الجزء 1 · صفحة 5
رد حديثي إياكم وخضراء الدمن وتخيروا لنطفكم
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
في أحد أعداد جريدة الأهرام فى أوائل شهر الصيام المبارك المنصرم، مقال فيه تحت عنوان حديث رمضان: «إياكم وخضراء الدمن حديثان عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لو عرفهما المصريون وعملوا بهما لضمنوا أمورا أربعة ... وهذان الحديثان هما: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» و «إياكم وخضراء الدمن»، وهى المرأة الحسناء فى المنبت السوء يُبيِّن الرسول في هذين الحديثين .... ويعملوا بهما».
ولو كان الحديثان من صحيحى البخارى ومسلم لما ألح على الأخذ بهما هذا الإلحاح، فإذن هما حجتان عند الأستاذ صاحب المقال بحيث ينحى بالأئمة على العامة باعتبار أنهم يجهلونهما ولست أدرى أتجهلهما العامة أم لا؟ ولكن الذى أدرى أن الخاصة يعلمون منذ قديم أنهما غير ثابتين عن النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن يكونا في مقام الحجّة.
ثم رأينا في أحد أعداد الأهرام كلمة لبعض أهل العلم يقول فيها: إنهما موضوعان. فقام الأستاذ صاحب المقال بالجواب عن هذا الاعتراض قائلاً: إن أول هذين الحديثين، وهو: «إياكم وخضراء الدمن» قد رواه الدارقطني في «الأفراد» والرامهرمزي والعسكرى فى «الأمثال» وابن عدى في «الكامل» والقضاعي في «مسند الشهاب» والخطيب فى «إيضاح الملبس» هكذا. والديلمي
الجزء 1 · صفحة 7
في حديث الواقدى عن أبي سعيد، وذكره السخاوى، وقال القارى: لا يكون موضوعاً سواء كان موقوفا أو مرفوعا.
أما الحديث الثاني فقد روى بطرق مختلفة: رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي عن عائشة مرفوعاً. وقد روى «تخيروا لنطفكم ولا تضعوها فى غير الأكفاء» وإذا كان قد قال فيه ابنُ الصلاح له أسانيد فيها مقال، فقد صححه الحاكم، وبالجملة لم يقل فيهما أحد إنهما موضوعان فيما علمت.
هكذا ينقل البحث في الحديثين من قمة مقام الاحتجاج بهما إلى حضيض: هل هما موضوعان؟ ثم رأينا أخيراً فى أحد أعداد الأهرام نفى الاعتراض ممن نشر باسمه. فوقع البحث فى وضع غريب. فوجب صون الجمهور من الاغترار بالباطل بتمحيص هذا الموضوع وإعادة الحق إلى نصابه. فأقول مستعينا بالله سبحانه:
إن صنيع صاحب المقال في الحديثين ما هو إلا وهلة منه في المرحلتين:
مرحلة الاحتجاج بهما، ومرحلة قيامه بدفع الاعتراض.
أما الخطأ في المرحلة الأولى فإن حديث: «إياكم وخضراء الدمن» انفرد بروايته مرفوعاً محمد بن عمر الواقدي. وهو غير مرضى عند جمهور النقاد، حتى عده ابن المديني - شيخ البخارى - من الوضاعين، وإذا قال الدارقطنيُّ في «أفراده»: لا يصح من وجه. وحديث: «تخيروا لنطفكم» فى سنده الحارث بن عمران الجعفرى عند الحاكم والبيهقى وابن ماجه وغيرهم. وهو كان يضع على الثقات في نقد ابن حبان، ولذا قال الحافظ أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث: لا أصل له.
الجزء 1 · صفحة 8
وفى لفظ باطل وساقه البيهقى فى عداد ما لا تقوم به الحجة. وردَّ الذهبي على الحاكم قائلا في سنده الحارث بن عمران وهو متهم، يعنى بالكذب. ومن المعروف أن سنن ابن ماجه فيه أحاديث لا تقوم بها حجة، وفي سنده هذا الشخص بعينه.
وأما الخطأ فى المرحلة الثانية فإنه حذف في نقله من مصدره ما يكشف عن الحديثين ويمنع الاحتجاج بهما، مع أن أول ما يجب على العالم الأمانة في النقل، ومصدره الوحيد هو «كشف الخفاء» للعجلوني المتوفى سنة 1162هـ. بدليل ذكره «إيضاح الملتبس» للخطيب باسم «إيضاح الملبس» كما وقع فيه غلطا. فمن ذلك قول العجلوني ?-??? في حديث خضراء الدمن: قال ابن عدى تفرد به الواقدي .. وقال الدارقطني: لا يصح من وجه. وقال القارى: لا يكون موضوعاً سواء كان موقوفاً أو مرفوعاً، وذكره صاحب «تحفة العروس» عن عمر موقوفاً.
مع أن هذا مبنى كلام القاري في روايته موقوفاً.
وأما مستنده في كلامه في المرفوع فيظهر من تمام كلامه، وهو: «وقال السيوطى رواه الديلمي عن أبي سعيد.
