الجزء 1 · صفحة 5
بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني
رضي الله عنه
تأليف
الإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي
توفي سنة (1371هـ)
وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى فضل بعض الفقهاء على بعض. أرشد طوائف منهم الى وجوه الفرق فيما بين الواجب والفرض. ووسع مداركهم في دقائق المسائل، وانار عقولهم إلى تعرف مراتب الدلائل. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالحنيفية السمحة البيضاء. وعلى آله المطهرين الأصفياء. وصحبه القادة الأتقياء. ما انفتقت قرائح الفقهاء لاستنباط أحكام الشريعة الغراء.
وبعد:
فان تاريخ الفقه يشهد بأن الكتب المؤلفة في مذاهب الألمة المتبوعين من المدونة والحجة والأم وما بعدها إنما ألفت على ضوء كتب ذلك الإمام العظيم أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنه، ولم تزال كتبه بأيدى الفقهاء من كل مذهب قبل حلول قرون التقليد البحت يتداولونها ويستفيدون منها تقديراً منهم لما امتازت به ـ على سبقها ـ من رصافة في التعبير، ووضوح في البيان، وإحكام في التأصيل، ودقة في التفريع مع التدليل على مسائل ربما تعزب أدلتها عن علم كثير الفقهاء من أهل طبقته فضلا عين بعدهم، على توسعها في توليد من المسائل فى الأبواب بحيث ينبيء عن تغلغل مؤلفها في أسرار العربية ويده البيضاء في اكتشاف أسرار التشريع، من غير أن تظهر على كلامه شهوه الانفراد والشذوذ عن الفقهاء عندما يناقشهم في آرائهم، ولا التحيل والتشغيب فى سبيل الدعوة إلى آراء استبانت له بخلاف ما ابتلى به كثير ممن ينتمى إلى الفقه. بل ينوه بفضل شيوخه عليه ويسجل أقوالهم في مؤلفاته عرفانا منه الجميلهم، ولم يغره اتساع علمه بل زاده اخلاصا إلى إخلاص فكافأه الله سبحانه على ذلك بأن بارك في علمه حتى أصبحت كتبه لحمة الكتب المدونة في جميع المذاهب بدون مغالاة، وأدام الاتتفاع بكتبه مدى القرون.
وأنت ترى أنه لم يصل الينا من أى فقيه فى طبقته أو في طبقة تقارب طبقته، كتب فى الفقه قدر ما وصل الينا من مؤلفاته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الجزء 1 · صفحة 7
وقد جمعت في هذه الأوراق ما يسهل نقله ولا يحسن جهله من سيرة ذلك الإمام الجليل عرفانا لجميله، وإنارة لبعض النواحى من تاريخ الفقه، وإثارة لاهتمام أهل الشأن باحياء مآثره، وسميت هذه العجالة (بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني) جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
نسبه و مولده ومنبت أرومته:
هو الإمام المجتهد أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني نسباً على ما ذكره الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الشافعى فى كتاب التحصيل فى أصول الفقه، وأقره الجلال السيوطي في (جزيل المواهب فى اختلاف المذاهب) وغالب أهل العلم على أنه شيبانى ولاء ولا نسباً والله أعلم. وغلط من قال في جده واقد بدل فرقد وقد ترجم ابن عساکر لوالده في تاريخ دمشق ووصفه بالغنى والثروة. وقال القاضي أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز البصرى - شيخ الإمام أبي جعفر الطحاوى -: محمد بن الحسن، أصله من قرية قرب الرملة بفلسطين أعرفها وأعرف قوما من أهلها، ثم انتقلوا إلى الكوفة اهـ. أخرجه أبى عبد الله الحسين بن على بن محمد الصيمري بسنده اليه فى كتابه) أخبار أبي حنيفة وأصحابه).
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدى فى الطبقات الكبرى: محمد ابن الحسن، أصله من الجزيرة وكان أبوه فى جند الشام فقدم واسط فولد محمد بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة ا هـ. وهو الصحيح في ميلاده وعليه أطبقت كلمات من ورخه من الأقدمين، وأما ما حكاه ابن عبد البر في الانتقاء ونقله ابن حلكان فى) وفيات الأعيان) من أنه ولد سنة خمس وثلاثين ومائة فسهو محض. وقال الخطيب في تاريخ بغداد: محمد بن الحسن، أصله دمشقى من أهل قرية تسمى حرستا) بمهملات بفتحتين فسكون قرية مشهورة بغوطة دمشق (قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط ونشأ بالكوفة) ا هـ.
ولعل الصواب أن أصله، من الجزيرة - من منتجع بني شيبان من ديار ربيعة - ثم صار والده فى جند الشام، وأثرى فأقام أهله مرة في حرستا ومرة بقرية فى فلسطين وكلتاهما من أرض الشام، ومن هناك انتقلوا إلى الكوفة وفى أثناء إقامة أبويه بواسط لأجل عمل كان والده تولاه بها ولد محمد ثم عادوا إلى الكوفة وبها كانت نشأته والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 8
مبدا أمره واتصاله بأبي حنيفة:
كان محمد بن الحسن رحمه الله ذكيا متقد الذهن، سريع الخاطر، قوى الذاكرة، ذا نفس وثابة إلى المعالى، جميل الخلق والخلق للغاية، سمينا خفيف الروح، ممتلئاً صحة وقوة. نشأ في بلهنية العيش ببيت والده السرى المثرى بالكوفة
ولما بلغ سن التمييز تعلم القرآن الكريم وحفظ منه ما تيسر له حفظه وأخذ يحضر دروس اللغة العربية والرواية وكانت الكوفة إذ ذاك مهد العلوم العربية، ودار الحديث والفقه منذ نزلها كبار الصحابة واتخذها على بن أبي طالب كرم الله وجهه عاصمة الخلافة. ولما بلغت سنه أربع عشرة سنة حضر مجلس أبى حنيفة ليسأله عن مسألة نزلت به. فسأله قائلا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعد ما صلى العشاء؟ هل يعيد العشاء. قال: نعم! فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء فلي زاوية المسجد وهو أول ما تعلم من أبى حنيفة فلما رآه يعيد الصلاة أعجبه ذلك وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى. وكان كما قال، ثم ألقى الله سبحانه فى قلبه حب التفقه فى دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه
فعاد إلى المجلدس يريد التفقه فقال له أبو حنيفه: استظهر القرآن أولا لأن المتفقه على طريقة أبي حنيفة فى حاجة شديدة إلى ذلك لأنه مادام الاحتجاج بالقرآن ميسوراً لا يعدل عنه إلى حجة سواه وله المنزلة الأولى في الحجة عنده حتى إن عموماته قطعية فيما لم يلحقه تخصيص.
ويظهر أن محمد بن الحسن لم يكن إذ ذاك جيد الاستظهار للقرآن فغاب سبعة أيام ثم ة أيام ثم جاء مع والده وقال: حفظته. وسأل أبا حنيفة عن مسألة فقال له أبو حنيفة: أخذت هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك؟ فقال محمد: من عندى فقال أبو حنيفة: سألت سؤال الرجال، أدم الاختلاف الينا والى الحلقة. ومن ذلك الحين أقبل محمد بن الحسن الى العلم بكليته يلازم حلقة أبى حنيفة، ويكتب أجوبة المسائل في مجلسه ويدونها وبعد أن لازمه أربع سنين على هذا الوجه مات أبو حنيفة رضى الله عنه ثم أتم الفقه على طريقة أبي حنيفة عند أبي يوسف هذا ما يتعلق بفقه أبي حنيفة
وأما الحديث فقد سمعه من أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من مشايخ كثيرة بالكوفة والبصرة والمدينة ومكة والشام وبلاد العراق بل جمع إلى علم أبي حنيفة وأبي يوسف علم الأوزاعي، والثورى، ومالك رضى الله عنهم حتى أصبح إماما لا يبلغ شأوه في الفقه قويا في التفسير والحديث حجة فى اللغة باتفاق أهل العلم ممن لم يصب بتعصب وهو القائل ورثت ثلاثين ألفا فصرفت نصفها
الجزء 1 · صفحة 9
فى اللغة والشعر والنصف الآخر في الفقه والحديث كما صح ذلك عنه بطرق
ويعلم مبلغ انصرافه إلى العلم مما رواه الذهبي في جزئه الذي ألفه في ترجمة محمد بن الحسن، وابن أبى العوام الحافظ عن الطحاوى
عن أبي خازم عن بكر بن محمد العمى عن محمد سماعة أنه قال: بين كان محمد بن الحسن قد انقلع قلبه من فكره فى الفقه حتى كان الرجل يسلم عليه فيدعو له محمد فيزيده الرجل فى السلام فيرد عليه ذلك الدعاء بعينه الذي ليس من جواب الزيادة في شيء، ومما رواه أبو خازم أيضا قال حدثني ابن بنت محمد بن الحسن قال قلت لأمى صفى ما كان جدى يعمل فى منزله قالت: كان والله يا بنى يكون فى هذا البيت وحوله الكتب
ما كنت أسمع له كلمة غير أنى كنت أراه يشير بحاجبه واصبعه وذكر الذهبي في جزئه والصيمرى والخطيب بسندهما عن محمد بن سماعة أنه قال: ان محمد بن الحسن قال: لأهله لا تسألونى حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلى فانه أقل لهمى وأفرغ لقلبي ا هـ. ومن خصه الله سبحانه بمثل تلك المواهب وأقبل إلى هذا الاقبال وأخلص هذا الاخلاص لابد وأن تثمر مساعيه هذا الاثمار رضى الله عنه ونفعنا ببركات علومه.
شيوخه في الحديث:
أما مشايخه في الحديث:
فمن أهل الكوفة أبو حنيفة، واسماعيل بن أبي خالد الأحمسى، وسفيان بن سعيد الثورى، ومسعر بن كدام، ومالك بن مغول، وقيس ابن الربيع، وعمر بن ذر، وبكير بن عامر، وأبو بكر النهشلى عبد الله قطاف، ومحل بن محرز الضبي، وأبو كدينة يحيى بن المهلب البجلي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودى، واسرائيل بن يونس، وبدر بن عثمان، وأبو الاحوص سلام بن سليم، وسلام بن سليمان، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم، وزفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، واسماعيل بن ابراهيم البجلى، وفضيل بن غزوان، والحسن ابن عمارة، ويونس بن أبى اسحاق السبيعي، وعبد الجبار بن العباس الهمداني، ومحمد بن أبان بن صالح القرشى، وسعيد بن عبيد الطائي: وأبو فروة عروة بن الحارث الهمدانى، وأبو زهير العلاء بن زهير
و من أهل المدينة مالك بن أنس، وابراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وعبيد الله بن عمر بن حفص
الجزء 1 · صفحة 10
العمرى، وأخوه عبد الله، وخارجة بن بن سليمان، ومحمد بن هلال، والضحاك بن عثمان، واسماعيل ابن رافع، وعطاف بن خالد، واسحاق بن حازم، وهشام بن سعد، وأسامة بن زيد الليثى، وداود بن قيس الفراء، وعيسى بن أبى عيسى الخياط، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وختيم بن عراك.
ومن أهل مكة سفيان بن عيينة الكوفى نزيل مكة، وزمعة بن صالح و اسماعيل بن عبد الملك، وطلحة بن عمرو، وسيف بن سليمان، وابراهيم بن يزيد الأموى، وزكريا بن اسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن ابن على النقفى الطائفى.
ومن أهل البصرة أبو العوام عبد العزيز بن الربيع البصرى، وهشام ابن أبي عبد الله، والربيع بن صبيح، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، واسماعيل بن إبراهيم البصرى، والمبارك بن فضالة.
ومن واسط عباد بن العوام، وشعبة بن الحجاج، وأبو مالك عبد الملك النخعي ومن أهل الشام أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي، ومحمد بن راشد المكحولى، واسماعيل بن عياش الحصى، وثور بن يزيد الدمشقى ومن خراسان عبد الله بن المبارك.
ومن أهل اليمامة أيوب بن عتبة التيمى وغير هؤلاء من أهل تلك البلاد وغيرهما ولم يزهد فى الرواية عن أقرانه وعمن هو دونه كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر.
بعض اصحابه وتلاميذه وجملة ممن اخذ عنه:
ولما طار صيت محمد بن الحسن في الآفاق وسارت بتصانيفه الركبان قصده أناس من أقاصى البلدان للتفقه عنده حيث كان بلغ أعلى مراتب الاجتهاد وان كان يحافظ على انتسابه لأبي حنيفة النعمان عرفانا الجميل يده عليه فى الفقه، ولم يضع استمراره على انتسابه هذا من مرتبته إلا عند من لا يعرف مراتب الرجال.
ويصعب استقصاء من تخرج به فنكتفى هنا بذكر جملة من أصحابه وتلاميذه ليعلم أنه شيخ المجتهدين في عصره: فمنهم أبو حفص الكبير البخاري أحمد بن حفص العجلى - ومنه كان البخاري تلقى فقه أهل الرأى وجامع الشورى قبل رحلاته -، وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجانى و به انتشرت الكتب الستة في مشارق الأرض ومغاربها، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي أحد
الجزء 1 · صفحة 11
الأئمة الأربعة، وأبو عبيد قاسم بن سلام الهروى ذلك الإمام المجتهد الكبير، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، ومحمد بن سماعة التميمي، وعلى بن معبد بن شداد الرقى جملة من روى الجامع الكبير والجامع الصغير، ومعلى بن منصور الرازي، وأبى بكر بن أبي مقاتل، وأسد بن الفرات القيرواني مدون مذهب مالك وشيخ سحنون، ومحمد بن مقاتل الرازي شيخ ابن جرير، ويحيى بن معين الغطفانى امام الجرح والتعديل، وعلى بن مسلم الطوسى، وموسي بن نصر الرازي، وشداد بن حكيم البلخى، والحسين بن حرب الرقى، وابن جبلة، وأبو العباس حميد، وأبو التوبة ربيع بن نافع الحلبي، وعبيد الله بن أبي حنيفة الدبوسي، وأبو بريد عمرو بن يزيد العجرمي، ومصعب بن عبد الله الزبيرى، وأيوب بن الحسن النيسابوري، وخلف بن أيوب البلخى، وعلى بن صبيح، وعقيل بن عنبسة، وعلى بن مهران، وعمرو بن مهير، ويحيى بن أكثم، وأبو عبد الرحمن المؤدب مؤدب آل شبيب، وعلى بن الحسن الرازي، وهشام بن عبيد الله الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران النسوى راوى الموطأ عنه، وشعيب ابن سليمان الکيساني راوى الكيسانيات عنه، وعلى بن صالح الجرجاني راوى الجرجانيات عنه، واسماعيل بن توبة القزويني راوي السير الكبير عنه، وأبو بكر ابراهيم بن رستم المروزى راوى النوادر عنه، وأبو زكريا يحيى بن صالح الوحاظى الحمصي من شيوخ البخارى بالشام، وأبو موسى عيسى بن أبان البصري راوى الحجج على أهل المدينة عنه ومؤلف كتاب. الحجج الكبير وكتاب الحجج الصغير وكتاب الرد على المريسي والشافعي في شروط قبول الأخبار، وسفيان بن سحبان البصري صاحب كتاب العلل وغيرهم
ومحمد بن عمر الواقدى روى عنه كما روى هو عن الواقدى وذلك من رواية الأقران بعضهم من بعض. ونكتفى بذكر هذا المقدار ممن تفقه لديه وأخذ عنه.
رحلته إلى مالك وسماعه الموطأ من لفظه:
وعندما بدأ الموطأ يذيع فى أوائل عهد المهدى رحل محمد إلى مالك ولازمه ثلاث سنين وجملة ما سمعه لفظ مالك من الحديث نحو ذلك بطرق عنه. وسمع من سائر شيوخ نحو سبعمائة حديث مسند كما المدينة في هذه الرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته السابقة
وللموطأ نحو اثنتين وعشرين رواية نختلف زيادة ونقصاً يشير الى ذلك الدارقطنى فى جزء ألفه فى اختلاف الموطات واتفاقها، وموطأ محمد يعد من أجود الموطات ان لم يكن أجودها مطلقا لأنه
الجزء 1 · صفحة 12
سمعه من لفظه بترو في مدة ثلاث سنوات، ولأنه يذكر بعد أحاديث الأبواب ما اذا كانت تلك الأحاديث مما أخذ به فقهاء العراق أو خالفوه مع سرد الأحاديث التى بها خالفوا تلك الأحاديث. وهذه ميزة عظيمة يمتاز بها موطأ محمد عن باقى الموطات، كما أن موطأ يحيى الليثي المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين يمتاز عن الباقى بسرده آراء مالك في مسائل بعد ذكره الأحاديث، وإنما كان مللك كتب الموطأ لنفسه لئلا يغلط هو عند إسماعه لأحاديثه لا لأجل أن ينسخوه وينداولوه، ولذلك كان مالك يتصرف فيه زيادة ونقصا عند كل سماع. فاختلفت النسخ باختلاف سماع الرواة فيكون كل رأوهو المدون لروايته باعتبار سماعه عليه لا بمجرد النسخ من نسخته، وهذا هو سر اختلاف نسخ الموطا إلى نحو اثنتين وعشرين نسخة فيعلم من ذلك أن عمل محمد في الموطأ يعد عملا جليلا جداً عند من يعنى بأحاديث الأحكام على أن أحاديث الحجاز كانت مشتركة بين علماء الأمصار معلومة لهم مروية عندهم لكثرة حجهم وزيارتهم ولا يفوتهم شيء منها في الغالب. وإنما المهم معرفة ما إذا كانوا أخذوا بتلك الأحاديث أم تركوها الأدلة أخرى وقام محمد في موطئة بتعريف ذلك حيث بين مواطن الأخذ كما بين مواضع انترك بأدلته.
بعض ما جرى بينه وبين مالك ومقارنة أهل العالم بينهما:
روى الخطيب بسنده إلي مجاشع بن يوسف أنه قال: كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتى الناس فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حدث) وذلك قبل أن يرحل إليه لسماع الموطأ منه) فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟. فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد. قال فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر لا يدخل الجنب المسجد. فلما أكثر عليه قال له. مالك: فما تقول أنت في هذا؟. قال يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه - وأشار إلى الأرض - ثم نهض. قالوا: هذا محمد بن الحسين صاحب أبي حنيفة. فقال مالك: محمد بن الحسن، كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟. قالوا: إنما قال من أهل هذه وأشار إلى الأرض. قال هذا أشد على من ذاك ا ويقال: إن محمد بن الحسن حضر يوماً مجلس مالك فوجده يقول ما معناه، لا تصدقوا أهل العراق ولا تكذبوهم وأنزلوهم منزلة أهل الكتاب. فلما بصر مالك بمحمد، تغير وخجل وجعل يقول: هكذا كان يقول بعض مشايخنا. والله أعلم بصحة هذا الخبر. وروى أبو اسماعيل الهروى في ذم الكلام بسنده إلى الشافعي كأنه سمع محمد بن الحسن يقول: رأيت مالكا وسألته عن أشياء فما كان يحل له أن يفتى. -
الجزء 1 · صفحة 13
ثم ذكر ما جرى بين الشافعي وبين محمد بن الحسن من الأخذ والرد فى ذلك على زعمه - ولفظ ابن عبد البر فى الانتقاء، أن محمد بن الحسن قال: ما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان لصاحبنا أبن يسكت. يريد أن مالكا، لم يكن متعينا للافتاء بحيث يجب عليه أن يفنى فى وقت خاص، لوجود علماء في طبقته وفيهم من هو أعلى كعباً منه في ذلك الوقت، وأما أبو حنيفة فلم يكن فى عهده من هو أكفاً منه في الفتيا وأيقظ منه. الفقه حتى تعين للافتاء ووجب عليه أن يفتى.
