الجزء 1 · صفحة 5
النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أَبي حنيفة
تأليف
الفقير إلى الله تعالى
محمد زاهد بن الحسن الكوثري
وكيل مشيخة الإسلام بدار الخلافة العثمانية سابقا
توفي سنة (1371هـ)
ادعى ابن أبي شيبة مخالفة أبي حنيفة لأحاديث صحيحة في مائة وخمس وعشرين مسألة من أمهات المسائل، فقام هذا الكتاب بتمحيص أدلة الطرفين، وكشف عن كثير من الحقائق في اختلاف مدارك الفقه وأطوار الفقه الإسلامي، مما له خطره عند الباحثين
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذى أضاء منار الهدى لمن استهداه، فسلك به طريق الهداية من غير أن تتشعب به الطرق فى كل متاه، والصلاة والسلام الاتمان الأكملان على سيد المرسلين: سيدنا محمد إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه السادة القادة الهادين المهديين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا كتيب سميته (النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة أتكلم فيه عن باب خاص من كتاب (المصنف) للحافظ الكبير أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم العبسي الكوفى المتوفى سنة 235 هـ، وهو من كبار أئمة الحديث روى عنه أمثال البخاري ومسلم وأبي زرعة الرازي وأبي داود، وابن ماجه وبقي بن مخلد وأبي القاسم البغوى وجعفر الفريابي، وأمم سواهم ووصفوه بالثقة والضبط، والإتقان والحفظ.
وكتابه «المصنف» أجمع كتاب ألف في أحاديث الأحكام، رتبه على أبواب الفقه وسرد في كل باب منه ما ورد فيه من مرفوع موصول ومرسل
الجزء 1 · صفحة 7
مقطوع، وموقوف، وقول تابعي وأقوال سائر أهل العلم في المسألة التي يعانيها، فيسهل بذلك على القارىء أن يحكم على تلك المسألة أنها إجماعية أو خلافية.
وعلى منهجه جرى تلميذه بقى بن مخلد الأندلسي في مصنفه، وهو كان أثار مالكية الأندلس بإدخال مصنف ابن أبي شيبة الأندلسي لأول مرة وهيجهم بما هو مسجل في التواريخ مع أنه ليس فيه باب خاص يرد به على مالك بن أنس: عالم المدينة الله عنه، لكنه مكثر من أحاديث أهل الكوفة وسائر بلدان العراق، ومالكية الأندلس تعودوا أن لا يصغوا لغير حديث الموطأ، وأحاديث أهل المدينة بحيث أصبحوا إذا سمعوا أحاديث لغير أهل المدينة يضيق صدرهم، وينطلق لسانهم، ويأثرون ذلك عن إمامهم، لكنه لم يرحل لطلب الحديث رحلة باقى الأئمة رضى الله عنهم أجمعين. ولم يضق صدر أهل الشرق ضيق صدر هؤلاء بكتاب المصنف لابن أبي شيبة مع اشتماله على باب خاص عنوانه (هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم) رد فيه على أبي حنيفة: إمام أهل العراق في خمس وعشرين ومائة مسألة بآثار يسردها فى كل باب من، موصول، ومرسل ومرفوع وموقوف، وقول تابعي وأقوال سائر العلماء إلى عصره، ثم يذكر في آخر كل باب) وذكر أن أبا حنيفة قال كذا) فيستبين المطالع بذلك أن تلك الآثار ترد على رأى أبي حنيفة هذا، لكن لا يسند الرأي الذي يعزوه إلى أبى حنيفة بسند يسوقه، ولو فعل هذا لكان أبرأ لذمته، وأتم فائدة لأننا نرى كثيرا من الآراء التي يعزوها إليه لم تثبت نسبتها إليه في كتب المذهب المتداولة مدى القرون.
ثم إنه لم يبال بانقطاع في الأسانيد، ولا بوجود رجال فيها متكلم فيهم، فتمكن أصحاب أبي حنيفة من الجواب عما أورده هو عليه، ولم يكن هذا عن غفلة
الجزء 1 · صفحة 8
منه، بل أراد استعراض جميع ما ورد في الباب مما حاول أهل الحديث أن يردوا به عليه، فينوب بذلك عنهم في الرد مع إبقاء طريق للتنفس لأصحاب أبي حنيفة بتركه ثغرات في الآثار تمكنهم من الرد.
ومن الدليل على ذلك أنه يذكر في باقي أبواب الكتاب كثيراً من الأسانيد في صالح أصحاب أبي حنيفة وهي أقوى مما ذكره في باب الرد - كما سنشير إلى ذلك في مواضعه.
والواقع أننا لو فرضنا أن أبا حنيفة أخطأ في جميع المسائل التي عزاها ابن أبي شيبة إليه وهي خمس وعشرون ومائة مسألة لكان هذا العدد عدداً يسيراً جداً بالنظر إلى كثرة مسائله التقديرية فى الفقه وأقل ما قيل فيها إنها ثلاث وثمانون ألف مسألة، وما عند مالك منها وحده نحو ستين ألف مسألة.
وفي رواية أبي الفضل الكرماني عصرى إمام الحرمين مسائل أبي حنيفة نحو خمسمائة ألف مسألة على ما في إشارات المرام.
وفي رواية صاحب العناية شرح الهداية ألف ألف ومائتا ألف وسبعون ألفا ونيف، والقلة باعتبار أصول المسائل التي تتفرع منها صور كثيرة إلى أن تبلغ ذلك العدد الكبير. فلو أخذنا العدد الأقل تكون نسبة عدد المسائل المنتقدة إليه نسبة الواحد إلى (664)، وهذا شيء لا يذكر في مسائل مجتهد غير معصوم يخطئ ويصيب فضلاً عما إذا أخذنا العدد الأوسط أو الأكثر، فإن النسبة في الأوسط تكون نسبة الواحد إلى (4000)، وفى الأكثر تكون النسبة نحو نسبة الواحد إلى (10160).
وهكذا يتضاءل عدد المسائل المفروض الغلط فيه بالنسبة إلى كثرة مسائله
الجزء 1 · صفحة 9
مع أن القارىء يستبين من مناقشاتنا مع ابن أبي شيبة في تلك المسائل أن نصف تلك المسائل مما ورد فيه أحاديث مختلفة يأخذ هذا المجتهد بأحاديث منها لترجحها عنده بوجوه ترجيح معروفة عنده، ويأخذ ذاك المجتهد بأحاديث تخالفها لترجحها عنده بوجوه ترجيح أخرى عنده، وباعتبار اختلاف شروط قبول الأخبار عند هذا وذاك، فلا مجال في هذا النوع للحكم على المجتهد بأنه خالف الحديث الصحيح الصريح لأن المسائل الاجتهادية ليست بموضع للبت فيها.
وإذا قسمت النصف الباقى أخماسًا، فخمس منها مما خالف خبر الآحاد فيه نص الكتاب، فيؤخذ بالكتاب وخمس آخر منها ورد فيه خبر مشهور وخبر دون ذلك فيرجح الخبر المشهور عملاً بأقوى الدليلين والخمس الثالث ما اختلفت فيه الأفهام، وتبينت فيه دقة فهم الإمام دون فهم الآخرين، فالقول قوله أيضا، والخمس الرابع هو الذي تبين خطوه فيه على أكبر تنزل والخمس الأخير ما غلط فيه المصنف بعزو ما لم يقله إليه بالنظر إلى كتب المذهب.
أفليست هذه النتيجة بعد أن أجلبوا بخيلهم ورجلهم في نقض آراء أبي حنيفة نتيجة تقضى لآرائه بالسداد والاعتداد ما دام للفقه الإسلامي سلطان في النفوس؟ حتى إنا نرى مذهبه رغم رغبته أول المذاهب الفقهية فى الإسلام فى الحكم به في محاكم الإسلام مع استمرار العمل به في أغلب الأقطار مدى القرون إلى أن أصبح آخر المذاهب انسحابا من المحاكم عند تغلغل آراء الغرب في نفوس المغرورين بها من أبناء الشرق الإسلامي، والله الأمر من قبل ومن بعد.
ثم إن المصنف لم يذكر في عداد المسائل المنتقدة ترك الجهر بالبسملة
الجزء 1 · صفحة 10
وانتقاض الوضوء بالقهقهة، وترك القراءة خلف الإمام والتوضؤ بالنبيذ وعدم رفع الأيدي في الركوع؛ وعدم انتقاض الوضوء بمس الذكر، واعتبار حال المرأة فى الرق والحرية في الطلاق وغير ذلك من المسائل لظهور قوة حجة أبى حنيفة فى تلك المسائل في نظره بالمعنى الذي يريده.
والحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعى صاحب السيرة الشامية الكبرى ساق في كتابه (عقود الجمان فى مناقب أبي حنيفة النعمان (مسانيد أبي حنيفة البالغة سبعة عشر سفراً بأسانيده إلى جامعيها ثم تعرض لهذا البحث وقسا على ابن أبي شيبة بعض قسوة في ردوده هذه، وأتى من كتب الأصول لأصحابنا نصوصا تفيد وجه إعراض أبي حنيفة عن كثير من الروايات عملاً بأقوى الدليلين مما أشرت إلى بعضها في تأنيب الخطيب (152) وذكر روايات أعرض عنها أبو حنيفة لتلك الأصول، لكن قل بينها ما استند عليه ابن أبي شيبة فى هذا الباب فلم أر تلخيص كلامه في هذا الفصل.