قلت: فلا يكون موضوعاً سواء كان موقوفا أو مرفوعا، وذكره صاحب «تحفة العروس» عن عمر موقوفاً، وقد حذف العجلوني صدر هذا الكلام اختصاراً لكن أخل من جهة تعمية منشأ غلط أنه لما رأى السيوطي يقول فى «الدرر المنتثرة» ص ??? في هامش الفتاوى الحديثية: «إياكم وخضراء الدمن» أخرجه الديلمي عن أبي سعيد. ظن أنه بغير طريق الواقدى، فيكون الواقدى لم
الجزء 1 · صفحة 9
ينفرد به مع القارى، وهو أن سند الديلمي بطريق الواقدى نفسه كما يظهر من «المقاصد الحسنة» للسخاوى ص 65 والقارى لم يطلع على المقاصد الحسنة، وإنما ينقل ما فيه من ملخصه لابن الديبع.
وأما مصدر الموقوف على عمر – رضي الله عنه - فهو كتاب «تحفة العروس ونزهة النفوس» للأديب أبى عبد الله محمد بن أحمد البجاني وهو من كتب الباه فلا يكون مستندا لمثل هذا البحث، فلا يكون صنيع القاري في الشقين إلا مخالفاً لعمل أهل نقد الحديث، على أن البحث ليس في الموقوف بل في المرفوع، فلو ورد حديث: «إياكم وخضراء الدمن» في ألف كتاب بطريق الواقدى لا يتغير الحكم فيه عند أهل النقد، فضلاً عن أن يرد في كتب الأمثال وكتب غريب اللغة التي ليست بمصادر للأحاديث الصحيحة المحتج بها عند أهل العلم، وكذا ذكره في «كامل» ابن عدى لأنه خاصّ بالضعفاء والمتروكين ورواياتهم المتروكة في نظره.
ويذكرني هذا ما شهدته فى بعض الجوامع في غير هذا البلد في موسم من المواسم التي يحتفل بها، إذ رأيت خطيب الجامع يخطب على الجمعة في فضل ذلك الموسم ويسرد أحاديث لا يحتج بها عند أهل العلم، ويقول في آخر حديث تقوية لأمره: أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات بصوت عال ينطوى على اغتباطه بهذا النقل، فلا حول ولا قوة المنبر يوم إلا بالله.!
وأما حديث: «تخيروا لنطفكم» فقد حذف الأستاذ في نقله من مصدره السابق ? - ??? قول العجلوني: قال ابن الجوزى فى سنده مجاهيل، وقال الخطيب البغدادى: كل طرقه ضعيفة. وفى «التحفة» و «النهاية» صححه الحاكم
الجزء 1 · صفحة 10
واعترض. وفى الشربينى على المنهاج وأما حديث: «تخيروا لنطفكم» فقال أبو حاتم الرازي: ليس له أصل، اهـ، وحذف تلك الكلمات في النقل إخفاء لحال الحديثين على الجمهور مما لا يستسيغه عالم.
ثم إن قول النقاد في الحديث: إنه لا يصح بمعنى أنه باطل في كتب الضعفاء والمتروكين بمعنى أنه حسن وإن لم يكن صحيحا كما نصّ على ذلك أهل الشأن بخلاف كتب الأحكام كما أوضحت ذلك في مقدمة «انتقاد المغنى».
ثم إن تعدد الطرق إنما يرفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره إذا كان الضعف في الرواة من جهة الحفظ والضبط فقط لا من ناحية تهمة الكذب فإن كثرة الطرق لا تفيد شيئًا إذ ذاك ..
وقال السخاوى في حديث: «تخيروا لنطفكم» مداره على أناس ضعفاء، رووه عن هشام أمثلهم صالح بن موسى الطلحي والحارث بن عمران الجعفرى. اهـ. فأين يكون الحسن من رواية أمثالهم؟ والحارث بن عمران هو كما سبق وصالح بن موسى الطلحي يقول عنه الذهبي: قال يحيى ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخارى: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدى: هو عندى ممن لا يتعمد الكذب. وقال ابن حبان عن عكرمة بن. إبراهيم عند الحاكم كان ممن يقلب الأخبار ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به اهـ.
وفى علل الحديث 1-403 - لابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عن حديث رواه الحارث بن عمران الجعفرى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «تخيروا النطفكمس قال أبي: الحديث ليس له أصل، وقد رواه مندل أيضا قال أبي: الحارث ضعيف الحديث وهذا الحديث
الجزء 1 · صفحة 11
منكر، وقال في حديث: «انكحوا الأكفاء واختاروا لنطفكم» قال أبي: هذا حديث باطل لا يحتمل هشام بن عروة هذا، ولا فرق بين تعمد الكذب والكذب نفسه من جهة عدم جواز الاحتجاج بهما، وإنما الفرق بينهما من جهة إسقاط الراوى مطلقا وعدم إسقاطه في بعض الأحوال، كما هو مبسوط عن في موضعه.
قال الذهبي عن الحاكم: صدوق لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدرى هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة وحمل ذلك ابن حجر على حصول تغير وغفلة له في آخر عمره أثناء تأليفه «المستدرك» اهـ.
ونص الذهبي على أن ربع الكتاب عبارة عن أحاديث ضعيفة وبينها نحو مائة حديث موضوع اهـ وهذا أعدم الانتفاع بالكتاب لمن هو غير أهل للتمييز بين الروايات والأسانيد.
وفى هذا القدر كفاية فى تعرف حال الحديثين عند أهل النقد من الأقدمين. والله سبحانه ولى التسديد.