وهذا أمر لا يظهر إلا لمن يعلم مراتب علماء المدينة في عهد مالك، ومراتب علماء العراق فى زمن أبى حنيفة فعلى تقدير صحة هذا أو ذاك من محمد يظهر أبن محمد بن الحسن، وإن كان يقر مالك بكونه قانوة في الحديث لكنه لم يكن يراه بهذه المرتبة في الفقه ولفعل ذلك كثرة ما كان منه من قوله: لا أدرى فى المسائل، وبطئه في الجواب يسمع كما أنه لم يكن يرى عنده ما تعود أن يراه في علماء العراق من سرعة الخاطر، والاجابة الحاضرة على اطراد في التفريع واتساق في التأصيل ومثل محمد بن الحسن لا يلام فى المقارنة بين أهل العلم ولكل عالم رأيه في المقارنة بين العلماء لكن لا يخفى أبن مالك من أنس رضى الله ما كان إلا فى النوازل وكان يأبى الخوض في جواب منا يجيب وهذا هو الباعث على قلة إجابته عن المسائل حتى إن الموطأ من رواية يحيى الليثى الذي حوى آراء مالك مع أحاديثه، لم يشتمل إلا على نحو ثلاثة آلاف مسألة، وربما يكون هذا المقدار أقل بكثير مما ينتجه أبو حنيفة وأصحابه فى نحو ثلاثة أشهر. وأما كثرة المسائل في أسمعة المتأخرين المروية عن مالك فليست مما يطمئن إليها القلب كما ذلك يتبين مما قالوه فى عبد الملك بن حبيب وصاحب العتبية ومن بعدهما وقصارى الحقول فيها أنها تخريجات على رأى مالك
وصفوة القول: أن محمد بن الحسن سمع الموطأ مالك لكنه كان يرى أن في آرائه ما يرد عليه حتى صنف كتاب (الحجج (المعروف بالاحتجاج على أهل المدينة وتوجد نسخة مخطوطة منه في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة تحت رقم 124 ونسخة أخرى في مكتبة (نور عثمانية (باصطنبول تحت رقم 1492 وفيهما نقص وكنت اطلعت قبل سنين متطاولة على كراريس غلب على ظني أنها من الكتاب المذكور. تحتوى على أبواب خلت منها النسختان المذكورتان ثم سعيت جهدى أخيراً لأهتدى إلى موضع وجود تلك الكراريس من المجاميع في خزانات اصطنبول على بعد الدار لكن لم أهتد إلى موضع وجود تلك الكراريس بين المجاميع المحفوظة بها، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. وهو كتاب قلما تجد له نظيراً فى كتب الردود و تلفى فيما رد به الشافعي على مالك أثر ذلك الكتاب ملموساً في
الجزء 1 · صفحة 14
جميع خطوات الرد الوارد والا تجد مثل تلك الاجادة فيما رد به الشافعى على محمد في بعض مسائله.
وكثير من أهل العلم يفضل محمد بن الحسن على بعض مشايخه في الفقه فضلا عن مشايخه في الحديث. وقال الحافظ أبو القاسم بن أبي العوام السعدى سمعت الطحاوى يقول قال سمعت محمد بن سنان يقول سمعت عيسى بن سليمان يقول: لما قدم يحيى بن أكثم مع المأمون يريد مصر لقى يحيى بن صالح الوحاظى) من مشايخ البخارى بالشام) فقال له: يا أبا زكريا أيما كان أكثر تيقظاً مالك بن أنس أو محمد بن؟ فقال له يحيى بن صالح: كان محمد بن الحسن قائماً مستثقلا الحسن أيقظ من مالك جالساً مجتمعا ا هـ. وروى الخطيب، بسنده عن يحيى بن صالح أنه قال: قال لى ابن أكثم: قد رأيت مالكا وسمعت منه ورافقت محمد بن الحسن فأيهما كان أفقه؟. فقلت: محمد بن الحسن فيما يأخذه لنفسه أفقه من مالك اهـ. وما بين القوسين هكذا في النسخة المطبوعة ولعله مدرج من مصحح الطبع. وقال الذهبي: انتهت اليه رئاسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف وتفقه به أئمة وصنف التصانيف وكان من أذكياء العالم ا هـ
صلته بتدوين مذهب مالك ونفقه أسد بن الفرات:
عنه محمد بن الحسن: كان أسد بن الفرات خرج من القيروان الى الشرق سنة اثنين وسبعين ومائة فسمع الموطأ على مالك بالمدينة وكان أصحاب مالك ابن القاسم وغيره يحملونه على السؤال عن مسائل حيث كان مالك يتلطف معه ويجيبه عن مسائله دونهم لكونه رحل اليه من بلد بعيد لكن لما أكثر السؤال أخذ مالك يتضايق من ذلك حتى قال له يوماً: (سلسلة بنت سلسة اذا كان كذا كان كذا إن أردت هذا فعليك بالعراق). وفي لفظ أنه سأل مالكا يوماً عن مسألة فأجابه عنها فزاد أسد في السؤال فأجابه ثم زاده فقال له مالك: (حسبك يا مغربى إن أحببت الرأى فعليك بالعراق). فوجد أسد أن الأمر يطول عليه عند مالك ويفوته ما يرغب فيه من لقى الرجال والرواية عنهم فرحل الى العراق فلقى أبا يوسف و ناوله نسخته من الموطأ بروايته، بطلب من أبي يوسف فاطلع على أحاديث الموطأ برواية أسد، ولما بلغ ذلك محمد بن الحسن قال: أبو يوسف يكتفى بشم العلم. يريد أنه لم يرحل مثله لسماع الموطأ بل اكتفى بالتناول من يد من يطلب العلم عنده الكن أبا يوسف قديم الطلب للحديث وعنده سعة في رواية الآثار إذ ذاك فيكفيه أن يطلع على نسخة صحيحة من الموطأ وأما محمد بن الحسن فانما سمعه من مالك وهو في سن الطلب قبل أن يتسع فى معرفة الآثار فشتان ما بين الحالتين، فلعل هذا الكلام لا يثبت عن محمد بن الحسن وإن عزاه إليه بعض ذقدماء المغاربة بدون
الجزء 1 · صفحة 15
سند. فسمع أسيد بن الفرات بالعراق من أصحاب البجلي أبي حنيفة وتفقه عليهم: منهم أبو يوسف القاضي، وأسد بن عمرو، ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء العراق وكان أكثر اختلافه إلى محمد بن الحسن ولما حضر عنده قال له: (اني غريب قليل التفقه، والسماع منك نزر، والطلبة عندك كثير فما حيلتي؟). فقال محمد: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك فقبيت عندى وأسمعك. وقال أسد: وكنت أبيت عنده وينزل إلى ويجعل بين يديه قدحا فيه الماء ثم يأخذ فى القراءة فاذا طال الليل ورآني نعست ملا يده ونضح به على وجهى فأتنبه فكان ذلك دأبه ودأبى حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه ا هـ. وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة بعد أن علم أن نفقته نفدت وكان فى احدى المرات عطاه ثمانين ديناراً حينما رآه يشرب من ماء السبيل، وسعى فى نفقته عندما أراد أسد الانصراف من العراق فى حكاية طريفة يطول ذكرها وهى مسرودة في الجزء الثاني من معالم الايمان في تاريخ القيروان.
ولا أعلم بين أئمة العلم من كان يصبر صبر محمد بن الحسن في تعليم تلاميذه ولا من يؤثر إيثاره فى الانفاق عليهم خلا أستاذه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضى الله عنه. وأما ما يروى عن مالك رضى الله عنه من مشاطرته فى ماله للشافعي فمن قبيل تلك الحكايات المختلفة في رحلته المكذوبة التي سنبين وجوه كونها مختلقة ولم أر روايتها في كلام من يوثق بروايته بسند يعول على مثله بخلاف ما اهنا. ومما قاله أسد عن رحلته العراقية: (بينما نحن كنا مع بن الحسن يوما في حلقته اذ أتاه رجل يتخطى الناس حتى صار اليه فسمعنا محمداً يقول: إنا لله وانا اليه راجعون، مصيبة ما أعظمها مات مالك بن أنس، مات أمير المؤمنين في الحديث).
ثم فشا الخبر في المسجد وماج الناس حزنا لموت مالك بن أنس رضى الله عنه وكان اذا حدث عن مالك بعد ذلك اجتمع عليه الناس وانسدت اليه الطرق رغبة منهم في حديث مالك، واذا حدث عن غيره لم يجئه الا الخواص اهـ
وهذا مصداق ما روى الخطيب بسنده عن محمد بن الحسن أنه قال: ما أعلم أحداً أسوء ثناء على أصحابه منكم اذا حدثتكم عن مالك ملاقم على الموضع واذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتونى متكارهين اهـ.
ومثله فى الكامل لابن عدى والانتقاء لابن عبد البر ولا عجب في ذلك فان حديث العراقيين
الجزء 1 · صفحة 16
كان قد امتلأ به العراق فهم متمكنون من سماعه متى شاءوا وأما حديث مالك إمام دار الهجرة فيحق لهم أن يرغبوا في سماعه من مثل محمد بن الحسن ولا سيما بعد أن بلغهم نبأ وفاة مالك رضي الله عنه لبعد الدار وانقطاع عهد الرحلة اليه بوفاته مع اطراء محمدد لمالك هذا الاطراء وذلك سر تضاعف الرغبات في سماع حديثه فعذر أصحابه في ذلك ظاهر.
ثم انصرف أسد من العراق بعد أن زقه محمد العلم زقا، ومر في طريقه إلى بلده بالمدينة المنورة ليسأل بها أصحاب مالك عن المسائل التي تلقاها من محمد بن الحسن ولم يجد عندهم ما يطلبه بل أشاروا اليه بالرحيل إلى أصحاب مالك بمصر فارتحل ولما وصل إلى مصر قصد إلى عبد الله بن وهب وقال له: هذه كتب أبي حنيفة. وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك فتتورع ابن وهب وأبى فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب فأجاب فيما حفظ عن مالك، بقوله وفيما شك قال اخال وأحسب وأظن وتسمى تلك الكتب الأسدية ثم رجع بها إلى القيروان وحصلت له رياسة العلم بتلك الكتب. وهذا لفظ أبي اسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، وأما لفظ (نيل الابتهاج بتطريز الديباج) فهى ان أسداً أتى إلى ابن وهب وسأله أن يجيبه في مسائل أبي حنيفة على مذهب مالك فتورع فذهب إلى ابن القاسم فأجابه عنها بما حفظ عن مالك وفي غيره يقول سمعته يقول في مسألة، كذا وكذا ومسألتك مثلها.
ومنها ما أجابة على أصول مالك وهذه الأسدية هي أصل مدونة سحنون أصلح ابن القاسم منها أشياء على يد سحنون اهـ. ولفظ ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عند ترجمة عبد الرحمن بن القاسم في المجلد الرابع منه، كان أشبه سأل محمد بن الحسين عن مسائل ثم قدم مصر فسأل ابن وهب أن يجيبه فيما كان عنده منها مالك، وما لم يكن عنده مالك منها فمن عنده فلم يفعل فأتي عبد الرحمن القاء بين له فأجابه على هذا فالناس يتكلمون فى هذه المسائل ا هـ. و نقل ابن عبد البرنص هذه العبارة فى الانتقاء. وابن وهب يغلب علية الرواية فمثلة الابد وأن يأبى وأما ابن القاسم فقد لازم مالكا. نحو عشرين سنة بيقظة وانتباه يسمع منه ويتفقه عليه ومثله يكون أكثر إقداما على مثل ذلك والمالكية يفضلونه على باقى أصحاب مالك الفقه وأما كلام الناس فى مسائل ابن القاسم هذه فلاستبعادهم استظهار هذا المقدار العظيم المسائل عن مالك بدون كتاب مدون عنده لكن الحفظ أهب الله سبحانه، وذكر في معالم الايمان أن أسد بن الفرات بعد أن أبى ابن وهب مر بأشهب فسأله عن مسألة فأجابه فقال له أسد: من يقول هذا مالك أو أبو حنيفة؟. فقال أشهب: هذا من قولى عافاك الله. فقال له: إنما
الجزء 1 · صفحة 17
سألتك سن قول مالك وأبي حنيفة فتقول هذا قولى. فدار بينهما كلام فقال عبد الله بن عبد الحكم لأسد: مالك ولهذا؟ رجل أجابك بجوابه نان شئت فاقبل وان شئت فاترك. ففرق بينهما، فأتى أسد إلى عبد الرحمن بن القاسم وسألة كنة سبق. ويقال إن أشهب أزدرى مالكا وأبا حنيفة مرة حيث انجر الكلام إلى ذكرهما في مجلسه فقال له أسد يا أشهب يا أشهب يا أشهب. فأسكته الطلبة. وقيل له: ماذا أردت أن تقول له قال: أردت أن أقول له: مثلك ومثلهما، مثل رجل أتى بين بحرين فبال فرغى بوله فقال: هذا بحر ثالث .. ويقال بل قال ذلك له مشافية كما في معالم الايمان والله أعلم.
ولا يخفى أنه لولا الكتب التي تلقاها أسد من محمد فى فقه أبي حنيفة وقدمها لابن القاسم ليجاوبه عن مسائلها على مذهب مالك عن ظهر القلب لما تمكن أسد من الاجادة فى السؤال ولا ابن القاسم من الجواب عن كل مسألة يسأله فى أبواب الفقه على ترتيب أهل العراق فعلى ضوء كتب محمد تم تدوين أسد لتلك المسائل التي هي أصل مدونة سحنون. ولما أراد أسد الانصراف إلى المغرب بتلك المسائل التي دونها في ستين كتابا وسماها الأسدية قام عليه أهل فسألوه في كتاب الأسدية أن ينسخوه فأبى عليهم فقدموه إلى القاضي بمصر. فقال لهم القاضى: وأى سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلا فأجابه وهو بين أظهر كم فاسألوه كما سأله. فرغبوا إلى القاضي في سؤاله أن يقضى حاجتهم. فسأله القاضي فأجابه إلى ذلك - فنسخوها حتى فرغوا منها ونسخت نسخة أخرى منها في نحو ثلاثمائة رق) وهو المراد بالجلد فى لفظ ابن أبي حاتم (لتبقى عند ابن القاسم ولا بأس أن نشير هنا إلى أن الصلة بين المذهبين ليست مقتصرة على كون أسيد دون مذهب مالك على ضوء كتب محمد بل كان مالك كثير المذاكرة في الفقه مع أبي حنيفة كلما زار الثانى المدينة المنورة وذكر غير واحد من أهل العلم كيف كان يذاكره فى الفقه بالمسجد النبوى إلى أن ينبلج ضوء الفجر فى ليالى اقامة أبي حنيفة بالمدينة المنورة. وذكر القاضي عياض فى أوائل المدارك أن الليث بن سعد رأى مالكا وهو يعرق فسأله: أراك تعرق. فقال مالك: عرقت مع أبي حنيفة إنه لفقيه يامصرى.
الجزء 1 · صفحة 18
وأخرج ابن أبى العوام الحافظ عن يوسف أحمند بن المكي عن محمد بن حازم الفقيه عن محمد بن على الصائغ عن إبراهيم بن محمد عن الشافعي عن عبد العزيز الدراوردي: أن مالكا كان ينظر كتب أبي حنيفة (1) وينتفع بها كما في الجزء الرابع من فضائل أبي حنيفة، بالمكتبة الظاهرية بدمشق فى مجموعة محفوظة بها تحت رقم 62 وعلى ذلك الجزء طباق وسماعات و به تنم نسخة دار الكتب المصرية لأن بها خرما حاولوا اتمام فقصها بخط حديث إلا أنها لا تزال ناقصة فموضع الخط الحديث فى حاجة إلى النسخة الدمشقية المذكورة، وترى في الأم بعض مسائل يقول الشافعى فيها رواية عن الدراوردي: أحذها مالك عن أبى حنيفة بل روى الطحاوى عن الدراوردي أنه قال: كان عند مالك نفسه من مسائل أبي حنيفة نحو ستين ألف مسألة كما نقله مسعود ابن شيبة في كتاب التعليم له عن الطحاوى إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي ليس هذا موضع استقصائها وإنما طرقت هذا البحث عرضا ليعلم من لا يعلم أن الأئمة المتبوعين مثل أسرة واحدة ترى مالكا يذاكر أبا حنيفة في العلم في المسجد النبوى وينتفع بكتبه ومحمد بن الحسين يسمع مالك، والشافعي يسمع الموطأ على مالك ويتفقه على محمد الحسن، وأحمد يتفقه عند أبي يوسف والشافعى وينتفع بكتب محمد بن الحسن، وبهذا نالوا بركة العلم. وأما ما يروى من كلام بعضهم في بعض فأكاذيب لفقها أعداء الدين، وانخدع بها من انخدع من بسطاء أتباعهم راجع كلام الباجى فى شرحه على حديث الداء العضال المنتقى شرح الموطأ (ج ? ص ???) وأنت تعرف منزلة أبي الوليد الباجي هذا في الحديث والفقه وأصول الدين وعظم شأنه في مذهب مالك
(?) ومما يذكر فى مؤلفات الاقدمين من كتب أبي حنيفة كتاب الرأى ذكره ابن ابي العوام وكتاب اختلاف الصحابة ذكره أبو عاصم العامري ومسعود بن شيبة وكتاب الجامع ذكره العباس بن مصعب في تاريخ مرو وكتاب السير والكتاب الأوسط والفقه الأكبر والفقه الابسط وكتاب العالم والمتعلم وكتاب الرد على القدرية ورسالته إلى عثمان البتي في الارجاء وعدة وصايا كتبها لعدة من أصحابه وهذه .. الكتب مشهورة
الجزء 1 · صفحة 19
وأسد هذا هو ناشر مذهب أبي حنيفة ومالك بافريقية ثم اقتصر على نشر مذهب أبي حنيفة فاتنشر فى ديار المغرب لحد الأندلس حتى أصبح الأكثرون فى أفريقية على هذا المذهب الى عهد ابن باديس وترجم لاسد بن الفرات هذا القاضي عياض فى المدارك و ابن فرحون في طبقات المالكية وتوسع فى ترجمته صاحب معالم الايمان في تاريخ القيروان جد التوسع، وأسد هذا هو فاتح صقلية وناشر الاسلام بها وبها توفى سنة ثلاث عشرة ومأتين ولهذه الصلة الأكيدة بين المذهبين قرى أهل الغرب يعتبرونهما بحرين وما سواهما ساقية يستغنى عنها مع إخاء صادق بين الفريقين المتمذهبين بالمذهبين كما شرح ذلك صاحب أحسن التقاسيم عند ذكره للقيروان وكذلك ترى بعض كبار الفقهاء من المالكية يقول: إذا لم تكن فى مسألة رواية عن مالك يؤخذ بقول أبي حنيفة فيها، بل حصر بعضهم الخلاف بينهما فى اثنتين وثلاثين مسألة. راجع قمع أهل الزيغ والالحاد عن الطعن فى تقليد أئمة الاجتهاد للشيخ محمد الخضر الشنقيطي المالكي (ص 66 - 67). ولعلى لم أخرج عن الموضوع فيما أفضت فيه هنا
رحلة الشافعى إلى محمد بن الحسن وتفقهه عنده:
كان محمد بن الدريس الشافعي رضى الله عنه تفقه على مسلم بن خالد الزنجى بمكة ثم رحل إلى المدينة وهو ابن نحو أربع عشرة سنة فعرض الموطأ على مالك وسمع من إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى منافس مالك بالمدينة ثم رجع إلى مكة وسمع من ابن عيينة ثم ارتحل إلى اليمن للعمل عند بعض الولاة لضيق ذات يده فبقى باليمن يتقلب في الأعمال غير منصرف إلى العلم إلى أن ألقى القبض عليه بتهمة الانحياز للعلويين هناك ضد العباسية وحمل إلى العراق سنة أربع وثمانين ومائة ولما برئت ساخته من التهمة ألهم التفقه عند محمد بن الحسن حتى اتصل به ولازمه ملازمة كلية واستنسخ مصنفاته بصرف نحو ستين ديناراً وانصرف الى التفقه عنده انصرافا تاماً إلى أن سمع منه حمل بختى من الكتب ليس عليها إلا سماعه وأخذ يعتلى شأنه وأصبحت هذه المحنة منحة كبرى فى حقه لكونها مبدأ اعتلاء قدره.