ثم ذكر الصالحى أنه شرع في تأليف رد على ابن أبي شيبة، فكتب الجواب عن نحو عشرة أحاديث فقدر أن ذلك الرد يبلغ نحو مجلدين فعدل عنه لانصرافه إلى إتمام (كتاب السير (الكبرى وأخر العود إليه إلى الفراغ منه آملا من الله سبحانه أن يمن عليه بالوقوف على ما عمله الحافظ الشيخ محيى الدين القرشي: صاحب (الجواهر المضية في طبقات الحنفية ليستعين به في ذلك، حيث أخبره بعض أصحابه أنه وقف عليه، وأنه مسودة، وفيه بياض كثير، وأنه لم يقدر على تحصيله إلى الآن ا هـ وهو المسمى بالدرر المنيفة في الرد على ابن أبي شيبة عن أبي حنيفة، وإني بحثت عنه كثيراً فلم أظفر به كما لم أظفر بالأجوبة عن اعتراض ابن أبي شيبة للعلامة قاسم بن قطلوبغا في الموضوع نفسه مع طول بحثى عنه
الجزء 1 · صفحة 11
أيضاً ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
لكن لم أرد التسويف والعمر في سبيل الانقضاء بعد أن طبع هذا الباب بمفرده ككتاب مستقل في دهلى بالهند من قبل بعض من ظن في ذلك نكاية في أبي حنيفة وأصحابه الحاجة في النفس.
والواقع أن (المصنف) لابن أبي شيبة من الآثار الخالدة، وهو في ثمانية مجلدات، محفوظة فى مكتبة محمد مراد البخارى المعروف بمراد ملا فى) جهار شنبة) في حي الفاتح في اسطنبول تحت رقم (594 - (6??) وهناك أيضًا مصنف عبد الرزاق في خمسة مجلدات تحت رقم (602 - 606)، ونسخة أخرى من مصنف ابن أبي شبيبة محفوظة في مكتبة السلطان أحمد الثالث تحت رقم (260) في طوبقبو في اسطنبول أيضا إلا أنها ينقصها المجلد الثامن، وفى الهند أيضاً نسخ أخرى كما في نوادر المخطوطات وله مع هذا الرد منة عظيمة على مذهب أهل العراق لأنه أجمع كتاب لأدلتهم في الفقه فتعرف له هذا الجميل
ومن غرائب ما وقع لى قبل سنين متطاولة أنه زارني عالم مغربي الأصل ينتسب هلاليا، ويدعى أنه أصبح سلفيّاً سنيا بعد أن كان مالكيا تيجانيا، مظهرا كل اغتباط و سرور كانه انتقل من ضلال إلى هدى.
وفاجأني بقوله: إن الأمة ضلت في جميع البلاد بإعراضها عن الأخذ بالحديث واتباعها لآراء الرجال ولكن لا تخلو بلدة من بلاد الإسلام إلا ويوجد فيها من يأخذ بالحديث، رغم ما يلقى من الاضطهاد من قبل المقلدة لآراء الرجال سوى بلدتكم، فإننا لم نسمع من يأخذ بالحديث، ويحيد عن تقليد الرجال فيها، وقد بلغني أنك من أهل الحديث، وممن يأخذ بالحديث فسررت ورأيت من
الجزء 1 · صفحة 12
الواجب زيارتكم. وأفاض في هذا المعنى بحرارة وتحمس وأنا ساكت فترددت لحظة. هل نتركه على حسن ظنه بهذا العاجز؟ أم أصارحه برأيي فيما يقول وأشوش خاطر هذا، الزائر فرأيت الأول غشا يأباه المسلم، والثاني نصحا، والدين النصيحة.
فقلت يا أستاذ أراك تفرط فى رمى طوائف السنة بالإعراض عن الحديث، وليس بينهم طائفة - فيما أعلم - لا تتفانى في الأخذ بالحديث، لكن فهم الحديث وإدراك علل الحديث ليسا من الأمور الميسورة لكل أحد، فلا يسوغ رميهم بالإعراض من غير ذكر ما أعرضوا عنه من الأحاديث.
وأبديت له أنى على استعداد لأناقشه في أية مسألة شاء. على أي مذهب شاء. في أمر يكون الحديث على خلافه بكل جلاء، وطلبت منه مسألة من مسائل مذاهب السنة تكون مخالفتها للحديث في غاية الوضوح في نظره - وجرت هذه الكلمة على لساني فلتة من غير قصد.
لكن صاحبي لم يكن موفقا فى اختيار مسألة تربكنى حقا، فقال: فها هو رفع اليد في الركوع قد ع قد صحت فيه أحاديث خالفتها الحنفية فقلت بل معهم مالك: عالم أهل المدينة، وسفيان الثورى منافس أبى حنيفة فى الكوفة، وكل هؤلاء يقولون بعدم الرفع بل لم يصح حديث مطلقا في الرفع غير حديث ابن عمر، وعلل الأحاديث الأخرى مشروحة في الجوهر النقي، ونصب الراية وغيرهما.
وأما حديث ابن عمر في الرفع فلم يأخذ هو به في رواية مجاهد وعبد العزيز الحضرمي عنه، وترك الراوى الصحابى العمل بروايته علة قادحة فيها عند
الجزء 1 · صفحة 13
سلف النقاد، وليس هذا بمذهب للحنفية فقط كما تجد تفصيل ذلك في شرح علل الترمذى لا بن رجب
وأما ابن مسعود فقد اتفق الرواة على أنه روى حديث عدم الرفع وعمل به، وهو حديث (ألا أصلى بكم صلاة رسول الله، فصلي، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة) كما في سنن النسائى وأبى داود والترمذى والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، منها حديث البراء عند أبي داود (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود).
فقال صاحبي: لكن لفظ (ثم لا يعود) انفرد به يزيد بن أبي زياد وهو مختلط. قلت: يوجد من يقول هذا، لكن تابعه الحكم بن عتيبة، وعيسى بن أبي ليلى عند أبي داود، والطحاوي، والبيهقي، وهما ثقتان كما تابع شريكا الراوي عن يزيد: هشيم، وإسماعيل بن زكريا، ويونس فيكون إعلال أبي داود للحديث بالانفراد غلطا مكشوفا بما في الجوهر النقى وغيره، وأريته منصوصا من بناية البدر العيني، ورسالة العلامة الإتقانى في الرد على السبكي وقلت فيها حجج ظاهرة فى عدم الرفع، وإن غالي في الاعتداد برواية شاذة في اللؤلؤيات.
ولعلك عرفت الآن أن عدم الرفع ليس بمخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، بل تكاد تكون الأدلة تتكافأ فى الجانبين الرفع وعدم الرفع كما يميل إلى ذلك ابن القيم في بعض كتبه على مغالاته في المسائل فتكون أنت أشد مغالاة منه حيث تعد عدم الرفع من أجلى المسائل في المخالفة مع أن التخيير هو مقتضى الأدلة، بل ابن أبي شيبة لم يذكر هذه المسألة في عداد المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة الأحاديث، وأنت تفرط هذا الإفراط.
الجزء 1 · صفحة 14
فقال: كنت أنا الساعى فى طبع كتاب ابن أبي شيبة في الهند.
قلت: لو سعيت في طبع (المصنف) بأكمله بدل طبع باب منه لغاية خاصة لكنت عملت عملاً يذكر، فعلم أنى لست من الآخذين بالحديث أخذ زملائه من أشباه العامة بأول حديث يلقونه من غير استعراض الجميع ما ورد فى الموضوع، ولا بحث عنه، ولا نظر إلى العمل المتوارث في أمصار المسلمين خلفا عن سلف.
فلو كان هذا الداعي إلى الأخذ بالحديث وترك الفقه المتوارث أنصف في المسألة لقال بالتخيير بين الرفع. وترك الرفع بالنظر إلى أدلة الفريقين، وحسم النزاع بدل أن يتحامل على عدم الرفع الذى ربما يكون هو أقوى حجة كما نقول.
ومن الغريب أنى علمت فيما بعد أن هذا الزائر الساعى فى طبع رسالة ابن أبي شيبة - رجم اليهودي واليهودية في الهند أزعج في الحجاز وفى الهند إلى أن استقر في بلاد لا يجد فيها من يناقشه في المسائل الإسلامية، ولا أدرى ما إذا كان تمكن من الاحتفاظ بتاج الإسلام في رأسه. نسأل الله السلامة.
وقد آن أوان الشروع في المقصود، ومن الله سبحانه العون والتوفيق. وعليه توكلت وإليه أنيب.
قال ابن أبي شيبة في باب من (المصنف) تحت عنوان: (هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم):
رجم اليهودى واليهودية
- حدثنا شريك بن عبد الله عن سماك عن جابر بن سمرة. أن النبى الله
الجزء 1 · صفحة 15
يهوديا ويهودية. حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب: أن رسول الله له رجم يهودياً.
حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر عن جابر بن عبد الله: أن النبي رجم يهودياً ويهودية.
حدثنا ابن نمير حدثنا عبيد فيمن رجمهما.
عن نافع عن ابن عمر: أن النبي رجم يهوديين أنا حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي: أن النبي رجم يهودياً ويهودية.
وذكر أن أبا حنيفة قال ليس عليهما رجم).
أقول: في سند الخبر الأول شريك وسماك، وفى سند الخبر الثاني مجالد، والخبر الأخير مرسل، ومع ذلك أصل الخبر ثابت محتملاً أن يكون وروده في أول الهجرة، أو فيما بعد، وعلى كل حال فهو حكاية فعل لا تعم.
وقد عارض هذا الفعل قول ينص على اشتراط الإسلام في الإحصان، والقول مقدم على الفعل على أن في اشتراط الإسلام احتياطا، وهو مطلوب فى باب الحدود كما حققه ابن الهمام والخبر ورد من طرق يقوى بعضها بعضا، ويدور حديث ابن راهويه بين الرفع والوقف، ومثل هذا الاشتراط بما لا يعرف بالرأى فيكون الموقوف في هذا الباب في حكم المرفوع.
ولفظ ابن راهويه في مسنده (من أشرك بالله فليس بمحصن» ولفظ عفيف بن سالم ه لا يحصن الشرك بالله شيئا.
ولفظ أبي بكر بن أبي مريم عند الدارقطني إن كعب بن مالك أراد أن
الجزء 1 · صفحة 16
يتزوج يهودية، فقال له النبي: لا يتزوجها، فإنها لا تحصنك فعفيف وثقه ابن معين كما ذكره ابن القطان، وأحمد بن أبى نافع الراوى عنه وثقه ابن حبان وابن أبي مريم، وإن ذكر بالاختلاط، لكن تابعه عتبة بن تميم في الرواية عن علي بن أبي طلحة في مراسيل أبي داود، وعتبة ثقة عند ابن حبان والإرسال والانقطاع مما لا يمنع الحجة عند كثير من أئمة الاجتهاد.
