الجزء 1 · صفحة 5
انتهاك حرمة الحقيقة والتاريخ مسايرة للهوى
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رأيت في العدد السادس سنة 1359 من مجلة الإسلام الغراء مقالا حول مسألة المحراب بقلم الأستاذ ابن، رستم فعجبت كيف استساغت إدارة المجلة نشره مع ما في المقال المذكور من رمى | السلف الصالح بالتغفل والانصياع لعمال النصارى فى بنائهم المسجد النبوى على تصميم كنائسهم حيث يقول كاتب المقال: وأحدثوا فيه بدعة المحراب المجوف كما شاهدوا في كنائسهم" وهى كلمة لم يسبق النطق بها لمسلم قبل هذا الأستاذ السنى إلا أن يكون من أهل نحلته، وحاش لله أن يجعل السلف الصالح على هذا الوصف وهم الذين دوخوا العالم ونشروا الإسلام وأعزوا المسلمين.
وفيه أيضًا وصم عمر بن عبد العزيز بالظلم والعدوان مع أنه هو الذي أحيا السنة بحمل أهل العلم على تدوينها، وقام بتفقيه أهل البلاد في أمر دينهم ببعث عشرة عشرة من الفقهاء إلى كل قطر كما هو معلوم لمن درس تاريخ الفقه الإسلامي كما يجب، وقد ذاع عدله فى الحكم وأصبح مضرب مثل من عهد إمرته إلى عهد خلافته ووفاته وحينما ولى إمرة المدينة المنورة
سنة 87هـ - عام بنائه للمسجد النبوى كما هو الراجح عند ابن سيد الناس دعا عشرة من فقهاء المدينة وفيهم السبعة المشهورة وليس بينهم أبان عثمان بن وقال لهم: إنى إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، إني
الجزء 1 · صفحة 7
لا أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأى من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لى ظلامة فأحرج على من بلغه ذلك ألا يبلغنى.
أفمن تكون هذه سيرته أيام إمرته بالمدينة المنورة يعد شاباً غراً يجرى مع هوى النفس ظلوما غشوما يغصب أموال الناس ويعتدى على حقوق الناس؟!! أم تقياً ورعا يشرف على ما يشرف عليه بوجه يرضى الله ورسوله؟.
ويجد القارئ الكريم فى الأمر الصادر إليه من الوليد في صدد توسيع المسجد النبوى ما نصه فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقومه له قيمة عدل ثم اهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم فإن لك فى ذلك سلف صدق عمر وعثمان فقل لي بربك ماذا فى هذا مما ينافي شرع ا الله؟.
والإكثار من القول شأن الناس عند كل تجديد وقد لقى عمر الفاروق - ا عند توسيعه المسجد النبوى من حادثه كثيراً ليصرفه عن قصده لكنه - - كان إذا عزم أمضى، وليس حديثه مع العباس - في - كما يريد أن يصوره كاتب المقال والكلام فى حديث أبى لا يسعه المقام، وكذلك كان عثمان - الله - لقى من أكثر الكلام ليحول دون توسيع المسجد النبوى كما يشير إلى ذلك حديث الصحيحين. ففيما فعل عمر وعثمان - - أسوة حسنة لعمر بن عبد العزيز - - حيث مضى فيما صمم مع وجود من يقول: تركها على حالها أولى ... أو إن هذا البنيان العالي إنما هو من أعمال الفراعنة والأكاسرة وكل طويل الأمل .. ففي عمل عمر بن عبد العزيز هذا سير على سنة الراشدين، وإعزاز للإسلام حقا، ورفع لشأنه، وقضاء لحاجة المسلمين على الوجه الأكمل، وزينة للمسجد النبوى ولم تزل المدينة المنورة مأرز الصالحين ومزدحمهم فى كل قرن، ولاسيما بعد انقضاء عهد الظلم بها بتولية
الجزء 1 · صفحة 8
عمر بن عبد العزيز إمرتها.
