الجزء 1 · صفحة 1
جهود الشيخ محمد زاهد الكوثري في خدمة السنة المشرفة
ـ عرض ودراسة ـ
الدكتور أبوبكر كافي
أستاذ الحديث وعلومه ورئيس قسم الكتاب والسنة
بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر
إن الشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري من العلماء الأفذاذ الذين تميّزوا في عصره بمعرفة الشريعة منقولها ومعقولها، والاطلاع الواسع على تاريخ الأمة والفقه لواقعها ،ومن المجالات التي أسهم فيها الشيخ إسهاما واضحا ميدان الحديث وعلومه ،فقد كانت له فيه اليد الطولى ،حيث عُني به العناية الكبرى تأليفا وتحقيقا وتدريسا رواية ودراية،وفهما وتفقها، ونريد في هذا البحث- إن شاء الله – إبراز شخصية الشيخ محمد زاهد الكوثري الحديثية من خلال تتبع تراثه في كتبه ومقالاته ومقدماته القيمة- على كثير مما حققه وطبعه أو طبع بعنايته-و تعليقاته الحافلة على بعض الكتب،تحت عنوان "جهود الشيخ محمد زاهد الكوثري في خدمة السنة المشرفة ـ عرض ودراسة ـ "ضمن الخطة الآتية :
تمهيد :يتضمن ترجمة موجزة للشيخ ،وذكر شيوخه في الحديث ومؤلفاته الحديثية.
المبحث الأول: عناية الشيخ بالسنة رواية ،وجهوده في النهوض بدراستها وتدريسها.
المبحث الثاني: عناية الشيخ بكتب الرجال والعلل والجرح والتعديل وفقه السنة.
المبحث الثالث: جهود الشيخ في الدفاع عن السنة ورد مزاعم المستشرقين ومن تبعهم.
المبحث الرابع:جهود الشيخ في تحرير بعض القواعد والأصول الحديثية.
الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات والمقترحات.
…
تمهيد:يتضمن ترجمة موجزة للشيخ ،وذكر بعض شيوخه في الحديث ومؤلفاته الحديثية(1).
(1) - انظر:"الإمام الكوثري"لأحمد خيري،بذيل مقالات الكوثري،ص 429و466-468،و شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري عصره وآراؤه -دراسة تحليلية لمؤلفاته وآرائه الإصلاحية- للدكتورعمار جيدل ،ص 66-72والتحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز للكوثري ،وإجازات الكوثري لمحمد أسعد العجبي.
الجزء 1 · صفحة 2
هو محمد زاهد بن حسن الحلمي الكوثري نسبة إلى قرية الكوثري بضفة نهر"شيز" من بلاد القوقاز، وقيل إنه نسبة إلى أحد أجداده ،ينحدر من أصل جركسي سكن أجداده الضفة اليسرى من نهر القوقاز.
ولد بقرية حاج حسن قريسي القريبة من دوزجه بنحو ثلاثة أميال شرق الأستانة، وكان ذلك يوم الثلاثاء 27أو28 من شوال 1296هـ الموافق لسنة 1878م.
تلقى عن والده المبادئ الأولى للعلوم الإسلامية، وفي ذلك يقول:"تلقيت عن والدي علوم الفقه والحديث وغيرها لأنه كان متفرغا لتدريس هذه العلوم"، وأجازه بمروياته عامة ومنها دعاء الفرج المبارك بقول رواته"كتبته وهاهو في جيبي"
تلقى العلم بعدها على علماء بلدته"دوزجه" ،فتتلمذ فيها على ناظم الدوزجوي ،فأخذ عنه الصرف والنحو والتاريخ والرياضيات واللغة الفارسية وتقويم البلدان وبعض العلوم الشرعية والأربعين العجلونية.
نزل بعدها في الأستانة(1311هـ/1893م) واستقر بها في مدرسة الحديث التي أنشأها قاضي العسكر حسن أفندي عام 1044هـ،ثم انتقل إلى جامع الفاتح طالبا للعلم على الشيخ إبراهيم حقي الأكيني ثم علي زين العابدين الألصوني ، و الشيخ حسن القسطموني ،كما سمع بعدها من يوسف ضياء الدين التكوشي، وشيخ المشايخ الشيخ أحمد شاكر الكبير، ومحمد أسعد ده …فأخذ عنهم الصرف والبلاغة والأدب والفقه و الأصول والتوحيد والمصطلح والتفسير والحديث و المنطق و آداب المناظرة والحكمة لتمتحنه بعدها لجنة يرأسها أحمد عاصم الكملنجاوي وبعضوية محمد أسعد بن النعمان الأخسخوي ومصطفى بن عظم الداغستاني وإسماعيل زهدي الطوسوي.
الجزء 1 · صفحة 3
وكان الكوثري محبا للحديث وعلومه مواظبا على تحصيله وسماعه واستجازة الشيوخ والأقران،وقد أفرد لبيان شيوخه ومسموعاته وإجازاته في علم الحديث كتابا مستقلا على عادة علماء الحديث من جمع مروياتهم في كتب خاصة تعرف بالفهارس أو الأثبات أو البرامج أو المشيخات ،وقد سماه بـ" التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز" ذكر فيه شيوخه الذين سمع منهم الحديث وأجازوه فيه .
فقد سمع من أحمد بن مصطفى العمري حديث الرحمة المسلسل بالأولية وقد أجازه بمروياته بإجازة مخطوطة في عشرين ورقة.وأخذ سماعا عن العلامة المحدث الكتاني الشمائل للترمذي من لفظه في الجامع الأموي،و أجازه محمد بن سالم النجدي الشافعي بمروياته، وسمع من السيد أحمد بن رافع الطهطاوي بعض المؤلفات وأجازه في عامة مؤلفاته، كما تلقى من الشيخ العلامة يوسف الدجوي(1) موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى الليثي قراءة عليه في مجالس متعددة آخرها في اليوم الثاني والعشرين من صفر سنة 1361هـ،وأجازه به وبجميع مروياته إجازة عامة .
كما سمع محدث الشام بدر الدين الحسني ولم يجزه. وأخذ عن الشيخ حسن بن عبد الله القسطموني أجاز ه بمروياته،وغير هؤلاء.هذه الكثرة في الشيوخ والإجازات إن دلت على شيئ فإنما تدل على أن الشيخ جار على سنن المحدثين في العناية برواية الحديث بالأسانيد المتصلة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم –
مؤلفاته وتعليقاته ومقدماته ومقالاته في الحديث وعلومه(2):
(1) - لقد كتب الشيخ الكوثري مفالا بعنوان"فقيد الإسلام العالم الرباني الشيخ يوسف الدجوي" ترجم فيه للشيخ وذكر جملة من مناقبه ،انظر مقالات الكوثري،ص 370 ومابعدها.
(2) - انظر ترجمة الكوثري لأحمد خيري بذيل مقالاته ،ص450-459.
الجزء 1 · صفحة 4
ومن بالغ اهتمامه بالحديث وعلومه أنه صنف فيه كتبا كثيرة بعضها مؤلفات مستقلة وبعضها تعليقات وحواش على كتب قام على نشرها وطبعها، وبعضها مقدمات لكتب نشرت تحت توجيهه وبعضها مقالات نشرت في الصحف والمجلات تناول فيها قضايا حديثية مختلفة. ،فأما المؤلفات فمنها:
- إبداء وجوه التعدي في كامل ابن عدي .مخطوط
- نقد كتاب الضعفاء للعقيلي.مخطوط وسنعرض لتفصيل وجهة نظر الشيخ الكوثري في كامل ابن عدي وضعفاء العقيلي ومناقشة ذلك.
- التعقيب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث،تعقب فيه الإمام ابن تيمية فيما نفاه في كتابه"منهاج السنة النبوية" من ورود أحاديث في بعض المواضع. مخطوط
- التحرير الوجيز فما يبتغيه المستجيز،ذكر فيها شيوخه ومروياته،وهو مطبوع.
- تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، مطبوع
- أقوم المسالك في بحث رواية مالك عن أبي حنيفة ورواية أبي حنيفة عن مالك،مطبوع
- فصل المقال في تمحيص أحدوثة الأوعال،يتضمن الكلام على الحديث الخرافي القائل بأن حملة العرش أوعال، مخطوط.
- نظرة عابرة فيمن ينكر نزول عيسى عليه السلام ،مطبوع.
- النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة، مطبوع.
أما المقدمات والتعليقات على الكتب الحديثية التي اعتنى بطبعها ونشرها فمنها:
- مقدمته الحافلة على نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي،والتي أفردها فيما بعد الشيخ عبد الفتاح أبوغدة ،وعلق عليها تعليقات نافعة وسماها"فقه أهل العراق وحديثهم".
- تعليقه على رسالة الإمام أبي داود في وصف سننه.
- تعليقاته على ذيول طبقات الحفاظ للحسيني وابن فهد والسيوطي.
- تعليقاته على شروط الأئمة الستة لمحمد بن طاهر المقدسي،وشروط الأئمة الخمسة للحازمي المسماة بـ"التعليقات المهمة على شروط الأئمة".
- تقديمه وتعليقه على اختلاف الموطآت للداقطني.
- تقديمه وتعليقه على كشف المغطى من فضل الموطأ لابن عساكر.
الجزء 1 · صفحة 5
- تقديمه وتعليقه على خصائص مسند أحمد لأبي موسى المديني.
- تقديمه وتعليقه على المصعد الأحمد لابن الجزري.
- منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي للحافظ ابن قطلوبغا.
إضافة إلى بعض ما قدم له وكتب فيه كلمة مما نشره أو ألفه غيره،فمن ذلك:
- الدر الفريد الجامع لمتفرقات الأسانيد لعبد الواسع اليماني.
- طبقات ابن سعد من الطبعة المصرية.
- فتح الملهم في شرح صحيح مسلم للعلامة شبير أحمد العثماني.
- ترتيب مسند الشافعي للحافظ محمد عابد السندي.
- فهارس البخاري للشيخ رضوان محمد رضوان.
- انتقاد المغني عن الحفظ والكتاب لحسام الدين القدسي.
إضافة إلى العديد من المقالات التي نشرها في الصحف والمجلات مما يخدم علم الحديث التي أربت على العشرين مقالة في قضايا حديثية مختلفة.
وهذا الرصيد الكبير المتنوع يدل دلالة بينة على أن الشيخ محمد زاهد الكوثري محدث مستكمل الأدوات جامع بين الرواية والدراية،كما نلحظ فيه المنزع الاجتهادي في الرد والنقد والتعقيب على كبار الحفاظ والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين،وبعض المعاصرين،وليس بالضرورة أن يكون مصيبا في كل ما ذهب إليه ورآه،ولكن حسب المجتهد بذل الوسع ،وتحري الحق،والبعد عن التعصب والهوى.ولذا كان من الضرروي تناول هذا التراث الضخم للكوثري في دراسات أكاديمية تخصصية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه تستوعب كل آرائه واجتهاداته الحديثية بالدراسة والتحليل والتقويم.وما هذه الورقة إلا محاولة متواضعة لتسليط الضوء على جوانب من شخصية الشيخ الكوثري الحديثية.