ومما كتبه اليه في أول قدومه يستبطىء إعارة كتاب كان طلبه من محمد بن الحسن:
قل للذي لم تر عـ ... ن من رآه مثله
حتى كأن من رآ ... ه قد رأى من قبله
الجزء 1 · صفحة 20
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
فوجه به اليه فى الحال هدية لا عارية كما نقله ابن الجوزى بهذا مع اللفظ فى المنتظم عن الطحاوى وروى ابن عبد البر هذه الحكاية أبيات الشافعي هذه بسنده إليه فى جامع بيان العلم. ولفظ الصيمري، حدثنا أبعد إسحق النيسابوري المعروف بالبيع قال حدثنا محمد بن يعقوب الاصم قال حدثنا الربيع بن سليمان قال كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبه لينسخها فأخرها عنه فكتب إليه ـ تلك الأبيات قال فأنفذ الكتب إليه من وقته ا هـ. وذكر أبو إسحق الشيرازي أيضاً هذه القصة تلك الأبيات فى طبقات الفقهاء من غير سند، ومن المعلوم أن الشافعى رأى مالكا ووكيع بن الجراح وابن عيينة وقد اعترف في تلك الأبيات أنه لم ير مثل محمد بن الحسن وعده يمثل أبي حنيفة الذى لم يدركه الشافعى ولم يكن من الشعراء الذين يتزلفون بكل وسيلة فمثل هذا الكلام لن يصدر عن مثله إلا وقلبه يواطىء لسانه.
وقد ذكر الذهبي في تاريخه الكبير: قال أبو على الصواف حدثنى أحمد بن الحسن الحماني سمعت أبا عبيد يقول رأيت الشافعي عند محمد ابن الحسن وقد دفع اليه خمسين ديناراً وكان قد دفع انيه قبل ذلك خمسين درهما وقال إن اشتهيت العلم فالزم قال أبو عبيد فسمعت الشافعي يقول كتبت عن محمد بن الحسين وقر بعير ولما أعطاه محمد قال لا تحتشم قال لو كنت أنت عندى ممن الحتشمه ما قبلت برك. تفرد به الحماني وهو مجهول لكن قول الشافعى حملت عن محمد وقر بختي صحيح رواه ابن أبي حاتم ما تم قال حدثنا الربيع قال سمعت الشافعي يقول حملت عن محمد بن الحسن حمل بختى ليس عليه إلا سماعى قال أبو حاتم ثنا أحمد بن أبي سريج الرازي سمعت الشافعى يقول أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين ديناراً ثم تدبرتها موضعت إلى جنب كل مسألة حديثا انتهى ما قاله الذهبي. ومثله فيما لخصه ابن قاضي شهبة من تاريخ الذهبي بخطه أقول كان محمد بن الحسن يخفى بره لتلاميذه ولا يتسرب أمره إلى الرواة إلا من الذين كان ينفق هو عليهم وفي الرواية من هذه الجهة شيء وإن كان كثير البر خصوصاً في حق الشافعي كما روى عن الشافعي نفسه بطرق فيبعد أن يعطيه شيئاً والناس يشاهدون ذلك.
ومهم جداً أن يكون الشافعى حمل من محمد حمل جمل كتبا ليس عليها إلا سماعه لأن ما سمعه
الجزء 1 · صفحة 21
عليه ومعه العراقيون في مجلسه العام يكون عليه سماعه وسماع الآخرين. وأما الذي ليس عليه إلا سماعه فهو الذي سمعه هو خاصة فى مجالس خاصة كما فعل محمد بن الحسن مثل ذلك أسد بن الفرات وأبي عبيد وغيرهما أئمة من عصره في عهد طلبهم للعلم وهذا الصبر العجيب من محمد مع تلاميذه لا يشاركه من الأئمة سوى أبي حنيفة فيما نعلم كما سبق.
وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن ادريس وراق الحميدي عن الحميدي عن الشافعى أنه قال في صدد بيان ملازمته لمحمد بن الحسين: (فلزمته وكتبت عنه وعرفت أقاويلهم وكان إذا قام ناظرت أصحابه فقال لي: بلغنى أنك تناظر أصحابي فناظرنى فى الشاهد واليمين فاستنعت فألح على فتكلمت معه فرفع هو ذلك إلى الرشيد فأعجبه ووصلنى ا هـ). وبهذا يظهر كيف كان محمد بن الحسن يدربه على المناظرة وكيف كان يلفت نظر إعجاب أمير المؤمنين اليه كما يظهر بذلك أيضا مبلغ أدب الشافعي مع محمد بن الحسن يأبى الكلام معه كمناظر على خلاف ما في تلك المناظرات المختلفة التى لا تجرى بين الأستاذ وتلميذه الذي تلقى منه حمل بختى من العلم مع اعترافه بفضله عليه بكل وسيلة وعرفانه الجميله في كل لحظة.
وكم لمحمد بن الحسن من أياد بيضاء على الشافعي حتى قال الشافعي: أمن الناس على فى الفقه محمد بن الحسن. رواه الخطيب عن الحسن اين محمد الخلال عن على بن عمرو الجريرى عن على بن محمد النخعي عن أحمد بن حماد بن سفيان عن المزنى عنه، واذكر السمعاني عن البويطي عن الشافعى أنه قال: أعافنى الله برجلين بابن عيينة في الحديث وبمحمد فى الفقه. وعن الربيع عن الشافعى: ليس لأحد على منة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد على وكان يترحم عليه في عامة أوقاته، وعن ابن سماعة أن محمد بن الحسن جمع من أصحابه نحو مائة ألف درهم لأجل الشافعى مرة بعد أخرى وروى الذهبي في جزئه عن ادريس بن يوسف القراطيسي أنه سمع الشافعي يقول: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد كأنه عليه نزل. وكل ذلك مما يدل على أن الشافعي كان عظيم الاجلال لمحمد بن الحسن كبير الأدب في معاملته معه.
وبعد الاحاطة بما ذكرنا يظهر أن المناظرات التي تروى بغير طريقة سؤال التلميذ من أستاذه فيما يستشكله، مناظرات خيالية ملفقة مستولدة لا ترد إلا مجردة عن الأسانيد بالمرة أو بأسانيد مركبة، فمنها ما الخطيب عن ابن رزق عن أبي عمرو بن السماك عن التمار عن أحمد بن خالد الكرماني عن المقدمى من المناظرة بين محمد والشافعي بمجلس الرشيد. فابن رزق بعد أن عمى وهرم لازمه
الجزء 1 · صفحة 22
الخطيب وأكثر من الرواية عنه ومثل هذا التحمل لا يخفى حاله وأبو عمرو بن السماك مغموز برواية الأخبار التالفة والكرماني مجهول ولفظ المقدمى لفظ الانقطاع وفى المتن ما تكذبه شهر اهد الحال وليس ذلك من الطراز الذى يجرى بين الطالب وشيخه فى مثل ذلك المجلس على أن رد الشافعي على مالك وأهل المدينة أقسى من رد محمد بن الحسين عليهم فكيف يعيره الشافعي بما هو أخف مما وقع فيه - فدونك كلام محمد بن الحسن في كتاب الحبيح وكلام الشافعي فى الأم وكلامه المنقول في مناقب الشافعي لابن حجر في ذلك فقارن بين الكلامين حتى تتيقن أيهما أقسى وأيهما أرعى لأدب الحجاج - أم كيف يتصور أن يصدر من الشافعي مثل هذا التتغيب المحكى مع ظهور أن الرد موجه إلى مالك بحجة
وكيف يعارض الشافعى محمد بن الحسن باعتبار أن قبول شهادة القابلة زيادة على الكتاب وأين فى الكتاب ما يمنع قبول شهادة القابلة كما يقول أبو بكر الرازي حتى يذكر في هذا الموضع وإنما ذكر الله تعالى الشهادات في المداينات والوصية في السفر والرجعة أو المفارقة والزنا وأما الشهادة فى الولادة فلا ذكر لها فى القرآن، وكذلك كيف يقول الشافعي إن عبد الله بن نجى مجهول وقد عرفه أهل الشأن ودونك كتب الرجال، وجابر وإن تكلم فيه أبو حنيفة كما في علل الترمذي لكن وثقه الثوري وروي عنه شعبة مع تشدده فمحمد بن الحسن غير ملزم بقبول قول أبي حنيفة لأنه مجتهد مثله ومعه الثوري وغيره.
وحكاية السيف والنطع حكاية روائية لا حقيقة لها فلا محمد بن الحسن يقف هذا الموقف فى مثل هذه المسألة المشروحة أدلتها في كتبه المؤلفة قبل اتصال الشافعى به ولا الشافعي يجهل ما أشرنا اليه فملنق هذه المناظرة أساء إلى الشافعى وهو يريد الأحسان اليه لكن هكذا تكون صداقة الجاهل. وقد جرينا في ذكر هذه المناظرة المزعومة على ما في الأصل فان المطبوع فيه تخليط بهذا الموضع ومثلها حكاية لوح مغصوب سمر على سفينة كما أشرنا اليه في موضع آخر
وذكر ابن حجر في مناقب الشافعى بطريق الساجي عن يحيى بن لميرا انه قال: كنا عند محمد بن الحسين في المناظرة كثيراً فكان الشافعي رجلا قرشى العقل والفهم والذهن صافى العقل والفهم والدماغ سريع ولو كان أمين فى الحديث لاستغنت به أمة محمد عن غيره من العلماء اهـ. ومن المشهور بين الذين ترجموا لابن اكثم انه ولى قضاء البصرة سنة افتين ومأتين وكانت سنه إذ ذاك نحو عشرين سنة حتى إن أهل البصرة استصغروه فأجابهم بما أجاب فكيف يمكنه أن يحضر مجالس المناظرة عند
الجزء 1 · صفحة 23
محمد سنة أربع وثمانين ومائة على أن ابن اكثم خراساني المولد أخر قدومه إلى العراق جداً. فآثار الاختلاق ظاهرة على هذه الرواية وإن لم ينبه عليها ابن حجر والله اعلم.
وأما ما أخرجه الخطيب عن ابن رزق عن أبي عمرو بن السماك عن التمار عن الربيع عن الشافعى انه قال: ما ناظرت أحداً إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن.
ففيه تخويل (ما سألت) الى (ما ناظرت) ليجعل الشافعي نظير شيخه يناظره. وفي هذه الرواية ابن رزق و ابن السماك وهما معروفان. والرواية الصحيحة التي لا مغمز فيها حتى عند الخطيب نفسه هي ما أخرجه الصيمرى حيث قال ثنا العباس بن أحمد الهاشمى ثنا على بن عمرو الجريري ثنا على بن محمد النحعى ثنا أحمد بن حماد بن سفيان عن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: ما سألت أحداً عن مسألة إلا تبين لى تغير وجهه إلا محمد بن الحسن اهـ.
ومثله في الاتنقاء (ص 69) حيث قال حدثنا خلف بن القاسم نا الحسن اين رشيق نا محمد بن يحيى الفارسي أيا الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول: وما رأيت أحداً سئل عن مسألة فيها نظر إلا رأيت الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن ا هـ. فسوق الخطيب لتلك الرواية المشوهة دون هذه الرواية الصحيحة من دسائسه المكشوفة والفرق بينهما ظاهر.
وأما ما أخرجه الحاكم من أن الشافعى كلمه في الانفار فسنده ليس بذاك وفبرىء الشافعى من أن يثبت عنه مثل ذلك وأبو الحسن القابسي تكلم في ابن شعبان راجع السند فى تخريج أحاديث الرافعي لابن حجر وأما ما أخرجه الخطيب في ترجمة الشافعى في (ج ? ص 61) عن أبي الطيب الطبري عن على بن إبراهيم بن أحمد البيضاوى عن أحمد عبد الرحمن بن الجارود الرقى أنه قال سمعت الربيع بن سليمان يقول: ناطر الشافعي محمد بن الحسن بالرقة فقطعه الشافعي مبلغ ذلك هرون الرشيد فقال هرون: أما علم محمد بن الحسن أنه إذا ناظر رجلا من قريش يقطعه سائلا ومجيباً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها فان علم العالم منهم يسج طباق الأرض ا هـ.
فحكاية مكذوبة في سندها ابن الجارود ويقول الخطيب نفسه عن هذا في (ج ? ص 247): إنه كذاب. وما أدرج في 2 الحديث من قوله (وتعلموا منها ولا تعلموها (: دس محض يخالف عمل الصحابة والتابعين المتواتر عنهم وهو اختلاق من لا يعرف على من الشافعي؟ وقد عودنا الخطيب أن
الجزء 1 · صفحة 24
يسوق الأخبار الكاذبة من غير تنبيه على كذبها فيما إذا صادف ذلك هوى منه فلا نستغرب ذلك منه لكن القاضى أبا الطيب الطبرى كنا نظن به أنه يأبى التورط فيما يتورط في مثله الخطيب وحاله كما ترى وكان فى غنية عن الحكايات الكادبة في تبيين جلالة مقدار الشافعي بما له من الفضل الجسيم والأغرب من ذلك سوق ابن حجر في مياقب الشافعى (ص 47) تلك الحكاية الكاذبة وهو يعلم أنها كاذبة نسأل الله السلامة. والبيهقى ممن لا يتورع عن رواية الأكاذيب إذا صادفت هوى منه فلا يكون عذراً لابن حجر أن يكون في سندها البيهقي وهو يعلم ذلك منه.
واما ما رواه الخطيب أيضا في ترجمة محمد بن الحسين في (ج? ص ???) من أن الشافعى ناظر محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق فجعل تنتفخ أوداجه ويصيح حتى لم يبق له زر إلا اتقطع ا هـ.
فمتنه يغني عن الكلام في رجال سنده أليس من المستحيل فى جارى العادة انقطاع جميع أزرار الثياب برفع الصوت من لابسها وبالصياح منه؟ بل هو شأن النوادب اذا لطمن صدورهن ومزقن ثيابهن، وهذا يدل على أن واضع هذه الحكاية استعجل فى الوضع ليرفع من شأن الشافعي فنطق بما يكذبه كل سامع على أن من المروى عن الشافعي بطرق صحيحة كما أسلفنا ذكر بعضها أنه لم ير من لا يتغير حينما يسأل عن مسألة فيها نظر سوي الامام محمد بن الحسن، فكيف يصح هذا منه مع ذاك وأين لفظ ابن عبد البر في الانتقاء (ص 24) من هذا. حيث قال حدثنا خلف بن قابل تا الحسين بن رشيق قال نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا تا يونس بن عبد الاعلى قال قال لى الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يوما فدار بيني و بينه کلام و اختلاف حتى جعلت أنظر الى أوداجه قدر وتنقطع أزراوه فكان فيما قلت له. نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبنا يعنى مالكا كان كلما بكتاب الله قال اللهم نعم! قلت وعالما باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم نعم. اها ولا غبار على هذه الرواية لأن العالم كثيرا ما يرفع صوته على تلميذه اذا رآه يتباطأ في فهم ما يلقيه عليه وكان من هذا القبيل رفع الصوت فى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في العالم قال ابن أبي العوام الحافظ حدثني أحمد أحمد بن محمد بن سلامة قال حدثني محمد بن العباس بن الربيع قال حدثنى المصرفي (محمد بن عمرو بن السرى) قال قال هرون الرشيد لأبي يوسف: ما أحد من الناس أحب مجالسته غيركم يا أهل الفقه لولا خفة فيكم فقلت له وما الخفة التي فينا؟ قال ربنا رأيت الرجل منكم يقبل على الصبي الذي سنه دون سن فيعلو صوته [عليه] قال فأخذت به في حديث آخر ثم أريته عنداً من الحساب فقلت له كم هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال كذا وأصاب فقلت ما الدليل على
الجزء 1 · صفحة 25
ذلك فقال من يقول غير هذا؟ قلت الذي يخالفك وكلمته بكلام من هذا النحو فعلا صوته ودرت أوداجه فقلت له أصاب أمير المؤمنين قد كان من صياحه ودفعه إياى ما كان، عن الصواب الذي تفهمه العامة والخاصة فكيف ينكر على صياحى عند الصواب الذي أخالف فيه ولا تفهمه العامة ولا يفهمه الا القليل من الخاصة قال فعذر عند ذلك اهـ فلعل ما فى الانتفاء من هذا القبيل وانظر الى كلام الخطيب كيف غير وبدال. فحكاية الخطيب مع مخالفتها للروايات الصحيحة واقترانها بما يكذبها، بين رجال سندها دعلج بن أحمد كان يدخل عليه الوضاعون مثل أبى الحسين العطار وعلى الرصافي ما شاءوا من الأكاذيب، والأبار مأجود للوقيعة في أبي حنيفة وأصحابه والله ينتقم منه وكل ما يذكر فيه مناظرة الشافعى لمحمد بن الحسن من لك الأخبار فملفقة مخالفة لما صح من الروايات اختلقها الكذابون على ظن أنها تروج فافتضح واضعوها من غير أن يرفعوا بها من شأن أحد لأن الموضوع من شأنه الوضع دون الرفع.
وقد روى عن الشافعى بأسانيد صحيحة ثناء بالغ من حق محمد من الحسن مدون في تاريخ الخطيب وكتاب ابن أبى العوام وكتاب الصيمري و تهذيب النووى ومؤلفات الذهبي وغيرها فضلا عما في كتاب الكردري فنستغنى عن سرد تلك الروايات هنا لشهرتها. ومن الحقائق الملموسة أنه لا يعرف للشافعى عمل يذكر فى الفقه قبل اتصاله بمحمد بن الحسن بل إنما رجع الى مكة بعد أن تفقه عليه وأخذ يقارن ما تلقاه منه بفقه أهل الحجاز حتى حصلت له الختيارات أدت به الى اظهار الاجتهاد بعد وفاة محمد بسنوات بأن عاد الى العراق سنة خمس وتسعين ومائة بعد وفاة محمد بن الحسن بست سنوات وبقى هناك سنتين ينشر اختياراته ومذهبه القديم على رواة القديم المعروفين، بكتاب الله وسماه الحجة في مجلد ضخم وهو الذى رد عليه عيسى بن أبابن كما رد على جديده القاضي بكار بمصر. ولولا أن ضيق ذات يده حمله على التقلب في الأعمال منقطعا عن العلم لكانت مواهبه أثمرت قبل ذلك الحين.
وهناك رحلتان منسوبتان للشافعى كلتاهما مكذوبة فاولاهما رواية عبد الله بن محمد البلوى الكذاب المشهور وقد قال ابن حجر في ين) توالى التأسيس بمعالى بن ادريس ص ??): فقد أخرجها الآبرى والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها الفخر الرازي في مناقب الشافعي يغير اسناد معتمدا عليها وهى مكذوبة وغالب ما فيها موضوع وبعضها ملفق من روايات ملفقة. وأوضح ما فيها من الكذب قوله فيها: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي وهذا
الجزء 1 · صفحة 26
باطل من وجهين احدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي، والثاني أنهما كانا أتقى الله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم .. وليس له اليهما ذنب .. وان منصبهما وجلالتهما وما اشتهر من أمر دينهما لتصد عن ذلك والذى تحرر لنا بالطرق الصحيحة أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة أربع وثمانين ومائة وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين وانه لقى محمد بن الحسن في تلك القدمة وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه ما نقلناه من ابن حجر بحروفه. وقال ابن حجر أيضا في كتابه المذكور (ص ??) بعد أن ساق ما أخرجه الساجي (ان محمد بن الحسن قال للرشيد لا يغلبنك هذا بفصاحته ولسانه لأنه رجل لسن): والذي نقل عن محمد بن الحسن فى حق الشافعى ليس بثابت اهـ. بل الثابت منه كل عطف ومساعدة له كما سبق بل لم يرو عن الشافعى ثناء في حق أحد من الأنسة قدر ما روى عنه المثناء على محمد بن الحسن عن جدارة منه بذلك الثناء وذلك أكبر تكذيب لاختلاق المختلقين
واما سعى المفترى الباهت فى تمشية الختلاقه وبهتانه بأنهما كانا يحسدانه في العلم فمن أوقح فرى يفتريها صفيق من حيث أن ذلك مما تكذبه شواهد الحال لأن الشافعى كان إذ ذاك في حال الطلب ولم يكن له عمل في الفقه قبل ذلك وانما كان حضر عند بعض الشيوخ في الفقه حتى أن أحاديث الموطأ التي يقال إنه عرضها على مالك تجده يروى بعضها فى كتبه بواسطة محمد وغيره عن مالك ولا تجد نسخة من رواية الشافعى للموطأ يتداولها أهل العلم على توالى القرون كندا ولهم النسخ من رواية الآخرين وهذا يدل على أنه وان كان عرض الموطأ على مالك في مبدأ أمره لكنه لم يضبط أحاديثه ولم يستمر على مدارستها، وكذلك لم تكن رحلته إلى اليمن لأجل العلم بل لطلب الرزق فعلى أي شيء يحسده أئمة العلم وهو في مثل هذه الحالة ثم كيف. يلازم الشافعي وهو العالم المحسود في علمه على زعمه ـ حاسده ويتلقى منه العلم؟ وكيف يروى العلم في كتبه عن هذا الحاسد وذلك الحاسد لو تغاضينا عن ملاحظة سيرتهما في العلم والدين وفرضنا -- كما يفرض المحال - أنهما قد يحسدان. على أن محمد ين الحسنة يعترف له الصديق والعدو بأنه كان من أجهر أهل العلم صوتا في دفع ظلم الظالمين ولو لم يكن له موقف غير موقفه في تصحيح أمان ذلك الطالبي في مجلس الرشيد يوم خرست السن من حصره من من أهل العلم. عن بيان الحق لكفاه دليلا على منزلته في القيام بالحق والحيلولة دون. الظلم، وقد علم الخاص والعام من رواية الثقات الأنبات مبلغ تعب محمد بن الحسن في سبيل تعليم الشافعى والانفاق عليه، وماله من يد بيضاء نحوه وأنه ليس أحد أمن عليه في الفقه من محمد
الجزء 1 · صفحة 27
بن بن الحسن ...