ويذكرنا إكثار الكلام حول تجديد المسجد النبوى في كل عهد ما حدث الضجة حاجب الحجاب الناس من المبيت في الأزهر الشريف في يوم منع. القرن التاسع الهجرى حتى نرى مثل المقريزى يجارى العامة في استنكار ذلك، وكذا ما كان الناس يقولونه حينما نقلت الصناديق من الأزهر حديثا وقد جرت سنة الله على اصطدام العتيق بالجديد إلا أن من جمع الله له الدين مع العقل لا يعادى كل قديم ولا يؤاخى كل جديد بل يأخذ بالأصلح من الاثنين وهو الذي لا يصادم الشرع. وكان فيما صنع عمر بن عبد العزيز في المسجد النبوى المحراب الله والشرفات ولما نظر القاسم بن محمد، وسالم بن عبد بن عمر إلى الشرفات المحدثة فيه قالا: إنها من زينة المسجد ومن تكلم عند تجديد المسجد النبوى إنما تكلم فى عظمة البنيان لا فى التجويف البالغ في المحراب، بل استمرت الأمة فى عهد الأمويين والعباسيين إلى يومنا هذا على الأخذ بهذا الطراز في المحاريب، وماذا على عمر بن عبد العزيز من كونه يترفه في مبدأ أمره في المباحات؟ ويتقلب فى نعم الله وفيما رزقه الله من الطيبات؟ ولم يزل يزداد خيراً إلى خير حتى ختم له بالخير، وقد أجمعت الأمة سلفا وخلفا على إلحاقه بالخلفاء الراشدين علما وعملا أفمثله لا يستأهل أن يكف عنه اللسان ويجتنب التلويح نحوه بتخاصم آل أمية وآل هاشم؟!!.
ولولا أن الأستاذ السنى يغار على دينه الخالص الآمر بهدم المحاريب في آخر الزمن لتهيب واجتنب النيل من مثل عمر بن عبد العزيز بتصويره في صورة الظلوم الغشوم زوراً وبهتانا تعويلا منه على ما رآه في مثل «وفاء الوفاء» للسيد السمهودي من إزعاجه للحسن بن الحسن - ه -، مع أن ذلك ليس إلا حديث
الجزء 1 · صفحة 9
خرافة، وقد قال السهيلي: إن الحجر والبيوت كانت أدخلت في المسجد في زمن عبد الملك بن مروان بل كاتب المقال يناقض نفسه ويعترف بذلك ويقول: كانت بيوت أمهات المؤمنين خالية منهن آنند بعد انتقالهن جميعا إلى رحمة الله ولكنها كانت تعتبر جزءًا من المسجد إذ كان الناس يجلسون فيها وقت الصلاة ويصلون مع الجماعة - راجع مصدره - فإذن أين يتصور الاعتداء؟. و وفاء الوفاء» الذي يستقى كاتب المقال منه أنباء يستولد منها ما يشاء، جامع لكل ما قيل حول موضوع الكتاب، لكن مؤلفه السيد يروى فيه عن كل من دب وهب فيحتاج الباحث إلى تمحيص ما فيه، ولذا قال السخاوى عن وفاء الوفاء: مفتقر إلى تحرير ونظر.
وبالنظر إلى أن صاحب المقال يعول على وفاء الوفاء» في حملاته يمينا وشمالا مع تزيد ما يشاء أن يتزيد نهمس في أذنه أن تلك الروايات انفرد بها محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي وهو كذاب معروف، وعنه يقول ابن معين: كذاب خبيث لم يكن بثقة ولا مأمون. وقال البخاري عنده مناكير. وقال أحمد بن صالح المصرى كتبت عنه مائة ألف حديث، ثم تبين لى أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه. وقال أبو زرعة واهي
الحديث وقال أبو حاتم: منكر الحديث وقال النسائي: متروك الحديث ليس بثقة. وقال مسلم غير ثقة وقال أبو داود: كذابا المدينة ابن زبالة ووهب بن وهب.