المبحث الأول: عناية الشيخ بالسنة رواية ،وجهوده في النهوض بدراستها وتدريسها.
الجزء 1 · صفحة 6
كان الشيخ على عادة العلماء يجيز طلابه وتلاميذه بمروياته ومسموعاته وإجازاته(1) ،ولهذا الغرض ألف كتابه "التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز"،ولكن ما كانت همة الشيخ لتقتصر على الرواية دون الفقه والدراية ،لذا أقبل على كتب الرجال والعلل وأحاديث الأحكام والشروح الحديثية ،يدرسها ويستفيد منها،ويوجه إليها طلابه وتلاميذه ،وينصح بها العلماء كي يأخذوا بها في مناهج تدريسهم ،وقد قدّم الشيخ رحمه الله تقريرا مفصّلا ومشروعا متكاملا لشيخ الأزهر الشيخ مصطفى عبد الرازق لإحياء علوم السنة بالأزهر(2)،يصلح لأن تستفيد منه كليات الحديث الشريف والمعاهد الشرعية في وقتنا هذا.
وسنعرض لهذا التقرير المهم بشيء من التحليل حتى نقف على أبعاد رؤية الشيخ الكوثري الإصلاحية في مناهج التعليم الديني .
بدأ الشيخ تقريره بالإشادة بشيخ الأزهر، وتقدير مجهوداته الطيبة في خدمة العلم والنهوض بعلم الحديث بالأزهر الشريف،ثم لخص الخلل الذي يعتري طالب العلم من تقصيره في تعلم الحديث وعلومه ،وقلة العناية به فمن ذلك :
- ترك المتخرج يتيه في واد الحيرة عند اختلاف الروايات،وعدم قدرته على ترجيح رواية على أخرى بطريق علمي.
- عدم التميز بين صحيح الروايات وضعيفها.
-عدم القدرة على رد عدوان الملبّسين على الإسلام وتاريخه بالروايات الكاذبة.
- عدم التفريق بين ما يصلح أن يكون بيانا لمجمل الكتاب،أو مفسرا لمواضع الاشتباه فيه،ومالا يصلح لهذا أو لذاك.
(1) - انظر أسماء بعض تلاميذه الذين أجازهم في ترجمة الشيخ "الإمام الكوثري" لأحمد خيري بذيل المقالات ص472-474.
(2) - انظر:مقال "إحياء علوم السنة بالأزهر"ضمن مقالات الشيخ ،ص417.
الجزء 1 · صفحة 7
ثم صرح بأن هذه أمور لا يستساغ أن تسود معهدا إسلاميا قديما –كالأزهر-لم تزل ولا تزال وفود الشعوب الإسلامية تؤمّه منذ مئات من السنين(1). ثم طرح الشيخ اقتراحه ضمن عشر عناصر
أولا:ربط الدروس بما بعد الصلوات من فجر وظهر وعصر ونحو ذلك.مراعاة لجلال الدرس ،ومحافظة على صلاة الجماعة،مع إعطاء المدرس المدة الكافية لإلقاء درسه دون تحديده بوقت محدد وضيق لا يمكّنه من استفاء درسه على الوجه الأكمل.
ثانيا:تدريب الطلاب على أبحاث في الموضوعات الشائكة وهذا من خلال إعداد مكتبة شاملة لأمهات الكتب الحديثية ،تعد لها قاعة خاصة واقترح قائمة من الكتب النفيسة في الحديث وعلومه رواية ودراية.وغرض الشيخ أن يجمع طالب الحديث بين الجانب النظري والتطبيقي ،ولا يكتفي بحفظ قواعد هذا العلم أن تكون له القدرة على تطبيقها التطبيق الصحيح.
تضمنت هذه القائمة التمهيد لابن عبد البر،والقبس لأبي بكر بن العربي،ورجال البخاري للباجي،وشرح جامع الترمذي لابن سيد الناس،وتكملته للزين العراقي،وشرح ابن رسلان لسنن أبي داود،وثقات العجلي،وترتيب الثقات لقاسم بن قطلوبغا،والإكمال لمغلطاي،والعلل للدارقطني،والإرشاد لأبي يعلي القزويني، والإشراف لابن المنذر، والمصنف لابن أبي شيبة، والمصنف لعبد الرزاق، والسنن لسعيد بن منصور، وجامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي، وتخريج أحاديث الاختيار لابن قطلوبغا،وتقدمة معرفة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والتقييد لرواة السنن والمسانيد،لابن نقطة،و وتقييد المهمل لأبي على الغساني،والمحدث الفاصل للرامهرمزي، والإلماع للقاضي عياض، وشرح علل الترمذي لابن رجب، والتحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي والمشتبه للذهبي،وتبصير المنتبه بحرير المشتبه لابن حجر،وغيرها.
(1) - انظر:مقال "إحياء علوم السنة بالأزهر"ضمن مقالات الشيخ ،ص417.
الجزء 1 · صفحة 8
ومن خلال النظر في هذه القائمة نلحظ جملة من الأمور المميزة لشخصية العلامة الكوثري الحديثية فمن ذلك:
- سعة اطلاعه وقوة معرفته بالكتب الحديثية المطبوع منها والمخطوط لأن جلّ ما ذكره من كتب كان في زمنه في عداد المخطوط وبعضه لم يطبع إلا في السنين الأخيرة.مثل التمهيد والقبس وشرح علل الترمذي ونحوها.
- جمعه بين كتب الرواية وما يتعلق بالرجال من أسماء وكنى ومشتبه وجرح وتعديل وكتب علوم الحدث وأصول الرواية ،وكتب فقه الحديث والشروح الحديثية.
- بعده عن التحجر والتقوقع المذهبي إذ لم يقتصر على كتب مذهب واحد نشأ عليه بل اتسع نظره إلى بقية المذاهب يأخذ منها ويستفيد من أصحابها ،فقد تضمنت هذه القائمة كتب علماء المالكية في الصدارة ثم كتب الشافعية والحنفية والحنابلة.ولم تكن مقتصرة على كتب مذهب واحد،وهذا مما يبرئ ساحة الشيخ مما يرميه به بعض خصومه من كونه كان متعصبا للمذهب الحنفي ،منكرا لفضل المذاهب السنية الأخرى وعلمائها.
- أصحاب هذه الكتب كلهم من الأئمة الكبار الذين كانت لهم أياد بيضاء في خدمة العلم الشرعي عامة والحديث وعلومه خاصة ،وكلهم إمام محقق مدقق.
- اقتراح الشيخ مثل هذه الكتب لتكون في مكتبة معهد إسلامي عال مثل الأزهر يدل على أن الشيخ يرغب في أن يكون علماء الدين على قدر كبير من العلم والحلم وسعة الصدر والإنصاف بعيدين عن التعصب والتقليد الأعمى.
ثالثا:التركيز على جانب الرواية بأن تقرأ الأصول الستة والموطأ بروايتي يحيى الليثي ومحمد بن الحسن،وترتيب مختصر مسند أبي حنيفة،ومسند الشافعي وشرح معاني الآثار للطحاوي.مع الاعتناء بضبط السند والمتن،وتكون القراءة على شيخ متقن مخصص لذلك،ويكتفي بشرح بعض المفرادت الغريبة دون توسع في الشرح حتى يتم إنهاء الكتاب في مدة يسيرة،مع تكليف الطلبة بالبحث عن الرجال في الكتب الخاصة بذلك.
الجزء 1 · صفحة 9
رابعا:تعيين شيخ آخر لتدريس أصول الحديث"مصطلح الحديث" من كتبه الأساسية مثل فتح المغيث للسخاوي،وشرح نخبة الفكر لابن حجر،والمحدث الفاصل للرامهرمزي،و الإلماع للقاضي عياض،والاقتراح لابن دقيق العيد،والكفاية للخطيب،ومعرفة علوم الحديث للحاكم،مع حرص المعلم على غرس حب هذا العلم في نفوس الطلبة ببيان فوائده والنقائص التي تلحق الجاهل به.
خامسا: الاهتمام بدراسة الأحاديث الموضوعة والواهية،وتعيين أستاذ خاص لذلك واقترح أن يكون كتاب"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة"لابن عراق الكناني أساسا للدراسة لما له من ميزات عن بقية الكتب في هذا المجال.
سادسا: العناية بتدريس أحكام المراسيل وآراء أهل العلم فيها ،والأحاديث المعلقة والموقوفة في الموطأ والصحيحين والسنن الأربعة،واقترح لذلك مدرسا خاصا وكتابا هو أحسن ما ألف في بابه،هو "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" للحافظ العلائي.
سابعا:دراسة أدلة الأحكام التي يستدل بها طوائف الفقهاء جرحا وتعديلا لمعرفة الصحيح منها والضعيف،وكذا أحاديث التفسير ،واقترح لذلك كتبا خاصة مثل التحقيق لابن الجوزي، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي،وتخريج أحاديث تفسير البيضاوي لابن همات وتخريج أحاديث الكشاف للزيلعي وابن حجر.
ثامنا:يعين شيخ خاص لتدريس السير والمغازي بتطبيق قواعد نقد الرجال ،حتى يجلّي للطلاب حملات المستشرقين لتشويه السيرة والتاريخ الإسلامي تحت ستار البحث العلمي البريء.
تاسعا:إلقاء محاضرات في الأزهر في مختلف موضوعات علوم الحديث ،كوجوه إعلال الحديث ،وأسباب وروده ،وناسخه ومنسوخه،وتاريخ تدوينه ،وما إلى ذلك استنهاضا لهمم الطلبة لتحقيق تلك الموضوعات وتدوين مؤلفات فيها.
عاشرا:تشكيل لجنة خاصة من علماء الأزهر تُعنى بتتبع حملات المستشرقين والمبشرين،والرد عليها بحجج ناهضة وبحوث شاملة.
الجزء 1 · صفحة 10
هذه هي خطة الشيخ في النهوض بعلوم السنة في الأزهر الشريف ،وهي خطة شاملة متكاملة راعى فيها مكان الدراسة وتوقيتها ومقرراتها،وتخصيص أستاذ لكل علم من العلوم،مع الاستفادة من تراث الأمة كله،والانتباه للواقع وتحدياته.
