الجزء 1 · صفحة 5
رد أسطورة في سبب وفاة الإمام الشافعي
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
طلب أحد الباحثين أن أكتب كلمة في تحقيق سبب وفاة الإمام الشافعي في فقلت سبق أن نشرت بحوث مستفيضة في تحقيق ذلك في جريدة الأهرام قبل سنين.
وكان الأستاذ الأثرى الكبير السيد حسن عبد الوهاب فند إذ ذاك أقصوصة وفاته بشجة أصابته وأيده فى ذلك الأستاذ الأديب السيد عبد الغنى سلامة مشكورا فضلهما حيث كانا أعادا الحق إلى نصابه، فقال محدثى لكن نشر حديثا أحد القضاة السابقين ممن يذكر بنيل درجتين وبالانتماء إلى مذهبين كتابا في تاريخ الإمام الشافعى يؤكد فيه: أنه كان سبب موته ما جرى في حقه – رضي الله عنه - من أبى الحياء فتيان ... فوجب تأييد الحق في ذلك. فأقول مستعينا بالله:
إن موت الإمام الشافعي – رضي الله عنه - لم يكن إلا من مرض أصيب به وطال أمده ودعوى إصابته بشجة قاضية ما هي إلا حديث خرافة، وقد أخرج الحافظ ابن حجر فى توالى التأنيس بمعالي ابن إدريس 83 و 84 - بطريق أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي عن الربيع: ... كان الشافعي عليلا شديد العلة وربما خرج الدم وهو راكب حتى تمتلئ سراويله وخفه يعنى من البواسير - وبطريق ابن المنذر عن ابن الحكم: كان الشافعي قد مرض من هذا الباسور مرضاً شديداً حتى ساء خلقه فسمعته يقول إنى لآتى الخطأ وأنا أعرفه» يعنى من ترك الحمية
الجزء 1 · صفحة 7
وبطريق جعفر بن محمد بن عبدا الله أبي الوليد ابن الجارود: قال وجه المأمون بحمل الشافعى ليوليه القضاء فوصل الرسول والشافعي عليل شديد العلة وبطريق أبي نعيم الجرجانى سمعت الربيع يقول: «جاء رسول الخليفة إلى الشافعي بمصر يدعوه ليوليه القضاء، فقال الشافعي: اللهم إن كان خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمرى فأمضه وإلا عن فاقبضنى إليك. قال فتوفى بعد هذه الدعوة بثلاثة أيام والرسول على بابه. وتلك الأخبار تدل على أنه كان مريضا وبه كان موته، وأما إصابته بشجة مميتة فلم ترد بسند يلتفت إليه وإنما وردت فى كلام بعض الإخباريين أصحاب الأسمار الذين يجمعون كل غث وسمين بدون خطام ولازمام فمنهم من رمى أشهب الإمام بها وهو برىء الساحة من مثل هذه التهمة الشنيعة: وكل ما فعله أن دعا عليه حيث ضاق صدره من ردوده كما يظهر من توالى التأنيس وغيره، وكان الأجدر بمقامه أن يدعو له لا عليه لأنه لولا ردود العلماء بعضهم على بعض لما نضج الفقه الإسلامي، ومنهم من عزاها إلى فتيان بن أبي السمح، وهذا أيضا باطل.
قال ابن حجر في توالى التأنيس» -86-: «قد اشتهر أن سبب موت الشافعي أن فتيان بن أبى السمح المالكي المصرى وقعت بينه وبين مناظرة فبدرت من فتيان بادرة فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد على ذلك فلقى الشافعى ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد وليس ابن حجر ممن يقصر في البحث عن مثل هذا النبأ فهو لم يقل ما قاله إلا بعد بحث شامل، وهو من أصحاب الاستقراء التام في مثل هذه البحوث لا سيما في نبأ يتصل بإمامه فيكون هذا الخبر مما لا ظل له من الحقيقة.