هكذا يكون قدوة من فارق الجماعة، أفبرواية مثله يصح في دينه الخالص أن ينال من مثل عمر بن عبد العزيز الذى أطبقت الأمة على إمامته فى الفقه والحديث
الجزء 1 · صفحة 10
والورع والعدل والاعتصام بالسنة، وكتاب عبد الله بن عبد الحكم فى سيرته جزء يسير من مناقبه ولو فرض كونه مرغما في عهد إمرته لبادر بإزالة البدعة أيام خلافته لو كان هناك شيء يعده بدعة.
وأما ما يقال من محادثة أبان بن عثمان التي يسوقها كاتب المقال فكذب مكشوف من رواية ابن زبالة أيضا فيرمى في الزبالة!! بل ابن كثير ذكر وفاة أبان هذا في عداد وفيات سنة 85هـ قبل البدء في بناء المسجد النبوى بسنتين، ولو كان أبان في الحياة يوم تولى عمر بن عبد العزيز إمرة المدينة لكان استحضره في عداد الفقهاء العشرة من أهل المدينة. وأما ما في تهذيب الكمال من أن وفاته كانت سنة 105 نقلا عن خليفة بن خياط فقد نصوا على أنه سهو عن تاريخ وفاة أبان بن يزيد بن عبد الملك لأنه هو المذكور فى طبقات خليفة بن خياط دون تاريخ وفاة عثمان وأعاد ابن كثير ذكره فى السنة المذكورة مراعاة لحميه أبى الحجاج المزى الذى وهم في ذلك على أن الأحوط عندهم إذا اختلفت الروايات فى المواليد والوفيات أن يؤخذ بالأقدم في الوفيات وبالأحدث في المواليد.
وأما ما يذكره ابن جرير فى تاريخه من أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء فبعث له بمائة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوى فيعده ابن كثير من أجل مسجد دمشق فأولى أن تكون كلمة الأستاذ السنى فى مسجد دمشق، وإن وهم فى النقل، وتاريخ ابن جرير في الأنباء يوزن بقيمة أسانيده فيها.
والحاصل أن كاتب المقال أراه أوغل فى الباطل حيث لم يرض أن يكون الكلام بهدوء في مسألة إنه يكره تنزيها قيام الإمام في محراب غائر في الجدار مطوق
الجزء 1 · صفحة 11
الحافتين بطوق ناتي يلتزق به عمودان من جانب المحراب بحيث يصعب اطلاع من فى طرفي الصف على حال الإمام في الانتقالات كما هو الطراز العراقى فى القديم. فيتراجع الإمام بمقدار ما يظهر حاله للجماعة فتزول الكراهة كما فى كتب الفقه بل بلغت به المغالاة إلى النيل من السلف الصالح الذين أشرفوا على بناء المسجد النبوى بكل يقظة وانتباه مثل صالح بن كيسان الحافظ من أجلة شيوخ الإمام مالك - ه -، وإلى الطعن في مثل عمر بن عبد العزيز المرضى عند جميع الطوائف الإسلامية، وإلا جعل القائمين بأمر بناء المسجد النبوى طوع إشارة عمال النصارى فى أقدس بقعة عند المسلمين في عهد كبار التابعين أيام عز الإسلام - والانصياع لهم إن وقع إنما وقع في زمن غير زمنهم - وهذا التصوير من الخطورة والاجتراء بمكان، ولعل الأستاذ السنى لا يتأخر بعد أن مهد هذا التمهيد عن أن يقترح هدم المباني الدينية العالية، والجوامع الشاهقة القباب باعتبار أن علو البنيان وضخامته من عمل الأكاسرة والفراعنة لأن من تكلم فى بناء المسجد النبوى في عهد عمر بن عبد العزيز إنما تكلم فى عظمة البنيان لا في تجويف المحراب كما سبق.
وأما ما يخص الأستاذ الجليل الشيخ عمر الجندى من مقال الأستاذ ابن رستم فصاحب الشأن يعده في عداد ما يهمل أو يجاوبه إن كان يرى منازلة مثله، والله سبحانه يجمع كلمة المسلمين ويسدد خطواتهم ويعيد الشاطحين إلى رشدهم قبل أن ينزل عليهم البلاء المبين.