المبحث الثاني: عناية الشيخ بكتب الرجال والعلل والجرح والتعديل.وفقه السنة
كان للشيخ محمد زاهد الكوثري عناية كبيرة ومعرفة تامة بكتب الرجال والعلل والجرح والتعديل.ومن كتب الرجال والجرح والتعديل التي خبرها الكوثري وتكلم فيها جملة من أمهات كتب الفن فمن ذلك:كتاب الضعفاء للعقيلي ،وكتاب الكامل لابن عدي ،وتواريخ البخاري،والجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ،وغيرها:
فقال عن هؤلاء وكتبهم :" تجد في الضعفاء للعقيلي،والكامل لابن عدي ،كلاما كثيرا عن هوى في ساداتنا أئمة الفقه ،فالأول :لفساد معتقده على طريقة الحشوية، والثاني لتعصبه المذهبي عن جهل مع سوء المعتقد وسار من بعدهما سيرهما إما جهلا ،أو تعصبا ، ولم يؤذ من سلك هذا المسلك إلا نفسه،ولم يضع من شأن أحد إلا من شأن نفسه "(1)
ثم ذكر مثالا لتعصب ابن عدي-في نظره- هو قوله في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحي الأسلمي"نظرت الكثير من حديثه فلم أجد له حديثا منكرا" مع كلام أهل النقد فيه ،وذلك لأن الشافعي أكثر عنه ،ثم يستغني عن مثل محمد ابن الحسن لكونه من أصحاب أبي حنيفة ،والشافعي لم يستغن عنه.وبين أن هذا صنيعه مع سائر أئمة الفقه من الحنفية(2).
(1) - فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 83.
(2) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 83.
الجزء 1 · صفحة 11
ثم بيّن أن من معايب كامل ابن عدي طعنه في الرجل بحديث ،مع أن آفته: الراوي عن الرجل دون الرجل نفسه، ومن هذا القبيل كلامه في أبي حنيفة في مروياته البالغة –عنده- ثلاث مئة حديث ،وكلها من رواية أبّاء بن جعفر النجيرمي ،وهو من مشايخ ابن عدي وكل ما في تلك الأحاديث من المؤاخذات إنما هي بسبب هذا الراوي ،وابن عدي يلصقها بأبي حنيفة(1).
ثم تعرض لكتب الإمام البخاري في الجرح والتعديل وبين أن ثبوتها منه ليس كثبوت "الجامع الصحيح" والنظر في أسانيدها هو الطريق الوحيد للتعرف على دخائلها.وذكر أمثلة على ذلك(2).
ثم ذكر كتاب ابن حبان في الرجال،ويعني به"كتاب المجروحين" ونقل فيه كلمة الذهبي :"إنه صاحب تشنيع وتشغيب"(3).ثم أشار إلى أن ابن مهدي كان كثير الطعن كثير التراجع،وأن الخطيب البغدادي لا قيمة لكلامه في الجرح والتعديل(4).
ثم تعرض لكتاب "الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم ووصفه بالتهوّر وطلب التروّي فيما يقوله من الجروح بسبب كلامه في البخاري(5).
(1) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 84.
(2) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 85.
(3) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 86.
(4) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري ،ص 86.وتأنيب الخطيب،ص 10-13.
(5) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم ص 86.وانظر تعليق الكوثري على"شروط الأئمة الخمسة" للحازمي،ص22-23
الجزء 1 · صفحة 12
ثم دعا إلى التحري فيما يُروى عن ابن عيينة والإمام مالك من طعون في أبي حنيفة لكثرة ما افتري عليهم في هذا الصدد(1)،ثم نبّه إلى عدم التعويل على كلام"زكريا بن يحي الساجي" لكونه متكلما فيه لكثرة انفراده ،ولتعصبه(2).
ثم بين أن الطعن في الرجل باعتبار أنه ليس من بلد الطاعن ،أو ليس من قومه ،أو ليس على مذهبه ،فتعصب بارد يأباه أهل الدين(3).
ومن بالغ اهتمامه بعلم الرجال والعلل أنه صنف كتبا خاصة في ذلك ييتبع فيها أشهر كتب الفن،منها:إبداء وجوه التعدي في كامل ابن عدي .و نقد كتاب الضعفاء للعقيلي.ولكن لا نستطيع أن نعرف قيمة هذين الكتابين لكون كلا منها ما يزال مخطوطا،ولم يطبع بعد.
تحليل ومناقشة نقد الشيخ الكوثري لكتب الرجال
لقد بنى الشيخ الكوثري نقده لكتب الرجال على أربع قضايا أساسية وهي:
- عدم الاعتداد بالجرح الناتج عن اختلاف المعتقد والمذهب.
- ملاحظة كون الجارح متعنتا ومتسرعا في الجرح.
- النظر في أسانيد ما ينقل في كتب الجرح والتعديل.
- النظر في حال الناقد وأهليته للنقد علما ودينا وورعا.
أما بالنسبة النقطة الأولى عدم الاعتداد بالجرح الناتج عن اختلاف المعتقد والمذهب.فلم يكن الكوثري بدعا فيما ذهب إليه فقد نص على ذلك كثير من الحفاظ المتأخرين كالإمام ابن دقيق العيد ،والحافظ الذهبي ،والحافظ ابن حجر وغيرهم.
قال ابن دقيق العيد –متكلما على الأسباب التي تدخل منها الآفة في تضعيف الرواة وتجريحهم-"وهذا الباب تدخل فيه الآفة من وجوه:
(1) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم ،ص 87.وتأنيب الخطيب،ص 82.
(2) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم ،ص 85.وتأنيب الخطيب،ص18.
(3) - انظر فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري ،ص 89.
الجزء 1 · صفحة 13
أحدها:وهو شرها،الكلام بسبب الهوى والغرض والتحامل،وهذا مجانب لأهل الدين وطرائقهم.وهذا وإن كان تنَزّه عنه المتقدمون،لتوفّر أديانهم،فقد تأخر أقوام ووضعوا تواريخ،ربما وقع فيها شيء من ذلك،على أن الفلتات من الأنفس لا تدعى العصمة منها،فإنه ربما حدث غضب لمن هو من أهل التقوى فبدرت منه بادرة لفظ.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أمورا كثيرة عن أقوام من المتقدمين وغيرهم،حكم بأنه لا يلتفت إليها،وحمل بعضها على أنها خرجت عن غضب وحرج من قائلها،هذا أو قريب منه.ومن رأيه أن من اشتهر بحمل العلم فلا يقبل فيه جرح إلا ببيان ،هذا أو معناه.
ثانيهما:المخالفة في العقائد ،فإنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض،أو تبديعهم ،وأوجبت عصبية اعتقدوها دينا يتدينون به، ويتقربون به إلى الله تعالى، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير أو التبديع.وهذا موجود كثيرا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين.
والذي تقرر عندنا:أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية.إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة ،إلا بإنكار متواتر من الشريعة.فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية...
ومن هذا الوجه –أعني وجه الكلام بسبب المذاهب – يجب أن تتفقد مذاهب الجارحين والمزكين مع مذهب من تكلموا فيه،فإن رأيتها مختلفة،فيتوقف عن قبول الجرح غاية التوقف، حتى يتبين وجهه بيانا لا شبهة فيه"(1). ثم ذكر باقي الأسباب.
(1) - انظر الاقتراح في بيان الاصطلاح ت د/عامر حسن صبري ،ص 288-296.
الجزء 1 · صفحة 14
وهذا الذي ذكره العلامة ابن دقيق العيد وافقه عليه كثيرون منهم الإمام السبكي رحمه الله فإنه قال:" إياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة والثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي ،وبين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ،والشيخ ابن الصلاح. فإنك إن اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام ،ولأقوالهم محامل، ربما لم يفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم ،كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم"(1).
ووافقه عليه الإمام الذهبي في الموقظة(2)،والحافظ ابن حجر في نزهة النظر(3)،والحافظ السخاوي في فتح المغيث(4)،والعلامة الأمير الصنعاني توضيح الأفكار(5)،والعلامة جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث(6).وغيرهم.
وبهذا يتبين صحة الأصل الأول الذي بنى عليه الشيخ الكوثري نقده لكتب الرجال.ولكن نخالف الشيخ الكوثري أنه لم يطبق هذا الأصل على الحافظين الكبيرين الإمام العقيلي والإمام ابن عدي حيث قال فيهما" :" تجد في الضعفاء للعقيلي،والكامل لابن عدي ،كلاما كثيرا عن هوى في ساداتنا أئمة الفقه ،فالأول :لفساد معتقده على طريقة الحشوية، والثاني لتعصبه المذهبي عن جهل مع سوء المعتقد "(7)
فالعقيلي رحمه الله تكلم في بعض الرواة من الأئمة الحنفية ،ولكن لم يكن كلاما كثيرا فقد ذكر فيه كتابه كله أربعة رواة وصفهم "بالرأي" وضعفهم وهم:
(1) طبقات الشافعية :2/278.
(2) - انظر الموقظة بتحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ،ص 84-89.
(3) - انظر ص 52.
(4) - انظر 1/333 في باب "معرفة من تقبل روايته ومن ترد".
(5) - انظر 2/236.
(6) - انظر ص 194.
(7) - فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،ص 83.
الجزء 1 · صفحة 15
زفر بن الهذيل(1)،والحسن بن زياد اللؤلؤي(2)،والإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت(3)،ومحمد بن الحسن(4)،وكلامه في هؤلاء نتيجة لاختلاف المذهب،وهو مردود عليه ،وأما وصفه بأنه فاسد المعتقد فهذا مردود على الكوثري وسبب كلام الكوثري فيه هو اختلاف العقائد ،لأن الشيخ الكوثري كان على طريقة الأشاعرة في مسائل الإعتقاد، فهو دائما يصف أهل الحديث الذين لا يوافقون هذه الطريقة بأنهم حشوية وفاسدي المعتقد وهكذا..!
ووصف الكوثري العقيلي أيضا بأنه من أكبر المتعنتين في الجرح لكونه أورد بعض الثقات في كتابه(5).وهذا سببه عدم الفهم الدقيق لمنهج العقيلي في كتابه وغرضه منه ،فليس الكتاب خاصا بالضعفاء فقط، بل هو للضعفاء وغيرهم حسبما سمى به العقيلي كتابه "كتاب الضعفاء، ومن نسب إلى الكذب ووضع الحديث،ومن غلب على حديثه الوهم، ومن يتهم في بعض حديثه، ومجهول روى مالا يتابع عليه، وصاحب بدعة يغلو فيها ويدعو إليها وحاله في الحديث مستقيمة" فالعقيلي إنما يورد بعض الثقات لما تلبسوا به من بدع وهو يصرح في ذات الوقت باستقامة حديثهم ،ومن أمثلة ذلك كلامه في الإمام ابن المديني(6).
(1) - انظر الضعفاء الكبير 2/97.
(2) - انظر الضعفاء الكبير 1/227.
(3) - انظر الضعفاء الكبير 4/268.
(4) - انظر الضعفاء الكبير 4/52.