وقد قال محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار) حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه لا يحصن المسلم باليهودية ولا النصرانية ولا يحصن إلا بالمسلمة اهـ. وقال محمد بن الحسن فى الموطأ إن كانت تحته يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنا، ولم يرجم وضرب مائة، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا اهـ. وقال ابن حجر في فتح البارى (?? - ???): قال المالكية، ومعظم الحنفية، وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام. وأجابوا عن حديث الباب أنه له إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما فى كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن. قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى قوله أو يجعل الله لهن سبيلاً} ثم نسخ ذا بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن كما تقدم اهـ.
وهذا تلخيص من ابن حجر لما ذكره الطحاوى فى معانى الآثار، وجمهرة الفقهاء غير الشافعي وأحمد على هذا الرأى.
الجزء 1 · صفحة 17
2 - الصلاة في أعطان الإبل
ورجم الزناة مطلقا من غير فرق بين المحصن وغيره هو حكم التوراة الموجودة بين أيدى اليهود اليوم. ومسند البزار في الأحاديث المعللة فلا يجدى وجود إحصان اليهوديين في حديث معلل، بل في سنده ابن لهيعة، ومثله ما وقع عند ابن جرير بل فيه مجهول لا يحتج بخبره، وفي مسند أحمد ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن فلا يحتج بخبره في إحصان اليهودي.
2 - وقال أيضا: (حدثنا ابن إدريس عن الأعمش عن عبد الله عبد عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى في مرابض الغنم. قال: نعم. قال: أتوضأ من لحومها. قال: لا. قال: فأصلي في مبارك الإبل؟ قال لا. قال: فأتوضأ من لحومها؟ قال: نعم - يريد هنا التوضؤ اللغوى وهو غسل اليد.
حدثنا هشيم عن يونس عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا فى أعطان الأبل، فإنها خلقت من الشيطان.
حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أشعث بن أبى الشعثاء عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال: أمرنا النبى الله أن نتوضأ من لحوم الأبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم، وأن نصلى فى مرابض الغنم، ولا نصلي في أعطان الإبل.
حدثنا يزيد عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم، وأعطان الأبل، فصلوا في
الجزء 1 · صفحة 18
مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل.
حدثنا زيد بن الحباب عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده: أن النبي قال: لا يصلى في أعطان الإبل وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس بذلك».
**
أقول: قال الطحاوى بعد أن ذكر عدة أحاديث في النهي عن الصلاة في أعطان الإبل:
ذهب قوم إلى أن الصلاة فى أعطان الإبل مكروهة، واحتجوا بهذه الآثار، حتى بعضهم في حكم ذلك، فأفسد الصلاة.
وخالفهم فى ذلك آخرون فاجازوا الصلاة فى ذلك الموطن (وكان من الحجة لهم أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها، وفي السبب الذي كان من أجله النهي. فقال قوم: أصحاب الإبل من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول، فينجسون بذلك أعطان الإبل فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل لذلك لا لعلة في الإبل وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع كانت. وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم وترك البول فيه والتغوط. فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك.
هكذا روى عن شريك بن عبد الله يفسر هذا الحديث على هذا المعنى.
(القاضى) - منافس أبى حنيفة وأصحابه أنه كان وقال يحيى بن آدم ليس من قبل هذه العلة عندى جاء النهي، ولكن من قبل أن الإبل يخاف وثوبها، فيعطب من يلاقيها حينئذ. ألا تراه قال: فإنها جن من جن خلقت.
الجزء 1 · صفحة 19
وفي حديث رافع بن خديج عن رسول الله له أنه قال: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، وهذا غير مخوف من الغنم فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك من فعلها لا لأن لها نجاسة ليست للغنم مثلها، وأبيحت الصلاة في مرابض الغم لأنه لا يخاف منها ما يخاف من الإبل.
حدثني خلاد بن محمد عن محمد بن شجاع الثلجي عن يحيى بن آدم بالتفسيرين جميعا.
حدثنا فهد قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح أن عياضا قال إنما نهى عن الصلاة فى أعطان الإبل لأن الرجل يستتر بها ليقضى حاجته، فهذا التفسير موافق لتفسير شريك.
حدثنا فهد قال: حدثنا محمد بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى إلى بعيره.
حدثنا فهد قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: أخبرنا يحيى بن أبى بكير العبدي قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد المصفر عن الحسن عن المقدام الرهاوي قال: جلس عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء والحارث بن معاوية: فقال أبو الدرداء، أيكم يحفظ حديث رسول الله له حين صلى بنا إلى بعير من المغنم فقال عبادة: أنا، قال: فحدث. قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، ثم مد يده وأخذ قرادة من البعير فقال: ما يحل لى من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس وهو مردود فيكم.
ففى هذين الحديثين إباحة الصلاة إلى البعير فثبت بذلك أن الصلاة إلى
الجزء 1 · صفحة 20
البعير جائزة، وأنه لم ينه عن الصلاة فى أعطان الإبل لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها.
واحتمل أن تكون الكراهة لعلة ما يكون من الإبل في معاطنها من أروائها وأبوالها، فنظرنا في ذلك، فرأينا مرابض الغنم كل قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وبذلك جاءت الروايات التي رويناها عن رسول الله له وكان حكم ما يكون من الإبل في أعطانها من أبوالها وغير ذلك حكم ما يكون من الغنم في مرابضها من أبوالها، وغير ذلك لا فرق بين شيء من ذلك فى نجاسة ولا طهارة لأن من جعل أبوال الغنم طاهرة جعل أبوال الإبل كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، فلما كانت قد أبيحت فى مرابض الغنم في الحديث الذي نهى فيه عن الصلاة فى أعطان الإبل ثبت أن النهى لذلك ليس لعلة النجاسة، إذ ما يكون منها حكمه مثل ما يكون في الغنم. ولكن العلة التي لها كان النهى هو ما قال شريك، أو ما قال يحيى بن آدم، فإن كان لما قال شريك، فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول كان عطنا أو غيره، وإن كان لما قال يحيى بن آدم فإن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس كان عطنا أو غيره.
فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
وأما حكم ذلك من طريق النظر فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم، وأن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها فى طهارتها أو نجاستها فكان يجيئ فى النظر أيضًا أن يكون حكم الصلاة في موضع الإبل كهو في موضع الغنم قياسا ونظراً على ما ذكرنا وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
الجزء 1 · صفحة 21
وقد حدثنا يزيد بن سنان. قال: حدثنا ابن أبي مريم. قال: حدثنا الليث بن سعد. قال: هذه نسخة رسالة عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد يذكر فيها: أما ما ذكرت من معاطن الإبل فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان رسول الله يصلى على راحلته، وقد كان ابن عمر، ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها، وهى تبعر وتبول انتهى ما ذكره الطحاوى، وهو في غاية النفاسة لم أرض أن أحذف منه شيئًا.
ولم يخرج البخاري في صحيحه حديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل لأنه ليس من شرطه، وإن تقوى بكثرة طرقه.
وأما حديث: (جعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً) فكالجبل ثبوتا فلا يناهضه حديث (أعطان الإبل) والنظر الذى ذكره الطحاوى يكون علة في الحديث الذي يفرق بين الأعطان والمرابض بحيث يفيد أنه لا يقوى لمعارضته حديث (جعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً) المخرج في جميع الصحاح والسنن والمسانيد المفيد بعمومه جواز الصلاة في أعطان الإبل وغيرها بعد أن كانت طاهرة كما هو مذهب جمهور العلماء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو يوسف، ومحمد، وآخرون. كما ذكره البدر العيني في شرح البخاري.
والحكم على حديث قبل استعراض جميع طرقه مبعد عن الصواب كما يقول العلامة الكشميرى أنور شاه. لأن تمام الحديث وملابساته إنما يستبين بذلك.
وحديث الصلاة في مرابض الغنم إنما ورد جواباً لمن لا يجد غيرها، بل صحيح البخارى نص على أن الصلاة فى المرابض كانت قبل بناء المسجد حتى إن
الجزء 1 · صفحة 22
ابن حزم يدعى نسخ الصلاة في مرابض الغنم بما ورد فى تطييب المساجد وتنظيفها عند أبي داود، ولعله كان يرى نجاسة الأزبال والأبوال على خلاف أهل مذهبه.
ثم إن الصلاة فى مرابض الغنم لم تكن فى موضع الأرواث منها لحديث أبي هريرة في موطأ محمد حيث قال (أحسن مرابض الغنم وأطب مراحها وصل في ناحيتها) أي في منتح منها بعيد عنها.
والغريب أن ابن أبى شيبة المنتقد أخرج الصلاة إلى البعير في مصنفه كما أخرج في مصنفه أيضاً حديث كعب فى أن اليهودية لا تُحصن. هكذا قضى على نفسه بنفسه في البابين والله سبحانه ولى التسديد.
&&&
سهم الفارس والراجل من الغنيمة
- وقال أيضًا (حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن. عن النبي له أنه قسم للفرس سهمين وللرجل سهما.
حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفارس ثلاثة أسهم: سهمين لفرسه، وسهما له.
حدثنا أبو خالد عن أسامة بن زيد عن مكحول قال أسهم النبي يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهما.
حدثنا ابن فضيل عن حجاج عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفارس ثلاثة أ ـة: أسهم سهما له وسهمين لفرسه.
الجزء 1 · صفحة 23
حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان أن النبي عله أسهم يوم خيبر لمائتي فرس لكل فرس سهمين.
وذكر أن أبا حنيفة قال: سهم للفرس وسهم لصاحبه).