أفلا يكون بعد ذلك كله من أكثر النكران وأسوأ الفرى إختلاق إساءة بدل احسان المحسن ذلك الاحسان فلا شك أن تخليد ذلك في " الكتب يحتاج إلى صفاقة بالغة وقلة فى الدين وأن ناقل ذلك من غير تفنيده شريك للمختلق في الاثم، وكنا تعلم مبلغ تعصب البيهقى وتمشيه. الهوى في كتابه (معرفة السنن) حيث يتكلم في الطحاوى بما هو صفة نفسه ولم يسبق أن تكلم أحد من أهل العلم فيه سوى البيهقى. وهو الذى يقوى الضعيف لأجل مذهبه ويضعف القوى لأجل مذهبه بل تراه يضعف رجلا الأجل المذهب ثم يقوى ذلك الرجل بعينه لأجل المذهب وبينهما أقل من ورقتين وقد كشف الستار عن وجه البيهقى (الجوهر النقى) ونبهنا على تلبيسه الحافظ عبد القادر القرشي وكنا نعليم ذلك كله في البيهقى لكن ما كنا نظن به أن يسمح دينه أن يخلد هذه القرية المكشوفة والرحلة المكذوبة فى مناقب الشافعي مع علمه بحال البلوى ويكون تلك الرحلة مكذوبة تتضمن فضائح تخالف التاريخ الصحيح لكن ظهر بذلك جلياً أن سقوط البيهقى أبعد غوراً مما كنا تتصوره بكثير فتباً لهذا الضمير الميت وتبا لهذا التعصب المرذول فكم أوقع عمل البيهقى هذا أمثال ابن الجويني، وأبي حامد الطوسي والفخر الرازى ممن لا شأن لهم فى تمحيص الروايات، في مهازل في مبدأ أمرهم اغتراراً بتخريج البيهقى لتلك الرحلة المفضوحة، خلا ما نتج من مثل ذلك منذ عهد القفال المروزى من تعصب بارد إما لهذا الامام أو لذلك الامام بحيث يؤلم المتعصب له والمتعصب عليه مع أن تلك الأخبار هي إلا أقاصيص ملفقة لم تقع إلا فى مخيلة رواتها وكانت الشافعية من أعريف أهل العلم الجميل علماء العراق عليهم إلى أن دب دبيب الفتنة بينهم باثارة أبي حامد الاسفراينى لفتنة المزاحمة على القضاء بالكيفية المشروحة في خطط المقريزى الشافعى فقام المحدث منهم بتدوين الأخبار المكذوبة بدون تررع والفقيه بتصوير عبادة مشوهة حتى استفحلت الفتنة بحيث وهت منها أركان الدولة فى القرنين الخامس والسادس إلى أن انهدت في أواسط السابع وتقع تبعة هذه الكوارث على أعناق مثيرى تلك الفتن بأكاذيب ملفقة، الا نالوا من ورائها دنيا ولا بقى لهم دين خالص، وممن صرح قبل ابن حجر بكذب الرحلة المذكورة التقى ابن تيمية في منهاجه وقبله مسعود بن شيبة فى كتاب التعليم وأمر البلوى مكشوف من قديم. والله سبحانه هو الهادى إلى سواء السبيل.
وانما الرحلة الثانية فهي رواية البطين عن ابن المنذر وكانت طبعت في الهند مع مسند الشافعي عن نسخة سقيمة جدا ثم أعيد طبعها بمصر بتصرف في عبارتها على أمل إزالة السقم. وتوجد في
الجزء 1 · صفحة 28
المكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية نسخة غير سقيمة من هذه الرحلة مغنية عن التصرف مخطوطة في القرن السابع وسعى بعضهم فى افراغها بقالب قصة روائية فانتشرت بين الجمهور.
وهذه الرحلة كأختها مكذوبة وهما فى الاختلاق توأمان واقد نسبت هذه الرحلة في الطبعة الهندية التى هى أم الطبعة المصرية الى السيوطى من غير وجه كما نسبت فى بعض المخطوطات إلى الشعراني بدون سبب وزادت الطبعة المصرية انها بقلم الشافعي نفسه واشتركت الطبعتان في أنهما تعتبر انها رواية الربيع الجيزى عن الشافعي، وقد كذب العقيلي ابن المنذر في دعوى ادراكه الربيع المرادي المتوفى سنة سبعين ومأتين فكيف يتصور أن يدرك الجيزى المتوفى سنة ست وخمسين ومأتين والحق انه لا شأن للشافعى ولا للربيع ولا لابن المنذر في انشاء هذه الرحلة ولا فى روايتها، وانما اختلقها من اختلق، بعد ابن المنذر وركب لها سنداً ولم يتعرض فيها لمحنة الشافعي أصلا. فالبطين والكواز مجهولان والله أعلم بحال من بعدهما إلى الفارسي، وفي المتن ما يغنيك عن تطلب رجال السند والكشف عن أحوالهم
فمن الأكاذيب الصريحة فيها سماع عبد الله (?) من عبد الحكم وأشهب وابن القاسم بل الليث بن سعد، الموطأ على مالك سنة أربع وستين ومائة بقراءة الشافعي وزمن لقى هؤلاء بمالك معروف عند أهل العلم و ابن القاسم لازم مالكا الى وفاته من سنة تسع وخمسين ومائة قبل رحلة الشافعي بسنوات ولم يلقى الشافعى الليث أصلا طول عمره وقد عنه أسفه العظيم على ذلك وما يعزى الى الربيع أنه قال (أحسبه) عند ذكر الليث من طرائق تلبيس الكذابين والربيع من أعلم الناس بأن الشافعي لم يلق الليث.
وادعاء رحلة الشافعى الى العراق سنة أربع وستين ومائة بعيد سماعه الموطأ على مالك أمر خيالى بحت مخالف للتاريخ الصحيح المدون في كتب النقاد ولما نقلناه آنها من ابن حجر من أن دخول الشافعي
#
(?) كان ابن تسع فى تلك السنة لم يغادر مصر بعد وأشهب رحالته الى مالك قبل ذلك التاريخ.
الجزء 1 · صفحة 29
العراق أولى مرة كان سنة 184 بعد وفاة أبي يوسف بسنتين فتكون تلك المزاعم من ملاقاته لأبي يوسف ومحمد بن الحسن ومشاهدته دنيا طائلة عندهما - ومباحثته معهما وحفظه كتاب الأوسط لأبي حنيفة من خزانة محمد بن الحسن خلسة فى ليلة واحدة من غير أن يعلم محمد بن الحسن بذلك وتغليطه لمحمد في نقله عن كتاب الأوسط وضين محمد بكنبه بعد ذلك إلى آخر ما ذكر هناك كلها أكاذيب تنهار بانهيار الكذب الذي بنيت هي عليه، ثم تنقله فى بلاد الفرس كذب صريح أيضاً ولم يذكر أحد ممن عنى بتواريخ البلدان في كتبهم حلول الشافعي بأحد تلك البلاد فأين ذكر الشافعي في تاريخ نيسابور أو الرى أو قزوين أو برمبنان أو مرو أو اصبهان وتلك التواريخ كلها بمتناول أيدى الناس. وكذلك عودته إلى بغداد في أول خلافة الرشيد سنة أحدى وسبعين ومائة وتأليفه كتاب الزعفراني وهو القديم (يعنى كتاب الحجة) بين عشية وضحاها في ذلك الوقت كذب مضاعف لأن سن الزعفراني حينما قرأ القديم على الشافعي سنة خمس وتسعين ومائة لأول مرة كانت نحو خمس عشرة سنة فقط لم يبد عليه بعد نبات شاربه مع أنه يسرع إلى النبطيين فلم يكن الزعفراني بعد مولوداً في تاريخ سنة احدى وسبعين ومائة فضلا عن أن يؤلف الشافعى الكتاب باسمه في ذلك التاريخ ثم رحيله فى التاريخ نفسه من بغداد بطريق حران وإهداء أحد ترميذه هنالك آلاف مؤلفة من الدنانير اليه، وتوزيع الشافعي لتلك الدنانير العظيمة المقدار على أهل العلم من المتحدثين الذين استقبلوه كالأوزاعي وابن عيينة وأحمد بن حنبل مع ان الأوزاعى كان مات سنة سبع وخمسين ومائة والشافعى ابن سبع، وابن عيينة لم يفارق الحجاز منذ انتقل إلى مكة من الكوفة بعد وفاة أبى حنيفة وكان أحمد بن حنبل صبيا. ابن سبع سنين لا يرحل مثله في ذلك التاريخ، ثم لقاؤه مالك بن أنس وهو في غاية من الغنى، وفى باجه من الجواري ما يزيد على ثلاثمائة جارية لا يتم طوافه عليهن إلا فى سنة كاملة وعنده من الأموال منا لا يوجد إلا عند الملوك وإهداء مالك إلى الشافعي جميع تلك الأموال ثم انقلاب الشافعي إلى اهله بمكة بتلك الهدايا الضخمة وتوزيعه لتلك الأموال كنها على أهل مكة ولقاؤه لأهل بيته وهو لا يملك شروى فقير ثم بلوغ هذا الخبر لمالك هذا الايثار العظيم، وجعل مالك له وظيفا مرتبا سنويا ضخما تقاضاه الشافعي من مالك إحدى عشرة سنة) وواضع الرحلة بارع في الحساب أيضاً فيجعل عدد السنين فيما بين ذلك التاريخ اعنى سنة 171 وتاريخ وفاة مالك أعنى سنة ??? احدى عشرة سنة)، ثم ضيق ذات يده بموت مالك وانتقاله إلى مصر، وفيام عبد الله بن عبد المحكم مقام مالك في كفايته إلى أن مات كل ذلك أكاذيب في أكاذيب يعجز عن تلفيقها امام حمص المذكور في
الجزء 1 · صفحة 30
شرح الشريشي على المقامات وان كانن لعبد الله بن عبد الحكم يد بيضاء على الشافعى حينما حل بمصر في حدود سنة مأتين لا سنة تسع وسبعين ومائة بعد وفاة مالك رضى الله عنه فتاريخ موت مالك وتاريخ انتقال الشافعى إلى مصر وحال مالك فى الزهد والتقشف كل ذلك من الأمور المعلومة عند العام والخاص ولعل هذا القدر من البيان يكفى لتبيين ما في الرحلة الثانية من الهذيان
ولا بأس في الاشارة هنا إلى ما يتحاكونه من حديث كأنه جرى بين محمد بن الحسين والشافعى فى المفاضلة بين أبي حنيفة ومالك وقد رواه ابن عبد البر فى الانتقاء على لفظين من طريقين، ورواه أبو إسحاق الشيرازى فى طبقات الفقهاء على لفظ آخر وأبو إسماعيل الهروى في ذم الكلام على لفظ رابع وابن الجوزى فى مناقب أحمد على لفظ خامس كل هذه الاضطرابات فى رواية حادثة واحدة زاد الخطيب في الطين بلة وساق الخبر بلفظ أفظع من ألفاظهم في تاريخه مع انه رواية يونس بن عبد الأعلى فاذا قارنت قول الخطيب (2 - 177) مع رواية ابن عبد البر وقد سبقت في (ص ??) وكلاهما من طريق
يونس بن عبد الأعلى تجد تصرف الخطيب الشائن وتغييره لنص الرواية ماثلين أمامك غير قابلين للستر وإن زاد في آخر الرواية لفظ (أو ما هذا معناه (ليتسنى له التملص من تبعة تغيير النص فاذا انتبه اليه أحدهم وظهر للناس أن لفظ الخطيب يخالف لفظ ابن عبد البر في الرواية عن يونس بن عبد الأعلى قال الخطيب لا لوم على في هذا التحريف لأنى نقلت الحكاية بالمعنى فربما أكون غلطت فى بعض ألفاظها أما رأيت قولى في آخر الحكاية) أو ما هذا معناه)؟. هكذا أمانة الخطيب في نقل النصوص نسأل الله السلامة.
ولا يخفى أن محمد بن الحسن أفنى عمره في فقه أبي حنيفة الحديث وسمع من مالك ولازمه ثلاث سنين فى حين أن الشافعي إنما لازم مالك ابن أنس ثمانية أشهر فقط على ما يقال فليس من المعقول أن ينال محمد بن الحسن من أبي حنيفة ومالك نيلا لا يتفق مع ما لهما عنده في كتبه المتواترة عنه. ورواية أبي عاصم محمد بون أحمد العامري في المبسوط تنافى تلك الروايات كلها كما نقله مسعود بن شيبة في كتاب التعليم، وما هو نص رواية العامرى: (ان الشافعي سأل محمداً أيما أعلم مالك أو أبو حنيفة؟. فقال محمد: بماذا؟. قال بكتاب الله! قال: أبو حنيفة. فقال من أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فقال: أبو حنيفة، أعلم بالمعاني ومالك أهدى للألفاظ فقال: من أعلم بأقاويل الصحابة؟. فأمر محمد باحضار كتاب اختلاف الصحابة الذي صنفه أبو حنيفة (إلى آخر ما ذكره
الجزء 1 · صفحة 31
العامرى وهذا هو الموافق لما كان عليه محمد بن الحسن من اجلال أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى والله تعالى أعلم. أخذ محمد بن الحسن الفقه والحديث عن أبي يوسف وما حدث بعد ذلك من الجفاء بينهما
كان محمد بن الحسن بعد أن مات أبو حنيفة لازم مجلس أبي يوسف يأخذ عنه الفقه والحديث حتى تم له ما أراد من التفقه في دين الله ثم قام هي محمد بن الحسن بنشر علمهما جهده وهو راوية فقه أبي حنيفة وأبي يوسف في المبسوط والجامع الصغير والسير الصغير وناشر مذهبه نفسه في باقى كتبه مسواء ذكر أبو لم يذكر أقوالهما وقد روى الطحاوى عن ابن عمران عن محمد بن عبد الرحمن الطبرى عن إسماعيل بن حماد انه قال: كان محمد بن الحسن يبتكر إلى مجالس الحديث ونبكر نحن إلى أبي يوسف فيجيء محمد وقد مضت مسائل ونحن تتحدث فيعيد عليه أبو يوسف ما مضى فجاء يوماً ونحن تتحدث فسأله أبو يوسف عن مسألة مرت من المسائل فأجاب محمد فيها بخلاف ما مضى. فقال له أبو يوسف ليس هذا الجواب فتنازعا فيها فقال محمد ليس هذا قوله. إلى أن دعى بالكتاب فاذا الجواب كما قال محمد بن الحسن فقال أبي يوسف هكذا يكون الحفظ اهـ. وروى عن بعض أجلة أصحاب أبي يوسف أنه سأل أبا يوسف عن مسألة فأجاب ثم سأل محمداً فخالفه واحتج بدلائل. ثم قال له: إن أبا يوسف يخالفك فهل لك أن تجتمع معه فاجتمعا في المسجد فتناظرا قال السائل ففهمت إلى قليل ثم دق الكلام فلم أفهم
وقال الخطيب أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب قال أنبأنا محمد بن حميد المخرمى قال أنبأنا على بن الحسين بن حبان قال وجدت في كتاب أبى بخط يده قال أبو زكريا يعنى يحيى بن معين سمعت محمد ابن الحسن صاحب الرأى وقيل له سمعت هذه الكتب من أبي يوسف. قال: لا والله ما سمعتها منه ولكنى من أعلم الناس بها وما سمعت أبي يوسف إلا الجامع الصغير اهـ.
وقال ابن أبي العوام حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال حدثني أحمد بن القاسم البرتي أبو الحسن قال سمعت محمد بن شجاع يقول سمعت الحسن بن زياد يقول من زعم أنه سمع هذه الكتب يعنى العنق من أبي يوسف بالكوفة فقد كذب إنما كانت روزنا مجات ينظر فيها بالليل
وينبطح فيها بالنهار قال محمد بين شجاع ولكنها قد قرأت على أبي يوسف ببغداد وسمعها أصحابنا قال محمد ابن شجاع سمعت إسماعيل بن الفضل وأبا على الرازي وجماعة من أصحابنا
الجزء 1 · صفحة 32
يذكرون أن أبا يوسف سئل أسمع بن الحسن منك هذه الكتب؟ فقال أبو يوسف: سلوه. فأتينا محمداً فسألناه فقال ما سمعتها ولكن أصححها لكم اهـ.
وروى الطحاوى عن ابن أبي عمران عن الطبري أنه سمع معلى بن منصور يقول: لقينى أبو يوسف بهيئة القضاء فقال لى يا معلى من تلزم اليوم؟. قلت ألزم محمد بن الحسن. فقال: الزمه فانه أعلم الناس. قال ثم لقيني بعد ذلك فقال لى: يا معلى من تلزم اليوم؟. قلت: محمد بن الحسن. قال: الزمه فانه من أعلم الناس. فحطه من المرتبة الأولى إلى الثانية ا هـ. ولعل ذلك بسبب ما حدث بينهما من الجفاء لأجل القضاء وذلك ما رواه ابن أبى العوام عن الطحاوى عن أبي خازم عن بكر بن محمد العمى عن محمد بن سماعة انه قال: إنما كان سبب مخالطة محمد بن الحسن السلطان أن أبا يوسف شهوور في رجل يولى قضاء الرقة فقال ما أعرف لكم رجلا يصلح لها غير محمد بن الحسن وهو بالكوفة فان شئتم فأشخصوه قال فبعثوا إليه فأشخصوه فلما قدم جاء إلى أبي يوسف فقال ما السبب الذى أشخصت من أجله؟. فقال له: شاورونى فى قاض للرقة فأشرت بك، وأردت بذلك معنى أن الله عز وجل قد بث علمنا هذا بالكوفة والبصرة وجميع المشرق فأحببت أن تكون بهذه الناحية ليبث الله عز وجل علمنا بك بها وبعدها من الشامات. فقال له محمد: سبحان الله أما كان لى في نفسى من المنزلة ما أخبر بالمعنى الذى من أجله أشخص قبل ذلك فقال له أبو يوسف: هم أشخصوك. ثم أمره أبو يوسف بالركوب فركبا جميعا حتى دخلا على يحي بن خالد بن برمك فرفع يحى أبا يوسف إلى جنبه وقعد محمد دونه فقال أبو يوسف ليحيى: هذا محمد فشأنكم به. فلم يزل يحيى يخوف محمداً حتى ولى قضاء الرقة وكان ذلك سبب فساد الحال بين أبي يوسف ومحمد ا هـ. وقد ذكر الذهبي ذلك أيضا في جزئه، وهذا هو السبب الوحيد لما حدث بينهما من الجفاء لأن محمد بن الحسن كان شديد الرغبة في الابتعاد عن الحكم بالانصراف إلى العلم والتعليم على طريقة أبى حنيفة وقد حال دون ما يتوخاه ما فعله أبو يوسف في حقه فتألم جداً حتى هجره إلى أن مات أبي يوسف رحمه الله وهو هاجر له بل يقال إن محمداً لم يحضر الصلاة عليه كما جرى مثل ذلك بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما وبين الحسن وابن سيرين وغيرهم لكن الراجح عندى أن سبب عدم حضور محمد في جنازته ببغداد كونه بالرقة وهو قاض بها لأن عزل محمد بن الحسن من قضاء الرقة بعد وفاة أبي يوسف في عهد قضاء أبى البخترى كما سيأتى فكيف يمكنه الحضور في الجنازة مع إقامته بالرقة.