(5) - انظر مقدمة "انتقاد المغني":ص 8-9.
(6) - انظر الضعفاء الكبير :3/235.وانظر منهج أبي جعفر العقيلي في جرح الرجال من خلال كتابه الضعفاء الكبير،رسالة دكتوراه لـ: د/مختار نصيرة ،ط دار الضياء ،ص 63-65 و209-232.فقد ذكر أمثلة كثيرة على ذلك مبينا منهج العقيلي في حكمه على الرواة بالبدعة.وبين أنه لم يكن متشددا ولا متفردا بما يجرح به أولئك، فجزاه الله خيرا.
الجزء 1 · صفحة 16
وأما ابن عدي فهو إمام كبير في الحديث والعلل والرجال(1) ،ولم نر من وصفه بالجهل أو التعصب ،أو سوء المعتقد قبل الكوثري،وكونه تكلم في أبي حنيفة بسبب أخطائه في بعض الأحاديث –في نظره- ليس حجة على كونه صاحب هوى أو تعصب ،فهو من أهل الاجتهاد في هذا الشأن يقبل منه صوابه ،ويرد عليه خطؤه، وتحفظ منزلته ،وينتفع بعلمه.
-وأما ملاحظة كون الجارح متعنتا ومتسرعا في الجرح.وقد ذكر ضمن هؤلاء الحافظ العقيلي وقد أجبنا عنه ،والحافظ ابن أبي حاتم والحافظ ابن حبان وعبد الرحمن بن مهدي.
فهذا أصل صحيح أيضا وقد سبق أن نبّه عليه الإمام الذهبي فقد قال :"...ومن ثَمّ قيل:تجب حكاية الجرح والتعديل ،فمنهم من نَفَسه حاد في الجرح،ومنهم من هو معتدل،ومنهم من هو متساهل،فالحاد فيهم:يحي بن سعيد، وابن معين،وأبوحاتم وابن خراش،وغيرهم.
والمعتدل فيهم:أحمد بن حنبل،والبخاري،وأبو زرعة.
والمتساهل كالترمذي والحاكم،والدراقطني في بعض الأوقات.وقد يكون نفس الإمام – فيما وافق مذهبه، أو في حال شيخه- ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك.والعصمة للأنبياء والصديقين وحكام القسط.
ولكن هذا الدّين مؤيد محفوظ من الله تعالى،لم يجتمع علماؤه على ضلالة ،لا عمدا ولا خطأ،فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف،ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلافهم في مراتب لقوة أو مراتب الضعف.والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه،فإن قدر خطؤه في نقده فله أجر واحد،والله الموفق"(2).
(1) - انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي :3/102وطبقات الحفاظ للسيوطي:ص380.والبداية والنهاية لابن كثير:11/383.وشذرات الذهب لابن العماد:3/51وطبقات الشافعية للسبكي:3/315.
(2) - الموقظة:ص83-84.وانظر "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" للذهبي أيضا،ص
الجزء 1 · صفحة 17
ولكن ينبغي هنا أن ننبه إلى أن وصف هذا الإمام أو ذاك بأنه متشدد أو متساهل هو أمر نسبي،وليس الغرض منه رد كلام هذا أو ذلك بحجة تشدّد الأول وتعنّته ،وبحجة تساهل الثاني،وإنما تراعى مثل هذه الأمور عند تعارض الجرح والتعديل ،وانعدام الأدلة المرجحة لحال الراوي.
وأما النظر في أسانيد ما ينقل في كتب الجرح والتعديل.فهذا الأمر الذي نبه عليه الكوثري فهو في غاية الأهمية لسببين :أولهما أن علماء الجرح والتعديل لم يشترطوا الصحة فيما ينقلونه عن غيرهم ،وإنما يروون ما ينقل عن شيوخهم بالأسانيد ،وقد يكون الناقل إماما ثقة ، وكذلك المنقول عنه،لكن في السند بعض الرواة الضعفاء ،فيسقط بذلك الخبر جملة ،وقد طبق الكوثري هذا الأصل المهم في رد بعض ما ينسب لكبار الأئمة في الطعن والكلام في أبي حنيفة.
والسبب الثاني:هو أن كثيرا من كتب الجرح والتعديل والرجال المتأخرة اختصرت كلام المتقدمين ،وحذفت الأسانيد ،فيظن الواقف عليها صحة ما ينسب من الجرح لأولئك الأئمة وثبوته ،وليس الأمر كذلك دائما.بل يكون فيها الصحيح والضعيف،بل وأحيانا الخطأ والوهم.ولذلك ينبغي دائما الرجوع إلى الكتب المسندة والبحث والنظر في أسانيدها،لتلافي الزلل الواقع من عدم العناية بذلك.
وأما النظر في حال الناقد وأهليته للنقد علما ودينا وورعا،فهذا أمر أكيد وأصل أصيل لكن تنزيله ذلك على الحافظين أبي يحي زكرياء الساجي ،والحافظ الخطيب البغدادي فمما لا يوافق عليه،لكون كلا منهما إماما كبير الشأن في الحديث والعلل،
فأما الساجي فقال فيه الحافظ الذهبي:"الإمام الثبت الحافظ،محدث البصرة، ومفتيها...كان من أئمة الدين"(1)
(1) - سير أعلام النبلاء:14/197.وانظر تذكرة الحفاظ:2/200-201 وطبقات الحفاظ للسيوطي:ص309-310
وطبقات الشافعية للسبكي:3/299،وشذرات الذهب:2/250وطبقات الفقهاء للشيرازي:104وطبقات الشافعية للإسنوي:ص212.
الجزء 1 · صفحة 18
وقال فيه الحافظ ابن كثير:"الفقيه المحدث ،شيخ أبي الحسن الأشعري في السنة والحديث"(1)
وأثنى عليه الحافظ ابن حجر ثناء رفيعا جدا ،وأجاب على قول ابن القطان الفاسي فيه (مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم وضعفه آخرون):" ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، فقد جازف بهذه المقالة ،وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد ،كما أشار إليه المؤلف –يعني الذهبي- وقد كان مع معرفته بالفقه والحديث،وتصنيفه في الاختلاف كتابه المشهور،وفي العلل كتابه الآخر على الإسناد،سمع من عبيد الله بن معاذ...وحدث عنه أيضا أبو الحسن الأشعري، وأخذ عنه مذاهب أهل الحديث ،وذكره ابن ابي حاتم فقال:كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن"(2).
أفيكون مثل هذا الإمام" ليس بمأمون ولا ثقة فلا يكون كلامه في العلل والخلاف موضع تعويل أصلا وتعصبه البارد مما لا يطاق" كما يرى ذلك الشيخ الكوثري(3).نعم نرد ما تفرد به ولاحت عليه علامات التحامل،أو ما ظهر خطؤه.وأما ماعدا ذلك فيجب قبوله.
وأما الخطيب البغدادي فهو إمام حافظ ثقة ،وما نسبه إليه الكوثري مما يقدح في دينه وعرضه فلا أساس له من الصحة (4)،فلا يعرف عن العلماء إلا الثناء عليه والاستفادة من علمه(5).
(1) - البداية والنهاية :11/111.
(2) - لسان الميزان:2/568 وانظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:3/601.
(3) - فقه أهل العراق وحديثهم :ص 87.وانظر تأنيب الخطيب:ص 35.
(4) - فقه أهل العراق وحديثهم :ص 86.وانظر تأنيب الخطيب:ص 23-27. والتنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي:ص 324-358.
(5) - انظر ترجمته العطرة في:تذكرة الحفاظ:3/221 وطبقات الحفاظ :ص 433-435والبداية والنهاية:12/101وشذرات الذهب:3/311وطبقات الشافعية لللسبكي:4/29ووفيات الأعيان لابن خلكان 1/27 وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 19
بل قال الحافظ ابن نقطة:"كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه"(1).
عناية الشيخ بفقه السنة:
لقد كان للشيخ الكوثري معرفة واسعة ،ودراية دقيقة للكتب التي تعنى بفقه السنة واستنباط الأحكام منها ،فقد كتب في ذلك مقالا خاصا عنوانه"أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها وتناوب الأقطار في الاضطلاع بأعباء علوم السنة" بين فيه أهمية معرفة الفقيه للأحاديث والآثار الواردة في المسائل الفقهية،ثم أشار إلى جهود العلماء في خدمة السنة والفقه الإسلامي،في العراق ثم مصر وسائر الأقطار الإسلامية ،ثم نوّه بجهود علماء الهند في خدمة السنة منذ منتصف القرن العاشر الهجري،وبعدها يخلص الشيخ إلى ذكر أحسن كتب أحاديث الأحكام للأقدمين،معرجا على أهم ما كتبه علماء الهند من شروح وتعليقات على الصحيحين والسنن الأربعة ،وغيرها من كتب السنة(2).
كما أن للشيخ مقالا آخر تكلم فيه على شروح صحيح مسلم مبينا مالها وما عليها، مسهبا في بيان مزايا شرح الشيخ شبير أحمد العثماني المسمى"فتح الملهم في شرح صحيح مسلم"(3).
وقد سبق في المبحث الأول تلكم القائمة المهمّة من كتب السنة رواية وفقها ودراية التي اقترحها للتدريس في الأزهر الشريف، وأن تكون في مكتبته ،لينهل منها طلاب العلم ،وهي تدل كما سلف على مدى عنايته بفقه السنة.
والمتأمل في عامة كتب الشيخ يجدها جمعت بين الفقه والحديث ،فيما يتناوله من قضايا علمية،وبما يعزز به بحوثه من نقول نادرة من كتب الفقه والشروح الحديثية وغيرها، مما هو مطبوع أو مخطوط،فدونك "تأنيب الخطيب" و"الإشفاق على أحكام الطلاق" و"النكت الطريفة" و"فقه أهل العراق وحديثهم" وغيرها ،فجميعها تشهد له بقوة الاطلاع ،وسعة الباع ،في فقه السنة ودرايتها.
(1) - انظر شرح نخبة الفكر ،ص 140.
(2) - انظر المقالات:ص 66-69.
(3) - انظر المقالات:ص 74-75.
