تعدد الزوجات
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
تعدد الزوجات
للإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
تعدد الزوجات والطلاق:
كثر التساؤل عن حكم المنع من التزوج بأكثر من واحدة، وحكم الحد من الطلاق فى الإسلام بمناسبة ما برزت في الصحف من هواجس أناس سبق أن كرعوا من مناهل الغرب العكرة فأخذوا لا يتحاشون من أن يحاولوا تحوير أحكام الشرع على غرار ما رأوه هناك ولو على مراحل، لكن من المؤكد أن إيقاف تلك المحاولة المتطرفة مضمون بإذن الله، إذ لا يتصور أن يكون أهل الحل والعقد فى هذا البلد الأمين أعوانا للمتطرفين.
أما حكم تعدد الزوجات فى الإسلام، فأجلى من أن يشتبه فيه، وأهل الجاهلية كانوا يتزوجون من النساء ما شاءوا غير متقيدين بعدد محدود، وأهل الكتاب غير أهل التلمود كانوا يقتصرون على واحدة في الزواج، فأتى الإسلام عدلا وسطا بين هذا وذاك حيث أباح للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة إلى الأربع إذا احتاج إلى ذلك ولم يخف هو أن لا يعدل بينهن فيما وكسوة ومبيت - لا فى الحب الذى لا يملكه ولا يستطيع أن يعدل فيه بنص الكتاب والسنة - وتقدير ذلك إلى الزوج لا إلى شخص سواه في نظر الشرع، فيكون إقحام شخص فى الأمر يكون له سلطان على الحيلولة دون اختيار الرجل بعد تراضى الطرفين؛ إكراها ممقوتا في الشرع.
وكذا الطلاق لم يكن له عدد محدود عند أهل الجاهلية، بل كانوا يطلقون نساءهم كلما شاءوا ثم يسترجعونهن إلى عصمتهم. كلما أرادوا وهن مرغمات ..
وأما أهل الكتاب فكانوا لا يرون الطلاق إلا عند ثبوت الفحشاء منهم غير مبالين بسوء المعاشرة بين الزوجين لسبب آخر مهما طم ذلك واستفحل وإلى اليوم يرتفع إلى عنان السماء أصوات مدوية من أهل الغرب تصم الآذان في الشكوى من ذلك.
وأتى الإسلام بجعل الطلاق بيد الرجل، فإذا استعصى عليه حسن المعاشرة مع زوجته - وعليه تدور سعادة الأسرة وشقاؤها وجودا وعدما. يطلق زوجته.
وها هو الكتاب والسنة متضافران في إسناد الطلاق إلى الزوج فقط، ولم يجعل الشرع الإسلامى الحيلولة دون طلاق الرجل بيد أحد سواه .. وتصور سلطان لأحد سوى الرجل على ذلك لا يكون إلا تشريعا كنسيا ينبذه الشرع الإسلامى ولا يرتضيه للمسلمين، وإمكان معيشة الرجل مع زوجته إنما يعرفه هو وكذا تقدير مبلغ الحاجة إلى التزوج بأكثر من واحدة باعتبار الظروف لا يكون إلا إليه، وزج أحد سوى الزوج فى أحد الأمرين لا يكون إلا تقييدا لمطلق الإباحة المنصوص عليه فى الكتاب والسنة، وتخصيصا للعام فيهما المفيد الشمول الحكم بدون مقيد ولا مخصص من الكتاب والسنة، فيكون هذا وذاك اجتراء على كتاب الله وسنة رسول الله وخرقا للإجماع اليقيني وخطورة ذلك كله مما لا يخفى على عالم ارتوى بالعلم من ينابيعه الصافية. وقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ ورباع} في العدد فى تخاطب أهل العلم بالأصول ويعين ذلك السياق، فلا يكون العدول عن النص من شأن من يدين بالنصوص، وقد وردت أحاديث كثيرة جدا فى إسناد النكاح والطلاق إلى الرجل وإباحة نكاح ما فوق الواحدة إلى الأربع، وأمره – صلى الله عليه وسلم- لغيلان بن سلمة الثقفى
وقيس بن الحارث الأسدى ونوفل بن معاوية الكنانى حينما أسلموا بإمساك أربع من نسوتهم ومفارقة من عداهن مما ورد بطرق كثيرة يقوى بعضها بعضا، بل نص ابن حزم والحاكم وابن حبان على بعض طرقها أنه صحيح - مع غض النظر منهم عن باقى الطرق - وتلك نصوص فى إحلال الأربع وما دونها، وفى تحريم ما فوق الأربع فيكون الكتاب والسنة متضافرين على أن الطلاق بيد الرجل فقط، وكذلك تزوج الأربع وما دونها بدون أن يكون حق التدخل الأحد سواه في هذا الأمر أيضا. وابن حزم ممن يضيق دائرة الإجماع جدا حيث يقول: لا إجماع غير إجماع الصحابة، ثم يكفر بخط عريض من ينكر ما ثبت بالإجماع عنده.