قال السرخسي في شرح السير الكبير: لم يذكر محمد في شيء من كتاب السير الكبير اسم أبي
الجزء 1 · صفحة 33
يوسف لأنه صنفه بعد استحكام النفرة بينهما وكلما احتاج إلى رواية حديث عنه قال أخبرنى الثقة وهو مراده حيث بذكر هذا اللفظ أ هـ. ثم ذكر السرخسى خرافة يتحاكاها بعض الاخباريين عن معلى وغيره بدون سند وهى أقصوصة التفاف أهل العلم حون محمد بن الحسن وازدحام المتفقهة بمجلسة ببغداد بعد أن تولى أبو يوسف القضعا، وحسد أبي يوسف له وبلوغ صيت محمد الى الرشيد ورغبة الرشيد فى مجالسته و تقريبه وتدبير أبي يوسف إبعاد محمد من مجلس الرشيد قبل أن يتصل به ويعلم مبلغ فضله بأن يقول للرشيد ان بمحمد سلس بول لا يستطيع معه اطالة الحديث بالمجلس ويكلم محمداً بأن الرشيد سريع الملل ويوصيه بالقيام عند ما يشير أبو يوسف ثم سعيه فى إبعاده عن بغداد حاضرة الخلافة بعد أن قابل الرشيد وأحبه. بأن يوليه قضاء مصر إلى آخر الرواية المصنوعة. وما كان يحق السرخسى فى فضله وقبله أن يملى مثل هذه الأخلوقة من كوة محبسه على تلاميذه الذين يحضرون عند كبوة المحبس لتلقى شرح الحسين الكبير منه باذن من ولى الأمر ولا صحة لها مطلقا ولا يذكرها إلا بعض الاخباريين الذين يدوفون الأقاصيص بدون سند لمجرد التسلية حتى لا يوجد شيء من هذا القبيل فى كتب الخصوم قبل زمن السرخسي وهم سراع إلى إذاعة مثلها ولو كانوا ظفروا بها لطاروا بها فرحا وأذاعوها فلا شك في كذبها واختلاقها هي الكذب من ابى النواحي اتيتها!!
فمثل أبي يوسف فى جاهه العريض وعلمه الواسع ودينه المتين ووفرة التلاميذ، وكثرة المؤلفات - وكتاب الأمالي له وحده في نحو ثلاثمائة جزء كما يرويه أبو عاصم العامرى - كيف يحسد تلميذه في كثرة جماعته بلى يفتخر به ثم ان محمد بن الحسين كان بالكوفة إلى أن أشخصوه للقضاء كما سبق فكيف يرى أبو يوسف في بغداد كثرة المترددين إلى مجلس محمد فيغيظه ذلك ويحسده ثم كيف يريد إبعاده عن حاضرة الخلافة وهو لم يكن بها بل بالكهوفة، ثم كيف يختلق عليه أبو يوسف مرضا لم يكن به فهل بلغ بأبي يوسف الحمق إلى أن يعرض نفسه للافتضاح بانتداب الرشيد طبيبا يداوى مرض محمد ابن الحسن وعدد الأطباء ببابه كثير أفلم يذكر في القصة أن الرشيد كان أحبه، ثم هو لم يشخص لقضاء مصر بل لقضاء الرقة. الصيف لخلفاء بني العباس وفى ذلك غاية القرب إلى مجالس الخلفاء على أن عادة محمد فيما يرويه عن أبي يوسف بعد هذا التجافى أن يقول حدثني الثقة يريد أبا يوسف فكيف يمكنه أن يصف أبا يوسف بالثقة على تقدير صدور تلك المخازى منه. وهكذا تكون الأكاذيب مصحوبة في الغالب بما يظهر اختلافها ولعل عذر السرخسي في سرده الأقصوصة على هذا الوجه انه كان فى المحبس بعيداً عن الكتب وإنما كان يملى ما يمليه عن ظهر القلب وكانت تلك القصة
الجزء 1 · صفحة 34
علقت بذهنه من قبل من بعض كتب الأسمار ولم يتسع وقته لتمحيصها فوقع في أحبولة تخليدها فيما يمليه وكنا نعهد منه جبلا من جبال العلم لا يتزحزح في أبحاثه الفقهية فعز علينا أن نراه يملى مثل هذه الأخلوقة المكشوفة في كتابه الخالد لكن أبى الله أن يصح إلا كتابه كما قال الشافعي للموني حينما عرض الرسالة عليه مرات وكان الشافعي يجد في كل مرة ما يصلحه
فيها فقال دعها فان الله أبى أن يصح إلا كتابه أو ما هذا معناه.
زهد محمد بن الحسن فى الحكم وبعده عن الجاهنة لأرباب الحكم وصراحته في بيان الحق:
ذلك هجره وقد علمت أن لأبي يوسف حق الأستاذية عليه ومع طول حياته بسبب حمله على قبول قضاء الرقة رغبة من أبي يوسف في نشر علم محمد فى الرقة وما والاها من الشامات وهي رغبة محمودة منه لكن محمد بن الحسن استاء من ذلك غاية الاستياء حيث كان يعتبره صارفا عن العلم مع مخالفة قبول القضاء الخطة أبي حنيفة حتى يروى أن أبا يوسف لما قبل القضاء في أواخر عهد المهدى كان محمد غيره بذلك فدعا عليه أبو يوسف قائلا: لا قبض الله روحه قبل أن يبتلى بالقضاء. فابتلى بقضاء القضاة قبل وفاته بمدة بعد أن عزل من قضاء الرقة ومنع من الافتاء مدة طويلة بسبب جوابه الصريح في مسألة أمان الطالبي المذكورة في تاريخ ابن جرير وكتاب ابن أبي العوام وكتاب الصيمري بأسانيدهم من طرق عديدة بألفاظ متقاربة في المعنى. قال أبو عبد الله الصيمرى أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرى قال حدثنا القاضي أبو بكر مكرم قال حدثنا أحمد بن عبيد الله الثقفى قال حدثنا أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز قال حدثني بكر بن محمد العمى قال حدثني سماعة قال سمعت محمد بن الحسن يقول لما ورد الرشيد الرقة أحضرت فدخلت اليه أنا والحسن بن زياد وأبو البختري وهب بن وهب) وهو قاضي القضاة بعد وفاة أبي يوسف) فأخرج الينا الأمان الذى كتب ليحيى بن عبد الله بن الحسين (بن الحسن بن على بن أبي طالب عليهم السلام) فدفع إلى فقرأته ... فآثرت أمر الله والدار الآخرة فقلت هذا أمان مؤكد لا حيلة فى نقضه) وفى لفظ الطحاوى رواية ابن أبى العوام، فجعل ذلك الطالبي على نطع وعلى رأسه رجل في يده سيف والطالبي يناشيد وقد كان هرون أمنه (فانتزع الصك من يدى ودفع إلى الحسن ابن زياد فقرأه وقال بكلمة ضعيفة لا أدرى أنها سمعت أو لم تسمع: هذا أمان فانتزع من يده ودفع إلى أبى البختري فقرأه قال ما أرجئه ولا أرضاه هذا رجل سوء قد شق العصا وسفك دماء المسلمين وفعل وفعل فلا أمان له. ثم ضرب بيده إلى خفه وأنا أراه فاستخرج سكينا فشق الكتاب نصفين ثم دفعه إلى الخادم ثم إلى الرشيد فقال: أقتله ودمه في عنقى.
الجزء 1 · صفحة 35
قال فقمنا من المجلس وأتاني رسول الرشيد يبلغنى أن لا أفتى أحداً ولا أحكم (وفي رواية أخرى وجعل للناس عبد الرحمن الهروى يقنيهم (فلم أزل على ذلك إلى أن أرادت أم جعفر أن تقف وقفا فوجهت إلى فى ذلك فعرفتها اني قد نهيت عن الفتيا، فكلمت هي الرشيد فأذن لى. قال محمد بن الحسن: فكنت أنا وكل من في الدار - يعنى دار الرشيد - تتعجب من أبى البختري وهو حاكم وفتياه بما أفتى به وتقلده دم رجل من المسلمين ثم من في خفه سكينا. قال: ولم يقتل الرشيد يحيى في ذلك الوقت وإنما مات في الحبس بعد مدة.) وفى رواية أخرى أنه قتل في ذلك المجلس (قال محمد بن سماعة في حديثه: ثم قرب الرشيد محمد بن الحسن بعد ذلك وتقدم عنده وولاه قضاء القضاة وجمله معه إلى الرى فتوفى هو والكسائي بها فى يوم واحد (وقيل مات الكسائي بعد محمد بيومين (فقال الرشيد: دفنت الفقه والنحو بالرى. وقال بكر العمى فى حديثه: إن محمد بن الحسن لما أفتى بصحة الأمان وأفتى أبو البخترى بنقضه وأطلق له دمه قال له يحيى) بن عبد الله الطالبي) يا أمير المؤمنين يفتيك محمد بن الحسن وموضعه في الفقه موضعه،
بصحة أمانى ويفتيك هذا بنقضه، وما لهذا وللفتيا؟. وإنما كان أبوه طبالا بالمدينة أهـ. وقال الصيمرى أيضاً: أخبرنا أبو بكر الدامغاني عن أبي جعفر الطحاوى قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن سهل الرازي بحديث يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسين عن موسى بن عبد الله اين موسى بن عبد الله بن الحسين بن الحسين عن عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنه قال: أنا حاضر مين هرون ومحمد بن الحسن وزاد فيه فانما الحسن وزاد فيه فانما خرج محمد جعل يبكى حتى كثر بكاؤه فقلت له: يا أبا عبد الله أتبكى هذا البكا من أجل هذه الشجة وذلك أن الرشيد كان رماه بدواة فنجه) حينما أفتاه على خلاف هواه فى المجلس) وسالت الدماء على وجهه وثيابه وقال له: إنما يقوى عزم هذا وأمثاله في الخروج علينا أنت وأمثالك - فقال: لا والله ما من أجلها أبكي، ولكنى أبكى لتقصيري قلت: وأى تقصير كان منك؟ وقد قمت مقاماً ليس لأحد على وجه الأرض أشرف منه. قال: كان ينبغى لما قال أبو البحترى ما قال أن أقول له: من أين قلت ذلك؟ حتى أقيم عليه الحجة بفساد ما قاله أهـ.
وأسند ابن أبى العوام عن محمد بن سماعة أنه قال: وأمر هروين أن تفتش كتب محمد بن الحسن خوفا من أن يكون فيها شيء مما الطالبين على الخروج فقال لى محمد يا أبا عبد الله (يعني ابن سماعة وكان معه فى تلك المحنة (الله الله فى أمرى أحب أن تسبق إلى منزلى فتحفظ كتبى لئلا يلقى فيها
الجزء 1 · صفحة 36
ما ليس منها ففعلت ولما فتشت كتبه لم يوجد فيها شيء إلا مجموعة فيها فضائل على عليه السلام فأتى بها إلى هرون الرشيد فقال (يعنى الرشيد (: عندنا أكثر من هذا. قال الطحاوي سمعت بكار بن قتيبة يحدث بهذا الحديث عن هلال بن يحيى عن محمد بن الحسن ويزيد فيه أن هارون التنفت إلى محمد الحسين فقال هذا أمان لم أكتبه إنما أمرت من يكتبه فما تقول في رجل حلف أن لا يكتب كتابا فأمر غيره فكتبه؟. فقال محمد: ان كان هذا الحال العامة من لم يحنث حتى يتولى ذلك بنفسه وان كان سلطانا حنث لأن كتاب السلطان هو ما كتب بأمره. قال: فبذلك اشتد غيظ هرون عليه وفعل به ما فعل.
وقال الطحاوى أيضا: قال أبو حازم في حديثه قال بكر قال ابن سماعة فلما أمر هرون بقتل الطالبي قال له: يا هرون يقول لك محمد بن الحسن والحسن بن زياد وهما فقيها الدنيا هذا صحيح فلا تقبل منهما ويقول لك هذا الكذاب الدعى هو أمان فاسد فتقبل منه وتأمر بقتلى أهـ. يشير بذلك إلى أن أبا البخترى وهب بن وهب القاضى كان مغموراً في نسبه والله أعلم
وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن أبي خازم عن بكر بن محمد العمى عن محمد بن سماعة أنه قال: كنا ين الحسن في دار هرون الرشيد (يعنى بعد أن عزل محمد من قضاء الرقة وأصلح ما بينه وبين الرشيد بسعى أم جعفر (فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا هرون أمير المؤمنين فقام الناس إليه جميعا على أقدامهم غير محمد بن الحسن مكانه فجعل هرون ينظر إليه فلما دخل أذن له دون الناس فقلت في نفسى أراه يريد أن يخلو بعقوبته على تركه القيام إليه ثم خرج محمد فاتبعته إلى منزله فسألته عن حاله فقال لما دخلت عليه قال لى إنى عزمت على قتل مقاتلة بني تغلب وأن أسبى ذراريهم فقلت ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟. وقد صالحهم عمر بن الخطاب على ما صالحهم عليه فقال لى: ان عمر إنما كان صالحهم على أن لا يصبغوا أولادهم يعنى غمسهم في المعمودية وقد صبغوا الأولاد فخرجوا بذلك من الأمان فقلت إن عمر قد أقرهم بعد صبغهم الأولاد على أمانهم فدل ذلك أنه قد كان أمضى لهم أما فهم بلا شريطة عليهم فيه فقال لى إن عمر إنما كان ترك قتالهم بعد ذلك لقصر المدة فقلت له ان المدة وإن قصرت بعد ذلك فانه قد كان بعده ماما عدل طالت مدتهما فلم يهيجاهم، عثمان وعلى فدل ذلك على أنهما كانا أمضيا لهم الصلح بلا شريطة عليهم فيه فقال لى أخرج أ هـ.
وزاد الصيمري في روايته بطريق ابن عطية، وكان الحسين بن زياد ثقيلًا على قلب محمد بن الحسن، فقام ودخل الناس من أصحاب الخليفة. فأمهل الرشيد يسيرًا، ثم خرج الآذن وقال: محمد بن الحسن. فجزع أصحابه له، فأُدخل، فأمهل ثم خرج طيب النفس مسرورًا، فقال: قال لي: "لم لم تقم
الجزء 1 · صفحة 37
مع الناس؟ ". قلت: كرهت أن أخرج من الطبقة التي جعلتني فيها. إنك أهلتني للعلم، فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة عنه. وإن ابن عمك صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". وإنه إنما أراد بذلك العلماء. فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن السنة قعد اتباعًا لما عنكم أخذت، فهو زين لكم. قال: "صدقت". ثم قال: "بني تغلب" - ثم ساق جوابه بنحو ما سبق - وقال في آخره: فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى. قال: لكنا نجربه على ما أجروه إن شاء الله. أمر نبيه بالمشورة فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل بتوفيق الله. ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك، ومر أصحابك بذلك. وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك. فخرج له مال كثير ففرقه. أ هـ. ومثله في تاريخ الخطيب. وتلك الأمور تدل على مبلغ صرامته في الحق سواء تعلق بالمسلمين أو النصارى، ودرجة صراحته في محاربة الباطل، وبعده عن المداراة والمداهنة مهما لاقى في هذا السبيل، وصدق عزيمته في خدمة العلم والدين.
نتف لطيفة وفوائد ثمينة يرويها بعض أصحابه عنه:
ففى مناقب الكردرى عن الحسن بن شهوب أنه قال رأيت محمد بن الحسن يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم وما يديرونها فيما بينهم أ هـ. انظر إلى هذا المجتهد العظيم كيف كان لا يكتفى بما عنده من العلم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر فقهاء الأمصار وبماله من السعة في العلوم العربية حتى كان يرى نفسه في حاجة إلى تعرف وجوه التعامل بين أرباب الصناعات ومعرفة وجوه الفرق بين العرف القديم والعرف الحديث الطارىء حتى يسلم كلامه من الخطأ فى أى ناحية من نواحى تبيين أحكام الشرع هكذا يكون بذل الجهد واجتهاد الرأى
قال أبن أبى الحوام حدثني أبو جعفر الطحاوى قال سمعت إبراهيم ابن أبي داود (البرلسي) يقول سمعت يحيى بن صالح الوحاظى يقول: مع محمد بن الحسن (زميلا له) وقلت له حدثني بكتابك حججت (?) في من كتبه في الفقه - فقال لى: ما أنشط له فقلت أنا أقرؤه عليك فقال لى:
#
(1) وما في تاريخ الخطيب (? ???) عن اسمعيل بن عياش في حجهما، في سنده على انقطاعه ضعفاء وفيه البهراتى وعنه يقول النسائي: كذاب ليس بثقة ولا مأمون ..
الجزء 1 · صفحة 38
أيهما أخف على عندك قراءتي إياه عليك أو قراءتك على؟. قلت: قراءتي عليك. فقال لى: لا. قراءتي إياه عليك أخف على لأنى إذا قرأته عليك استعمل بصرى ولساني لا غير، واذا قرأت أنت على استعملت بصرى وذهني وسمعى فذلك أثقل على أهـ. ونقل الذهبي أيضا في جزئه، والوحاظى هذا هو الذى كان يفضل محمد بن الحسين على مالك في الفقه وهو شيخ البخارى أيضاً كما سبق بيانه، وهى فائدة طريفة
وذكر البدر الزركشى فى البحر المحيط أن محمد بن الحسن قال: إذا كنا نقبل رواية أهل العدل وهم يعتقدون أن من كدب فسق فلان تقبل رواية أهل الأهواء وهم يعتقدون أن من كذب كفر. أولى أ هـ.
قال ابن أبي العوام سمعت محمد بن أحمد ن حماد يقول سمعت محمد بن شجاع يقول سمعت معلى بن منصور الرازي يقول: كان محمد ابن الحسن إذا خبر أن قوما يذكرون أصحاب أبي حنيفة بسوء تمثل بهذا البيت
محسدون وشر الناس منزلة ... من عاش في الناس يوما غير محسود
وفي مناقب الكردرى عن ابن جبلة أنه قال سمعت محمداً يقول: لا يحل لأحد أن يروى عن كتبنا إلا ما سمع أو علم مثل علمنا أ هـ. وذلك أن أصحاب أبي حنيفة كانت عادتهم أن يجرى الحجاج بينهم في المسألة يومين أو ثلاثة أيام ثم يدونون المسألة من غير ذكر الحجة في الغالب اكتفاء بما طال الأخذ والرد بشأنه بذكر الحجج قبل التدوين فاذا سمع أحد المتفقهة منهم يدلون بالحجة يسكن اليها قلبه، وكذا إذا علم مثل علمهم وإلا يكون أمره تقليداً أعمى
وروى ابن أبي العوام عن الطحاوى عن إبراهيم بن أبي داود أنه قال سمعت يحيى بن صالح الوحاظى يقول حججت مع محمد بن الحسن فلما كنا بمنى رأيت خالد بن عبد الله) وهو أبو الهيثم الواسطى) فصرت إلى مجلسه فازدحم عليه أصحاب الحديث حتى آذوه. فقال: عسى لو سئل هؤلاء عن مسألة من الفقه ما عرفوا الجواب فيها. فقلت: أصلحك الله سلهم فعسى أن يكون فيهم من ليس كذلك. فسأل عن مسألة فأجبته أنا فيها فاستحسن جوابي وقال لي ممن تعلمت هذا؟ فقلت من محمد بن الحسن وهو حاج معك. قال فقال لى: إذا فرغنا فامض. بي إلى مضربه حتى أسلم عليه فلما مضيت معه إلى محمد ين الحسن فلما رآه قام اليه وأعظمه اهـ.
