الجزء 1 · صفحة 5
الهجرة النبوية والتزام المذاهب السنية
للإمام محمد زاهد الكوثري
توفي سنة (1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى هجرة المصطفى – عليه السلام- وهجرة أصحابه الغر الميامين رضي الله عنهم أجمعين مما يبعث في نفوس المسلمين روحا وثابة تحملهم على صنوف من التضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام والاحتفاظ بتعاليم الإسلام وصون دار الإسلام من كل معتد أثيم باتخاذهم الرسول - وأصحابه - - قدوة في ذلك كله، ويثير حماسا فى قلوبهم يشعرهم العزة والكرامة والغيرة على حريم قدس الشريعة المطهرة بل يدعهم شعلة نار تلتهم من تحدثه نفسه انتهاك حرمة هذا الحريم المصون.
ولذا نزداد اغتباطا كلما رأينا ازدياد الأمة احتفاء بالهجرة على توالى السنين، ونعد ذلك بشير خير لمستقبل المسلمين والمجلات نراها كلها تقريبا مقالات ممتعة عن الهجرة النبوية، وهذا في نظرنا بمنزلة قطع العهود من أصحابها بأنهم لا يحيدون قيد شعرة عن تعاليم الإسلام وخير المسلمين واقفين أقلامهم لمناصرة الجماعة وجمع كلمتهم.
فإذا رأينا من يحتفى بالهجرة التي أعز الله بها الإسلام، يشط في عمله أو قوله عن المهيع الإسلامى الرشيد والمنهج الدينى السديد، قولا أو عملا متابعا لمن لا يضمر للجماعة خيرًا فى الداخل أو الخارج نمتعض كل الامتعاض، ونأسف كل الأسف من عدم مواطأة القلوب للألسن والرجولة تقضى بالوفاء بالعهد،
الجزء 1 · صفحة 7
وصدق التمسك بالمبادئ القويمة المؤدية إلى السعادتين والكلام المجرد ليس بمجد مالم يعززه الفعل والعمل فى السر والعلانية، فإذا ابتعد عن الجادة من يلهج بالإسلام والدعوة إلى الإسلام وسلك سبل الشذاذ المنحرفين عن الجادة في الاعتقاد أو العمل أو الخلق يكون ساخراً هازنا، فيمده الله المنتقم فى طغيانه وهو فى عمه وحيرة فيكون من الأخسرين أعمالا في الدنيا والآخرة.
وليس الشعب الكريم ممن لا يميز من هو جاد ممن هو هاري هازل، بل ينزل كلا منهما فى منزلته التي اختارها لنفسه فيجعله ينال ثمرة عمله من التجلة أو الامتهان في يوم من الأيام.
ومن فارق الجماعة فى شيء من المنهج المتوارث بين الأمة خلفا عن سلف يكون سلك طريقا يؤديه إلى الضلال والخزى المبين مهما تظاهر أنه هو المتمسك بالكتاب والسنة بخلاف السواد الأعظم من المسلمين، ومن المحال في جرى العادة أن تكون الجماعة هي المنابذة للكتاب والسنة وأن يكون من فارقهم هو المتمسك بهما، وإليه يشير قوله - -: من قال هلك الناس فهو أهلكهم وليس بنافع من فارق سبيل الجماعة احتفاؤه بالمواسم ورميه الناس بالزيخ دون شخصه الرشيد.
مع وجوه فها هو الشوكاني يقول فى تفسيره إن أتباع الأئمة المتبوعين في صف الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حذو القذة بالقذة. أنه مضت الأمة من صدر الإسلام إلى اليوم على أن يسأل من لا يعلم أخذ الأحكام من الكتاب والسنة من يعلم ذلك، وكان من يتصدى للإفتاء من الصحابة عدداً يسيرا جدا والباقون إنما كانوا يستفتونهم في النوازل فيعد اتباع من لا يعلم أخذ
الجزء 1 · صفحة 8
الحكم من الكتاب والسنة لمن يعلم ذلك اتخاذا له ربا من دون الله. سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هذا أخذ الجاهل بقول العالم لقوله سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}
فتكون كلمة الشوكاني هذه بالغة الشناعة حيث يعد الأمة المحمدية اتخذت أربابا من دون الله من أقدم العصور إلى اليوم، كأن الأئمة نابذوا صرائح الكتاب والسنة وتابعوا أهواءهم كما فعل الأحبار والرهبان وهو وحده الذى أخذ بالكتاب والسنة، وإكفار الأمة جمعاء هكذا لا يصدر ممن يحق أن يعد فى علماء هذه الأمة، و نيل الأوطار له ما هو إلا مرحلة من مراحل ابتعاده عن الجادة، بل فيه أيضا تشغيبات لا تنطلى إلا على من هو غير بصير بوجوه التصرف في أدلة الأحكام من الذين تزيبوا قبل أن يتحصر موا. بل في كتابه هذا 3-234 رمى زوار القبور والمتوسلين بالأخيار بالكفر الفظيع والشرك الشنيع مسايرة لزعيم البادية، وهذا غلو وإسراف في الحكم بالكفر على الأمة المحمدية.
