتضبة من هذا القبيل، وفي ذلك ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين.
ومن المعلوم أن ملوك بني عثمان كانت لهم صفتان: صفة الخلافة وصفة السلطنة، وكان مشايخ الإسلام ينوبون عن الملوك فى صفة الخلافة كما كان الصدور ورؤساء الوزراء يمثلون صفة السلطنة نيابة عنهم، وكان علو منزلة مشيخة الإسلام على رئاسة الوزراء بنسبة ما للخلافة الإسلامية من الجلالة والمهابة أيام كان الدين الإسلامى فى أعلى ذروة الإجلال عند رجال الدولة وأفراد الأمة، وكان أنبه العلماء وأعلمهم وأورعهم هو الذي يولي مقام المشيخة الإسلامية احتفاظا بمهابته العظيمة فى القلوب، وتأثيره العميق في توجيه شؤون الأمة إلى خير المجتمع الإسلامي.
والذين تولوا هذا المقام السامى طول مدة الحكم العثماني إلى عهد تجريد من الحكم نحو ??? شيخاً من مشايخ الإسلام على اختلاف منازلهم. ولو أفردت تراجم هؤلاء بالتأليف لرأى الجمهور مواضع عبر في أنبائهم، وكان هناك أسر معروفة بالعلم والفضل سبق أن تولى منهم غير واحد هذا المقام العالى، فمنهم آل
سعد الدين الأماجد، ولا يحصى عدد أهل الفضل منهم فى عدة قرون والذين حازوا مقام المشيخة الإسلامية خاصة ستة رجال منهم: فأولهم شيخ الإسلام محمد سعد الدين بن حسن جان التبريزي المتوفى سنة ???8 تخرج في العلوم على شيخ الإسلام أبى السعود العمادي ثم حاز المقامات العالية إلى أن أصبح شيخ الإسلام في الدولة، وهو معروف بسعة العلم وحسن التدبير والكياسة البالغة تخرج عليه الشهاب الخفاجي العالم المصرى المشهور وأبوه كان نديم السلطان سليم الأول، وكان من سلالة الولى الكبير السيد محمد بهاء الدين الحسينى البخاري قدس سره شيخ العلامة السيد الشريف الجرجانى فى التصوف وكان سعد الدين هذا أول من تولى هذا المقام من هذه الأسرة الكريمة.
وكان بمعية السلطان محمد الثالث فى حرب هو نغاريا المعروفة بموقعة «أكرى»، وبعد أن انتصر الجيش الإسلامي بادئ ذي بدء تحالفت دول من أهل الصليب وكروا على جيش الإسلام وضايقوهم بشدة متناهية، إلى أن قاربوا مخيم السلطان، وبدأ الضعف في صفوف المجاهدين حتى هم السلطان أن يتراجع فقام الشيخ سعد الدين هذا وأمسك بزمام حصان السلطان وحول اتجاهه إلى جهة جيش العدو بكل رباطة جأش رغم تدفق جيش العدو من كل جانب كالسيل الجرار، وقال للسلطان بصوت جهوري تتجاوب أصداؤه في الصفوف: إنما نعيش لمثل هذا اليوم نموت ولا نرى ذل الإسلام» فأثارت کلمته هذه روح الحماس البالغ فى نفس السلطان، وفي الجيش كله حتى خاضوا صفوف العدو وحملوا عليها حملة المستميت، فكتب الله للإسلام النصر المبين، بعد أن ذاقوا مرارة الانهزام كما هو مدون في التاريخ.