الجزء 1 · صفحة 39
وروى أيضا عن الطحاوى عن ابن أبي عمر عمران أنه سمع الطبرى يقول قال لى حميد أبو العباس كانت الحلقة في المسجد يوم الجمعة ببغداد لبشر بن الوليد فلم يزل كذلك ونحن نجالسه فيها حتى قدم محمد بن الحسين علينا) من الرقة (فأتيناه فكنا تتعلم منه مسائله هذه ثم ناتي بشر بن الوليد فنسأله عنها فتؤذيه بذلك فتما كثر ذلك عليه ترك لنا الحلقة وقام عنها. قال الطحاوي فسمعت ابن أبي عمر ان يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن الحسين بن أبي مالك يقول رأيت بشر بن الوليد وماً عند أبى وقد ذكر محمد بن الحسن فنال منه فقال له أبى: لا تفعل يا أبا الوليد قال له هذا محمد قد صار له في يد الناس ما صار من هذه الكتب التى فيها مسائله التى ولدها وعملها فنحن نرضى منك أن تتولى لنا وضع سؤال مسألة وقد أعفاك الله عز وجل عن جوابها. فقال الطحاوى فسمعت ابن أبي عمران يحدث عنه أو عن ابن الثلجي قال كانوا إذا قرءوا على الحسن بن أبي مالك مسائل محمد ابن الحسن هذه قال لم يكن أبو يوسف يدقق هذا التدقيق الشديد أهـ.
وبشر بن الوليد هذا هو راوية أبي يوسف ومنه سبيع أبو يعلى الموصلى كتب أبي يوسف حتى إن الذهبي يذكر في طبقات الحفاظ ما معناه: لولا طول أمد سماع أبي يعلى هذا لكتب أبي يوسف من بشر بن الوليد لعلا سنده وأدرك فلانا وفلانا أهـ. وهذا يدل على ان كتب أبي يوسف من الكثرة بحيث أن اتمام سماعها يحول دون علو السر نشده مع سرعة المحدثين فى الموض والسماع حتى إن منهم من يسمع جامع البخاري في ثلاثة أيام وهذا يؤيد ما يقال ان كتاب الأمالي لأبي يوسف وحده في ثلاثمائة جزء وإلا لما أخره سماع كتبه عن علو السند والله أعلم، والحسين بن أبي مالك من أنبه أصحاب أبي يوسف وأفقههم رحمهم الله
وروى ابن أبي السرام عن الطحاوى أيضا عن سليمان بن شعيب المكيسانى عن أبيه قال: أملى علينا محمد بن الحسين وقال: إذا اختلف الناس فى مسألة فحرم فقيه وأحل آخر وكلاهما يسعه أن يجتهد رأيه فالصواب عند الله عز وجل واحد، حلال أو حرام ولا يكون عنده حلال و حرام وهو شيء واحد ولكن الصواب عنده عز وجل واحد وقد كلف من وسعه اجتهادا لرأى ان يجتهد رأيه حتى يصيب الحق الذي عنده في رأيه فان أصاب الحق الذي هو عند الله عز وجل فى رأيه واجتهاده وسعه ذلك وكان قد أصاب ما كلف به وأداه وان كان قد أصاب ما كلف به من اجتهاده فى رأيه ولم يصب الحق عند الله عز وجل بعينه فقد أدى ما كلف به وكان مأجوراً فاما أن يقول قائل قد أحل قضيه وحرم فقيه في فرج واحد وكلاهما صواب عند الله عز وجل فهذا ما لا ينبغي أن يتكلم بها
الجزء 1 · صفحة 40
ولكن الصواب عند الله عز وجل واحد وقد أدى القوم ما كلفوه به تخين اجتهدوا وقالوا باجتهادهم ووسعهم الذي فعلوا وان كان أخذهما قشدة أخطأ الذى كان ينبغي أن يقول به إلا أنه قد اجتهد فقد أدى ما كلفه به وان كان أخطأ لأن الصواب عند الله عز وجل فى الأشياء كلها واحد. وهذا كله قول أبي حنيفة وأبى يوسف وقولنا. أ هـ.
وهذا يدل على أن أبا حنيفة وأصحابه لم يكونوا من المصوبة وأخطأ. ذلك من حكى عنهم ما يوهم
) وروى أيضا عن الطحاوي قال سمعت محمد بن علي ابن معبد ابن شداد العبدى يقول سمعت أبي يقول قدمت الرقة ومحمد بن الحسن .. قاض عليها فأتيت بايه فاستأذنت عليه فحجبت عنه فانصرفت وأقمت بالرقة مدة لا آتيه فبينا أنا فى يوم من الأيام في بعض طرقاتها إذ أقبل محمد ابن الحسين على دابته بهيئة القضاء فلما رآني أقبل على واستبطانى ووكل. بي من يصير بي إلى منزله فلما جلس في منزله أدخلت عليه فقال لي. فقلت له: مذ قدمت؟، فقد بلغني أنك ههنا ما الذي خلفك عني أتيت منزلك فحجبت عنك وإنما أتيتك كما كنت آتيك وأنت غير قاض فساءه ذلك وغمه فقال لى: أى حجابى حجبك؟. فظننت انه يريد فقلت: عقوبته فلم أخبره به ... فقال لى: إذالم تفعل فانى أنحيهم. ين اتهم له. إذن تظلم من لم يحجبني قال فدعاهم جميعا. وقال لهم لا يدلكم على أبي محمد في حجبه عني. ثم التقت إلى فقال. إذا جئت الينا فلا يكون بيني وبينك الا الستر الذي يستر الناس عنى فتنحنح حينئذ وسلم فان كنت انا على حالة يتهيأ لك الدخول فيها أذنت لك بنفسي وان كنت على غير ذلك أمسكت فانصرفت. فكنت آتيه بعد ذلك والناس على بابه فأتخطاهم وأتخطى حجابه حتى أصل إلى ستره فأتنحنح وأسلم فيقول لى ... ادخل يا أبا محمد فأدخل أو يمسك فأنصرف ا هـ.
وروى أيضا عن الطحاوى عن يونس بن عبد الأعلى انه قال قال: الشافعى. كان محمد بن الحسن إذا قعد للمناظرة في الفقه أقعد معه حكما بينه وبين من يناظره فيقول لهذا زدت ولهذا نقصت قال الطحاوى قال لنا أبو العباس الأبلى كان ذلك الرجل عيسى بن هرون ا هـ. وهذا أعدل طريقة في المناظرة.
قال الصيمرى أخبرنا عبد الله بن محمد الشاهد قال حدثنا القاضي مكرم قال حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال سمعت محمد بن سماعة يقول كان عيسى بن ابان يصلى معنا وكنت أدعوه أن يأتي
الجزء 1 · صفحة 41
محمد بن الحسن فيقول هؤلاء قوم يخالفوان الحديث وكان عيسى حسن الحفظ للحديث فصلى معنا يوماً الصبح وكان يوم مجلس محمد فلم أفارقه حتى جلس في المجلس فلما فرغ محمد أدنيته اليه ونقلت له هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث. أنا أدعوه اليك فيأبى ويقول انتم تخالفون الحديث، فأقبل عليه وقال: يا بنى ما الذي رأيتنا تخالفه منا فسأله من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع خمسة يومئذ ان وعشرين بابا من الحديث فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها ويخبر بما فيه من المنسوخ ويأتى بالشواهد والدلائل فالتفت إلى بعد ما خرجنا وقال كان بينى وبين النور ستر فارتفع عنى ما ظننت أن في ملك هذا مثل هذا الرجل يظهر للناس ولزم محمد بن الحسن لزوماً شديداً حتى تفقه اهـ
وعيسى بن أبان هذا جبل من جبال العلم وهو راوى كتاب الحجج على أهل المدينة عن محمد بن الحسين ومؤلف كتاب الحجج الصغير في الرد على ما ادعاه عيسى بن هرون الهاشمى رفيق المأمون في عهد طلبه للحديث من مخالفة أبي حنيفة لأحاديث صحيحة دونها الهاشمي في کتاب حتى طلب المأمون إلى العلماء أن يبدوا ما عندهم بشأن كتاب الهاشمي ولم يعجبه ما كتبه إسماعيل بن حماد ولا ما سطره بشر ولا ما جمعه يحيى بن أكثم وانما أعجبه غاية الاعجاب كتاب عيسى بن أبان هذا واعتبره قاضيا على كتاب الهاشمى والقضية معروفة في كتاب ابن أبي العوام وكتاب الصيمرى. ولعيسى بن أبان هذا أيضا كتاب الحجج الكبير في الرد على قديم الشافعى وهو سبب انصرافه من العراق في رحلته الأخيرة من غير أن يمكث بها إلا أشهراً يسيرة حيث لم يجد متسعا لنشر قديمه بالعراق بعد كتاب عيسى بن أبان، ولعيسى بن أبان أيضا كتاب في الرد على المريسى والشافعى فى شروط قبول الأخبار وتحتوى كتبه على تنف فى الأصول ينقلها من محمد بن الحسن، وأبو بكر الرازي كثير النقل من كتبه فى أصوله.
والحاصل أن عيسى بن أبان هذا يُعَدّ جبلاً من جبال الحجاج في الفقه.
بعض اقوال منقولة عن أحمد بن حنبل بشان كتب محمد بن الحسن
قال الخطيب حدثنى الخلال قال أخبرنا على بن عمرو أن على بن محمد النخعي حدثهم قال أخبرنا أبو بكر القراطيسى قال أخبرنا إبرا الحربي قال سألت أحمد بن حنبل وقلت هذه المسائل الدقائق من أين لك؟ قال من كتب محمد الحسن ا هـ. ونقل الشيخ عبد الحي بن اللكنوى في مقدمة
الجزء 1 · صفحة 42
تعليقه على موطأ الامام محمد عن أنساب ابن السمعاني عن أحمد بن حنبل أنه قال إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم يسمع مخالفهم فقيل له من هم؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار ومحمد أبصر الناس بالعربية ا هـ.
وفي كتاب محنة أحمد بن حنبل عن موسى بن حزام الترمذى أنه قال كنت أختلف إلى أبى سليمان الجوزجاني في كتب محمد الحسن. فاستقبلني أحمد بن حنبل عند الجسر فقال لى إلى أين؟ فقلت: إلى أبي سليمان. فقال لى أحمد: العجب منكم تركتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وأقبلتم إلى ثلاثة إلى أبى حنيفة. فقلت كيف ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: يزيد بن هرون بواسط يقول حدثنا حميد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يقول حدثنا محمد بن. الحسن عن يعقوب عن أبي حنيفة، قال موسى بن حزام فوقع قوله في فاكثريت زورقا من ساعته فانحدرت إلى واسط فسمعت من يزيد اين هربوان اهـ. يعني ما تيسر من الحديث معرضاً عاصم بن عصام الثقفى: كنت عند أبي سليمان الجوزجاني فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: إنك إن تركت رواية كتب محمد جئنا إليك لنسمع منك الحديث، فكتب إليه على ظهر رقعته: ما مصيرك إلينا يرفعنا، ولا قعودك عنا يضعنا، وليت عندى من هذه الكتب أوتاراً حتى أرويها حسبة كما رواه الكردرى، وجرى من أحمد مثل ذلك نحو يحيى بن صالح الوحاظى قتلقى منه ما هو من قبيل هذا الجواب حتى إنه حتى إنه سمع أقسى من هذا (?) من بعض أصحابه حينما بدر من النيل من أبي حنيفة.
فيا ترى ما هي الداعى له إلى هذا الاضطراب؟ تراه يثني على كتب محمد بن الحسن وعلمه مرة وتراه يسعى مرة أخرى في صرف المستمعين إلى كتبه من سماعها بأن يقول هناك علو السند وهو يعلم ان السماع بعلو بدون تفقه قليل الجدوى، وفى طور آخر يسعى عند القائمين برواية كتبه ليصرفهم أنفسهم عن روايتها بوعد التردد اليهم إذا عدلوا عن رواية كتبه - لأخذ العلم عنهم. ومتى رأى الناس تلميذاً
(1) ونصه أن قوله من قول أبي حنيفة أنفع من ملء الأرض مثلك» كما في مناقب أحمد لابن الجوزي
الجزء 1 · صفحة 43
يملى على الأستاذ ما يشاء في تخير العلوم؟ يقول تلميذ لعالم إلى آتيك لأخذ العلم منك إذا تركت تعليم العلم الفلاني وهذا طريف جداً. ثم تبدر منه بادرة فتقابل بقسوة بالغة كل ذلك مما يصعب تعليله
والحق أن أحمد بن حنبل تفقه فى مبدأ أمره عند أبي يوسف ثلاث سنين وسمع منه الحديث وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم كما ذكره الحافظ بن سيد الناس فى شرح السيرة وغيره، واستفاد من كتب محمد أيضاً كما هنا. ثم زهد فى الرأى مطلقاً أعنى الفقه المستنبط. وكلامه في رأى مالك والثورى والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وفتياهم معروف فى مناقب أحمد لابن الجوزى وغيره. وقد أشرقا الى بعضها فيما علقناه على الانتقاء لابن عبد البريل انه لما سمع ان أبا يعقوب اسحق بن منصور الكوسج يروى عن أحمد نفسه مسائل في الفقه والرأى بخراسان استاء من ذلك جداً وأشهد على نفسه انه رجع عن تلك المسائل كما ذكر غير واحد من أهل العلم مع أن كتاب اسحاق بن منصور فى مسائل أحمد وابن راهويه حقيق بأن يعد أوثق الكتب في مسائلهما وعليه يحول الترمذى فى ذكر آراء أحمد وابن راهويه في الجامع - وكتاب اسحاق بن منصور هذا من محفوظات الظاهرية بدمشق - ولم يكن التراجع من أحمد لبطلان تلك الفتاوى بل من تورعه. أن يكون قدوة فى الفتيا حذراً من تبعة الخطأ فيها بل قطع التحديث قبل وفاته بنحو ثلاث عشرة سنة كما ذكره أبو طالب المكي وغيره فلو كانن يتحمل تبعة رواية ما عنده من الأحاديث لما ساغ له قطع التحديث وكنم العلم، وليس بقليل بين أهل الرواية من غسل كتبه التي أفنى عمره في سبيل جمعها وروايتها، خوفا من قبعة الرواية.
وأنت تعلم أن جمع القرآن في عهد أبي بكر رضى الله عنه كان مقرونا بكثير من التروى حتى طال الأخذ والرد فى ذلك بين الشيخين إلى أن اقتنع أبو بكر رضى الله عنه بضرورة الجمع مع ظهور الحاجة اليه، وكذلك لما أراد عثمان رضى الله عنه تكثير نسخ القرآن وإرسالها إلى أمصار المسلمين. وكان كثير من الرواة فى الصدر الأول لا يرون بادىء اللذة كتابة الحديث ولا تدوينه وكذلك التفسير والفقه إلى غير ذلك من العلوم وهذا التحرج كلما كان أقدم عهداً كان أقرب إلى العذر لكن يستغرب حدوثه في المائة الثالثة بعد أن مضت الأمة على تدوين العلوم كلها وأقر الجمهور بالحاجة إلى ذلك.
ومن تصور ماذا كان يحدث؟ لو لم يجمع القرآن بين الدفتين ولم ترسل نسخة المنسوخة تحت إشراف الصحابة إلى أمصار المسلمين بوضعها تحت عناية قراء معروفين ولم يدون الحديث وعلومه ولم تؤسس قواعد الأصول ولم تؤلف كتب الفقه وسائر العلوم من شرعية وأدبية وغيرها، ولاحظ ذلك
الجزء 1 · صفحة 44
حق الملاحظة لا يتردد لحظة في سداد ما مضت عقليه الأمة. والامام أحمد بن حنبل أسوة غيره من العلماء له أن يرى ما يشاء فى الرأى والرواية والفقه والحديث تحت مسئوليته وله أن لا يرضى أن يكون قدوة فى هذا أو ذاك لكن ليس للناس أن يتخذوه قدوة فيما لا يرضى أن يكون هو قدوة فيه على خلاف رغبته وقد قام سائر الأئمة قبله وبعده بما رأوه واجبا عليهم ونحن على آثارهم مهتدون.
وصفوة القول أن الامام أحمد بن حنبل كان في مبدأ أمره يكتب الحديث والفقه ويحسن القول فى أبى حنيفة وأصحابه ثم اضطربت أقواله في أيام المحنة وكان آخر أمره إحسان القبول في أبي حنيفة كما ذكره أبو الورد من أئمة الحنابلة فى كتابه في أصول الدين على ما نقله العلامة سليمان بن عبد القوى الطوفى الحنبلى فى شرح مختصر الروضة في أصولهم وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق وهو من جملة ما مسخه ابن يديران قيض الله من بصلح من شأنه
وأما ما يعزى إلى بعض أصحاب أحمد من الكلام في أبي حنيفة وأصحابه فليس مما يضع من شأن هؤلاء الأئمة الفقهاء فدونك كتاب السنة لعبد الله ين أحمد وطبقات أبى الحسين بن أبي يعلى وجامع رب بن إسماعيل ونقض عثمان بن سعيد فنستبين منها معتقد الطاعنين قيمة طعونهم هل هي مما يلحق بهؤلاء الأنسنة الفقهاء فيضع من عظيم مقدارهم أم هى مما يسفه أحلام المتقولين فيرديهم
قول محمد بن الحسن في المسائل التي كان النزاع قائما فيها في عهده مما يتعلق بالاعتقاد
قال الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي في شرح السنة: حدثنا إسماعيل بن الحسين البخارى المعروف بالزاهد بالري قال سمعت أبا محمد سهل بن عثمان بن سعيد قال حدثنا أحمد خالد قال سمعت أبا عبد الله بن أبي حفص قال سمعت أبا خصمة سعد معاذ الدورقي يقول سمعت أبا سليمان الجهو رجاني يقول سمعت الحسن يقول: من قال القرآن مخلوق فلا تصلوا خلقة الأهـ ما هو قائم بالله، واما خط الكاتب وصوت العالي، والصور الذهنية في ذهن الحافظ فحدوثها محسوس مشاهد فمن حاول الكار ذلك واكفر فيما هو غير قائم بالله فهو مكابر للحسن معاند للبديهة مهما كان مقامه بين الرواة فيرثى لدين من دون في كتابه سياق ما روي في تكفير من وقف في القرآن، يريد من وقف عن النطق بأنه غير مخلوق بالنظر إلى عدم ورود ذلك في الكتاب والسنة الصحيحة، وسياق ما روي في تكفير قال لفظى بالقرآن مخلوق بناء على حدوث اللافظ ولفظه. وبلغ غلو بعض الرواة في ذلك مبلغا يخاف منه وتصرح بكل أسف أن ابن أبي حاتم وبنو منده الحفاظ في عداد هؤلاء
الجزء 1 · صفحة 45
العلاة
وقال اللالكائى أيضاً أخبرنا محمد بن سليمان قنا أبو على الخسر ابن يوسف بن يعقوب ثنا أبو محمد أحمد بن على بن زيد الغجدواني ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي ثنا عمرو بن وهب قال سمعت شداد بن حكيم يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث - أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها وتؤمن بها ولا تصرها اهـ. وقا أيضاً أخبرنا أحمد بن بن حفص حدثنا محمد بن ان مسلمة حدثنا أبو محمد سهل بن بن سعيد بن حكيم السلمى سمعت أبا إسحق إبراهيم بن أحمد يقول سمعت أبا سليمان داود ابن طلحة يقول سمعت عبيد الله بن أبي حنيفة الدبوسى يقول سمعت محمد ابن الحسن يقول: اتفق الفقهاء كلهم من الشرق إلى الغرب على أن الايمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة فانهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء ا هـ.
وهذا يرد على المتقولين بأنه كان يدعو إلى القول بخلق القرآن أو إلى رأى جهيم وكان لا يرى الخوض في الصفات كما هو مذهب السلف الصالح وهو المختار بالنظر إلى ذلك العهد ثم جد من النحل ما يقضى بضرورة التأويل دفعاً للشبه وقمعاً للقائلين بالصوت والحركة ونحوهما في جانب الله تعالى الله عن ذلك.
وقال الصيمري اخبرنا عبد الله نا مكرم نا محمد بن مسرور ثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد قال حدثنا شعيب بن أيوب عن الحسن بن زياد قال سمعت محمد بون الحسن يقول: مذهبي ومذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان) رضي الله عنهم) ا ا ا هـ. وقوله فى الايمان كقول أبي حنيفة فيه أنه العقد والكلمة وتفصيل ما كان عليه من المعتقد في الأبواب كما هو مبين في عقيدة الطحاوى، ومن ضاق صدره من ذلك وأخذ بالتجهم أو الارجاء فهو بعيد عن السنة بعد الأرض عن السماء.