أقول: اختلفت الروايات في تقسيم الغنائم؛ ففي بعض الرويات (للفرس سهمان. وللرجل سهم)، وفى بعضها (للفارس سهمان وللراجل سهم) وهو الذي اختاره أبو حنيفة، وهو الذى وقع في لفظ مجمع بن جارية، وأن وهمه أبو داود فيه وترجيح المجتهد لإحدى الروايات عند اختلاف الرواة في لفظ الحديث بوجوه ترجيح تلوح له ليس من المخالفة في شيء.
فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة فى ذلك مع توهيم هذا لذاك، وذاك لهذا نظر، فوجد أن الشرع لا يرى التمليك للبهائم، فحكم على أن رواية (للفرس سهمان) - المفيدة بظاهرها التمليك للبهيمة ضعف ما يملك الرجل - من غلط الراوى حيث كانت الألف فى وسط الكلمة قد تحذف في خط الأقدمين في غير الأعلام أيضاً فقرأ هذا الغالط (فرسا ورجلاً) ما تجب قراءته (فارسا وراجلاً) فتتابعت الرواة على هذا الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس - كما يراد بالخيل الخيالة عند قيام قرينة - جمعا بين الروايتين، ومضى آخرون على رواية التلوي الحديث على الصحة فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: (إنى لا أفضل بهيمة على مؤمن ليفهمهم أنه لا تمليك فى الشرع للبهائم والمجاز خلاف الأصل - وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه لا يقول أيضاً بمساواة البهيمة لمؤمن لأن الكلام في الحديث المغلوط فيه في التفضيل، فاقتصر على مورد النظر.
الجزء 1 · صفحة 24
ولا يستلزم هذا أن يكون أبو حنيفة قائلاً بالمساواة بين المؤمن والبهيمة، لأن القول بالمفهوم ليس من مذهبه.
وقول أبي يوسف فى (الخراج) بعد وفاة أبى حنيفة ومتابعة الشافعي له في (الأم) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى كلام فقيه الملة كما يظهر لمن أحسن التدبر فيما ذكرناه هنا.
وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس فى بعض الحروب، فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعا بين الأدلة لأن الحاجة إلى الفرسان تختلف باختلاف الحروب، أفبهذا يكون أبو حنيفة رد على رسول الله؟، حاشاه من ذلك.
وأدلة أبي حنيفة في المسألة مبسوطة فى مفصلات كتب المذهب ولا سيما (أحكام القرآن) لأبي بكر الرازي الجصاص (?) - 58) و (نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية) للحافظ الزيلعي (3 - 416).
وقد أطال النفس فى سرد ما تمسك به أبو حنيفة فى ذلك العلامة المحدث المحقق أبو الوفاء رئيس لجنة إحياء المعارف النعمانية، فى حيدر آباد الدكن - حفظه الله - فيما علقه على كتاب (الرد على سير الأوزاعي) (ص (??) فأجاد وأفاد، على غلطة في كلمة تعزى إلى مالك أشرت إلى وجه الصحة فيها في (تأنيب الخطيب) - ص ??. وهنا أنقل كلام مولانا الأستاذ أبى الوفاء بتمامه استغناء ببحثه الممتع في هذا الموضوع أدام الله النفع به.
قال حفظه الله: احتج الإمام بأحاديث منها ما رواه هو عن زكريا بن الحارث عن المنذر ابن أبي جمصة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استعمله على سرية فغنم، فأسهم للفارس سهمين، وللراجل سهما واحداً، فبلغ ذلك عمر
الجزء 1 · صفحة 25
فرضى به أخرجه أبو يوسف عنه في الآثار.
ومنها ما رواه عن عبد الله بن داود عن المنذر بن أبى جمصة قال: بعثه عمر بن الخطاب فى جيش إلى مصر، فأصابوا غنائم، فقسم للفارس سهمين وللراجل سهما فرضى بذلك عمر رواه عنه محمد في (الآثار).
ومنها ما أخرجه الجصاص فى أحكام القرآن الكريم من طريق عفيف بن سالم عن الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهما.
ومنها ما أخرجه محمد في (السِّير الصغير) عن ابن عباس أن النبي أعطى الفارس سهمين والراجل سهما.
ومنها ما روى عن ابن عمر قسم النبي للفارس سهمين وللراجل سهما وقد روى هذا الحديث من طرق منها ما أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير عن عبيد ابن عمر عن نافع عن ابن عمر به.
قال الدارقطني: قال لنا أبو بكر النيسابوري: هذا عندى وهم من ابن أبي شيبة لأن أحمد رواه عن ابن نمير كالجماعة وكذا عبد الرحمن بن بشر وغيره عنه، ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة كذلك اهـ.
قلت رواية ابن أبي شيبة المتقدمة أوردها عبد الحق في أحكامه وسكت عليها، ومثل ابن أبي شيبة لا يهم، مع أن أبا أسامة وابن نمير لم ينفردا بل توبعا على ذلك. تابعه سفيان كما أخرج الجصاص عن عبد الله بن رجاء عنه عن عبيد الله الحديث في (أحكام القرآن) وقال قال عبد الباقي. لم يجى به عن الثوري غير محمد بن الصباح، وذكر ابن نمير مع أبي أسامة يشير إلى التقوية وأنه ليس بوهم.
الجزء 1 · صفحة 26
ومنها ما أخرجه الدارقطني من طريق نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر به، وقال: قال أحمد بن منصور: الناس يخالفونه، وقال النيسابوري لعل الوهم من نعيم. قلت: وذكر هذه الرواية صاحب التمهيد، وهو يدل على شهرتها عندهم وكيف يكون وهما، وقد توبع عليه؟!.
ومنها ما أخرجه الدارقطنى أيضًا من طريق ابن وهب عن عبد الله به وقال قد رواه عنه القعنبي على الشك هل قال: للفرس أو للفارس؟ ومنها ما أخرجه أيضًا من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر به. قلت: وهذا الشك من القعنبي، وكذا الاختلاف فيه على حماد لا يضر من المتابعات. ومما احتج به الإمام ما رواه أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة، والطبراني والبيهقي والحاكم عن مجمع بن جارية قال شهدت الحديبية فذكر الحديث وفيه: فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما.
قال البيهقي في سنده مجمع بن يعقوب، فحكى عن الشافعي أنه قال. شيخ لا يعرف.
قلت: هو مجمع بن يعقوب بن يزيد بن جارية الأنصاري.
وقال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد، ومجمع ثقة معروف. قال صاحب الكمال: روى عنه القعنبي، ويحيى الوحاظى، وإسماعيل بن أبي أويس، ويونس المؤدب، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. قال ابن سعد: توفى بالمدينة وكان ثقة، وقال أبو حاتم وابن معين ليس به بأس، وروى له أبو داود والنسائى انتهى، وابن معين إذا قال: ليس به بأس، فهو توثيق. ومنها ما أخرجه الطبراني عن
الجزء 1 · صفحة 27
المقداد أن النبي أسهم له سهمين: لفرسه سهم وله سهم، وفي إسناده الشاذ كوني عن الواقدي.
ومنها ما رواه الواقدى فى المغازى عن الزبير شهدت بني قريظة، فضرب لي بسهم ولفرسي بسهم.
ومنها ما يروى عن عائشة رضى الله عنها قالت: قسم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم سبايا بني المصطلق فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما. أخرجه ابن مردويه. ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة عن هاني بن هانىء عن على رضى الله عنه قال: للفارس سهمان وللراجل سهم.
ومنها ما أخرجه ابن جرير في التهذيب عن أبي موسى أنه لما أخذ تستر وقتل مقاتلتهم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما.
كان ومنها ما ذكره الجصاص في أحكامه قال: روى شريك عن أبي إسحق قال: قدم قثم ابن العباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا فقال: أجعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم. فقال: اضرب لى بسهم ولفرسي بسهم وقد روى عن كل من ابن عمر، والمقداد، والزبير، وعلى قولان متعارضان فرجح الإمام ما روى عن ابن عمر أولا لما ظهر له من الترجيحات، وحمل ما روى عنه وعن غيره بخلاف ذلك على التنفيل كما روى أنه أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس والراجل رواه أحمد ومسلم بمعناه وهو راجلاً أجيراً لا يستحق سهما من الغنيمة وإنما أعطاه، رضخا، وقال: خير رجالنا سلمة بن الأكوع وخير فرساننا أبو قتادة، وأعطى الزبير يومئذ أربعة أسهم ذكره الجصاص. قال: وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو المستحق، وقسم لبعضهم
الجزء 1 · صفحة 28
ثلاثة وكان السهم الزائد على وجه التنفيل وقال: وهذه الزيادة كانت على وجه التنفيل تحريضاً لهم على إيجاف الخيل كما كان ينفل بسلب القتيل. ويقول: من أصاب شيئًا فهو له. تحريضاً على القتال.
قال السرخسي: ولكن رجح أبو حنيفة حديث ابن عباس في غنائم بدر، وقال. السهم الواحد متيقن به لاتفاق الآثار، وما زاد عليه مشكوك فيه لاشتباه الآثار، فلا أعطيه إلا المتيقن ولا أفضل بهيمة على آدمي .. اهـ.
فهذا ما لخصت من المطولات ومن شاء زيادة التفصيل فعليه بالمطولات من كتب الفقه، وشروح كتب الحديث.
قلت. وبقول الإمام قال زفر والحسن بن زياد اللؤلؤى من أصحابه انتهى ما نقلناه من كلام الأستاذ أبي الوفاء الأفغانى حفظه الله، وفى ذلك كفاية في هذا المقام.
السفر بالمصحف إلى أرض العدو
- وقال أيضا: حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبى نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس بذلك).
أقول: هذا لفظ الراوى، وأما لفظ النبي الله ففيما أخرجه أبو عبيد في (فضائل القرآن) حيث قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم (وهو ابن علية) عن أيوب (وهو السختياني) عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن، فإني أخاف أن يناله العدو.
الجزء 1 · صفحة 29
ولفظ الطحاوى اتم من ذلك حيث يقول في مشكل الآثار: حدثنا المزني عن الشافعي. عن سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، فإني أخاف أن يناله العدو وساق أيضا بطرق نص هذا الحديث. وهذا النهى منصوص العلة كما ترى فيفيد اقتصار النهى على حالة قيام الخوف عليه من نيل العدو.