وقال أبو عبد الله محمد الراعى الأندلسى فى انتصار الفقير السالك للإمام
الجزء 1 · صفحة 8
الكبير مالك وهو من محفوظات دار الكتب المصرية عند كلامه فيما يعزى إلى فتيان: لم يصح ولم ينقل من وجه يعتد به على أن الحكاية معها ما يكذبها لأنه لو كان فتيان قتل الشافعى هكذا لاقتص منه فوراً وليس مثل الشافعي ممن يطل دمه ولا سيما أن والى مصر إذ ذاك السرى بن الحكم كان عزره على سبة بدرت منه فى الشافعى فبالحرى أن لا يهمل أمر القصاص لو كان مات بضربه والقتل بالحديد يوجب القود اتفاقاً.
وفتيان هذا هو أبو الحياء فتيان بن أبى السمح عبد الله بن السمح بن أسامة بن بكير التجيبى من فقهاء المالكية فى عصره، عاش بعد الشافعي سنة كاملة ومات حتف أنفه سنة 205 هـ. ومثله مهما ضاق خلقه لا يرمى بمثل تلك الجناية.
وأما ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء من تعزيز فتيان وتعصب قوم سفهاء له فهو عين ما ذكره القضاعي في الخطط كما تجد نقل ذلك عنه في مخطوط قديم منسوخ سنة 630هـ محفوظ في التيمورية رقم 578 تاريخ لكن القضاعي ليس ممن يتوخى الصحة فى رواياته وياقوت جرد غالب ترجمة الشافعى من تاريخ ابن عساكر بحذف الأسانيد فأصبحت رواياته غير مميزة الغث من السمين فلو استكملت ترجمة الشافعي في نسخة ابن عساكر المصرية من نسخة الآستانة وأفردت بالطبع مع الأسانيد لكانت من أحسن ما إليه في أنباء الشافعي - صاله -. وكان الجدير بمثل أبي حيان الأندلسي أن يترفع عن تخليد هذه الأسطورة الباطلة بشعره حيث قال:
فشج بمفتاح الحديد جبينه ... فراح قتيلا لا بواء ولا نعيا
الجزء 1 · صفحة 9
ولو سئل من أين صحت الحكاية عنده لما استطاع أن ينبس ببنت شفة، وقد رد عليه الراعي الأندلسي في انتصاره رداً قاسيا.
ومن جملة ما ينقل الراعى عن خط أبي البركات العراقي عن الشمس البرماوى عن بعض المالكية: أن دعاء أشهب عليه كان: اللهم إن كانت لك في مذهب مالك حاجة فاقبض هذا إليك فاستجيب فيه فمرض فمات -رحمه لله». لكن هذا لا صدوره عن عالم فضلا عن مثل أشهب في ورعه وإمامته، وأثر الاختلاق ظاهر عليه ومن الذى يستسيغ نسبة الحاجة إلى الله الغنى عن العالمين؟! والذى صح عن أشهب هو ما ذكره القاضي عياض في المدارك وابن حجر فى توالى التأنيس واليافعى فى مرآة الجنان وابن العماد في الدعاء عليه بالموت فقط وليس فيها نسبة الحاجة إلى الله سبحانه أصلا، ومنهم من يقول إنه رفع أمر الشافعى إلى القاضي؛ لكثرة رده على مالك، فجرجروه إلى بيت القاضى فارتجف واشتد مرضه ومنهم من يقول: حضر من المدينة رجل بهلول كان خادم مالك فشجه حيث كان استاء مما بلغه عنه من رده على مالك.
وكل تلك الأقاصيص أساطير ملفقة لا أصل لها وإن شوه بها بعض المؤلفين كتبهم ومما يؤسف له كثرة اختلاق روايات في صدد التحزب لهذه الطائفة أو لتلك الطائفة من الفقهاء وتخليدها فى الكتب بدون أسانيد من أناس متطفلين على الفقه إلى أن يبلغ الأمر ببعضهم إلى عزو صنوف من الاعتداء إلى علماء، أبرياء، وما ذلك منهم إلا من رقة الدين وضعف اليقين.
وصفوة القول أن الإمام الشافعي كان في موضع إجلال عند علماء المذاهب، ولم يمت بشجة لا من أشهب ولا من فتيان ولا من غيرهما بل مات