بعض كلمات أهل العلم في الثناء على محمد بن الحسن ذكر ابن أبي العوام الحافظ بسنده أن
الجزء 1 · صفحة 46
مالك بن أنس قال يوما وعنده أصحاب الحديث: ما يأتينا من ناحية المشرق أحد فيه معنى ـ وكان في الجماعة محمد بن الحسن فوقعت عينه عليه فقال - إلا هذا الفتى ا هـ. انه أتاه ابن المبارك ووكيع وعبد الرحمن بن مهدى وهو فضله بهذا اللفظ عليهم، وذكر أيضاً بسنده أن الشافعي قال: ما رأيت أعلم بكتاب الله عز وجل من محمد بن الحسن كأنه عليه نزل، وقال أيضا: ما سمعت أحداً قط كان إذا تكلم رأيت أن القرآن نزل بلعنه غير محمد بن الحسين، ولقد كتبت عنه حمل جمل بختي ذکر. قال وإنما ذكرت البختي الذكر لأنه يحمل أكثر مما يحمل غيره الابل، وذكر أيضا أن المزنى قال له رجل قال محمد. فقال له: من محمد؟ قال ابن الحسن فقال مرحبا بمن يملأ الأذن سمعا والقلب فهما ثم قال ما أنا قلته، الشافعي قاله وذكر الصيمرى بسنده ان الشافعي قال: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن، وقال أيضاً إني لأعرف الأستاذية على لمالك لمحمد بن الحسن، وقال أيضاً لو أنصف الناس الفقهاء لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحسن ما جالست فقيها قط فقه منه ولا فتق لساني بالفقه مثله لقد كان يحسن من الفقه وأسبابه شيئاً يعجز عنه الأكابر، وقال أيضا: لقد كتبت عن محمد بن الحسن وقر بعير ولولاه ما فتق لى من العلم ما الفتق والناس كلهم عيال على أهل العراق وأهل العراق كلهم عيال على أهل الكوفة وأهل الكوفة كلهم عيال على أبي حنيفة، وقال المزني عن أصحاب محمد ابن الحسن: كانوا والله يملون الآذان إذا تكلموا ويفتحون للفقهاء ما ينغلق عليهم إذا عقلوا، فنظر اليه أصحابه فقال والله ما أنا قلته من قبل نفسى حتى سمعت الشافعى يقول ما هو أكثر منه، وقال الشافعي أيضا: ما رأيت أفصح من محمد بن الحسن، وقال أيضاً ما سألت أحداً مسألة إلا تبين لى تغير وجهه إلا محمد بن الحسين.
وذكر الخطيب بسنده قال الشافعى: لو أشاء أن أقول أن القرآن نزال بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته وقال أيضاً: ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسين وما رأيت أفصح منه، وقال أيضا ما رأيت أعقل منه، وقال أيضاً حملت من محمد بن الحسن وقر بختي كتبا، وقال أيضا كان محمد بن الحسن الشيباني إذا أخد في المسألة كأنه قرآن ينزل عليه لا يقدم حرفا ولا يؤخر، وقال أيضا لرجل قال له خالفك الفقهاء: وهل رأيت فقيها قط؟ إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن فانه كان يملأ العين والقلب وما رأيت مبدنا قط أذكى من محمد ابن الحسن: وقال أيضا: أمن الناس على في الفقه محمد بن الحسن.
وذكر كثيراً منها النووى فى التهذيب والذهبي في جزئه ومن جملة ما ذكره الذهبي في جزئه ما
الجزء 1 · صفحة 47
رواه ابن كاس النخعى عن أحمد بن حماد بن سفيان عن الربيع عن الشافعى انه قال: ما رأيت أعقل ولا أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أحسن نطقا وايراداً من محمد بن الحسن.
وقال الذهبي: لم يروه غير أحمد بن حماد أقول أحمد بن حماد لم يتكلموا فيه وله شواهد، وفى مناقب الكردرى عن الشافعى أنه قال: أعاننى الله برجلين بابن عيينة فى الحديث ومحمد بن الحسن في الفقه، وفيه عنه أيضا: لقيته أول ما لقيته وهو قاعد في الحجرة وقد اجتمع عليه الناس فنظرت إلى وجهه وكان من أحسن الناس وجها فاذا جبينه كأنه عاج ثم نظرت إلى لباسه وكان من أحسن الناس لباساً وسألته عن مسألة فيها خلاف وإنى أطمع أن يلحقه ضعف أن أن يلحن في كلامه فمر کالسهم فقوى مذهبه ولم يلحن فى كلامه، وفيه أيضا عنه: كنت أختلف إلى محمد بن الحسين وأجالسه حتى سمعت كتبه، وفيه أيضاً عنه: ليس لأحد على منة في العلم وأسباب النيا ما لمحمد بن الحسن على. عليه في عامة الأوقات. وفيه عنه أيضاً: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والناسخ والمنسوخ من محمد .. وفيه عنه أيضا: وكان يترحم.
ما رأيت أحداً أعلم بالفتيا من محمد بن الحسن كأنه كان يرفق لها. وفيه عنه أيضا: ما رأيت مثل محمد ينطق بالحكمة ويسمع ما لا فيحتمل.
وذكر البدر العينى فى (معانى الأخيار فى رجال معاني الآثار) عن ابن الأثير وابن كثير وغيرهما من أقوال الشافعي في محمد بن الحسن ما لا يخرج مما تقدم، وكذا التقى التسيمي في طبقاته
وأخرج ابن أبى العوام بسنده عن داود الطائي انه قال في حق محمد بن الحسن - وهو حدث -: إن عاش فسيكون له شأن وعن: أبي يوسف في حفظ محمد بن الحسن - وهو شاب: هكذا يكون الحفظ. وعنه أيضاً في حق محمد بن الحسن وهو صغير ــ: أي سيف هو غير أن فيه صداً وهو يحتاج إلى جلاء، وعنه أيضاً في حق محمد: هو أعلم الناس، وفى لفظ من أعلم الناس. وعن يحيى بن معين: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن أ هـ - وهو في تاريخ ابن معين رواية الدورى عنه وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق. وأخرج ابن أبى العوام أيضا عن الحسن بن أبي مالك أنه قال حينما قرءوا عليه مسائل محمد بن الحسن هذه: لم يكن أبو يوسف يدقق هذا التدقيق الشديد أهـ وأسانيد ذلك كله فى كتاب ابن أبي العوام الحافظ.
وأخرج الصيمرى بسنده عن أبي عبيد أنه قال: ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله محمد بن
الجزء 1 · صفحة 48
الحسن أ الحسن أهـ. وفي مناقب الكردري عن أنه قال: أنفقت على كتب محمد عشرة آلاف درهم سلام ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما اشتغلت إلا بكتب الرجل الصالح محمد بن الحسن. وسئل عيسى بن أبان، أبو يوسف أفقه أم محمد؟ فقال اعتبروا بكتبها. يعنى أن محمداً أفقه. وعن محمد
ابن سلمة: أنه جزأ الليل ثلاثة أجزاء جزء للنوم، وجزء للصلاة، وجزء للدرس. وكان كثير السهر فقيل له: لم لا تنام؟. قال كيف أنام وقد نامت عيون المسلمين تعويلا علينا وهم يقولون إذا وقع لنا أمر رفعناه إليه فيكشفه لنا فاذا ضمنا ففيه تضييع للدين أ هـ.
وفي تاريخ الخطيب (ج ? ص 174) بسنده إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: كان محمد بن الحسن له مجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة أهـ. وذكر الذهبي في جزئه: ويحكى عن محمد بن الحسن ذكاء مفرط وعقل تام وسؤدد وكثرة تلاوة، قال الطحاوى: سمعت أحمد بن أبي عمران يحكى عن بعض أصحاب محمد ابن الحسن أن محمداً كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن، قالا أبو خازم سمعت بكر بن محمد العمى يقول: إنما أخذ ابن سماعة وعيسى بن أبان حسين الصلاة من محمد بن الحسن انتهى انتهى ما ذكره الذهبي.
وروى ابن أبى العوام عن الطحاوى عن ابن أبي عمران عن محمد ابن شجاع أنه كان يقول على انحرافه من محمد بن الحسن (ميلا منه إلى شيخه الحسن بن زياد): ما وضع فى الاسلام كتاب في الفقه مثل جامع محمد بن الحسن الكبير. وروى أيضاً الكبير. وروى أيضاً عن الطحاوى عن محمد بن الحسين بن مرداس عن محمد بن شجاع أنه قال: مثل محمد ابن الحسن فى الجامع الكبير كرجل بنى داراً فكان كلما علاها بنى مرقاة برقى منها إلى ما علاه من الدار حتى اسنتم بناءها كذلك ثم نزل عنها وهدم مراقيها ثم قال للناس: شأنكم فاصعدوا أ هـ.
والحق أن هذا الكتاب آية فى الابداع ينطوي على دقة بالغة في التفريع على قواعد اللغة وأصول الحساب خلا ما يحتوى عليه من المضى على دقائق أصول الشرع الأغر فلعله ألفه ليكون محكا لتعرف نباهة الفقهاء وتيقظهم في وجوه التفريع، يحار العقل في فهم وجوه تفريعه في ذلك إلى أن تشرح له وهو كما قال ابن شجاع أولا وآخرا إلا أن مراقى الكتاب أعيدت إلى أبواب الكتاب كما يظهر من شرحى الجمال الحصيرى على الجامع الكبير حيث يقول فى صدر كل باب من أبواب الكتاب: أصل
الجزء 1 · صفحة 49
الباب كذا، وبنى البساب على كذا. فبذلك سهلت معرفة وجوه التفريع جداً
قال محمد بن مسعد: نشأ بالكوفة وطلب العلم وطلب الحديث سماعا كثيراً وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب عليه وعرف به ونفذ فيه وقدم بغداد فنزلها واختلف اليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأى أ هـ.
وذكر الخطيب بسنده عن على بن المديني أنه سئل عن محمد بن الحسن فقال صدوق ومثله فى المنتظم لابن الجوزى وتعجيل المنفعه لابن حجر وقال الذهبي في جزئه احتج الشافعى به في الحديث وقال الذهبي أيضاً فى ميزان الاعتدال: لينه النسائي وغيره من قبل حفظه وكان من يحور العلم والفقه قويا فى مالك أهـ.
فياليت شعرى كيف يكون قويا فيما سمعه عرضا، ليناً فى ما أفنى فيه عمره وحقاً أن أهل الجرح قعدوا على شفا حفرة من النار كما يقول ابن دقيق العيد، وقال البدر العينى فى رجال معافى الآثار: قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان قال علماء السير: كان محمد بن الحسن اماماً حجة في جميع العلوم قلت والذى ينقله جده في كتاب الضعفاء في حقه عن أحمد حنبل ويحيى بن معين تحامل فحاشى هذين الامامين أن يتكلما بسوء في مثل الامام محمد مع علمهما واعترافهما بعلمه الغزير ودياتنه وأماتنه وثقته وورعه وزهده ومناقبه كثيرة جداً انتهى ما ذكره البدر العيني.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ان في كتاب السير لمحمد بن صاحب الرأى عن الواقدى أحاديث فلم يضبطوا عن محمد بن الحسن ورووا عن محمد بن الحسن عن الواقدى أحاديث وروى الباقى عن محمد ابن الحسن عن مشايخ الواقدى مثل خارجة بن عبد الله بن سليمان بن ثابت، وعن محمد هلال، وعن الضحاك بن عثمان وهذا كله عن الواقدى عن محمد بن الحسن عن هؤلاء المشايخ. أهـ.
فان كان يريد بالكلام المذكور الطعن فى تلك الأحاديث باعتبار أنها مروية بطريق الواقدى فالواقدى وثقه غير واحد من الأقدمين وإن طعن فيه أناس لأسباب لكنها غير مقبولة عند هؤلاء وان كان يريد أنه يروى مرة عن الواقدى عن المشايخ ثم يروى أحاديث أخر عن هؤلاء المشايخ مباشرة من غير توسط الواقدى فما المانع من أن يكون محمد أحاديث من المواقدى عن مشايخه وسمع أحاديث أخر عن هؤلاء سمع المشايخ مباشرة ومحمد قديم الحج وقد أدرك من هو في طبقة هؤلاء من مشايخ المدينة كأسامة الليثى وعبيد الله العمرى وابن أبي ذئب. وقد قال البدر العينى رواية عن أبي حفص:
الجزء 1 · صفحة 50
أن الواقدى كان يأتى إلى محمد ابن الحسن فيقرأ عليه محمد كتاب المغازى ويقرأ عليه الواقدى كتاب الجامع الصغير، ومثله في مناقب الكردرى. وهذا من رواية الأقران بعضهم من بعض وكيف يستغنى محمد عن مثل الواقدي في المغازى ولم يستغن أبو يوسف عن محمد بن إسحاق فى ذلك ولا يتحاكم في مثل أئمتنا هذا الامام الجليل إلى مثل العقيلي وابن عدى من أذيال الحشوية وكان محمد بن الحسن بعيداً عن مدار حشوية الرواة صريحا في استسخاف أحلامهم كشيخه أبى حنيفة فطالت ألسنتهم فيهما بخلاف أبي يوسف فانه كان يداريهم حتى قالوا أبو يوسف كان منصفاً في الحديث وأما أبو حنيفة ومحمد فكانا مخالفين للآثر. وليس بين من يناهض السنة الصحيحة ولكن من يرى جلوس الرب على العرش وحركته وقدم الحرف والصوت والانحياز إلى الخوارج في مسألة الايمان أو إلى القدرية يتقول ما يشاء من غير أن يلتفت إلى هرائه أحد سوى أشكالهم في الغواية هداهم الله.
كتب محمد بن الحسن ومصنفاته:
لم يصل إلينا من أى عالم فى طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن بل كتبه هى العماد للكتب المدونة في فقه المذاهب فكم رأينا بين المحامين الباحثين فضلا عن قضاة الشرع الفقهاء من يرغب رغبة صادقة في نشر كتب محمد بن الحسن اعترافاً منهم بأن کتبه هى أسس الكتب المدونة في فقه المذاهب
وقد قام جماعة من فطاحل العلماء بالهند تحت رئاسة العلامة المحدث الفقيه أبى الوفاء حفظهم الله بالبحث عن كتب الأقدمين الفقهاء من في خزانات العالم لنشرها فترى ومسعاهم هذا مشكور جداً لقيامهم بواجب عظيم كان أهل الشأن أهملوه قرونا سدد الله سبحانه خطواتهم ووفقهم لانتاج هذا العمل النافع انه سميع مجيب.
ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدونة فى المذاهب من كتب محمد ابن الحسن فالأسدية التى هى أصل المدونة فى مذهب مالك إنما الفت تحت ضوء كتب محمد كما سبق والشافعي إنما ألف قديمه وجديدة بعد أن تفقه على محمد وكتب كتبه وحفظ منها ما حفظ، وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد وهكذا من بعدهم من الفقهاء.
فأكبر ما وصل الينا من كتب محمد هو كتاب الأصل المعروف بالمبسوط وهو الذي يقال عنه أن الشافعى كان حفظه وألف الأم على محاكاة الأصل وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة
الجزء 1 · صفحة 51
المبسوط هذا قائلا هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر وهو في ستة مجلدات وكل مجلد منها نحو خمسمائة ورقة يرويه جماعة أصحابه مثل أبي سليمان الجوزجاني ومحمد بن سماعة التميمي من وأبو حفص الكبير البخارى وقد قدر الله سبحانه ذيوعا عظيما لهذا الكتاب يحتوى على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام لا يسع الناس جهلها وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن بن داود يفاخر به أهل البصرة وطريقته في الكتاب سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف مع بيان رأيه فى المسائل ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته وإنما يسردها في مسائل ربما تعزب أدلتها عن علمهم فلو جردت هذا الكتاب الضخم تكون فى مجلد لطيف وتوجد عدة نسخ كاملة منه في خزانات اصطنبول منها ما هو في ستة مجلدات وهى نسخة مكتبة فيض الله ومنها ما هو فى أربعة مجلدات وهى نسخ مكتبات جار الله ولى الدين وقره مصطفى باشا ومراد ملا وأقدمها نسخة مراد ملا وكلها من رواية الجوزجانى وعدد المجلدات مما يختلف باختلاف الخط، ويوجد في مكتبة الأزهر مجلد من أوله وفى دار الكتب المصرية عدة مجلدات باسم الأصل وباسم كتاب فى الفروع من غير أن تتم بها نسخة واحدة
ومما وصل الينا من كتبه، الجامع الصغير وهو كتاب مبارك مشتمل على نحو ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة قد ذكر فيه الاختلاف في مائة وسبعين وسبعين مسألة ولم يذكر القياس والاستحسان إلا من مسألتين وقدر الله سبحانه الذيوع البالغ له أيضا حتى شرحه أئمة أجلاء استقصى الشيخ عبد الحى المكنوى فى) النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير) ذكر شراحه. ومن جملة رواته فى اثبات الشيوخ، الجوزجاني وأبو حفص وعلى بن معبد، وبوبه أبى طاهر الدباس والزعفرانى وليس فيه غير سرد المسائل. وكان سبب تأليفه أن أبا يوسف طلب من محمد بعد فراغه من تأليف المبسوط أن يؤلف كتابا يجمع فيه ما حفظ عنه مما رواه له عن أبي حنيفة فجمع هذا الكتاب ثم عرضه عليه فقال نعما حفظ عنى أبو عبد الله إلا أنه أخطأ فى ثلاث مسائل فقال محمد أنا ما أخطأت ولكنه نسى الرواية. ويقال إن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر، وطبع الجامع الصغير هذا في الهند يبتعليق الشيخ عبد الحى اللكنوى وفي اصطنبول ومصر.
ومن كتب محمد أيضاً كتاب السير الصغير يرويه عن أبي حنيفة. وحاول الأوزاعي الرد على بسير أبي حنيفة فجاوبه ابن يوسف ومنها الجامع الكبير وهو كتاب جامع لجلائل للمسائل مشتمل على عينون: الروايات ومتون الدرايات يحيث كاد أن يكون معجزاً كما يقولة الأكمل في شرحه على
الجزء 1 · صفحة 52
تلخيص الخلاطي للجامع الكبير، وسبق أن تقلله قول ابن شجاع فيه: انه لم يؤلف في الاسلام مثله في الفقه. وقال الامام المجتهد أبو بكر الرازى فى شرجه علي الجامع الكبير: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في العجو (يعنى أبا على الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحن وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب من جهة موافقته للعربية تمام الموافقة وكتب العلامة الشريف النقيب جمال الدين بن عبيد الله من الموصل بتاريخ المحرم سنة خمس عشرة وستمائة إلى القاضي شرف الدين بن عنين يقول فيه: كنت مذ زمن طويل. تأملت كتاب الجامع الكبير لمحمد بن الحسين رحمه الله والمرتقم على .. خاطرى منه شيء والكتاب فى فنه عجيب غرب لم يصنف مثله إلى أن. سأل فيه عن مسائل استشكلها وأجاب عنها الملك المعظم عيسى وأوردها ..
فيما رد به على الخطيب وذكر نصوصاً من الكتاب المذكور مما يدل على تغلغل محمد وشيخه في أسرار العربية .. وهذا الكتاب يعلم القية. الفقهاء، يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه ... وقد أقر جماهير أهل العلم باستبحار واضعه في العربية وبأنه حجة في اللغة .. كما أنه حجة في الفقه وقد أقر بذلك ابن تيمية في مواضع على الحرافه من أهل الرأى مع أنك ترى الشافعية أنفسهم يختلفون في كون ال الشافعي حجة في اللغة كما يستفاد من بحث مفهوم الصفة في البرهان لابن الجويني
وقد شرح هذا الكتاب عشرات من الأئمة ولم تزل تلك الشروح الخالدة محفوظة في خزانات العالم، وتوجد نسخ عديدة من الجامع الكبير في مكتبات اصطنبول وأقدمها نسخة مكتبة الفاتح بها وتوجد أيضا نسخة في مكتبة ولى الدين شيخ الاسلام وفي مكتبة (ينى جامع) بها أيضاً، وقد روى الجامع الكبير عن محمد جماعة كثيرة من أصحابه وفى جملة هؤلاء على بن معبد بن شداد.