الجزء 1 · صفحة 20
ومن الأمور الدالة على مدى احتفائه بفقه الحديث كلامه على كثير من الأحاديث المشكلة والمختلفة، وتوفيقها بينها، وجوابه عنها بأجوبة علمية دقيقة،فمن ذلك جوابه عن الأحاديث الواردة في اجتماع العيد والجمعة ،وتقريره أن العيد لا يسقط الجمعة،وبيانه خطأ من ذهب إلى ذلك(1).وكلامه على الأحاديث الواردة في الصلاة بالنعال(2)،يدل على معرفة مقاصد الشريعة،وملاحظته تغير العرف والبيئة في بعض ما ورد في سنة النبي –صلى الله عليه وسلم-
وكذلك كلامه عما ورد من أحاديث مختلفة عن عائشة وغيرها من الصحابة في حجاب المرأة ،والمقدار الذي يجوز لها كشفه،وربطه ذلك كله بالمقصد الشرعي من فرض الحجاب على المرأة(3).بل قد أفرد كتبا في بعض الأحاديث المشكلة ككتابه "الإشفاق في أحكام الطلاق" الذي هو في الأصل رد على كتاب الشيخ أحمد شاكر"نظام الطلاق في الإسلام" فقد درس فيه دراسة واسعة الأحاديث الواردة في طلاق الثلاث وأنها تعد واحدة من الناحية الحديثية والفقهية بما يندر وجوده في كتاب غيره.وأفرد أيضا رسالة لمسألتي كشف الرؤوس في الصلاة ولبس النعال سماها"رفع الاشتباه عن مسألتي كشف الرؤوس ولبس النعال في الصلاة" وغيرها من المقالات والبحوث.
فهذه كلها شواهد وأدلة على أن الكوثري كان محدثا فقيها ،بصيرا بالحديث ورجاله وعلله وفقهه وأحكامه،ولم يكن راوية –على فضل رواية الحديث ونقله-فحسب.
المبحث الثالث: جهود الشيخ في الدفاع عن السنة ورد مزاعم المستشرقين ومن تبعهم.
(1) - انظر المقالات:ص 128-134.
(2) - انظر المقالات:ص 137-146.
(3) - انظر المقالات:ص 187-190.
الجزء 1 · صفحة 21
كان الكوثري مثالا للعالم الذي يعيش عصره،ويساهم في إصلاحه والتأثير فيه ،ومن القضايا التي شغلت باله وأخذت حيزا من وقته وتفكيره ،ما يثيره أعداء الإسلام من مستشرقين ومن تأثر بهم من أبناء المسلمين من شبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والتاريخ الإسلامي المجيد.فكان يرى ضرورة الرد على هؤلاء وبيان باطلهم ،وأن هذا واجب العلماء،لذا جعل ضمن مقترحاته لإحياء علوم السنة بالأزهر تشكيل لجنة من العلماء متخصصة في تتبع حملات المستشرقين والمبشرين والرد عليها،بناء على خطة محكمة، فيقول في هذا الصدد:
"تشكل لجنة تسهر على حملات المستشرقين والمبشرين،وتجتمع في قاعة خاصة أخرى بالأزهر،لدفع عادية المعتدين بحجج ناهضة بعد بحوث شاملة، مع منع أبناء الأزهر من نشر ما يترجمونه من كتب هؤلاء قبل استكمال الرد على الآراء الباطلة المدونة فيها،بل تؤلف الردود بلغات المردود عليهم،وتنشر في بلادهم أولا، ثم تنشر في البلاد الإسلامية بلغات المسلمين، وهذا هو الأسلم عاقبة ،والأتم نفعا"(1).
(1) - مقالات الكوثري:ص 425.
الجزء 1 · صفحة 22
كما بيّن أن علم الرجال والأسانيد هو العُدّة اللازمة لمن أراد أن يتصدى للرد على المستشرقين وفضح دخائلهم فيقول:" وكتاب الأستاذ شبلي النعماني الهندي وتلميذه وزميله الأستاذ سليمان الندوي في تمحيص السيرة النبوية –باللغة الهندية في عدة مجلدات –قد سد فراغا كبيرا في فضح دخيلة المستشرقين والرد عليهم ،وقد ترجم إلى اللغة الإنجليزية ،ثم إلى اللغة التركية، ولو قام بعض رجال الأدب بترجمته إلى اللغة العربية مع إصلاح بعض المواضع أخطأ فيها لكان هذا عملا نافعا، يرد به كيد أمثال البرنس كيتانو الإيطالي،وغولد زيهر الهنغاري،وكم من نوابغ الكتاب من انخدع بتلبيساتهم اغترارا بنقلهم عن مصادر شرقية غير منبهين إلى أن نقولهم زائفة الأسانيد،ولا يستبين أمر المصادر الزائفة والمصادر الجديرة بالاعتماد إلا من هو ملّم بأحوال الرجال"(1)
وقد طبّق الشيخ نفسه هذا المنهج في بعض ما كتب، ومن ذلك رده على من حاول أن يستغل حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة لتصوير خالد رضي الله عنه بصورة الشهواني السفّاح،كاشفا عن الأسلوب الجديد التي يستعمله أعداء الإسلام للنيل منه،ومؤكدا على ضرورة تمحيص الروايات بالموازين المعتبرة عند أهل النقد فيقول:
"وكانت طريقة كتاب الغرب في النيل من الإسلام طريقة الإقذاع المجرد والبهت الصرف إلى أن جدّ لهم منذ قرنين منهج في تشويه الحقائق ،يتصيّدون أكاذيب من كتب الشرق ،متظاهرين بمظهر البحث العلمي البريء ،فأخذ من له صلة بهم من أبناء الشرق الأغرار ينخدع بكتاباتهم ،وينشر خزعبلاتهم بين بني قومه فاستشرى الشر،ووجب تدارك الأمر"(2)
وطبّقه أيضا على قصة قتل مرتدة في عهد الصديق -رضي الله عنه -شر قتلة،فقد ناقش الشيخ القصة التي أوردها ابن شاهين في كتابه "الناسخ والمنسوخ"ونقد إسنادها نقد المحدث البصير،وخلص إلى عدم صحتها،ثم قال في ختام بحثه:
(1) - مقالات الكوثري:ص 424.
(2) - مقالات الكوثري:ص 339.
الجزء 1 · صفحة 23
"وبهذا يظهر مبلغ التخبط في رواية ابن شاهين كما يتبين سقوط محاولة البرنس كيتانو في (حولياته) استغلال الأقصوصة المروي وقوعها سنة ست في النيل من تاريخ العهد النبوي"(1)
ويتوجه باللوم على الدراقطني رحمه الله في ذكره للقصة في سننه ساكتا عما فيها،لأنه يرى أنه بهذا الصنيع يقدّم مادة جاهزة للمستشرقين للطعن في الإسلام وتاريخه،فيقول:"ولسنا نعذر الدراقطني في تدوين تلك الرواية في سننه مع السكوت عما فيها من المغامز.وبعض من ضاق أفق تفكيره من شيوخ العلم يهيئون فرصا لأمثال غولد زيهر في الطعن في الإسلام وتاريخ الإسلام بسكوتهم عما يحملونه من الروايات التالفة التي لا يجوز تدوينها إلا مع ذكر آفاتها"(2)
ويدعوا الشيخ الكُتّاب إلى أخذ الحذر ،وتمحيص ما ينقلونه بموازين النقد الصحيح فيقول:
" فأصبح من الحتم اللازم على كتاب السير اليوم أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم إزاء الكتب المؤلفة في السير في الشرق والغرب قديما وحديثا ،وأن يضاعفوا السعي في تمحيص الحقائق بالموازين المعتبرة عند أهل النقد ،بدون أن يجعلوا لأقلامهم الحرية المطلقة التي تعودوها في سبك القصص والروايات العصرية ،والموضوعات الأدبية في الصحف السيارة، محتاطين غاية الاحتياط في إيداع آرائهم ونقولهم في الكتاب،متريثين إلى ظهور نتيجة عرضها لمحك النقد الصحيح ،فإذا تبصروا هكذا في تعرّف دخائل الكتب الشرقية خاصة ،يسهل عليهم القضاء على صنوف الكيد في كتب الغربيين"(3)
ويكشف الكوثري -رحمه الله- عن أهداف المستشرقين من نشر كتب التراث الإسلامي،والعناية بطباعتها وتحقيقها والتعليق عليها فيقول:
(1) - مقالات الكوثري:ص 57.
(2) - مقالات الكوثري:ص 55.
(3) - مقالات الكوثري:ص 339.
الجزء 1 · صفحة 24
"ونرى في المدة الأخيرة اهتماما خاصا لمستشرقي الغرب بنشر مؤلفات علماء الإسلام الأقدمين مما يتعلق بالقرآن الكريم وعلومه من كتب القراءة ،والرسم،وشواذ القراءات،وكتب الطبقات،بل يواصلون سعيهم في ذلك وفي نشر ما للأقدمين من المؤلفات في الفقه والحديث واللغة،إلى غير ذلك من المشرقيات ،ومسعى أغلبيتهم ينمّ عن قصدهم لإحياء عهد الصلبيين بطريقة أخرى في الحملات الممتلئة تعصبا وجهلا نحو النور الوضّاء الذي أشرق من القرآن الكريم على هذه الكرة المظلمة حتى استنارت البصائر بذلك النور الوهاج،فدخل الناس في دين الله أفواجا،فتبدلت الأرض غير الأرض ،وغاية هذا الفريق مكشوفة جدا مهما تظاهروا بمظهر البحث العلمي البريء كذبا وزورا وخداعا"(1)
تم يُحمِّل المسؤلية كاملة للمسلمين في تقاعسهم عن خدمة تراثهم والعناية به وأن هذا من واجبات المؤسسات العلمية والدينية الكبرى كالأزهر حتى تقطع السبيل على أولئك المفسدين،فيقول:" ولو أن الأزهر الشريف صرف شطرا من عنايته لنشر أمثال تلك الكتب مباشرة ،أو إعادة نشرها،مع تعليق ما يجب التعليق عليه لقطع السبيل على الماكرين،وما ذلك على الله بعزيز"(2)
(1) - مقالات الكوثري:ص 28.
(2) - مقالات الكوثري:ص 28.
الجزء 1 · صفحة 25
وينعى رحمه الله على العلماء في عصره من عدم اكتراثهم للرد على من يطعن في الإسلام وأصوله،كما يبن قلة من يقوم منهم بالرد العلمي المفحم لهؤلاء المعتدين،بسبب قلة درايتهم بالسنة وعلومها،فيقول مبينا-هذا الواقع المر-:"وأما الآن فترى بين سمع العلماء وبصرهم من ينال أصول الإسلام الستة وغيرها،بين حين وآخر، بدون أن يقوم أحد منهم برد هذا العدوان الصارخ بطريق علمي إلا نادرا،فإن كان هذا من قلة إلمامهم بطرق دفع العدوان ،وإهمالهم لعلوم السنة المؤهلة للرد،فهذه مصيبة، وإن كان من عدم اهتمامهم بالذبّ عن السنة التي ينبني عليها بيان الذكر الحكيم، واستنباط الأحكام الشرعية، فهذه أفظع المصيبتين .على أن ما يدرس من الحديث في الأقسام النظامية الحديثة لا يزيد على أحاديث يسيرة في العدد، وهكذا عملهم في رجال تراجم الرواية وعلوم دراية الحديث، فبمثل هذا القدر الضئيل من العلم ،لا يمكن دفع عادية المعتدي الأثيم"(1).