وقال الطحاوي: اختلف أهل العلم فى السفر به إلى أرض العدو فذهب بعضهم إلى إباحة ذلك منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن كما حدثنا محمد بن العباس حدثنا على بن معبد عن محمد بن الحسن عن يعقوب عن أبي حنيفة، ولم يحك خلافا بينهم.
وذهب بعضهم إلى كراهية ذلك. وقد روى هذا القول عن مالك بن أنس ا هـ.
ونص محمد في السير الكبير على أن إباحة ذلك عندما يكون مأمونا عليه من العدو. فإباحتهم لا تكون على الإطلاق بل بهذا الشرط فلا يكون تجويز السفر به بهذا الشرط مخالفا للحديث المذكور. راجع مشكل الآثار (? - (368) وشرح السير الكبير. (????)
ونص كلام محمد في السير الكبير: (ولا بأس بإدخال المصاحف في أرض العدو لقراءة القرآن في مثل هذا العسكر العظيم، ولا يستحب له ذلك إذا كان يخرج في سرية. لأن الغازي ربما يحتاج إلى القراءة فى المصحف، إذا كان لا يحسن القراءة عن ظهر قلبه، أو يتبرك بحمل المصحف أو يستنصر به.
والذي روى أن النبى نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، تأويله أن
الجزء 1 · صفحة 30
يكون السفر به مع جريدة خيل لا شوكة لهم والظاهر أنه فى المعسكر العظيم يأمن من هذا لقوتهم، وفى السرية ربما يبتلى به لقلة عددهم.
وإن دخل إليهم مسلم بأمان، فلا بأس بأن يدخل معه المصحف إذا كانوا قوما يوفون بالعهد، والأمن عليه مما يختلف باختلاف الزمان.
فالمنع من السفر بالقرآن إلى أرض العدو عند الخوف عليه من الأعداء مجمع عليه عند
ه - التسوية بين الأولاد في العطية
الفقهاء، فيباح ذلك عند الأمن من ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه، وليس في هذا أدنى مخالفة للحديث السابق لعدم تحقق علة النهي في هذه الصورة.
وروى السرخسي عن الطحاوى أن هذا النهى كان في ذلك الوقت لأن المصاحف لم تكثر في أيدى المسلمين، وكان لا يؤمن إذا وقعت المصاحف في أيدى العدو، أن يفوت شيء من القرآن من أيدى المسلمين، أو يغير بعض ما في المصاحف مما يعلمون أنه لم يبق بايدى المسلمين ويؤمن مثله في زماننا هذا زمن الطحاوى (لكثرة المصاحف، وكثرة) القراء.
ولو وقع مصحف فى أيديهم لم يستخفوا به لأنهم، وإن كانوا لا يقرون بأنه كلام الله تعالى، فهم يقرون بأنه أفصح الكلام بأوجز العبارات، وأبلغ المعاني، فلا يستخفون به كما لا يستخفون بسائر الكتب ا. هـ. ثم قال السرخسى ولكن ما ذكره محمد رحمه الله أصح، فإنهم يفعلون ذلك مغايظة المسلمين. ا. هـ. والحاصل أن السفر به إلى أرض العدو يحرم إذا خيف النيل منه، ويباح عند الأمن من ذلك.
الجزء 1 · صفحة 31
ه - وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن محمد ابن النعمان عن أبيه أن أباه نحله غلاماً، وأنه أتى النبى لله ليشهده، فقال أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاردده.
حدثنا عباد عن حصين عن الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يقول أعطاني أبي عطية، فقالت أمى - عمرة بنت رواحة - لا أرضى حتى تُشهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى أعطيت ابني من عمرة عطية، فأمرتني أن أشهدك. قال: أعطيت كل ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
حدثنا ابن مسهر عن أبي حيان عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي. قال لا أشهد على جور.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به).
أقول: اختلفت ألفاظ الرواة فى حديث النعمان بن بشير في النحل بحيث وسعت على أئمة الفقه نطاق الاجتهاد.
فرأى جمهورهم أن الأمر بالتسوية للندب منهم مالك والليث، والثورى والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، فأجازوا أن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية على كراهية من بعضهم والتسوية أحب إلى جميعهم.
ويرى بعضهم وجوب التسوية بينهم فى العطية لظاهر بعض ألفاظ الرواية. منهم ابن المبارك، وأحمد والظاهرية وكان إسحاق معهم ثم رجع إلى مذهب الجمهور.
الجزء 1 · صفحة 32
والإجماع على جواز هبة المرء لماله للغريب مما يؤيد رأى الجمهور، ولا نص حيث يكون احتمال، فلا يكون معنى لما يقال: لا قياس إلا في مورد الاجتهاد هنا.
وقد أورد البيهقى نحو عشرة وجوه في تأييد أن الأمر بالتسوية هنا للندب، وإن ناقشه فيها بعضهم
وسبب اختلاف الفقهاء فى حمل تلك الأحاديث على الوجوب، أو على الندب هو اختلاف الفاظها، فقوله فى هذا (فأرجعه)، وقوله فى الآخر: (أشهد على هذا غيرى)، وفى آخر (أيسرك أن يكونوا في البر سواء) تدل على الندب.
وهناك ألفاظ تؤذن بالوجوب مثل (لا أشهد على جور) إلا إذا حمل الجور على مجرد الميل لقرائن قائمة حتى قال القاضي عياض والجمع بين أحاديث الباب أولى من طرح بعضها، ومن توهين الحديث بالاضطراب فى ألفاظه، ووجه الجمع أن تحمل كلها على الندب ثم بين وجه حملها كلها على الندب في شرحه على صحيح مسلم. ونحن نرى أنفسنا في غنية عن التوسع هنا بأكثر مما ذكرناه لأن المسألة ليست مما انفرد به أبو حنيفة بل معه فيها جمهور أهل الفقه.
وتفضيل أبي بكر لعائشة، وعمر لعاصم فى العطية مما نص عليه الشافعي، وكذا فعل غيرهما من الصحابة وإقدامهم على ذلك من أجلى الأدلة على أن الأمر بالتسوية للندب ودعوي رضي الآخرين بعيد عن متناول الحديث فتكون مجرد شغب.
بيع المدبر
6 - وقال أيضا: وحدثنا ابن عيينة عن عمرو سمع جابراً يقول: دبر رجل من الأنصار غلاما له، ولم يكن له مال غيره، فباعه النبي، فاشتراه النحام: (نعيم
الجزء 1 · صفحة 33
بن عبد الله) عبداً قبطياً. مات عام الأول في إمارة ابن الزبير.
حدثنا شريك عن سلمة عن عطاء، وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبراً. وذكر أن أبا حنيفة قال لا يباع.
أقول: وفى مرسل أبي جعفر محمد بن على الباقر عليه السلام أنه قال: شهدت الحديث عن جابر: إنما أذن في بيع خدمته. كما في سنن الدارقطني، وهو مرسل صحيح عند النقاد، وابن أبي شيبة ممن يحتج بالمرسل، ورفعه عبد الغفار بن قاسم وهو شيعي جلد إلا أنه يثني عليه ابن عقدة.
وبيع خدمة المدبر الذي دبره مالكه المدين غير بيع المدبر.
وعلى كل حال فهو حكاية واقع لا تعم.
وفي عتق المدبر من الثلث ورد أحاديث عند الدارقطني يقوى بعضها بعضا، وصح عن ابن عمر من قوله.
قال مغلطاي: اختلف العلماء فى المدبر يباع أم لا؟ فذهب أبو حنيفة، ومالك، وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع، مدبره وأجازه الشافعي، وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت و محمد بن سيرين وابن المسيب والزهرى والشعبي، والنخعي والليث بن سعد، وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين. ا. هـ. وقال أبو الوليد الباجي إن عمر رضى الله عنه رد بيع المدبرة في ملأ خير القرون، وهم حضور متوافرون، وهو إجماع منهم أن بيع المدبر لا يجوز. ا. هـ. وقال البدر العيني فى شرح الهداية وبه قال مالك وعامة العلماء من السلف والخلف من الحجازيين والشافعي والكوفيين وهو المروى عن عمر
الجزء 1 · صفحة 34
وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت و به قال شريح وقتادة والثورى والأوزاعي اتفاقا في المدير المطلق، وحديث جابر يقيده مرسل أبى جعفر فيخرج من أن يصلح للاحتجاج به عند الشافعي وأحمد وداود أفبمثل هذا الرأى يعد أبو حنيفة خالف حديثاً صحيحاً صريحاً؟
ولسنا في صدد سرد أدلة الفريقين والمقارنة بينها، ومن أراد ذلك فليراجع شروح صحيح البخارى وكتب التخاريج المبسوطة.
ومن أصل أبي حنيفة أنه إذا دار الدليل بين إبقاء النسمة تحت الرق، وإنقاذها منه يميل إلى الإنقاذ بدون إلغاء تصرفات المالك العاقل والله جل شأنه ولي التوفيق.
الصلاة على المقبور
- وقال أيضاً: (حدثنا حفص وابن مسهر عن الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس قال: صلى النبي على قبر بعدما دفن.
حدثنا هشيم عن عثمان بن حكيم عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت وكان أكبر من زيد: أن النبي صلى على امرأة بعد ما دفنت وكبر أربعا.
حدثنا سعيد بن يحيى الحميري عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي أسامة بن سهل عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود فقراء أهل المدينة ويشهد جنائزهم إذا ماتوا. قال: فتوفيت امرأة من أهل العوالي، قال: فمشى النبي إلى قبرها وكبر أربعا. حدثنا الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه يعنى النجاشي فكبر أربعا. حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن
الجزء 1 · صفحة 35
أبي سنان عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أن النبي صلى على ميت بعد ما دفن.
حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليم بن حيان عن سعد بن ميناء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة وكبر عليه أربعاً.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يصلى على ميت مرتين).