فدونك ما يقوله ابن حزم فى كتاب مراتب الإجماع: واتفقوا أن للرجل الحر العاقل المالك أمر نفسه المسلم أن يطلق إذا أحب، إذا وقع طلاقه في وقته وعلى سنة الطلاق والحد من الطلاق المقترح أعم من هذا، فيكون الاقتراح المذكور خرقا لهذا الإجماع، اليقينى كما تكون معاقبة المرء بما ساغ له في الشرع عدوانا وإكراها يأباهما الشرع.
قال ابن حزم أيضاً في كتابه المذكور: اتفقوا أن نكاح الحر البالغ العاقل العفيف الصحيح غير المحجور المسلم أربع حرائر مسلمات غير زوان صحائح فأقل حلال، واتفقوا أن نكاح أكثر من أربع زوجات لا يحل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فظهر أن من حق الرجل أن يتزوج أكثر من واحدة إلى الأربع بدون أن يكون لأحد حق التدخل فى ذلك، كما ظهر أن عزو الشوكاني إلى الظاهرية إباحة الزواج بأكثر من الأربع باطل، فيكون اقتراح تدخل آخر في تزوج رجل بأكثر من
واحدة خرقا لذلك الإجماع اليقينى أيضا عند ابن حزم؛ لأن إحلال الأربع وما دونها للرجل مما أجمع عليه الصحابة، بل مضت الأمة من صدر الإسلام إلى اليوم بدون وجود أى مخالف على أن الطلاق بيد الرجل فقط، وكذا التزويج بأكثر من واحدة إلى الأربع بدون أن يكون لأحد حق إكراهه على خلاف اختياره فلا يوجد إجماع أقوى من هذا الإجماع وذاك الإجماع.
وأما جواز الزيادة على الأربع فمما يميل إليه الشوكاني في وبل الغمام متابعة منه لبعض الروافض، وعزوه ذلك إلى بعض الزيدية باطل كما يظهر مما نقلناه من الروض النضير في الإشفاق على أحكام الطلاق كبطلان عزوه ذلك إلى الظاهرية بما نقلناه آنفا عن ابن حزم وبما ذكره ابن حزم أيضا في المحلى 9 441 حيث قال: ولا يحل لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة
وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام. وأما جواز نكاح الأربع ومن دونها فلا مخالف له أصلا في الأمة لا من الروافض ولا من غيرهم سوى نوابت العصر المتفرنجة، وأما الفقر فليس من موانع النكاح لا في الواحدة ولا فيما زاد عليها إلى الأربع، بل من بواعثه قال الله تعالى: {وأنكحوا الأيامى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وأما استعفاف من لا يجد نكاحا إلى أن يغنيه الله فبمعنى الانتظار بتعفف إلى وقت العثور على أسباب النكاح من رضا المخطوبة وغير ذلك، لأن الفقير الذى وجد امرأة ترضى الزواج به ليس من الذين لا يجدون نكاحا بل هو وجده فعلا. وأما الشرطان - السابق واللاحق - في قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ الآية فلم يشترط أحد من أهل العلم فى الزواج بأكثر من واحدة إلى الأربع تحقق أولهما، وهو الخوف من عدم الإقساط في اليتامى كما لم يشترط
أحد منهم في الزواج بواحدة تحقق ثانيهما وهو الخوف من عدم ا العدل بين النساء – فيكون الشرطان مما لا مفهوم له فى تفاهم أهل الفهم فى النصوص والله ولى الهداية.