كما ينتقد السياسة الجديدة للأزهر في بعث الطلاب إلى الدراسة في الغرب على أيدي المستشرقين لما ينجم عن ذلك من أضرار بالغة،فيقول:"والجديد الذي نراه في الأزهر الحديث هو بعث طوائف للغرب ،ليتفقوا في دين الإسلام في معاهد المستشرقين هناك،ولينذروا قومهم من المسلمين إذا رجعوا ،بآراء هؤلاء الذين ليس عملهم سوى شنّ غارت الصلبيين على الإسلام من جديد ،تحت ستار البحث العلمي البريء ، وزد على ذلك انتداب هؤلاء المتخرجين عليهم لترجمة أضرّ كتبهم وإذاعتها في الأوساط الإسلامية بدون رد شاف يكون ترياقا لسمومها الفتاكة ، ولا نقض كافل لدفع أضرارها،فيكونوا كأنهم بُعثوا ليكونوا حربا على بني قومهم وأهل دينهم ،وهذا قلب للأوضاع فظيع"(2).
(1) - مقالات الكوثري:ص 337.
(2) - مقالات الكوثري:ص 336-337.
الجزء 1 · صفحة 26
ومن الأمور التي عالجها الكوثري قضية تقسيم السنة إلى سنن تشريعية وسنن غير تشريعية ،بقصد رد مالا ينسجم مع العصر،وجعل هذا التنويع ذريعة للعبث بها ،فيقول :
" وأما تنويع السنة تمهيدا لترك مالا يتفق منها والحاجة وهوى العصر،فيحول دون الانخداع بها قوله تعالى(وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"(1)وقوله (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(2)لأن الأمر في هذه الآية مصدر مضاف فيفيد العموم عند أهل اللسان.كما أن لفظ (ما) يفيد العموم في الآية السابقة،فيعلم من ذلك علما باتا بأنه لا مجال لتنويع أوامر سيد المرسلين تمهيدا لنبذ كثير منها،بل على الأمة الأخذ بأوامره كلها حيث قام هذا الوعيد الشديد ضد من يخالف أمرا من أوامره ويعرض عنه، ولم يقع هذا العام في سياق النفي أو النهي حتى يتوهم سلب العموم، نعوذ بالله من الحور بعد الكور"(3).
ومن المسائل التي ردّها الشيخ على دعاتها مسألة رد أخبار الآحاد وعدم العمل بها، والاقتصار على المتواتر:فقال:
"ونحن نسمع من فلتات دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة،وكذا الإجماع والقياس ،بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط.فبتهوين أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد وتفاسير بالرواية وغيرها،وإذن فلا معجزة كونية تستفاد منها، ولا أحكام شرعية تستمد منها، فهل يسلك مثل هذا السبيل من سبل غير صنائع أعداء الإسلام؟
على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي، بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن..بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين-غير المنتقدة- من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن"(4).
(1) - الحشر:7.
(2) - النور:63.
(3) - مقالات الكوثري:ص 78.
(4) - مقالات الكوثري:ص 110.
الجزء 1 · صفحة 27
ومن ذلك رده على من ينكر نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان بدعوى أن الحديث الوارد فيه خبر أحاد وخبر الآحاد لا تقوم به عقيدة،وقد ألف في ذلك كتابا مستقلا سماه "نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى عليه السلام قبل الآخرة" وهو مطبوع.كما كتب مقدمة حافلة لكتاب الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري المسمى"إقامة البرهان على نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان" .
وبهذا يكون الكوثري من العلماء الأوائل الذين نبهوا على خطورة المستشرقين ومن تأثر بهم، وكشف عن حقيقة نواياهم المخبوءة تحت ستار البحث العلمي وأوضح أساليبهم ،ودعا إلى خطة واضحة في التصدي لتلبيساتهم وتشكيكاتهم في القرآن والسنة والفقه التاريخ الإسلامي.فجزاه الله خير ما يجازي عالما عن أمته، نصح لها وصدق وأخلص.
المبحث الرابع:جهود الشيخ في تحرير بعض القواعد والأصول الحديثية.
كان للشيخ رحمه الله جهدا علميا متميزا في تحرير بعض القواعد والأصول الحديثية ،ونظرا لكثرة القضايا الحديثية التي بحثها الشيخ -أصالة أو استطرادا- فسنقتصر على نماذج منها لإعطاء فكرة عن معرفته الواسعة والدقيقة بعلوم الرواية، ومنحاه الاجتهادي فيها،لأن الشيخ لم يكن مقلدا لمن سبقه ،بل كان متبعا عن بينة وقناعة علمية راسخة،أو مجتهدا فيما يرى أنه موضع للاجتهاد.
الجزء 1 · صفحة 28
أولا:أصول الحنفية في نقد الأخبار:من المسائل التي بينها بيانا شافيا،وأوضحها توضيحا كافيا الأصول التي يستعملها الفقهاء الحنفية في قبول الأخبار والترجيح بينها ،بحيث أظهر الشيخ اطلاعا واسعا وفهما دقيقا لشروط الحنفية في قبول الأخبار وردها وكيفية التوفيق والترجيح بينها،وجمع ما تفرق في الكثير من كتب الأصول والحديث،ولخصها وهذبها وقربها، ودفع بذلك تهمة طالما ألصقها بعض المتعصبة من المذاهب الأخرى ،من كون الفقهاء الحنفية يردون كثيرا من الأحاديث ولا يأخذون بها، فكشف عن أعذارهم في ذلك من خلال سرد شروطهم في قبول الأخبار ،وأن مبنى هذا العلم إنما هو الاجتهاد ،فتختلف الأنظار وتتباين.وسنسوق كلامه في الموضوع برُمَّته لنفاسته ،يقول رحمه الله:
" ومن ظن بأبي حنيفة أنه قليل الحديث،أو كثير المخالفة للحديث ، أو كثير الأخذ بالأحاديث الضعيفة ، جهل شروط قبول الأخبار عند الأئمة ، ووزن علوم أئمة الاجتهاد بميزانه الخاص الذي ربما يكون مختل العيار .
وللإمام أبي حنيفة أصول ناضجة في باب استنباط الأحكام ، ربما يرميه بكل ما تقدم من يجهل ذلك .ومن تلك الأصول :
1-قبول مرسلات الثقات إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها .
. والاحتجاج بالمرسل كان سنة متوارثة ، جرت عليه الأمة في القرون الفاضلة ، حتى قال ابن جرير : رد المرسل مطلقا بدعة حدثت في رأس المئتين.
كما ذكره الباجي في أصوله ، وابن عبد البر في التمهيد ، وابن رجب في "شرح علل الترمذي " ، بل ترى البخاري يحتج في صحيحه بمراسيل ، كما يحتج بها في "جزء القراءة خلف الإمام"وغيره ، بل عند مسلم في صحيحه مراسيل، كما تجد بيان ذلك في مقدمة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم " لمولانا المحدث العثماني ، وفي تدريب الراوي للسيوطي "ومن ضعف بالإرسال نبذ شر السنة المعمول بها" .
الجزء 1 · صفحة 29
2- ومن أصول أبي حنيفة عرض أخبار الآحاد على الأصول المجتمعة عنده بعد استقرائه موارد الشرع ، فإذا خالف خبر الآحاد تلك الأصول يأخذ بالأصل ، عملا بأقوى الدليلين ، ويعد الخبر المخالف له شاذا ، ولذلك نماذج كثيرة في "معاني الآثار" للطحاوي ، وليس في ذلك مخالفة للخبر الصحيح ، وإنما فيه مخالفة لخبر بدت علة فيه للمجتهد ، وصحة الخبر فرع خلوه من العلل القادحة عند المجتهد .
3…-ومن أصوله أيضا : عرض أخبار الآحاد على عمومات الكتاب وظواهره ، فإذا خالف الخبر عاما أوظاهرا في الكتاب ،أخذ بالكتاب وترك الخبر ، عملا بأقوى الدليلين أيضا ، لأن الكتاب قطعي الثبوت ، وظواهره وعموماته قطعية الدلالة عنده ،لأدلة ناهضة مشروحة في مفصلات كتب الأصول ، كفصول أبي بكر الرازي وشامل الإتقاني ، وأما إذا لم يخالف الخب عاما أو ظاهرا في الكتاب،أخذ بالكتاب وترك الخبر،عملا بأقوى الدليلين أيضا، لأن الكتاب قطعي الثبوت، وظواهره وعموماته قطعية الدلالة عنده ،لأدلة ناهضة مشروحة في مفصلات كتب الأصول،وما إذا لم يخالف الخبر عاما أو ظاهرا في الكتاب، بل كان بيانا لمجمل فيه ، فيأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان ، ولا يدخل هذا في باب الزيادة على الكتاب بخبر الآحاد ، وإن توهم ذلك بعض من تعود التشغيب .
4-ومن أصوله أيضا في الأخذ بخبر الآحاد : أنه لا يخالف السنة المشهورة ، سواء أكانت فعلية أو قولية ، عملا بأقوى الدليلين أيضا .
5-ومن أصوله أيضا في الأخذ بذلك : أن لا يعارض خبرا مثله ، وعند التعارض يرجح أحد الخبرين على الآخر، بوجوه ترجيح تختلف أنظار المجتهدين فيها، ككون أحد الراويين فقيها أو أفقه بخلاف الآخر.
الجزء 1 · صفحة 30
6-ومن أصوله أيضا في ذلك : أن لا يعمل الراوي بخلاف خبره ، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ، فإنه مخالف لفتيا أبي هريرة ، فترك أبو هريرة العمل به لتلك العلة ، ومعه في الإعلال بمثل ذلك كثير من السلف ، كما تجد نماذج من ذلك في شرح علل الترمذي لابن رجب ، وإن ارتأى خلاف ذلك أناس ممن فقههم أقرب إلى الظاهرية .
7-ومن أصوله أيضا رد الزائد متنا كان أو سندا إلى الناقص ، احتياطا في دين الله ، كما ذكره ابن رجب ،وإغفال هذا الأصل عند بعض متأخري أصحابنا ، في مناقشاتهم مع المخالفين ، من قبيل إلزام الخصم بما يراه هو .
8-ومن أصوله أيضا : عدم الأخذ بخبر الآحاد فيما تعم به البلوى – أي فيما يحتاج إليه الجميع حاجة متأكدة مع كثرة تكرره - فلا يكون طريق ثبوت ذلك إلا الشهرة أو التواتر ، ويدخل في ذلك الحدود والكفارات التي تدرأ بالشبه .
9-ومن أصوله أيضا أن لا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم .
10-ومن أصوله أيضا في خبر الآحاد : أن لا يسبق طعن أحد من السلف فيه .
11-ومنها : الأخذ بأخف ما ورد في الحدود والعقوبات عند اختلاف الروايات .