أقول: في بعض طرق حديث الصلاة على المقبور ما يدل على أن ذلك من خصائص حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وهو ما أخرجه البخارى ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإنى أنورها بصلاني عليهم).
- إشعار الهدى
وقد قال أبو الوليد الباجى فى الرد على المتمسكين بصلاته عليه السلام على القبور قائلاً: إن النبى الله علل صلاته على القبور بما لا طريق لنا إلى العلم بأن حكم غيره فيه كحكمه فقال: إن هذه القبور ممتلئة ظلمة، والله ينورها بصلاتي عليهم.
والصلاة على القبر كرهها النخعى والحسن، وهو قول أبي حنيفة والثورى والأوزاعي والحسن بن حيى والليث بن سعد.
قال ابن القاسم - على ما فى عمدة القارئ - قلت لمالك فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه قال: قد جاء وليس عليه العمل، وفي الترمذى عزو عدم الصلاة عليه إلى مالك، والخلاف فيه قديم بحيث لا يعد فريق من المختلفين في
الجزء 1 · صفحة 36
ذلك مخالفا للأثر الثابت من حضرة النبي له وللنظر فيه متسع.
والصلاة على الغائب مما جعله مالك كأبي حنيفة من خصائص النبي ولم تثبت صلاته على غائب سواه لتكون شرعا عاما؛ بل قال ابن عبدالبر أكثر أهل العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به اهـ.
وفي حديث عمران في صحيح ابن حبان: (وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه) وهذا يدل على أن النجاشي كان يراه الإمام ولا يراه المأموم والله سبحانه أعلم.
وقال أيضا: (حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس: أن النبي أشعر في الأيمن وسلت الدم بيده.
حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر في الأيمن وسلت الدم بيده.
حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان: أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية خرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدى، وأشعر وأحرم.
وذكر أن أبا حنيفة قال: الإشعار مثلة).
أقول: الإشعار المسنون هو ما كان برفق وأما الإشعار المعهود في أهل زمان أبي حنيفة من بالغ الجرح فهو مثلة حقا، بل الإشعار نفسه تركته عائشة، وخير ابن عباس بين فعل الإشعار وتركه كما في عارضة الأحوذي لأبي بكر بن العربي. وذكر الترمذي: أن الإشعار مثلة مروى عن إبراهيم النخعي، فيكون هذا
الجزء 1 · صفحة 37
القول بالنظر إلى إشعار أهل زمانه أيضا.
وقال فضل الله التوربشتى فى شرح المصابيح - وهو مترجم له في عداد الشافعية في طبقات ابن السبكي: كان هذا الصنيع معمولاً به قبل الإسلام، وذلك لأن القوم كانوا أصحاب غارات لا يتناهون عن الغصب والنهب وكانوا مع ذلك يعظمون البيت، وما أهدى إليه، وكانوا يعلمون الهدى بالإشعار والتقليد، فلما جاء الإسلام أقر ذلك لغير المعنى الذي ذكرناه، بل ليكون مشعراً بخروج ما أشعر عن ملك من يتقرب به إلى الله تعالى وليعلم أنه هدى.
وقد صادفت بعض علماء الحديث يتشدد في النكير على من يأباه حتى أفضت به مقالته إلى الطعن فيه والادعاء بأنه عاند رسول الله له في قبول سنته، ويغفر الله لهذا الفرح بما عنده أو لم يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل وأن ليس للمجتهد أن يتسارع إلى قبول النقل والعمل به إلا بعد السبك والإتقان وتصفح العلل والأسباب.
وأقصى ما يرى به المجتهد في قضية يوجد فيها حديث فخالفه أن يقال: لم يبلغه الحديث، أو بلغه من طريق لم ير، قبوله مع أن الطاعن لو قيض له ذوقهم، فألقى إليه القول من معدنه وفى نصابه وقال: إن النبى لجميع هداياه إما ست وثلاثون أو سبع وثلاثون بدنة، والإشعار لم يذكر إلا فى واحدة منها أفلا يحتمل أن يتأمل المجتهد، في فعل النبي له؟ فيرى أن النبى الله إنما أقام الإشعار في واحدة، ثم تركه في البقية حيث رأى الترك أولى، ولا سيما والترك آخر الأمرين أو اكتفى عن الإشعار بالتقليد لأنه يسد مسده في المعنى المطلوب منه.
والإشعار يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان وقد نهى عن ذلك
الجزء 1 · صفحة 38
قولا، ثم استغنى عنه بالتقليد، ولعله مع هذه الاحتمالات رأى مع القول بذلك أن النبي حج، وقد حضره الجم الغفير ولم يرو حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون. رواه ابن عباس.
ولفظ حديثه على ما ذكرناه ورواه المسور بن مخرمة وفي حديثه ذكر الإشعار من غير تعرض للصيغة، ثم إن المسور وإن لم ننكر فضله وفقهه فإنه ولد بعد الهجرة بسنتين، وروته عائشة وحديثها ذلك أورده المؤلف فى هذا الباب، ولفظ حديثها: قتلت قلائد بدن النبي له بيدى، ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له.
ولم يتعلق هذا الحديث بحجة النبي، وإنما كان ذلك عام حج أبو بكر، والمشركون يومئذ كانوا يحضرون الموسم ثم نهوا، وروى عن ابن عمر أنه أشعر الهدى، ولم يرفعه. ومن علم أن المجتهد نظر إلى تلك العلل والأسباب، ورأى جمعا من التابعين على كراهية الإشعار فذهب إلى ما ذهب إليه لسارع في العذر قبل مسارعته في اللوم، والله يغفر لنا ولهم، ويجيرنا من الهوى فإنه شريك العمى. انتهى ما لخصه الأستاذ الميرتهى من كلام التوربشتي فيما علقه على فيض البارى (3 - 115) فنكتفى بهذا القدر هنا.
من صلى خلف الصف وحده
9 - وقال أيضا: (حدثنا ابن إدريس عن حسين عن هلال بن يساف قال: أخذ بيدى زياد بن أبي الجعد، فأوقفنى على شيخ بالرقة يقال له وابصة بن معبد. قال صلى رجل خلف الصف وحده فأمره النبي أن يعيد.
حدثنا ملازم بن عمرو عن. عبد الله بن بدر قال: حدثنى عبد الرحمن بن
الجزء 1 · صفحة 39
علي بن شيبان الله، فبايعناه وصلينا خلفه، فرأى رجلا الله حتى انصرف، فقال استقبل وكان من الوفد خرجنا حتى قدمنا على نبي يصلى خلف الصفوف - قال - فوقف عليه نبي صلاتك، فلا صلاة للذى صلى خلف الصف. وذكر أن أبا حنيفة قال: تجزئه صلاته).
أقول: ابن ادريس هو عبد الله الأودى، وعنه يقول شريك في رواية الهيثم بن خالد: أهل بيت جنون أحمق ابن أحمق وكان أبوه ههنا معلم ولد عيسى بن موسى، ولقد قال الشعبي لعمه داود بن يزيد: لا يموت حتى يجن، فما مات حتى كوى رأسه إبراهيم بن بشار ا هـ.
وحصين هو ابن عبدالرحمن السلمى مختلط ذكره في الضعفاء البخاري والعقيلي وابن عدى، وقال البزار في مسنده المعلل: حصين لم يكن بالحافظ فلا يحتج بحديثه في حكم.
وهلال لم يسمع من وابصة فمرسل. وقال عن ملازم لا يحتج به.
وعن عبد الله بن بدر ليس بالمعروف وعلى بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه عبد الرحمن وابنه هذا غير معروف، وإنما يرتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة، ولا ارتفعت جهالته اهـ.
لكن وثق حصينا جماعةً، وأخرج عنه البخارى قبل اختلاطه، وملازم وثقه أناس وعلى بن شيبان صحابي مقل.
على أن الحديث مضطرب الإسناد فمرة يروى هلال عن عمرو بن راشد عن وابصة ومرة عن زياد بن أبي الجعد فقام بي على شيخ يقال له وابصة فقال زياد
الجزء 1 · صفحة 40
حدثني هذا الشيخ - وليس عند ابن ماجه (والشيخ يسمع) حتى يعد عرضا - وإنما انفرد به في جامع الترمذى من لا يؤخذ بانفراده ضد جماعة.
وعمرو بن راشد رجل لا يعلم أنه حدث إلا بهذا الحديث وليس معروفا بالعدالة فلا يحتج بحديثه كما قال البزار.
وقال ابن عبد البر: إنه مضطرب الإسناد ولا يثبته جماعة من أهل الحديث اهـ. وقال الترمذي: قال قوم من أهل العلم يجزيه إذا صلى خلف الصف وحده، وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعي اهـ.
ودليل هؤلاء حديث أبي بكرة في الصحيحين أنه أحرم دون الصف فقال له ه زادك الله حرصا فلا تعد، وهذا يفيد الصحة مع الكراهة لا البطلان، ومن ادعى بطلان الصلاة بدون خلل في الأركان تمسك بأحاديث لم يصححها الآخرون. راجع نصب الراية (??-?) وعمدة القاري (3 - 116).
وعلى فرض صحتها تحمل على نفى الكمال جمعا بين الأدلة كيف ولو كان المصلى وحده خلف الصف في باطل لما انتظره النبي الى انتهائه من صلاته ليقول له (لا صلاة للذى صلى خلف الإمام) وهذا ظاهر.
وقال الشافعي لو ثبت الحديث - يعني حديث وابصة - لقلت به.
وقال الحاكم: إنما لم يخرجه الشيخان لفساد الطريق إليه.
وقال البدر العيني: وبصحة صلاة المنفرد خلف الصف قال الثورى وابن المبارك والحسن البصرى والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعى ومالك وأبو يوسف ومحمد لكنه يأثم أما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان، وقد وجدت، وأما الإساءة
الجزء 1 · صفحة 41
فلوجود النهي عن ذلك، وهو قوله لا صلاة لفرد خلف الصف» - أخرجه الأثرم - ومعناه: لا صلاة كاملة كما في لا وضوء لمن لم يسم الله، و لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، اهـ. وبهذا يجمع بين الأحاديث.
