ذكرى الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
ذكرى الهجرة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
روى الحاكم في «الإكليل» بطريق ابن جريج أبي سلمة عن ابن شهاب الزهرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمر بالتأريخ فكتب في الأول. لكن هذا الخبر معضل سقط من سنده اثنان أو أكثر، ومرسلات ربيع الزهرى شبه الريح عند كثير من أهل النقد مثل يحيى بن سعيد القطان والإمام الشافعي - - فضلا عن معضلاته والذى صح عند الجمهور أنه كان في --. وقد روى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنه قال عمر عمر الناس يعنى من المهاجرين وغيرهم فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ فقال على كرم الله وجهه من يوم هاجر رسول الله عليه السلام يعنى إلى المدينة وترك أرض الشرك. ففعله عمر وابن المسيب أعلم التابعين بقضايا عمر حتى إن ابن عمر - كان يسأله عن قضايا أبيه.
وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق محمد بن سيرين قال: قدم كذا رجل من اليمن فقال: رأيت باليمن شيئا يسمونه التأريخ يكتبونه عام وبشهر كذا فقال عمر: هذا حسن فأرخوا، فلما أجمعوا على ذلك قال قوم أرخوا للمولد، وقال قائل للمبعث، وقال قائل من حين خرج مهاجراً، وقال قائل من حين توفى. فقال عمر أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة. وفى لفظ الحاكم ان قال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها.
ثم قال بأى شهر نبدأ؟ فقال قوم برجب، وقال قائل برمضان. فقال
عثمان: أرخوا من المحرم فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج، قال وكان ذلك سنة. سبع عشرة في ربيع الأول.
فعلم من هذه الآثار أن الذى أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلى – رضي الله عنهم -. وفى رواية عند أحمد أن أول من أرخ يعلى بن أمية فيما كتبه إلى عمر من اليمن فاستحسنه عمر فشرع فى التاريخ. لكن في سنده انقطاع، ولا مانع من أن يكون ذلك جملة البواعث على الشورى فى التاريخ، كما أن ما كتبه موسي الأشعرى – رضي الله عنه - إلى عمر من البصرة من أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ كما ذكره الحاكم من جملتها. فعلم أن ذلك لم يقع من عمر كيفما اتفق بل بعد المشاورة مع الصحابة في أمره.
وقد استوفى الحافظ السخاوى فى الإعلان» بالتوبيخ لمن ذم التوريخ ذكر الآثار الواردة فى ذلك، ومن جملة ما قال فيه السخاوى: «وقد كانت القضايا التي يمكن أن يؤرخ بها أربع مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر فى الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فى المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذى الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هو هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأه» هذا ما يقوله الحافظ السخاوى رحمه الله تأريخ الهجرة. والواقع أن يوم الهجرة هو اليوم الفاصل بين الحق والباطل وقد صبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه نحو ثلاث عشرة سنة، يلقى من قومه كل أذى وعنت وهو يعاملهم بكل لطف وبكل حكمة، لينتشلهم من الجاهلية الجهلاء إلى التوحيد وليرفعهم من الوثنية إلى
مستوى السعداء في النشأتين وهم لا يزدادون إلا عتوا وإيذاء على أمل أن يصرفوه عن الدعوة إلى الإسلام.
وبعد أن دعاهم الرسول – عليه السلام - بالحكمة والموعظة الحسنة إلى التوحيد ونبذ الشرك طول هذه المدة وأبان الحجة وقطع كل عذر بدون أن يزدادوا إلا طغيانا وكفراً أذن الله سبحانه له فى الهجرة وإعداد العدة للدفاع عن الحق بالقوة فهاجر إلى المدينة ومعه الصديق الأكبر – رضي الله عنه - ولم يجد الخوف سبيلا إلى قلبه الكريم في وقت من الأوقات وهو الذى يقول لصاحبه في الغار: لا تحزن إن الله معنا وهو الذى كان أبطال الصحابة – رضي الله عنهم - يحتمون بحماه حينما حمى الوطيس في بدر وغيره فكيف يخاف مثله على نفسه وقد قال الله سبحانه له: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس} أم كيف يخاف علي القرآن الكريم وقد طمأنه الله عليه حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون}؟
وفي هجرته – عليه السلام - ومثابرة الصحابة – رضي الله عنهم - لملاحقته ومناصرته بكل مالهم من حول وطول إلى أن شادوا صرح. هذا الدين ورفعوا أعلامه في جميع البقاع والأصقاع أكبر عظة نتعظ بها وأعظم عبرة نعتبر بها وبها يعلم كيف يكون النهوض بالحق وكيف يكون الصلاح والإصلاح.
والهجرة النبوية تجمع جميع معانى التضحية في سبيل الحق فذكراها تنمي في النفوس الشعور الحى الحافز لها إلى استسهال القيام بصنوف التضحية في سبيل الإسلام والاستمساك بتعاليم الإسلام والاعتزاز بعز الإسلام، وتذكى نار الحماس فى الصدور ضد كل من يحاول التلاعب بتعاليم الإسلام وتقاليد الإسلام وتغرس فى القلوب الإباء والشمم وعلو الهمم والترفع عن الخنوع لسماسرة
المروق ودعاة الفسوق وأعوان الشيطان وكل منافق عليم اللسان ولتعرفنهم في لحن القول 4.
ولذلك ترى المسلمين يهتمون بذكرى الهجرة النبوية حكومة وشعبا، يزدادون اهتماما بها على مر السنين وما ذلك كله إلا لأجل استنهاض الهمم وتذكير الأمة بواجبهم نحو أنفسهم ونحو بيوتهم ونحو إخوانهم لينهضوا جميعا لتقويم الأود، وإصلاح الفساد ورأب الصدع بما يرضى الله ورسوله وجماعة المسلمين.
وفى ذلك استعادة مجد الإسلام والمسلمين، وقمع عبدة الطواغيت من المنافقين وصون الإسلام من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ... فندعو الله سبحانه أن يجعل هذا العام الجديد عام خير للإسلام وعام تعزيز التعاليم الإسلام وعام هناءة وسعادة لجميع المسلمين اللهم غبطا لا هبطا.