12-ومنها استمرار حفظ الراوي لمرويّه من آن التحمل إلى آن الأداء ، من غير تخلل نسيان .
13-ومنها : عدم تعويل الراوي على خطه ما لم يذكر مرويّه .
14-ومنها: الأخذ بالأحوط عند اختلاف الروايات في الحدود التي تدرأ بالشبهات، كأخذه برواية قطع السارق بما ثمنه عشرة دراهم، دون رواية ربع دينار من حيث إنه ثلاثة دراهم ، فتكون رواية عشرة دراهم أحوط وأجدر بالثقة ، حيث لم يعلم المتقدم من المتأخر حتى يحكم بالنسخ لأحدهما .
15-ومنها: الأخذ بخبر تكون الآثار أكثر في جانبه .
الجزء 1 · صفحة 31
16-ومنها:عدم مخالفة الخبر للعمل المتوارث بين الصحابة والتابعين، في أي بلد نزله هؤلاء، بدون اختصاص بمصر دون مصر، كما أشار إلى ذلك الليث بن سعد فيما كتب به إلى مالك.وله أصول أخرى من أمثال ما سبق ، تحمله على الإعراض عن كثير من الروايات عملا بالأقوى) (1)
وهذه القواعد والأصول تدل على احتياط بالغ للسنة النبوية، ولم ينفرد بهذه الأصول الفقهاء الحنفية دون سواهم، بل يشاركهم فيه كثير من أئمة الفقه و الحديث ،وما تفردوا به هو موضع للاجتهاد والبحث والدراسة.
ثانيا: نقد المتون:يرى أن المحدثين لم يركزوا كثيرا على نقد المتون وإنما كان تركيزهم على نقد الأسانيد أكثر يقول -رحمه الله-:"والواقع أن المحدثين يقتصرون في الغالب على نقد الحديث من جهة السند ،فلا يعنون بالاضطراب في المتن قدر عنايتهم باضطراب السند، والنقد الذي يسميه أصحاب غولد زيهر نقدا داخليا يقوم به أهل الفقه والاستنباط، والفريقان تقاسما وجوه نقد الحديث"(2)
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ ليس على إطلاقه لأن أكثر المحدثين المتقدمين قد جمعوا بين الفقه والحديث،ونقدوا السنة سندا ومتنا،كالإمام مالك،والشافعي وأحمد ،وابن راهوية،والسفيانين، والبخاري ،والترمذي وأبي داود والنسائي،وابن خزيمة وابن حبان،وغيرهم ممن جمع بين الفقه والحديث ومؤلفاتهم في الحديث والعلل والرجال أصدق دليل على ذلك.وكلامه ينتزل على طائفة قصر نظرها على الراوايات ولم تهتم كثيرا بالتفقه فيها،وكثر هؤلاء في القرون المتأخرة.
والكوثري لكونه جامعا بين الفقه والحديث يهتم كثيرا بنقد الحديث سندا ومتنا،ولا يكتفي بالنظر في سنده فقط كما حال كثير من المتأخرين والمعاصرين.وأمثلة ذلك عنده كثيرة نكتفي بذكر مثالين منها:
المثال الأول:نقده لحديثي:"تخيروا لنطفكم"و"إياكم وخضراء الدمن"
(1) - فقه أهل العراق وحديثهم ص 36-38.
(2) - مقالات الكوثري:ص 55.
الجزء 1 · صفحة 32
فبعد أن أفرد مقالا خاصا وبحثا مستفيضا بين فيه عدم صحة هذين الحديثين،ناقلا كلام أئمة الشأن فيهما- بين في مقال آخر ضعف هذا الحديث ناقدا متنه وألفاظه فقال:"إن ذلك المثل العربي(إياكم وخضراء الدمن) غير واضح المدلول،بل ربما يفهم منه ما يتنافى مع آية(وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) فها هو ابن نوح عليه السلام لم ينفعه منبته الطيّب،ولا ضر عكرمة رضي الله عنه كون أبي جهل أباه.ومنابت كثير من زوجات الصدر الأول من شتى النحل والأديان والعناصر ماثلة أمام كل ملم بالحديث وعلومه والسير والتاريخ.ثم موقع النطف هنا ليس كموقع النطفة في القرآن الكريم عند بيان أطوار الخلقة البشرية ،وقدرة القادر الحكيم،في النقل من طور إلى طور،إلى أن يصبح ذلك الماء بشرا سويا،لأن التحدث عن ماء الشهوة بذلك التصريح،في باب بيان تخير الزوجات،ليس من دأب النبي –صلى الله عليه وسلم-،وهو الذي يكني عن النهي عن وطء الحبالى من السبايا بنهي كل امرئ عن أن يسقي ماءه زرع غيره.
وبيانه عليه السلام في تخير الزوجات يكون في الوضوح كذاك الحديث المتفق على صحته الناهي عن سوى ذات الدين،ولو كانت من البيوتات، فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة مرفوعا:"تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها،فاظفر بذات الدين تربت يداك" هكذا يكون بيان الرسول–صلى الله عليه وسلم-في تخير الألفاظ، ووضوح المعاني"(1).
المثال الثاني:نقده لحديث الجمل،وهو ما ورد أن جملا التجأ إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فاشتراه من صاحبه وحرره لوجه الله.فأورد الشيخ ما قاله فيه الحافظ ابن كثير "هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف (أي الأصبهاني في دلائل النبوة ) وفيه غرابة ونكارة في إسناده ومتنه أيضا" (2).
(1) - مقالات الكوثري:ص 48.
(2) - مقالات الكوثري:ص 49.
الجزء 1 · صفحة 33
فبين وجه النكارة في سنده،ثم أردف بيان وجه النكارة في متنه قائلا:"وفي الخبر تحرير النعم وتسييبه،وهذا مما أبطله الإسلام بعد أن كان من عادة الجاهلية، فلا يتصور أن يصدر ذلك من حضرة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه بعد إبطاله." (1).
سادسا:التصحيح بظواهر الأسانيد.لم يكن الشيخ ممن يغتر بظواهر الأسانيد ،فيسارع إلى تصحيح الأحاديث بناء على توافر شروط الصحة من عدالة الرواة وضبطهم واتصال السند،كما هي طريقة كثير من الفقهاء وبعض المحدثين المتأخرين ،بل كان يغوص في دراسة الحديث والبحث عن ما يمكن أن يخفي من علله،وخاصة في أحاديث العقائد والأحكام،فكان كثير الغوص والنظر في كتب العلل للأئمة المتقدمين ،وكان كثير النقل والاستفادة من "شرح علل الترمذي "لابن رجب الحنبلي،ويرى عدم الاقتصار على الكتب التي دونها المتأخرون في مصطلح الحديث فيقول في هذا الصدد:"ومن اقتصر نظره على كتب المصطلح للمتأخرين،فقد غطى على بصره أفق نظره"(2) وسنضرب بعض الأمثلة التي توضح صنيعه في ذلك :
المثال الأول:كلامه في أحاديث الطلاق الثلاث،وهي ما أورده الإمام مسلم في صحيحه(3):"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ.
(1) - مقالات الكوثري:ص 49.
(2) - الإشفاق على أحكام الطلاق:ص 44.
(3) - صحيح مسلم ،كتاب الطلاق باب الطلاق الثلاث رقم:2689و2690و2691 .
الجزء 1 · صفحة 34
وفي لفظ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتْ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ
وعَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ أَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً فَقَالَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ.
وأما الاحتمال الثاني منهما(أي عد الثلاث واحدة في تلك العهود) ففيه مخالفة لرأي الراوي الصحابي، فكم رد النقاد أحاديث بمخالفتها لآراء رواتها، كما بسط ابن رجب في شرح علل الترمذي، وهو مذهب يحي بن معين ويحي بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وابن المديني. وإن رأى بعض أهل العلم الاعتداد بالمروي دون رأي الراوي، ولكن هذا فيما إذا كان نصا أو احتمل احتمالا غير مرجوح، فأني يعتد باحتمال مصطنع على هذا الرأي أيضا؟ ومن اقتصر نظره على كتب المصطلح للمتأخرين فقد غطى على بصره أفق نظره ، وقد تواتر عن ابن عباس أنه يرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا ، وقد سبق رواية ذلك عنه بطريق عطاء وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم بل بطريق طاوس نفسه .
وفيه أيضا انفراد طاوس على خلاف رواية الآخرين وهذا شذوذ يرد به الحديث كما يرد بالأول.
وفيه أيضا أنه سبق من تخريج الكرابيسي ، أن ابن طاوس راوي هذا الخبر عن أبيه كَذَّب من نسب إلى والده أن الثلاث واحدة .
وفيه أيضا أن لفظ طاوس ( إن أبا الصهباء قال )لفظ انقطاع ، وفي صحيح مسلم بعض أحاديث منقطعة .
وفيه أيضا أن أبا الصهباء إن كان مولى ابن عباس فهو ضعيف على ما ذكره النسائي ، وإن كان غيره فهو مجهول .
الجزء 1 · صفحة 35
وفيه أيضا أن في بعض طرق الحديث ( هات من هناتك) وجل مقدار ابن عباس أن يواجهه أحد من الصحابة في طبقته فضلا عن مولاه بمثل هذا الخطاب ولا يرد عليه بما يجب .
وفيه أيضا أنه على تقدير إجابته من غير أن يرد عليه يكون الجواب من هناته المردودة باعترافه ، وقد شهر حكم رخص ابن عباس بين السلف والخلف ، وعادة مسلم أن يحشر طرق الحديث في صعيد واحد تسهيلا للحكم في الحديث ، وهي طريقة بديعة في تعريف مرتبة لحديث وفيه أيضا خروج عمر على الشرع بالرأي ، وجل مقدار عمر رضي الله عنه عن مثل ذلك .
وفيه أيضا وصم جمهور الصحابة بأنهم لا يحكّمون النبي –صلى الله عليه وسلم – فيما شجر بينهم ، بل يحكّمون الرأي ، وهذه شناعة لا يرتضيها للصحابة رضي الله عنهم إلا الروافض، ومصدر هذا الشذوذ الروافض عند أهل التحقيق .
وأما عَدُّ ذلك عملا سياسيا يسوغ لعمر عمله تعزيرا ، فحاشاه عن ذلك ، فمن الذي يبيح الخروج على الشرع سياسة ؟ فتلك عشرة كاملة ، تقضي على الأخذ بالاحتمال الثاني من الاحتمالين الأخيرين ، فإذن تعين الاحتمال الأول منهما على تقدير صحة الحديث ، وكنت عللت هذا الحديث فيما علقته على ذيول طبقات الحفاظ بما يقرب من هذا البيان على أن القول بأن الثلاثة واحدا ليس من قول المسلمين في شيء )... (1)
(1) - الإشفاق على أحكام الطلاق:ص 44..