وقد صدق محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - شيخ الشوكاني- حيث قال في إرشاد ذوى الألباب عند تحدثه عن الذين يسميهم الشوكاني قبوريين مشرکين: هؤلاء مثبتون التوحيد الله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسوله -- لما دعاهم إلى كلمة التوحيد وأجعل الآلهة إلها واحدا بل هم مثبتون لتوحيد الله بالألوهية قائلون إنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنق أحد منهم على أن يقول إن الولى إله مع الله لما قالها.
الأمير الصنعاني هذا من اللامذهبية كالشوكاني وله شطحات أيضا، لكن هداه الله إلى الحق في هذه المسألة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في المقال السابق
الجزء 1 · صفحة 9
فيكون الاجتراء على إكفار الأمة واستباحة أموالها ودمائها لتلبسهم ببعض بدع فى زيارة القبور أو التوسل تهوراً قبيحاً ومفارقة للجماعة وجهلا فظيعا بالكفر الاعتقادي الناقل عن الملة والكفر العملى غير الناقل من نحو الأخذ ببعض خلال الجاهلية المخالفة للسنة على أكبر تنزل.
ولو كان بناء القباب على القبور بدعة منكرة ما أقرت الأمة ذلك من صدر الإسلام إلى اليوم ومن أنكر إنما أنكر ذلك فى المقابر المسبلة، فدونك تلك الروضة المطهرة المدفون بها حضرة المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق – رض الله عنهم - قد بنى عليها بناء من أقدم العصور بدون نكير من أهل العلم، رغم كل من يريد انتهاك حرمة ذلك المقام العطر في زمن متأخر.
وهذا المتهور يرى أيضا أنه لا قضاء على من ترك الصلاة عمدا، وأنه لا زكاة فى عروض التجارة على خلاف إجماع أئمة الهدى فبذلك يزول عماد الدين، ويزال حق الفقراء فى أموال الأغنياء، ولا اعتداد بخلاف الظاهرية في التحقيق.
ويرى أيضا جواز نكاح ما فوق الأربع من النساء لكل أحد من الرجال على خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة فى كتابه وبل الغمام ونص كلامه نقله صديق خان فى ظفر اللاضى بما يجب على القاضي وقد رد عليه عبد الحى اللكنوى -رحمه الله - ردا مشبعا فى ص 479 من كتابه «تذكرة الراشد وتبصرة الناقد» فيحق أن يكون مثل هذا الزائغ قدوة الشهوانيين الذين لا يرون التحديد بالأربع فى النساء أفلا يكون من سخرية مجددى اليوم الساعين في منع التزوج بأكثر من واحدة على خلاف الكتاب والسنة والإجماع اليقيني للأمة مدى القرون أن ينوهوا
الجزء 1 · صفحة 10
بهذا الزائغ القائل بجواز النكاح إلى عدد غير محدود من النساء؟ وإن كان يناقض نفسه فى «السيل» و «النيل والتناقض شأن المبطلين، وكم له من شواذ من. هذا القبيل.
وقد رفع نسبه فى البدر الطالع إلى آدم – عليه السلام- ردا على من يقول إنه منحدر النسب من اليهود وللعلامة ابن حريوة الشهيد رد عليه شديد في كتابه «الغطمطم الزخار» يكشف عن منبته ووجوه مسعاه.
فالتوصية بكتبه وكتب أمثاله من الشذاذ لا تصدر ممن يعلم دخائلهم إلا إذا كان يريد إغواء الأمة عن مناهج الأئمة زاعما إن كلام المتكلمين في العقائد وكلام الفقهاء فى التحليل والتحريم ليس حجة علينا، إنما إمامنا الكتاب والسنة مع أن كلام المتكلمين من أهل السنة وكلام الفقهاء منهم من كتاب الله وسنة رسوله، وهم على وفاق في صرائح الكتاب والسنة الصحيحة، وإنما اختلفوا عند احتمال الدليل لوجهين، وهم في سعة ذلك؛ لاستجماعهم لشروط الاستنباط باعتراف الأمة لهم بذلك، وهذا مستنبطان من شغل الرجال لا لعب الأطفال، حتى يتصوروا أن يصفو لهم الجو فيتمكنوا من تقليب شرع الله رأسا على عقب.
وتوهين أمر الفقه والفقهاء والحديث والمحدثين، والكلام والمتكلمين سعى فى إحداث الفوضى فى العمل والاعتقاد والخلق، وفتح الباب التقول باسم الشرع للطغمة المفسدين وتفريق لكلمة المسلمين في زمن يستكثر فيه الأخذ بالمذاهب الأربعة فإذا درست أحوال من يدعو إلى ذلك لابد أن يظهر لك أنه عدو في ثياب صديق. ولنا عود بإذن الله سبحانه إلى هذا الموضوع ومن الله التوفيق.