وكان هذا الانتصار أشبه شيء بانتصار الملك السلجوقي آلب ارسلان -
بعد أن يئس وكاد أن يستسلم وأسره للملك أرمانوس سنة 463 بحملة
صادقة أشعلت نار حماسها فى نفس الملك كلمة الشيخ أبي نصر محمد بن عبد الملك البخارى العالم المشهور سواء بسواء. من العلماء
ويذكرنا هذا وذاك ما فعل شيخ مشايخنا الشيخ أحمد ضياء الدين الكمشخانوى المحدث المتوفى سنة ???? - من مشايخ الشيخ بخيت حيث حارب الروس في جهة الشرق متطوعا، وتحت قيادته جماعة والطلاب وكذا صنع شيخ مشايخنا العلامة أحمد شاكر بن خليل المتوفى سنة 1315 حيث ساق كتيبة من متطوعى العلماء والطلاب حتى فتحوا مدينة علكسانيج» في حرب السرب، وألقى هذا الأستاذ الكبير يوم الفتح خطبة الجمعة باسم الخليفة حيث صلى الجمعة في أكبر كنيسة هناك.
ولنرجع إلى الكلام عن الشيخ سعد الدين فنقول إنه قد أنجب أولادًا عرفوا بالفضل التام والعلم والواسع وكان الناس يتعجبون من نشأتهم كلهم أقمارا في العلم والدين فبعثوا امرأة تسأل أمهم كيف تمكنت من تنشئتهم النشأة فقالت: ما أرضعت أحدا منهم بدون طهارة كبرى في حينها، وكنت أذبح عن كل منهم في كل جمعة ما أتصدق بلحمه على الفقراء، فنشأوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.
وكان محمد سعد الدين هو الثاني والعشرين من مشايخ الإسلام في الدولة وقد تولى المشيخة اثنان من أنجاله: وهما محمد بن سعد الدين المتوفى سنة 1024 ومحمد أسعد بن سعد الدين المتوفى سنة 1034، فالأول هو الرابع والعشرون من مشايخ الإسلام فى الدولة وكان علمه وفطنته وورعه موضع اتفاق الجميع، وكان
استحضاره لمسائل الفقه وقوة حافظته مضرب مثل، ومن غرائب ما وقع له كما يذكره المحبى فى خلاصة الأثر أنه ركب يوما البحر إلى بستان له وكان أمين الفتوى فى خدمته، وكان زمن توزيع الفتاوى قد قرب، فقال شيخ الإسلام لأمين الفتوى: أخرج الأسئلة واقرأها على لأستحضر أجوبتها فإذا وصلنا إلى البستان سهلت الكتابة عليها، فأخرجها أمين الفتوى وقرأها حتى أتى على آخرها وكان الأمين يضع المقروء أمامه في الزورق الذي هم فيه؛ فهبت ريح عاصفة وألقت الأوراق في البحر، فاضطرب الأمين لذلك غاية الاضطراب فقال له شيخ الإسلام: لا بأس عليك اكتب ما أملى عليك، وأخذ يملى عليه الأسئلة المكتتبة وهو يكتب حتى لم يبق منها شيء، وكانت تنوف على مائة وهذا من الدليل على مبلغ قوته في الحفظ واستحضار المسائل، وكم لهذه الأمة. هذا الطراز في الحفظ وسعة العلم، الأمر الذى قد يستبعده من لم يدرس أحوال حفاظ هذه الأمة.
