سؤال أبي جعفر المنصور للعلماء عن حاله
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
سؤال أبي جعفر المنصور للعلماء عن حاله
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
العالم الديني يجب أن يكون المثل الأعلى في التمسك بأهداب الدين في العقيدة والعمل والخلق مواطئًا مظهره لمخبره فى جميع النواحي صلبا أمام تحدثه نفسه الاعتداء على الحق لا تلين له قناة إزاء من يحاول التلاعب بالشرع، شفيقا رفيقا لين الجانب عند إرشاده للخلق، يحسب حساب ما يعلو على مدارك العامة عند تقويم عوجهم وهدايتهم إلى الفضائل وتعويده إياهم الطواعية لأحكام الشرع فى كل صغير وكبير، أسداً مغواراً لا يخنع لمن يريد مس كرامته، قانعاً من الدنيا بما يقيم صلبه، ومن الآخرة بما يرضى ربه من غير أن يدع سبيلا للمادة إلى أن يعشش حبها ويبيض في قلبه، ومن للمادة وعمل للمادة منحرفا عن الجادة فهو عابد مادة، وعلماء كل شعب عنوان لأحوالهم الروحية، ورمز لكرامتهم ومهانتهم، وأبى الله أن يجعل على رأس شعب كريم غير خيار العلماء.
والخيار العلماء وشرارهم نماذج في طيات كتب التاريخ، يكون في استذكارها عبر فلا بأس أن نذكر ببعض ما هو تحت نظر الناظرين، وفي ذلك ذكرى للذاكرين مما يذكره ابن قتيبة أن أبا جعفر المنصور العباسي لما ولى بلغه عن ابن أبي ذئب ومالك وابن سمعان ما كدر خاطره وحج فطلبهم بغتة إلى سرادق الخلافة بالليل فكان آخر من حضر هو مالك – رحمه الله - فوجد ابن أبي ذئب
وابن سمعان جالسين فأمره أبو جعفر بالجلوس فجلس فإذا في جنبي كل منهم شاهر سيف يلمع وحامل عمود من حديد، ثم الخليفة إليهم وقال: أما بعد معشر الفقهاء فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما ضاق به صدره، وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم وأولاهم بلزوم الطاعة والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم، قال مالك فقلت: يا أمير المؤمنين قال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.
فقال أبو جعفر على ذلكم أى الرجال أنا عندكم، أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور؟ فقال مالك فقلت: أناشدك أن تعفيني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير المؤمنين، ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أى الرجال أنا عندك؟ فقال ابن سمعان: أنت خير الرجال تحج بيت الله الحرام وتجاهد العدو، وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوى، وبك قوام الدين فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة.
ثم التفت إلى ابن أبي ذئب فسأله قائلا: أى الرجال أنا عندك؟ قال: أنت والله عندى شر الرجال: استأثرت بمال الله ذوي القربى واليتامى والمساكين؛ وأهلكت الضعيف وأتعبت القوى وأمسكت أموالهم، فما حجتك غدا بين يدى الله؟! فقال له أبو جعفر: ويحك ما تقول أتعقل؟ انظر ما أمامك فقال نعم قد رأيت أسيافاً وإنما هو الموت ولابد منه؛ عاجله خير من أجله، ثم خرجا.
قال مالك: وجلست فقال أبو جعفر إني لأجد رائحة الحنوط عليك قلت لما جاءني رسولك بالليل ظنتنه القتل فاغتسلت وتحنطت ولبست ثياب کفني فقال سبحان الله ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه، عائذ بالله مما قلت
فانصرف إلى مصرك راشدا مهديا. فانصرف مالك صباح غد، وبعث الخليفة من ورائهم بصرر فيها دنانير جمة مع شرطى أوصاه بقطع رأس ابن أبي ذئب إن قبلها وبقطع رأس ابن سمعان إن لم يقبلها، وترك مالك حرا الأخذ والرفض، فأخذ ابن سمعان فسلم ورفض ابن أبي ذئب فسلم، وأخذها مالك لحاجته إليها. وما كان مالك ليقول عن جائر إنه عادل إلا أنه لم يكن في صراحة ابن أبي ذئب ولذا ترى الإمام الشافعي يأسف كل الأسف حيث لم يدرك ابن أبي ذئب والفرق بينهما وبين ابن سمعان فرق ما بينهم في كتب في الرجال.
وكان لأبي جعفر المنصور بعض مناقب وفضائل معروفة في العلم والعمل لكن الإمامة العظمى لها في الإسلام مقام عظيم، لاتجامع الجور في ناحية من النواحى لأنه إنما يأتى الكدر من رأس العين؛ ولذا كان أبو حنيفة يزيد على هؤلاء ويقول إنه لص متغلب كما في تفسير الزمخشرى، ومالك هو عالم دار الهجرة وابن أبي ذئب من شيوخ الإمام محمد بن الحسن وابن سمعان من قضاة السوء المداهنين، واسمه عبد الله بن زياد المخزومي، سامحه الله وألهمنا رشدنا وجعلنا مع الحق حيثما كان.