الجزء 1 · صفحة 36
المثال الثاني:كلامه في بعض أحاديث الصفات ،فمن ذلك كلامه على حديث الصورة المخرج في الصحيحين والسنن،فقال:"اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه قي الصحيحين وجامع الترمذي وتوحيد ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها،ولم يسبق أن عرفوه على صورة،فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت،على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم القيامة،فيكون هذا الحديث مخالفا لنص القرآن،إلا عند من يأوله تأويلا بعيدا، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي أو ذاك باختلافهم فيها، والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا عليه،فلعلك لا تجد في ذالك ما يوقعك في ريبة أو شبهة"(1).وتجد فيما علقه الشيخ على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي وغيره من كتب العقائد أمثلة كثيرة على ذلك.ولسنا بصدد مناقشة الشيخ فيما ذهب إليه من إعلال بعض الأحاديث التي ظاهرها الصحة مما هو مخرج في الصحيحين أو أحدهما أو فيما يرد في كتب السنة بأسانيد ظاهرها الصحة،وإنما الإشارة هنا إلى أنه لم يكن مقلدا في التصحيح والتعليل،ولم يكن ممن يغتر بظواهر الأسانيد.
سابعا:العمل بالحديث الضعيف.من المسائل التي حررها الشيخ رحمه الله مسألة العمل بالحديث الضعيف،وتفسير ما ينقل عن الأئمة من التساهل في رواية الضعيف والعمل به.فيقول في بحث ومناقشة مستفيضة لبعض من يرى إطلاق القول في العمل بالحديث الضعيف:
(1) - التعليق على الأسماء والصفات للبيهقي :ص279.
الجزء 1 · صفحة 37
"...فأعدل الآراء في الأخذ، بالضعيف وأقواها حجة تقييد ذلك بشروط.قال السخاوي في خاتمة(القول البديع): وقد سمعت شيخنا-يعني ابن حجر- مرارا يقول،وكتبه لي بخطه:عن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:الأول متفق عليه،وهو أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. والثاني أن يكون مندرجا تحت أصل عام،فيخرج ما يخترع ،بحيث لا يكون له أصلا.والثالث أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته،لئلا ينسب للنبي-صلى الله عليه وسلم- مالم يقله. قال:والأخير عن ابن عبد السلام وصاحبه ابن دقيق العيد،والأول نقل العلائي عليه الاتفاق.
هذا هو نص عبارة ابن حجر في المسألة، فيظهر من ذلك أن هذا ليس برأي مبتكر من ابن حجر،بل الشرط الأول مما اتفق عليه نقاد الحديث...فيسقط ما يحكى في عداد الآراء عن بعضهم من تجويز الأخذ بالضعيف على الإطلاق.وإنما ذلك سوء فهم وغلط في التوليد والاستنتاج،مع بعده في ذاته عن الحجج"(1).
ثم بين أن المنع من الأخذ بالضعيف على الإطلاق مذهب جماعة من أهل الحديث،فقال"والمنع من الأخذ بالضعيف على الإطلاق مذهب البخاري ومسلم ،وابن العربي –كبير المالكية في عصره- وأبي شامة المقدسي-كبير الشافعية في زمنه-وابن حزم الظاهري،والشوكاني،ولهم بيان قوي في المسألة لا يهمل"(2).
كما أزاح الشيخ إشكالا مهما في هذا الموضوع وهو تفسير ما نقل عن الأئمة المتقدمين مما ظاهره العمل بالضعيف فقال :"إن ظاهر كلام هؤلاء الأعلام العمل بالضعيف في الفضائل مطلقا،لكن الواقع أن كلام النسائي وأبي داود وراوية البيهقي عن ابن مهدي،وقول ابن عبد البر،في رواية الحديث الضعيف وتخريجه لا في العمل به،كما يظهر لمن ينظر في ألفاظهم"(3).
(1) - المقالات :ص 46..
(2) - المقالات:ص 47..
(3) - المقالات :ص 47..
الجزء 1 · صفحة 38
وبين أن المراد مما نقل عن الإمام أحمد من العمل بالضعيف مالم يكن شديد الضعف فقال: " على أن المراد بالضعف في كلام أحمد هنا الضعف غير المتروك لا الشامل للمتروك وغيره،كما حققه ابن تيمية في منهاجه وابن القيم في إعلام الموقعين"(1).وما حققه ابن تيمية وابن القيم هو أن الضعيف في استعمال الإمام أحمد هو مرادف للحسن اصطلاحا عند المتأخرين(2).
هذه نماذج من آرائه في الحديث وعلومه واستيعاب كل آرائه لا يفي به مثل هذا البحث الموجز. وهناك مسائل كثيرة بحثها الشيخ وتكلم فيه كلاما علميا دقيقا منها: تعارض الجرح والتعديل،وكيفية الترجيح بين روايات الصحابة.والمنهج الصحيح في تقوية الأحاديث الضعيفة.والتدليس والانقطاع في الحديث،وخبر المجهول ،وتفرد الرواة ،وغيرها مما يحتاج إلى بيان ودراسة،وفيما قدمناه –إن شاء الله – ما يحفز الباحثين على التقصي أكثر،في دراسة آراء العلامة الكوثري دراسة علمية موضوعية منصفة.مع دراسة آراء مخالفيه من أهل الحديث المعاصرين له ،الذين كانت بينه وبينهم ردودا ومناقشات كالشيخ العلامة المعلمي رحمه الله في كتابيه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"و"طليعة التنكيل" والشيخ العلامة أحمد بن الصديق الغماري في كتابه"بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري أو رد الكوثري على الكوثري" و الشيخ عبد الرزاق حمزة في كتابه"المقابلة بين الهدى والضلال" والشيخ العلامة أحمد شاكر وغيرهم، رحم الله الجميع،وغفر لهم.
الخاتمة.
وبعد هذه الجولة السريعة في تراث الشيخ الكوثري الحديثي ،نخلص إلى جملة من النتائج والتوصيات:
أولا:كشف البحث عن الخلفية العلمية القوية للشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري في الحديث وعلومه،وعن الجهود العظيمة التي بذلها في خدمة السنة النبوية والعناية بها.
(1) - المقالات :ص 47..
(2) - انظر تفصيل هذه المسألة في كتابي "منهج الإمام أحمد في التعليل وأثره في الجرح والتعديل" ص 405-420.
الجزء 1 · صفحة 39
ثانيا:أبان البحث عن جوانب كثيرة من الإبداع والشمولية في أعمال الكوثري الحديثية،وعن المنحى الاجتهادي فيها.
ثالثا:أبرز البحث مدى تفاعل الشيخ الكوثري مع عصره،وتوظيفه لعلوم الحديث لخدمة الفقه الإسلامي،والذب عن الإسلام وتاريخه ضد شبهات وغارات أعدائه.
رابعا:للعلامة الكوثري بعض الآراء والاجتهادات الحديثية تعد قمة في التحقيق العلمي ،والتحرر من ربقة الخلفيات المذهبية،كما له آراء أخرى انعكست فيها الخلفية المذهبية على حساب الحقيقية العلمية.
ولذا نرى من الضرروي تناول هذا التراث الضخم للكوثري في دراسات أكاديمية تخصصية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه تستوعب كل آرائه واجتهاداته الحديثية بالدراسة والتحليل والتقويم.مع محاولة طباعة مالم يطبع من كتبه وآثاره في الحديث وغيره.
رحم الله الشيخ الكوثري ،وتقبل منه، وتجاوز عنه ،وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قائمة المصادر والمراجع
الإشفاق على أحكام الطلاق:محمد زاهد الكوثري،المكتبة الأزهرية للتراث،القاهرة 1415هـ 1994م.
الإقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد، دراسة تحقيق د/عامر حسن صبري دار البشائر الإسلامية-ط1-بيروت 1417هـ-1996م.
الإمام الكوثري"لأحمد خيري،بذيل مقالات الكوثري،ط دار السلام ،القاهرة،1418هـ
البداية والنهاية لعماد الدين ابن كثير،دار الفكر،دت.
بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري أو رد الكوثري على الكوثري:لأحمد بن محمد بن الصديق الغماري،تحقيق وتخريج علي حسن الحلبي-ط2- دار الصميعي،الرياض،1417هـ 1996م.
تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب،لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري،المكتبة الأزهرية للتراث،القاهرة1419هـ-1998م
التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز لمحمد زاهد الكوثري ، المكتبة الأزهرية للتراث،القاهرة
تذكرة الحفاظ لشمس الدين الذهبي ،دار الكتب العلمية،بيروت ،1419-1998.
الجزء 1 · صفحة 40
الأسماء والصفات للبيهقي:قدم له وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري،المكتبة الأزهرية للتراث،1419هـ-1999م.
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل لعبد الرحمن المعلمي اليماني،المكتب الإسلامي،بيروت1406هـ-1986م.
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:الطبعة المصورة عن طبعة مجلس دائرة المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن الهند،دت.
ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، لشمس الدين الذهبي،تحقيق عبد الفتاح أبوغدة مكتب المطبوعات الإسلامية،1419هـ-1999م.
سير أعلام النبلاء :لشمس الدين الذهبي ،تحقيق شعيب الأرناؤوط ونعيم العرقسوسي،مؤسسة الرسالة.بيروت،1413هـ .
شذرات الذهب في أخبار من ذهب : لابن العماد الحنبلي،منشورات دار الآفاق الجديدة،بيروت.
شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري عصره وآراؤه -دراسة تحليلية لمؤلفاته وآرائه الإصلاحية- للدكتور عمار جيدل على شبكة الأنترنت.
صحيح مسلم.لمسلم ببن الحجاج القشيري ،تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي،دار الكتاب المصري،القاهرة،دت.
الضعفاء الكبير،لأبي جعفر العقيلي،تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي،دار الكتب العلمية-ط2-بيروت 1406هـ
طبقات الحفاظ:لجلال الدين السيوطي،دار الكتب العلمية-ط2-بيروت –لبنان1414هـ-1994م.
طبقات الشافعية لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي،دار الفكر ،بيروت-ط1-1416هـ-1996.
طبقات الشافعية: للسبكي،أبوبكر أحمد بن عمر،تحقيق: عبد العليم خان،دار عالم الكتب-ط1-1407هـ
فقه أهل العراق وحديثهم للكوثري:تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ،المكتبة الأزهرية للتراث،القاهرة2002 م.
قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث:لجمال الدين القاسمي،دار الكتب العلمية ،بيروت،دت.
لسان الميزان:لشهاب الدين ابن حجر العسقلاني،مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،بيروت،1406هـ-1986م
مقالات الكوثري،لمحمد زاهد الكوثري،-ط1-دار السلام للطباعة والنشر،القاهرة،1418هـ-1998م.