ومحمد سعد الدين هذا هو الذى بعث إليه السلطان أحمد الأول -باني ذلك الجامع البديع ذى المآذن الست قرب أيا صوفيا كبير حجابه بخط سلطانى يسأله فيه «ما هو الخلل الطارئ على كيان الدولة وشؤون الرعية مع النصر الموعود لهذه الأمة؟ فأخذ الشيخ الخط السلطاني من يد كبير الحجاب وكتب تحته بعد مد باء الجواب على الوجه المعتاد فى الإفتاءات مالي ولهذا الأمر؟ كتبه محمد بن سعد الدين وأعاد الورق إلى السدة الملكية، فاحتد السلطان غضباً، واغتاظ جد الغيظ، حيث اعتبر أن شيخ الإسلام لم يلتفت إلى سؤاله فطلبه للمثول بين يديه فى الحال فحضر وأخذ السلطان يعاتبه مر العتاب على خلاف ما هو المعتاد من التسامح مع مشايخ الإسلام، وقال كيف تقول: أنا مالي في أمر يهمنى جدا وتهمل الجواب؟ فقال شيخ الإسلام: كلا بل جاوبت على سؤال مولانا أدق جواب فمتى كانت
عناية رجال الدولة وأفراد الأمة بما يخصهم أنفسهم فقط دون التفات إلى ما يعم ضرره الجميع أو يشمل نفعه قائلين مالى ولهذا الأمر؟ فقد طمت البلية، وعمت المصيبة؛ لانصرافهم إلى منافعهم الشخصية دون النفع العام، ولما شرح شيخ الإسلام كلامه هذا الشرح أعجب به السلطان جدا وخجل من عتابه وسعى في إرضائه سعيا بالغا، وأنعم عليه بثلاث خلع، فاخرة كما أنبأنا بذلك التاريخ. وتلك الكلمة أنا مالي على وجازتها هى علة العلل في طروء الخلل في كل زمن.
وكان أسعد بن سعد الدين هو الخامس والعشرين من مشايخ الإسلام مع أخيه كفرسي رهان فى العلم والفضل، وشارك في حرب «أران» بمعية السلطان وللعلم بمبلغ صرامته فى الحق نذكر كلمته الصريحة للسلطان عند استفحال الشرور حيث قال للسلطان مصطفى خان الأول: إن أمرالمملكة اختل وإن الأعداء تسلطت علينا ونحن نخشى ضياع الملك، وأنت لست بلائق للسلطنة حتى تم ما تم.
وبعد وفاة شيخ الإسلام أسعد هذا أراد السلطان عثمان الثاني في استطلاع آراء كبار العلماء فيمن يخلفه؛ فمثل بين يدى جلالة السلطان العالم الكبير الحسين بن محمد المعروف بأخي زاده، فقال للسطان: «كل من وقف على قدميه بحضوركم ورفعت إليه ثلاثمائة مسألة وكتب جواب المائتين من غير مراجعة، فليول مقام الإفتاء». وهذا من الدليل على مبلغ سعة الشيخ أسعد في العلم بحيث يجب أن يكون من يخلفه بهذا الوصف.
وابنه أبو سعيد المتوفى سنة ???? رابع من ولى المشيخة من هذه الأسرة، وهو التاسع والعشرون من مشايخ الإسلام.
ومحمد البهائى بن عبد العزيز بن سعد الدين المتوفى سنة 1064 هو خامس من ولى مشيخة الإسلام من هذه الأسرة وهو الثاني والثلاثون من مشايخ الإسلام في الدولة وكان معروفا بالذكاء البالغ، وكان ينتسب بهائيا لئلا يضيع نسبه حيث كان سليل الولى الكبير السيد محمد بهاء الدين البخاري المعروف بشاه نقشبند السابق ذكره وكان محمد البهائي ثاني اثنين أجادا من علماء العاصمة الإجابة عن أسئلة العلامة الحكيم ملاجلبي الآمدي في غوامض العلوم، حيث أمره السلطان مراد الرابع أن يختبر علماء العاصمة، ليكون على بينة من منازلهم فى العلم وحديث اليوم لا يتسع لبيان كيفية اختبار علماء العاصمة، وربما نعود إلى هذا البحث في حديث آخر إن شاء الله تعالى.
وآخر من ولى المشيخة الإسلامية من هذه الأسرة هو فيض الله بن أبي سعيد بن بن سعد الدين المتوفى سنة ???? وهو السابع والأربعون من مشايخ الإسلام، وله إلمام بعلم الهيئة والفلك أيضا. ولسنا نقصد استيفاء تراجم هؤلاء الستة هنا، وله مقام آخر، وإنما أردنا الإشارة إلى مواضع العبر من تراجمهم لمن أراد أن يذكر.