فظهر أن بطلان صلاة من انفرد خلف الصف مذهب أحمد فقط من بين الأربعة ومذهب الظاهرية المتساهلين في التصحيح.
أفيعد أبو حنيفة مخالفاً للاثر؟ في مسألة تمسك فيها هكذا بحديث متفق على صحته مع رجع باقى الآثار إليه بحملها على الكمال جمعا بين الأدلة، وقد تابعه في ذلك معظم علماء الأمة غير الذين يتساهلون في تصحيح ضعاف الآثار، وهجر صحيح الأخبار والله سبحانه هو الهادى إلى الأرشد الأقوم. الملاعنة بالحمل
10 - وقال أيضا: (حدثنا عبدة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد النبي الله لا عن بين رجل وامرأته وقال: عسى أن تجيء به أسود جعدا فجاءت به أسود جعدا.
حدثنا وكيع عن عباد بن منصور، عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي لا عنبالحمل. حدثنا وكيع عن أبي خالد عن الشعبي فى رجل تبرأ مما في بطن امرأته قال. فلاعنها. وذكر أن أبا حنيفة كان لا يرى الملاعنة (بالحمل.
أقول: اختلف العلماء في اللعان بالحمل فمنهم من لا يرى ذلك لأن ما يظن به أنه حمل قد يكون انتفاخا في البطن فلا تصح الملاعنة على أمر موهوم، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، وأورد عليهم أحاديث منها ما أورده ابن أبى شيبة هنا، ولكن الأول مختصر من حديث هلال بن أمية كما يظهر من طرقه في الصحاح
الجزء 1 · صفحة 42
والسنن وفيها ذكر أن تجيء المرأة بالولد أسود جعدا، وفيها أيضا: فرأيت بعيني وسمعت بأذني». وهذا دليل على أن اللعان كان لرميها بالزنى لا بنفى الحمل.
وكذا لو حمل على حديث عويمر العجلاني فإن في صدر حديثه (أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه وهذا يدل أيضا على أن اللعان هنا كان أيضا لرميها بالزني.
وقد ساق الطحاوى فى معانى الآثار من طرق حديث عبد الله وابن عباس في اللعان ما ما قلناه.
وأما الحديث الثاني ففي سنده عباد بن منصور وعنه يقول ابن حبان: كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم) بن أبي يحيى الأسلمي) عن داود بن الحصين فدلسها على عكرمة اهـ.
فانفراد مثله بلفظ) لاعن بالحمل» لا يصلح للاحتجاج به في حديث سهل بن سعد وكانت حاملا فأنكر حملها لكان في ذلك بعض وجاهة لكن يجاب عنه أيضا بأن اللعان فيه كان برميها بالزني لأن في متن الحديث (أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا .. وهذا صريح في رميها بالزنى، وإنكار حملها لفظ بعض الرواة على ما يظهر نفيا للتخالف.
وقال البدر العينى فى عمدة القارىء (? - 57: ذهب إلى جواز الملاعنة بالحمل ابن أبي ليلى ومالك وأبو عبيد وأبو يوسف فى رواية، وذهب إلى عدم جواز ذلك الثورى وأبو حنيفة وأبو يوسف فى المشهور عنه ومحمد وأحمد فى رواية ابن الماجشون من أصحاب مالك وزفر بن الهذيل وهم يرون أن لا تلاعن بالحمل.
الجزء 1 · صفحة 43
وسواء عند أبي حنيفة وزفر ولدت بعد النفى لتمام ستة أشهر أو قبلها وعند أبى يوسف ومحمد وأحمد إن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ نفاه وجب عليه اللعان لأنه حينئذ يتيقن بوجوده عند النفى ولأكثر منها احتمل أن يكون حمل حادث وبه قال مالك إلا أنه يشترط عدم وطئها بعد النفى اهـ.
وأما الخبر الثالث في هذا البحث فليس بحديث مرفوع ولا مرسل وإنما هو رأى للشعبي فليكن هو ممن يرى اللعان في الحمل.
القرعة في العتق
11- وقال أيضا: (حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن المهلب عن عمران بن حصين أن رجلا كان له ستة أعبد فأعتقهم عند موته فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.
حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن عبد الله بن المختار عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي عل نحوه أو مثله.
وذكر أن أبا حنيفة قال ليس هذا بشيء ولا يرى فيه قرعة).
أقول: (أخرجه مسلم بلفظين لا يمكن أن يصحا جميعا لتنابذهما ولا الترجيح لتساوى السندين، ولعل البخارى لم يخرجه لذلك. ففي لفظ «أعتقهم عند موته وهذا تبتيل وقطع بإعتاقهم عند الموت، ولم يكن له وارث بالنظر إلى أن النبي لم يختبر إجازة الورثة في هذه الرواية، وفي لفظ «أوصى عند موته) وهذا وصية بالإعتاق، فإذا رجحنا إحدى الروايتين بدون مرجح تبقى الصورة الأخرى مقيسة لم يتناولها النص بإحدى الدلالات المعتبرة في دلالة النص.
الجزء 1 · صفحة 44
وحديث (من أعتق شقصا له فى عبد فخلاصه فى ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه - كما أخرجه مسلم وغيره – يشمل الصورتين صراحة على تقدير أن له وارثا.
فأخذ أبو حنيفة بهذا الحديث الصريح الدلالة دون ذلك الحديث المجمل غير المبين، والمخالف للأثر هو المخالف للصريح لا المجمل. على أن الفعل والقول إذا تعارضا يقدم عندهم في الأخذ به، وما تمسك به أبو حنيفة قول وما تمسك به الآخرون فعل.
قال القاضي عياض فى شرح مسلم: وبقول أبي حنيفة قال جماعة، والطحاوي أطال النفس في إثبات أن القرعة منسوخة بآية الربا في معانى الآثار (2 - 421) وكذا في مشكل الآثار (? - ???)، وبدليل أن عليا كرم الله وجهه كان في اليمن في عهد النبي أقرع بين ثلاثة أختصموا في ولد فألحقه بمن خرجت قرعته، ثم حكم في عهد عمر بين شخصين اختصما فى ولد فألحقه بهما جميعا يرثهما ويرثانه. ولولا أن ما عند على ما ينسخ الحكم الأول لما حكم بدون قرعة فيما بعد.
والخبر الأول أخرجه أبو داود والنسائى، والطحاوى وغيرهم.
وأما الثاني فقد أخرجه الطحاوى والبيهقي وغيرهما، وعمل المسلمين بالقرعة فيما بعد في مثل الإقراع بين النساء لاستصحاب الزوج إحداهن في سفره لتطيب نفس من لا تخرج معه مع أن حكم القسم يرتفع بالسفر إجماعا، وكذا الإقراع بين الإسهام عند القسمة بعد تعديلها بقدر الاستطاعة والإقراع بين متخاصمين لينظر القاضي في قضية أحدهما أولا لأنهما إنما كان مجرد تطييب الخواطر بدون أى مخاطرة وبدون أى احتمال للربا، وإجحاف لبعض الحقوق
الجزء 1 · صفحة 45
وهى مما نقول به لورود الآثار بذلك من غير وجود أى ناسخ لها، فبان بذلك أنه لا مخالفة هنا للأثر، رغم تشغيب ابن القيم في الأعلام (1) كما هو ديدنه في رمى أصحابنا، بالأخذ بالقياس الباطل، والإعراض عن السنة، وحجتنا في السنة ظاهرة جدا وإنما القياس الباطل عند من قاس العقلاء بالدراهم إزاء السنة الصريحة والله الهادي.
جلد السيد أمته إذا زنت
12 - أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن. خالد وشبل عن أبي هريرة: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فسأله عن الأمة تزني قبل أن تحصن. قال اجلدوها فإن عادت فاجلدوها قال فى الثالثة أو الرابعة فبيعوها ولو بضفير.
حدثنا أبو الأحوص عن عبد الأعلى عن أبي جميلة عن على قال قال رسول الله الله أقيموا حدود الله على ما ملكت أيمانكم.
حدثنا ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب عليها فإن عادت فليجلدها فإن عادت فليبعها ولو بضفير من شعر.
حدثنا شبابة عن ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عمار بن أبي فروة عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا زنت الأمة فاجلدوها فإن عادت فاجلدوها فإن عادت فاجلدوها فإن زنت فاجلدوها ثم بايعوها ولو بضفيرة الحبل.
حدثنا معلى بن منصور عن أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن
الجزء 1 · صفحة 46
تميم عن عمه وكان بدريا قال: قال النبي: إذا زنت الأمة فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجلدها سيدها».
* * *
أقول: يرى أبو حنيفة جلد الأمة الزانية لكن لا يرى أن ذلك إلى آحاد الأمة ابتعاداً عن الفوضى بل يرى أن ذلك إلى من إليه إثبات الأحكام ولا شأن في ذلك إلا لمن له الولاية العامة، وأين للآحاد أن يعرفوا طرق إثبات الحكم وتنفيذه بالعدل؟ فيكون هذا الرأى من أبي حنيفة من فقهه رحمه الله.
وابن أبي شيبة نفسه روى في مصنفه عن عبدة عن عاصم عن الحسن (أربعة إلى السلطان: الصلاة والزكاة والحدود والقصاص.
وعن ابن مهدى عن حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن عبد الله بن محيريز: الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان). ومثله عن عطاء الخراساني.
وتلك الآثار تؤيد رأى أبي حنيفة في المسألة.
الماء إذا بلغ قلتين
13- وقال أيضا: (حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيدالله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري، قيل يا رسول الله: أنتوضأ من بئر بضاعة - وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن - فقال النبي له: الماء طهور لا ينجسه شيء.
الجزء 1 · صفحة 47
حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج في جفنة فجاء النبي لا ليغتسل فيها وليتوضأ فقالت يا رسول الله: إني كنت جنبا. قال: إن الماء لا يجنب.
حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عند عبد الله. عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً. وذكر أن أبا حنيفة قال: ينجس الماء).