ومنها الزيادات وزيادة الزيادات ألفهما بعد الجامع الكبير استدراكا لما فاته فيه من المسائل وتعدان من أبدع كتبه وقد عنى أهل العلم بشرحهما عناية كاملة وتوجد نسخ منهما في خزانات اصطنبول وهما من الكتب المروية عنه بطريق الشهرة وغلط من ذكرهما في عداد النوادر ويقال في تأليفه للزيادات أن أبا يوسف فرع فروعا دقيقة في أحد مجالس إملائه ثم قال: يشق تفريح هذه الفروع على محمد بن الحسن. ولما بلغه ذلك ألف الزيادات لتكون حجة على أن أمثال تلك الفروع وما هو أدق منها لا يشق عليه تفريعها والله تعالى أعلم
الجزء 1 · صفحة 53
ومنها كتاب السير الكبير وهو من أواخر مؤلفاته ألفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى فانحصرت روايته في البغداديين مثل الجوزجانى وإسماعيل بن توبة القزويني وقد احتفى الرشيد بهذا الكتاب جداً وأسمعه ابنيه الأمين والمسأميون وعظم قدر هذا الكتاب معروف وقد شرحه جماعة من الأئمة وقد طبع شرح السرخسي عليه في الهند في أربعة مجلدات ولشيخ مشايخنا العلامة محمد المنيب العينتابي تعليق نفيس عليه مسماه (التيسير على السير الكبير) وهو موجود بمكتبة شيخ الاسلام عارف حكمة بالمدينة المنورة، وتوجد نسخ خطية من السير الكبير بمكتبات اصطنبول، وسبق أن ترجم كتاب السير الكبير إلى اللغة التركية بقلم شيخ مشايخنا العينتابي المذكور في عهد السلطان محمود خان العثماني، تسهيلا لاطلاع المجاهدين من قواد الجيوش في الدولة على أحكام الجهاد، ثم طبعت الترجمة المذكورة في اصطنبول، وتلك الكتب الستة أعنى المبسوط والصغيرين والكبيرين والزيادات يعد ما حوته من الروايات ظاهر الرواية المذهب من حيث أنها مروية بطريق الشهرة أو التواتر ويعد باقى كتب محمد فى الفقه غير ظاهر الرواية لورود باقى الكتب بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر.
فمنها الرقيات وهى المسائل التي فرعها محمد بن الحسن حينما كان قاضياً بالرقة رواها عنه محمد بن سماعة وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها، ومنها الكيسانيات وهى التي رواها عنه شعيب بن سليمان الكيسانى يرويها الطحاوى عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد ويقال لها الأمالي وتوجد قطعة منها فى المكتبة الآصفية في حيدر آباد الدكن بالهند ودائرة المعارف (?) هناك على عزم طبع القطعة كما بلغنى من صديقى العلامة المحدث الفقيه أبى الوفاء شيخ الحديث بالمدرسة النظامية فى حيدر آباد الدكن، ومنها الجرجانيات يرويها على بن صالح الجرجانى عن محمد، ومنها الهارونيات وله كتاب النوادر رواية ابراهيم بن رستم، و آخر رواية ابن سماعة، وآخر رواية هشام بن عبيد الله الرازى وقد أصبحت تلك الكتب نوادر في الخزانات كما أن مسائلها تعد نوادر في المذهب
وله كتاب الكسب يقال إنه مات قبل أن يتمه وكانوا سألوه أن يؤلف كتابا في الورع فجاوبهم بأنى ألفت كتابا في البيوع يريد ان المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله فلما أصروا على الطلب بدأ في
#
(?) وكم لها من أباد بيضاء على العلم مشكورة مدى الدهر
الجزء 1 · صفحة 54
تأليف هذا الكتاب لكن المنية حالت دون إتمامه وكان شمس الأئمة السرخسى شرح كتاب الكسب هذا كما فى التراجم، وفى دار الكتب المصرية كتاب محفوظ تحت رقم ?? فى فن الصناعة في نحو خمس وأربعين ورقة يبحث عن المكاسب يقال انه تلخيص ابن سماعة لكتاب الكسب لمحمد مكتوب على ظهره. (كتاب الاكتساب في الرزق المستطاب) بديع في بابه ولكن في النفس شيء من نسبة الكتاب بهذا الاسم إلى ابن سماعة والله أعلم. وطبع حديثا كتاب في المخارج والحيل باسم محمد بن الحسن وهو المقيد باسم أبي يوسف بدار الكتب المصرية، وقد قال ابن أبي العوام ابن أبي عمران يقول سمعت ابن سماعة يقول سمعت محمد بن الحسن يقول) عن كتاب في المخارج والحيل كان يتداوله بعض الناس): هذا الكتاب ليس من كتبنا وإنما ألقى فيها. قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة. وكنت تكلمت على هذا فيما علقته على كتاب زغل العلم للذهبي بص 14.
وأما الكتب التى تغلب فيها رواية الحديث من كتبه فبين أيدينا منها كتاب الموطأ تدوين محمد من روايته عن مالك وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر من مرفوع و موقوف مما رواه عن مالك وفيه نحو مائة وخمسة وسبعين حديثا عن نحو أربعين شيخا سوى مالك، وهذا الموطأ من مسموعات أبي الوليد الباحى من أبي ذر الهروى كما في أواخر شرح الموطأ له (ج ? ص ???) و به انتشر موطأ محمد بالأندلس وأسانيد الموطأ برواية محمد مبسوطة فى أثبات شيوخنا من المشارقة وسبق ذكر أهمية هذا الموطأ عند بيان رحلة محمد إلى مالك رضى الله عنهما، وشرحه على القارى والبيرى شارح الأشباه وعثمان الكماخي وطبع موطأ محمد بالهند مرات مع التعليق المسجد لعبد الحى اللكنوى. لكن أدخل حديث كان في هامش نسخة أبنى على الصواف في الصلب خطأ وهو حديث القراءة خلف الامام من رواية الشيخ أبي على عن محمود المروزي إلى آخر السند فاضطرب لذلك اللكنبوي في رجال هذا السند ظنا منه أن أبا على هو شيخ لمحمد بين ولا دخل لمحمد بن الحسن فى هذا الحديث أصلا فان أبا على هو محمد ابن أحمد بن حسين الصواف رجال القرن المرابع راجع ترجمة شيخه المروزي في تاريخ الخطيب (ج ?? ص 94) وهناك يسوق هذا الحديث، وإدخاله فى الصلب عمل أحد الناسخين والنسخة المنقولة عن نسخة الاتقانى المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (439) على الصواب، واضطرب الشيخ عبد الحى أيضا فى رجال حديث الشعبي في صلاة القاعد) محمد ثنا بشر ثنا أحمد أخبرنا إسرائيل) لكن محمداً في أول السند همي أبو على الصوف المذكور وبشر شيخه هو بشر ابن موسى الأسدى راوية موطاً محمد وأحمد هو أحمد بن مهران النسوى صاحب محمد وراوى الموطأ عنه
الجزء 1 · صفحة 55
وإسرائيل شيخ محمد بن الحسن الامام وقد سقط محمد من بين أحمد وإسرائيل كما يظهر من نسخة أخرى محفوظة بها تحت رقم (440) أدخل الناسخ هنا خاصة عدة من الرواة المتأخرين عن محمد في صلب السند كما هي عادة كثير من الأقدمين وقد ألف فى رجال موطأ محمد العلامة قاسم الحافظ.
ومن كتب محمد بن الحسن كتاب الحجة المعروف بالمحجج في الاحتجاج على أهل المدينة وقد وصلت إلى أيدينا قطعة كبيرة منه طبعت بالهند قديما عن النسخة المحمودية بالمدينة وسبق ذكره في (ص 10) ومنها كتاب الآثار يروى فيه عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة وموقوفة و مرسلة ويكثر جداً عن إبراهيم النخعى شيخ الطريقة العراقية، ويروى فيه قليلا عن نحو عشرين شيخاً سوى أبي حنيفة وهو كتاب نافع للغاية والمشايخنا عناية خاصة بروايته فى أثباتهم وقد ألف الحافظ ابن حجر (الايثار بمعرفة رواة الآثار (فى رجاله باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ ثم ألف هو أيضاً كتاباً آخر فى رجاله، وكذلك لمحمد مسند أبي حنيفة المعروف بنسخة محمد. ومن جملة ما يذكره محمد ابن اسحاق النديم من مؤلفاته فى فهرسته: كتاب اجتهاد الرأى، وكتاب الاستحسان، وكتاب الحجج يحتوى على كتب كثيرة وكتاب الخصال، وكتاب الرد على أهل المدينة، وكتاب أصول الفقه.
فأولية رسالة الشافعى فى الأصول إنما تصح بالنسبة الى مذهبه وهو يناقش الطوائف قبله فى الأصول في الأم وهاهو لمحمد كتاب في الأصول ولأبي يوسف أيضا كما ذكره طلحة الحافظ ولأبي حنيفة كتاب الرأى كما سبق كل مالك يروى أصوله عن ربيعة عن ابن المسيب كما في مسلة ابن بشكوال.
أسانيد بعض كتب محمد بن الحسن المذكورة في أثبات المشايخ:
وتذكر في غالب الأثبات والمعاجم على اختلاف القرون أسانيد كثير ن كتب محمد بن الحسن منها الآثار والمسند والموطأ والأصول الستة له وكان الجمال الحصيرى الفرد في عصره بروايتها سماعاً يعلم عن الحسن ابن منصور الأوزجندى عن الظهير الحسن المرغيناني عن عمه أبي القاسم محمد بن عبد العزيز عن شمش الأئمة السرخسى بأسانيده المعروفة في الكتب السنة وعن الحصيرى يرويها المسدر سليمان الأذرعى وعنه الشمس السروجى وعنه القطب عبد الكريم الحلبي وعنه عبد القادر القرشي وعنه القاضى الزين المراغى وعنه يحيى بن محمد الأقصراتي وعنه البرهان الكركي وعنه السراج الحانوتى وعنه ابنه محمد وعنه الخير الرملي وأسانيد مشايخنا إليه مدونة فى الاثبات لكن لا
الجزء 1 · صفحة 56
بأس في أن تشير هنا إلى أسانيدنا في كتب محمد بن الحسن المذكورة.
أما كتاب الآثار له فأرويه بعموم الاجارة عن شيخنا العلامة أبى الاخلاص على (1) زين العابدين بن الحسن بن موسى الألصوني عن شبيخه العلامة التحرير أستاذ الأساتذة أحمد شاكر بن خليل الاصطنبولي عن شيخه المحقق الحافظ محمد غالب الإصطنبولى عن شيخه العلامة المسند سليمان بن الحسن الكريدي من المحدث المعمر أبي المحدث المعمر أبي المحاسن يوسف ابن اسمعيل عن الفقيه المحدث محمد هبة الله البعلى التاجي المتوفي سنة 1324 (ح) وأنبأنا به عاليا بعموم الاجازة المحدث الورع الشيخ الحسن بن عبد الله القسطموني عن أحمد حازم النواشهرى عن العلامة محمد أسعد. امام زاده عن محمد هبة الله البعلى عن صالح بن ابراهيم الجينيني عن محمد بن على المكتبى عن أبى الصبر أيوب بن أحمد الدمشقى عن إبراهيم بن محمد الاحدب عن الحافظ محمد بن طولون عن أبي بكر محمد بن أبي بكر بن أبي عمر عن البرهان الحلبي الحافظ عن أبي عمر محمد بن أحمد بن أبي عمر عن أبي الحسن على بن البخاري عن ابن الجوزي عن ابن البطى عن ابن خيروني عن الصيمري عن أبى اسحق إبراهيم بن أحمد الطبرى عن أبي بكر الرازي عن أبي عامر عمر بن تميم بن سيار عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن الشيباني .. وأرويه أيضاً بقراءة أوائله وإجازة الباقي عن محمد صالح الآمدى عن الشيخ فالح عن عبد الغنى الدهلوى عن محمد عابد السندى بسنده المذكور في حصر الشارد بطريق ابن حجر الى أبى خفض الكبير البخاري عنه.
وأما مسند محمد بن الحسن فأرويه بعموم الاجازة بالسند إلى ابن طولون عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي عمر عن أم محمد عائشة ابنة محمد العمرى عن أبى الحجاج يوسف المزى الحافظ عن ابن البخاري عن ابن الجوزي عن ابن البطى عن الحسن بن محمد الجوهرى عن أبي بكر محمد الأبهرى عن أبى عروبة الحراني عن جده عمرو بن أبي عمرو عن محمد بن الحسن الشيباني. ويرويهما أيضا صالح الجينيني عن أبيه عن الخير الرملى عن محمد بن السراج عمر الحانوتى عن مؤلف السيرة الشامية محمد بن يوسف الصالحي الحافظ بأسانيده المذكورة في عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان له.
#
(1) توفى بعد أذان الجمعة 18 صفر سنة 1336 عن 74 سنة ودفن بمقبرة ال بالطان محمد الفاتح باصطنبول أغدق الله على جدته سحب رحمته
الجزء 1 · صفحة 57
وذكر ابن حجر أسانيده فى موطأ محمد والآثار له والسير الكبير له في المعجم المفهرس.
وأما كتاب الموطأ رواية محمد بن الحسن فأرويه بعموم الاجازة أيضا بالسند إلى ابن طولون عن أم عبد الرزاق خديجة ابنة عبد الكريم الأرموية مشافهة عن أم عبد الله عائشة ابنة محمد بن عبد الهادى عن الحجار عن أبى الحسين محمد القطعى كتابة عن ابن البطى عن اين خيرون وأبى الحسن على بن الحسين بن أيوب قالا أنبأنا أبو طاهر عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدب أنبأنا أبو على محمد (?) ابن الحسن الصواف أنبأنا أبو على بشر بن موسى بن صالح الأسدى أنبأنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران النسائي أنبأنا به محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله.
وأما الكتب الستة له أعنى الجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والمبسوط والزيادات فانى أرويها بعموم الاجازة أيضا بالسند إلى صالح الجنينى عن الحسين العجيمي عن عبد الفتاح الخاص عن محمد بن عبد القادر التحريرى عن السراج عمر الحانوتي عن محمد بن جرباش عن أبى الخير محمد بن محمد الرومي عن المجد محمد بن محمد بن على الحريرى عن والده عن قوام الدين الاتقانى عن الحسين بن على السغناقي عن حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري عن محمد بن عبد الستار الكردرى عن البرهان صاحب الهداية عن أبي حفص عمر النسفى عن أسعد بن عبد الله الغوبديني عن أبيه عبد الله بن حمزة عن محمد بن أبي سعيد عن جده يعقوب عن أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجانى عن الامام محمد بن الحسن رحمه الله.
وأما رواية السير الكبير بطريق اسمعيل بن توبة خاصة فبالسند إلى صاحب الهداية عن تاج الدين أحمد بن عبد المعزيز بن عمر عن شمس الاسلام أبي بكر محمد بن على بن الفضل الزرنجرى عن شمس الأئمة الحلوائي عن أبي على النسفى عن أبى إبراهيم اسحق بن محمد ابن حمدان المهلبي عن أبي محمد الحارثي عن أبي محمد السمناني عن اسمعيل بن قوبة القزويني المؤدب عن الامام أبي عبد الله محمد بن الحسين الشيباني رضى الله عنه وأدام تسلسل أسانيد علومه ونفعنا ببركاته.
#
(1) سمع منه أبو ذر اللهروى موطأ محمد ومنه سمعه أبو الوليد الباجى وبه انتشر موطأ محمد بالمغرب
الجزء 1 · صفحة 58
وفاة محمد بن الحسن رضي الله عنه:
كان ميلاد محمد بن الحسن سنة اثنتين وثلاثين ومائة كما نص عليه ابن أبي العوام وابن سعد والخطيب وغيرهم وسها من قال سنة خمس كما سبق وأما وفاته فكانت سنة تسع وثمانين ومائة باتفاق بين ابن سعد وابن الخياط والخطيب وغلط من قال سنة ثمان كما وقع فى ابن أبى العوام. قال أبو عبد الله الصيمري أخبره المرزباني تنها إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى: مات محمد بن الحسين والكسائي بالرى سنة تسع وثمانين ومائة فقال الرشيد دفنت الفقه والعربية بالري. وسبق أنه قيل مات محمد ثم الكسائي بعده بيومين وقيل ماتا فى يوم واحد والله أعلم وفى مناقب الكردري أن أبا الحسين على ابن موسى القمى ذكر أن محمد بن الحسن دفن يجبل) طبرك (محركة قلعة بالرى بقرب دار هشام بن عبيد الله الرازى لأنه كان نازلا عليه، والكسائي بقرية (رنبوية) وبينهما أربعة فراسخ وكان معسكر الرشيد أربعة فراسخ نزل الامام محمد في جانب والامام الكسائي في جانب أهـ وذلك حينما خرج الرشيد إلى مقاتلة رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند، وذكر الذهبي في جزئه عن يونس بن عبد الأعلى عن على بن معبد عن الرجل الرازي الذي مات محمد بن الحسين في بيته (وهو هشام بن عبيد الله (قال حضرت محمداً وهو يموت فيكي فقلت له:
أتبكى مع العلم. فقال لى: أرأيت إن أوقفنى الله تعالى فقال يا محمد ما أقدمك الرى الجهاد في سبيلى أم ابتغاء مرضاتى؟. ماذا أقول؟ ثم مات رحمه الله أهـ. وقال الصيمري أخبرنا عمر بن إبراهيم ثنا مكرم ثنا محمد بن عبد السلام حدثني سليمان بن داود بن كثير الباهلي وعبد الوهاب بن عيسى قالا حدثنا (أحمد بن (محمد بن أبي رجاء قال سمعت أبي قال رأيت محمد بن الحسين في المنام فقلت له ما بك صنع ربك؟ قال أدخلني الجنة وقال لى لم أصيرك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذبك. قال قلت فأبو يوسف قابل ذاك فوقى أو فوقنا بدرجة قال قلت فأبو حنيفة. قال: ذاك في أعلى عليين أهـ. وقال ابن أبي العوام الحافظ: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال حدثني أحمد بن القاسم البرتى قال حدثنا أبو على أحمد بن محمد بن أبي رجاء قال سمعت أبي يقول: أريت محمد بن الحسن في المنام فقلت إلى م صرت؟ قال غفر لي قلت؟. قال قال لم تجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نغفر لك قال قلت فما فعل أبو يوسف قال فوقنا بدرجة قال قلت فأبو حنيفة قال: فى أعلى عليين أ هـ. ولفظ الخطيب قريب من هذا إلا أنه يرويه بطريق ابن المغلس عن سليمان بن أبي شيخ عن ابن أبي رجاء عن مخمويه أحد الأبدال والله أعلم
الجزء 1 · صفحة 59
أغدق الله على ضريحه سجال رحمته ورضوانه ونفعنا بعلومه بمنه وكرمه انه قريب مجيب وأخرج الصيمرى عن المرزباني عن أبي بكر بن دريد) عن سعيد السكرى قال أنشدني اسمعيل بن أبي محمد يحي بن المبارك اليزيدى عن أبيه أنه أنشد يرثى محمد بن الحسن والكسائي:
تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد نرى من بهجة ستبيد
لكل امرىء منا من الموت منهل ... فليس له إلا عليه ورود
ألم ترشيبا شاملاً يبدر البلى ... وأن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعداً فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد ... فذرفت دمعى والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا؟ ... بايضاحه يوما وأنت فقيد
وأقلقنى موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل عيش ولذة ... وأرق عينى والعيوان هجود
هما عالمانا أوديا وتخرما ... فما لهما في العالمين نديد
فحزنى متى تخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديد
وذكر مثل ذلك ابن عبد البر في «الانتقاء» ويعزى إلى الرشيد أنه أنشد:
أسيت على قاضي القضاة محمد ... فذرفت دمعى والفؤاد عميد
الأبيات فلعله تمثل بأبيات اليزيدى، اتنهى ما أردنا ذكره في هذه العجالة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
تم بيد الفقير إليه سبحانه محمد زاهد بن الحسن الكوثرى
عفى عنهما عصر يوم الخميس تاسع صفر الخير
من سنة خمس وخمسين وثلثمائة وألف