الحكمة في تعدد الزوجات:
رأيت مقالا منشورا تحت هذا العنوان في عدد شهر صفر من سنة1364هـ من مجلة «العرب» الغراء - لسان حال إمارات الخليج الفارسي المنشورة في بومباي على أجمل طراز فى الطبع، لتكون حلقة الاتصال بين الهند والعالم العربى وهى مجلة راقية متصلة بأرقى البيئات العصرية فأحببت إطلاع القراء على ذلك المقال لتعم فائدته، وإلى القارئ الكريم نص المقال المذكور
الحكمة تعدد الزوجات التى أباحها ديننا الإسلامي الحنيف حكمة غفل عن كشف سرها الكثيرون، وقد ضرب حضرة النبي – صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة بتعدد زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، ليقتفى المؤمنون أثره الشريف في إقامة العدل بينهن ومراعاة القسطاس المستقيم وتتجلى هذه الحكمة في أن تعدد الزوجات إنما شرع لغاية حميدة، ومصلحة عامة للرجل والمرأة على السواء. فمثلا: إذا كانت الزوجة شاذة الأخلاق، لم توافق طباعها طباع زوجها، ولم تألف عاداتها، عاداته وكانت مقطوعة الأهل، ليس لها من يعولها .. فرحمة بها للزوج أن يتزوج بغيرها على أن تبقى هي في عصمته، وذلك ضمان لحياتها ومعيشتها و حفظ للعاطفة الإنسانية والود وإبعاد لها من البؤس الذى تلقاه فيما إذا تخلص منها بطلاق.
وقد يكون الرجل لا يجد مشتهاه من زوجته لمانع ضرورى، كالحمل والرضاع أو المرض المزمن مثلا فإنه والحالة هذه يحق له أن يتزوج. وقد تكون المرأة في حالة عقم أو بلغت سن الإياس، والرجل في حاجة إلى وجود نسل، فهل لهذه الأسباب يبقى الرجل منغص العيش منزعج البال لا يود فراق زوجته هذه
لحسن الصحبة وقدم المعاشرة معها، أم له حق أن يتزوج بأخرى تبقى معها وتعاونها وقت شدتها ومرضها حتى لا يأتى بامرأة أجنبية تخدمها وتكون شرا عليها وعلى الزوج، والعصمة لا تكون إلا وهو لنبي.
وفى حالة كثرة وجود النساء في قرية مثلا أو مدينة عقب حرب طاحنة فهل من الإنسانية والوجدان والمصلحة العامة تركهن يتكففن ويتشردن في الأزقة والطرقات ويكن عالة على المجتمع وشرا على الأمة، أم أن الواجب يحتم على الرجال في هذه الحالة صيانة أعراضهن وحفظ كرامتهن وانتشالهن من وهدة الشقاء والتعاسة هذه، ولا يتسنى ذلك إلا بالزواج.
ثم إن مصلحة الأمم - وهى لب هذه الحكمة - وجوب تعدد الزوجات عند الرجال لسبب النسل الذى هو سبب العمران وبه يكون الرقى والنهوض والتقدم، ولذلك يقول المشرع الأعظم سيدنا محمد --: التناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة.
ونظرة سطحية صغيرة إلى مركز المرأة قبل الإسلام وبعده تظهر لنا الفرق واضحا تجاه تعدد الزوجات، فالعرب في الجاهلية كانوا يأخذون ما شاءوا من النساء بدون قيد ولا شرط وهو إجحاف بحق المرأة، أما الإسلام فجاءهم وأمرهم ألا يزيدوا على أربع زوجات بشروط ثقيلة جدا تكفل للمرأة حياتها وسعادتها، وتجعل الرجل لا يقدم على الزواج إلا بعد التفكير الكلى ومراعاة تلك الشروط ليكون تطبيقها على غرض محمود، وقدرة تامة على الإنفاق وإقامة العدل بين زوجاته؛ ولهذا يقول القرآن الكريم في صدد ذلك صراحة وإن خفتم ألا تقسطوا في الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثلاث ورباع فإن
خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلكَ أَدْنَى أَلا تعولوا.
وبهذه المناسبة يقول فيلسوف الشرق المرحوم الشيخ طنطاوى جوهري إن من فوائد تعدد الزوجات تكثير النسل، وتقليل الزنا، والتكفل بمن ليس لهن كفيل والمحافظة على الأعراض عند ازدياد النساء وقلة الرجال وقال أيضا: إن التعدد الذى يعيبه الجاهلون سيأتي يوم يدرك فيه الناس فوائده فيميلون إليه ميلة واحدة ويعترفون بفضل القرآن الكريم.
