بناء مساجد على القبور والصلاة إليها
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
بناء مساجد على القبور والصلاة إليها
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
نشرت كلمات ضافية فى ذلك فى مجلة الأزهر وفي غيرها في المدة الأخيرة حتى وقع في عدد ربيع الآخر لسنة 1366 هـ من مجلة الأزهر بعد إيراد حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه وحديث أبى الهياج عنده أيضا: أن لا ندع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ما نصه:
وهما يدلان على عدم جواز إقامة بناء على القبر مطلقا، سواء أكان القبر في أرض مملوكة للبانى أم غير مملوكة كالأرض الموقوفة للدفن فيها أو المرصدة من ولى الأمر للدفن فيها؛ لأن ما جاء بهذين الحديثين مطلق غير مقيد بأرض دون أرض، فالذهاب إلى جواز ذلك في الأرض المملوكة وعدم جوازه فى الأرض المسيلة أو الموقوفة لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ثم استظهر صاحب التوقيع فى تلك الفتوى بكلام ابن القيم في إغاثة اللهفان فى مكايد الشيطان: وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها كلها لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور، فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة، فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى، لأنه لعن متخذى المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعليه
ونهى عنه، والله عز وجل يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما، وكذلك تجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطفيه.
فعلى هذا الرأى من صاحب التوقيع يجب على أولياء الأمور في بلاد الإسلام أن يمسكوا بمعاول الهدم ليعملوها فى هدم قباب الصحابة وأئمة الدين وصالحى الأمة فى مشارق الأرض ومغاربها والمساجد المضافة إليهم، وقباب ملوك الإسلام وأمراء الإسلام وغيرهم فى كل قطر، مع ما توارثت الأمة من خلاف ذلك خالفا عن سالف، ففى مثل هذه البلوى العامة يجب على العالم التروى واستقصاء أقوال أهل العلم في جميع. الطبقات ليجد بينها ما يزيل الحرج.
قال أبو عبد الله محمد الأبى المالكي في شرح صحيح مسلم 2-234 قال بعض الشافعية: كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء ويجعلونها قبلة يتوجهون إليها فى السجود فاتخذوها أوثانا فمنع المسلمون من ذلك بالنهى عنه، فأما من اتخذ مسجداً قرب رجل صالح أو صلى في مقبرته قصدا للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك فلا حرج في ذلك، واحتج لذلك بأن قبر إسماعيل – عليه السلام - فى المسجد الحرام عند الحطيم، ثم إن ذلك الموضع أفضل مكان للصلاة فيه.
وقال عبد الغني النابلسى الحنفى فى الحديقة الندية: 2-631 وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح أو صلى في قبره وقصد به الاستظهار بوجه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا للتعظيم له والتوجه إليه فلا حرج إذ مرقد إسماعيل - ام - عند الحطيم من المسجد الحرام، ثم إن ذلك الموضع أفضل مكان يصلى فيه. كذا في شرح المصابيح اهـ.
وفي شرح الدرر الإسماعيل النابلسى: فإن كان في المقبرة موضع أعد للصلاة ليس فيه قبر ولا نجاسة لا بأس به كما فى الخانية». وفي الحاوى وإن كانت القبور وراء المصلى لا يكره اهـ.
وقال عبد الغني النابلسى فى كتابه المذكور 2 - 630 في بحث إيقاد الشموع على القبور وهذا كله إذا خلا من فائدة وأما إذا كان موضع القبور مسجداً أو على طريق، أو كان هناك أحد جالس أو كان قبر ولى من أولياءالله أو عالم من المحققين تعظيما لروحه المشرقة على تراب جسده كإشراق على الأرض إعلاما للناس أنه ولى ليتبركوا به ويدعوا الله فستجاب لهم فهو أمر جائز لا منع منه والأعمال بالنيات.
وفي المدونة ?-??: قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوسع أن يصلى الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر، وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله. قال: وقال مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر. قال: وبلغني أن بعض أصحاب النبي - كانوا يصلون في المقبرة وقال مالك أيضا في المدونة ?-???: أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي تبنى عليها».
وقال الشافعي في الأم 1-246، وأحب أن لا يبنى القبر ولا يجصص فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة، وعن طاووس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تبنى القبور أو تجصص، قال الشافعى وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك، فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى فى حياتهم
أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء أن يبنى منها، وإنما ان هدم مالا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق ذلك بالناس.
وقال ابن حزم في المحلى 5-133 فإن بني عليه بيت أو قائم لم يكره ذلك، وكذلك لو نقش اسمه في حجر لم نكره ذلك وقد أنذر - م بموضع قبره بقوله ما بين قبرى ومنبري روضة من رياض الجنة. وأعلم أنه في بيته بذلك، ولم ينكر - عليه - كون القبر في بيت ولا نهى عن بناء قائم، وإنما نهى عن بناء على القبر قبة فقط.
يري هذا الظاهرى فرقًا بين دفن الميت فى بناء وبين بناء قبره نفسه وبناء قبة عليه بعد دفنه ومجال نظر المجتهد متسع في الأحاديث الواردة في ذلك، وقال أهل التفسير في قوله تعالى عن أصحاب الكهف قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسجدا أي المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظا لتربتهم - كما ذكره النيسابوري وغيره. وحكى النووي في المجموع 5-??? كراهة التجصيص وكتابة الاسم والبناء عن الجمهور ثم عزا إلى أبى حنيفة أنه لا يكره ذلك وأين لفظ الشافعي ومالك من كلام ابن القيم؟!.
وحديث أبي الهياج في إسناده اختلاف مع عنعنة حبيب بن أبي ثابت ومع كون التسوية غير معمول بها مدى الدهور وحديث جابر فيه عنعنة أبي الزبير والنهي عن الكتابة زيد فى بعض الروايات قال الحاكم في المستدرك ???: هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها؛ فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف.
وترك العمل بالحديث مدى القرون علة قادحة عند كثير من أهل النقد، فإذا حمل النهى على التنزيه فى النهى عن البناء وحملت التسوية في حديث أبي الهياج على البناء في المقبرة المسبلة هان الخطب وتوافقت الآثار، وطابق الحكم بالهدم بحديث ليس لعرق ظالم حق وزال الغلو والإسراف في تضليل الأمة وارتفع الحرج، نعم قول الإمامية بتجويز الصلاة إلى جهة قبور الأئمة بنية مزيد الثواب لا مهرب من دخوله فيما كان اليهود والنصارى يفعلونه، ولعل عند زميل صاحب التوقيع فى لجنة توحيد المذاهب ما يوضح هذه المسألة. ولنا عود إلى الموضوع إن شاء الله تعالى إذا لزم الكلام في المقارنة بين الأدلة والله سبحانه ولى التسديد.