وقال العلامة الأستاذ فريد وجدى: وقد أباح الإسلام تعدد الزوجات لتعذر كبح الطبيعة البشرية وقصر الرجال على زوجة واحدة، والدليل على ذلك أن المسيحية لم تستطع أن تحمى المجتمع هذا الشر فانتشرت المخادنات في البلاد التي تسود فيها المخادنة وهى شر اجتماعي خطير ونتائجه لا تقف عند حد، وقد أحل شرع موسى لم تعدد الزوجات.
وقال شوبنهور الفيلسوف: ولقد أصاب الشرقيون مرة أخرى في لمبدأ تعدد الزوجات لأنه مبدأ تحتمه وتبرره الإنسانية، والعجيب أن تقريرهم الأوربيين فى الوقت الذى يستنكرون فيه هذا المبدأ نظريا يتبعونه عمليا، فما أحسب أن بينهم من ينفذ مبدأ الزوجة الواحدة على وجهه الصحيح. المقال المنشور فى المجلة السابقة الذكر وفيه عبر لكل معتبر. انتهى
حول تعدد الزوجات أيضا:
سبق أن نشر في العدد ?? من مجلة الإسلام الغراء مقال بديع منقول من مجلة «العرب» الغراء المنشورة في بومباي - في حكمة تعدد الزوجات في الإسلام - وقد عنى كثير من أهل العلم بتبيين وجوه الشطط في محاولة المنع ذلك على خلاف المتوارث بين المسلمين من فجر الإسلام إلى اليوم وقد جاء اليوم 1945/7/15 في جريدة الاهرام حديث فيه ما نصه:
وأرى فيما يتعلق بتعدد الزوجات، أن الضرورة الاجتماعية - والدينية أيضا - تقتضى وضع قيود عليه. ومن الضروري أن يكون مفهوما أن المطالبة بتقييد تعدد الزوجات ليست اجتهادا أو تفلسفا أو من جانب القائلين بها ولكنها أمر نص عليه فى القرآن الكريم، واشترط في الآية الكريمة شرطان أساسيان للسماح بالزواج بأكثر من زوجة واحدة:
فأما الشرط الأول فالعدل وهو ما قطعت الآية بأنه مستحيل حين قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم 1. وأما الشرط الثاني فهو القدرة على الإنفاق، فإذا لم تتوفر هذه القدرة، وجب بحكم القرآن منع الزواج بأكثر من واحدة وهذا الوجوب ينبغي أن يقرر بقانون أو بلائحة، فالقرآن هو الدستور الذى يجمل الأحكام ويضع أسس القواعد الشرعية. وعلى المشرع بعد ذلك أن يتولى وضع اللوائح والتشريعات التي تفسر دستور الشريعة الإسلامية».
وفى ذلك مواضع يستوجب التعليق عليها لينجلي الاتجاه الصحيح في هذا البحث المتشعب.
أما قوله: «إن الضرورة الاجتماعية - والدينية أيضا - تقتضى وضع قيود عليه فرأى واجتهاد منه فى أول خطوة، وهذا يناقض قوله بعد ذلك: "ومن الضروري أن يكون مفهوما أن المطالبة بتقييد تعدد الزوجات ليست اجتهادا أو تفلسفا منى ... ومن الظاهر أن دعوى الضرورة الاجتماعية في المسألة والتبرؤ من التفلسف فيها أمران لا يجتمعان ثم الضرورة الاجتماعية التي يلمح إليها هى كثرة النسل من غير وجود من يعولهم، ومن الهين على أصحاب الشأن إيجاد أعمالاً للأيدى العاملة فتصبح كثرة النسل مفتاح كل خير للأمة الناهضة. وأما منع الناس من الزواج خوفا من كثرة النسل فسعى سلبى
يأباه الرجال الإيجابيون العمليون لما فى ذلك من التهرب مما ينهض الأمة. وأما قوله: "ولكنها أمر نص عليه فى القرآن الكريم فليس بوجيه حيث لم يرد فيه نص يقضى بتلك المطالبة ولا بذلك التقييد وإلا ما تأخرت تلك
المطالبة من فجر الإسلام إلى النصف الثانى من القرن الرابع عشر الهجري. وأما قوله: واشترط فى الآية الكريمة شرطان أساسيان للسماح بالزواج بأكثر من زوجة واحدة فأما الشرط الأول فالعدل وهو ما قطعت الآية بأنه استحالة العدل
مستحيل حين قال تعالى: {وَلَن تَستطيعوا أن تعدلُوا بَينَ النساء ولو حرصتم ففيه اشتراط العدل في الزواج بأكثر من واحدة - في رأيه مع بين النساء - فى نظره وفهمه - فبانتفاء الشرط ينتفى المشروط، فلا يكون تعدد الزوجات مشروعا مطلقاً فى نظره لاستحالة تحقق الشرط على أن اشتراط المحال مما لا يقع في شرع الله وأين التقييد من الاستحالة التي يدعيها؟! ثم إن الشرط في تخاطب أهل العلم. هو الموقوف عليه المتقدم كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة والعدل بين
النساء لا يعلم إلا بعد الزواج بهن فلا يصلح هذا المتأخر وجودا أن يكون شرطا لصحة النكاح لوجوب تقدم الشرط على المشروط، وغاية ما يكون قبل الزواج أن يظن ظان بالزوج أنه لا يعدل بين الزوجات، ومنع الزوج من النكاح بأكثر من واحدة بسبب أن شخصا - مأذونا كان أو قاضيا. يظن به أنه لا يعدل مما لا يسيغه قوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُعْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئًا بل قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ کے فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} ـ في أن الخوف المذكور هو خوف من يرغب فى النكاح لاخوف أحد سواه؛ لأن الخطاب في فانكحوا إنما هو للراغبين في النكاح فيكون الخطاب في فَإِنْ خفتم ألا تعدلوا فواحدة لهؤلاء فقط.
فظهر أن تقدير التمكن من العدل بين الزوجات في النفقة والكسوة والسكن هو إلى الزوج بنص القرآن بدون احتمال أن يكون الخطاب في هذا وذاك إلى المأذونين أو القضاة أو غيرهم، فيكون جعل غير الزوج صاحب شأن في ذلك قلبا لحكم النص فى تخاطب أهل اللغة بهذا اللسان العربي المبين، وعلى قراءة النصب تقدير الكلام فاختاروا أو انكحوا واحدة وعلى قراءة الرفع فتكفيكم واحدة أو المقنع واحدة بتقدير الفعل أو المبتدأ كما هو ظاهر، ولا شأن لذلك في بطلان النكاح أو فساده عند الخوف من عدم العدل بين النساء باتفاق بين أهل العلم، والأمر فى فانكحوا ليس للوجوب فيكون الأمر المقدر في فَوَاحِدة مثله في مجرد استحسان هذا وذاك.
وأما مشروع سعادة علوبة باشا فربما يجد أذنا صاغية في الأزهر الذي يستبقيه سعادته بعد أن انتقل الشيخ بخيت إلى رحمة الله سبحانه، ثم العدل الذي لا يستطاع هو التسوية فى الحب كما يدل عليه ما بعده وهو فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيلِ
فَتَذروها كالمعلقة وحذفه في كلامه السابق يذكرنا قول من احتج على ترك الصلاة بقوله تعالى: ولا تقربوا الصلاة تاركا قوله تعالى: وأنتم سكارى والعدل المطلوب عند تعدد الزوجات هو التسوية في النفقة والكسوة والسكنى لا الحب الذى لا يستطاع العدل فيه، وحديث هذا قسمى فيما أملك ... في غاية من الشهرة وأبى الله أن يكون كتابه ينقض بعضه بعضا.
وأما اشتراط القدرة على الإنفاق فهذا أيضا كالشرط السابق، بل قوله تعالى: وليستعفف الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نَكَاحاً حتى يغنيهم الله. من فضله أمر بالعفاف إلى تيسر أسباب النكاح من رضا المخطوبة والمهر ونحو ذلك، لا الفقراء من الزواج منعا باتا وكم بين الصحابة - ل - من تزوج بنحو منع خاتم من حديد أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحاديث في ذلك أكثر من تستقصى، بل النكاح من أسباب الغنى في كثير من الأحوال قال الله تعالى: وأَنكِحُوا الأَيَامَى منكُمْ وَالصَّالحين من عبادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يعْنهم الله مِن فَضْلِهِ.
وأما قوله: «وأما الشرط الثانى فهو القدرة على الإنفاق فإذا لم تتوفر هذه القدرة وجب بحكم القرآن منع الزواج بأكثر من واحدة فتحميل لكلام الله مالا يحتمله ولا فرق بين الواحدة وما فوقها إلى الأربع في أن تقدير تمكن الرجل من الإنفاق هو إلى الرجل نفسه، وأما إذا قصر في النفقة بعد الزواج فينظر فى أمره القاضي كما هو مدون في الفقه.
وأما قوله وهذا الوجوب ينبغى أن يقرر بقانون أو بلائحة فالقرآن هنا هو الدستور الذى يجمل الأحكام، ويضع أسس القواعد الشرعية، وعلى المشرع بعد ذلك أن يتولى وضع اللوائح والتشريعات التي تفسر دستور الشريعة الإسلامية
فبعيد عن أفهام أهل الفقه فى الدين وعدول عن الخضوع لكتاب الله وسنة رسول الله وإجماع الأمة فى باب التشريع، لأن في كتاب الله المحكم والمفسر والمتشابه والمجمل والنص والظاهر والمؤول .. وغير ذلك من وجوه الوضوح والخفاء وأحكام ذلك كله مدونة فى كتب الأصول، وجعل القرآن كله دستورا مجملا لا يكون حق بيانه إلا إلى القوانين واللوائح الوضعية رأى طريف، خطر، وليس بيان المجمل فى كتاب الله تعالى عند المسلمين إلا لحضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وإنما أنزل الله سبحانه الذكر الحكيم عليه ليبينه للناس، ولا إجمال في تعدد الزوجات في الكتاب الكريم، بل حكمه في كتاب الله واضح جلى غير محتمل، بل الكتاب والسنة والعمل المتوارث من صدر الإسلام إلى اليوم متضافرة على أن من أراد أن يتزوج أكثر من واحدة إلى الأربع فله ذلك.
ولست أدرى وجها لمحاولة تقليب شرع الله بطنا لظهر في صدد التخلص من كثرة النسل التى لا يكون نهوض الأمة إلا بها، وبكثرة الأيدى العاملة.
كنت قبل نحو خمس وثلاثين سنة فى بلد إسلامي من أعمال سلسترة قرب الدانوب جمعني هناك مجلس من عمدة البلد وكان شبه عامى إلا أنه كان نبيها يقظا، فحكى فيما حكى أنه بحكم وظيفته ذهب إلى «خاص كوى للتفتيش وقال: إن هناك مدرسة بلغارية أحد مدرسيها البلغاريين كان يحاول أن يدخلني في بحوث دينية فى كل مقابلة، وقال لى يوما إن محمدا - رجل عظيم جدا، وفى شرعه مسائل حكيمة غاية الحكمة، حتى أكاد أعتنق الدين الإسلامي لولا ابتعاده في زعمه - النصفة في مسألة، إباحة تعدد الزوجات للرجل بدون إباحة تعدد الأزواج للمرأة .. فقال: العمدة فقلت له: هذه المسألة هى المسألة الوحيدة التى لا تستسيغها؟ قال نعم. فقلت له: أنا عامى ولست بعالم لكن يمكننى حل مشكلتك
هذه، فماذا يكون إذ ذاك موقفك؟ قال يكون موقفى التسليم. فقلت: إذا اقترنت امرأة برجل أيحصل بذلك علوق بولد؟ فقال نعم. وإذا اقترنت بثان أو ثالث أو رابع أيحصل لها أولاد جديدة فى بطن واحدة فى سنة واحدة؟ قال: لا، وإذا اقترن الرجل بامرأة أيحصل علوق؟ قال نعم، وإذا اقترن بثانية أو ثالثة أو رابعة أيمكن حصول أولاد من جميع تلك النسوة؟ قال نعم. قلت: هذا هو الفرق بين تعدد الزوجات وتعدد الأزواج وكثرة النسل مما ترغب فيه الأمم المتحضرة حتى لو أمكنهم أن يتوصلوا إلى أن تمطر السماء ذراري لفعلوا ثم الأحوال الاقتصادية والأسباب الصحية لا تبيح النكاح إلى عدد غير محدود فحدد الشرع إلى الأربع ليأخذ كل شخص بما تستلزمه أحواله. قال: فبهت مناظري. وأعجبنى هذا الجواب من مثل هذا العمدة، ولكن لا الإسلام دين الفطرة يقبل أحكامه كل ذي عقل سليم.