أقول: يقول أبو الحسن بن القطان عن حديث بئر بضاعة في كتابه «الوهم والإيهام) إنه ضعيف لأن في إسناده اختلافا فقوم يقولون: عبيد الله بـ الله بن عبد بن رافع. وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله بن رافع. ومنهم من يقول: عبيد الله بن عبد الرحمن بن. ومنهم من يقول: عن عبد الرحمن بن رافع قال: ومنهم من يقول عبد فيحصل فيه خمسة أقوال وكيفما كان فهو لا يعرف له حال ولا عين اهـ.
ثم ساق بطريق ابن وضاح عن عبد الصمد بن أبي سكينة عن ابن أبي حازم لكن يقول ابن عبد البر وغيره عن عبد الصمد أنه مجهول، ولم يوجد له راو غير محمد وضاح وكلام ابن الفرضى فيه، معروف فلا تنهض بمثله حجة.
وروى الطحاوي بسنده عن الواقدى: أن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا لا يستقر، وأنها كانت طريقاً إلى البساتين، وقد قوى الواقدى أناس ذكرناهم في مقدمة طبقات ابن سعد، وعلى كل حال هو أجدر بالتعويل من الذى فتح باب البستان لأبي داود في زمن متأخر جداً، وسكوت أبى داود عنه لا يدل على تصحيحه عند من درس موارد سكوته وكلام أهل الشأن في ذلك.
وقد تبين من كلام ابن دقيق العيد فى الإمام) أن حديث القلتين ضعيف،
الجزء 1 · صفحة 48
وقد ساق طرقه بحيث يظهر كل الظهور مبلغ اضطراب هذا الحديث سنداً ومتناً، حتى قوى تمسك الحنفية بحديث (الماء الدائم) المخرج في الصحيحين.
والزيلعي الحافظ لخص في نصب الراية كلام ابن دقيق العيد في هذا الحديث إثباتاً لاضطرابه سنداً ومتناً فى ثلاثة أوراق فنستغنى عن نقله هنا.
ومن تساهل وزعم صحة الحديث لا يأخذ به أيضاً للجهل بمقدار القلتين، ومن تعود أن يغطس في مثل هذا الماء تعود أن يسمى محابس الماء التي لا تخرج الماء إلا بمقدار بالحنفيات باعتبار أن الحنفية لا يجبزون الطهارة إلا بمثل هذا الماء.
صلاة المستيقظ في أوقات الكراهة
14 - وقال أيضا: (حدثنا هشيم بن بشير عن أيوب عن أبى العلاء حدثنا قتادة عن أنس قال قال النبي: من نسى صلاة أو نام عنها فكفارته أن يصليها إذا ذكرها. حدثنا غندر عن شعبة عن جامع بن شداد قال سمعت عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع النبي له من الحديبية فذكروا أنهم نزلوا دهاسا من الأرض - يعنى بالدهاس الرمل - قال فقال رسول الله الله إذن ننام. فناموا حتى طلعت الشمس قال فاستيقظ أناس فيهم فلان وفلان وفيهم عمر بن الخطاب قال: فقال اهضبوا - يعنى تكلموا - قال فاستيقظ النبي فقال: افعلوا كما كنتم تفعلون قال ففعلنا قال فقال: كذلك لمن نام أو نسى. حدثنا الفضل بن دكين عن عبد الجبار بن عباس عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال قال رسول الله الله للذين ناموا معه حتى طلعت الشمس فقال إنكم كنتم أمواتا فرد الله
إليكم أرواحكم فمن نام عن صلاة أو نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها وإذا
الجزء 1 · صفحة 49
است حدثنا ابن فضيل عن أبي إسماعيل عن أبي حازم عن أبي هريرة قال رسنا مع النبي ذات ليلة فلم نستيقظ حتى آذتنا الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته ثم تنحى عن هذا المنزل ثم دعا بالماء فتوضأ فسجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئه أن يصلى اذا استيقظ عند طلوع الشمس أو عند غروبها.
***
أقول: ليس فيما سرده من الأحاديث أنه صلى فى حالة الطلوع أو الغروب وقد صح أحاديث في النهي عن مطلق الصلاة فى حالة الغروب والطلوع والاستواء: منها حديث عقبة، أخرجه الستة غير البخارى، فيكون من قضى صلاة نام عنها أو نسيها بعد الطلوع أو الغروب متمسكا بأحاديث البابين، على أن حديث أبي هريرية رضى الله عنه في تنحيه عن ذلك المنزل نص يفيد أن أن الاستيقاظ غير متعين للقضاء فيذهب اعتراض ابن أبي شيبة هكذا أدراج الرياح فيبقى قول فقيه الملة مؤيدا بصحاح الأحاديث بخلاف من حاول معارضته.
المسح على العمامة
15 - وقال أيضا: (حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال: أن رسول الله الله مسح على الخفين والخمار.
حدثنا يونس عن داود بن أبى الفرات عن محمد بن زيد عن أبي شريح عن أبي مسلم مولي زيد بن صوحان قال كنت مع سلمان فرأى رجلا ينزع خفيه للوضوء، فقال له سلمان امسح على خفيك وعلى خمارك، وامسح بناصيتك، فإني
الجزء 1 · صفحة 50
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يمسح على الخفين والخمار. حدثنا يزيد التيمي عن بكر عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي أنه مقدم رأسه وعلى الخفين ووضع يده على العمامة، ومسح على العمامة. وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئ المسح عليها.
أقول: ليس في تلك الأحاديث الاكتفاء بالمسح على الخمار أو العمامة بل من رأى المتوضيء يخلع عمامته وقلنسوته بإحدى يديه المبلولتين ليمسح على ناصيته بالأخرى، ربما يظن به أنه مسح على عمامته، على أن كتاب الله قاطع بالمسح على الرأس فيكون الاكتفاء بالمسح على العمامة بمثل تلك الأخبار اجتراء على النص القاطع، فيكون القائل بذلك داحض الحجة جداً، وإن كان مرويا عن أحمد وحده.
بل ادعى ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث الإجماع على ترك الأخذ بحديث المسح على العمامة، وقال: والمسح بالناصية فرض في الكتاب فلا يزول بحديث مختلف في لفظه، وضرب أمثلة لوجه الترك لأحاديث بالإجماع وسرد عللها في (ص ???) ولسنا في حاجة إلى نقل ذلك كله بعد ثبوت أن أبا حنيفة مصيب جداً في المسألة. حكم زيادة ركعة خامسة سهوا
1 - وقال أيضا: (حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: صلى رسول الله صلاة فزاد أو نقص فلما سلم وأقبل على القوم بوجهه قالوا يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟. قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا فثنى رجله فسجد سجدتين ثم سلم وأقبل على القوم بوجهه فقال: إنه لو حدث فى الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما
الجزء 1 · صفحة 51
تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، وليتم عليه، فإذا سلم سجد سجدتين.
حدثنا غندر عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي أنه صلى الظهر خمسا فقيل له إنك صليت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم.
وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا لم يجلس في الرابعة أعاد الصلاة).
أقول: لا نص في الحديث على أنه ما كان قعد في الرابعة، ليكون أبو حنيفة مخالفاً للأثر، بل الظاهر أنه قعد فى الرابعة بدليل أنه زاد على المعهود في البيان مجرد زيادة الخامسة ولو كان فعل شيئا غير معهود سواها لذكره معا.
وإعادة الصلاة عند عدم القعود في الرابعة مسألة اجتهادية لا نص فيها لأحد الطرفين غير ردها إلى الأصول العامة، وذلك مما تختلف فيه الأنظار من غير تصور مخالفة للآثار وعلى كل حال ففيما ذهب إليه أبو حنيفة من إعادة الصلاة غاية الاحتياط من أين يستحق التأنيب والاستنكار؟
وأبو حنيفة نظر إلى أن الصلاة في الإسلام ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ولم تعهد في الإسلام صلاة خماسية فإذا لم يقعد في الرابعة وسجد للخامسة يكون أتى بما لم يعهد الاعتداد به فوجبت إعادة الرباعي المزيد فيه الخامسة، بدون قعود قبلها كما في فيض البارى.
وجوب الدم على محرم لبس سراويل بعذر
17 - وقال أيضا: وحدثنا ابن عيينة عن عمر وسمع جابراً يقول سمعت
الجزء 1 · صفحة 52
ابن عباس يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت النبي يقول: إذا لم يجد المحرم إزاراً فليلبس سراويل، واذا لم يجد تنعلين فليليس خفين.
حدثنا الفضل بن دكين عن زهير عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل.
من حدثنا ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رجل يا رسول الله ما يلبس المحرم؟ أو ما يترك المحرم؟ قال لا يلبس القميص ولا السراويل ولا العمامة ولا الخفين، إلا أن لا يجد نعلين فليلبسهما وليقطعهما أسفل من الكعبين.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يفعل فإن فعل فعليه دم).
أقول: ليس في الأثر نفى وجوب الدم على المحرم إذا لبس ذلك، ولا يوجب عذر المحرم سقوط الدم عنه إذا لبس ما لا يلبس عند العذر، والإباحة لعذر لا توجب سقوط الفدية کمن به أذى من رأسه فحلق ولبس لقوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)، ولقوله عليه السلام لكعب بن عجرة عند السنة: (أيؤذيك هوامك هذه؟ قال نعم. قال: احلق ثم اذبح شاة نسكا أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة أصع من تمر على ستة مساكين، واللفظ لمسلم. وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط الفدية عن المعذور، وقد روى أبو حنيفة أحاديث فيما لا يلبسه المحرم إلا بعذر وفيما يلبسه مطلقا وأخذ بأحاديث البابين من غير أن يسقط عن المعذور ما لم يسقطه الشرع نصاً كما أوضحت ذلك في (تأنيب الخطيب) راجع (ص 94) منه فلا
الجزء 1 · صفحة 53
يكون هذا مما خالف أبو حنيفة فيه الأثر عند من أحسن التدبر.
الجمع بين الصلاتين في السفر
?? - وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صليت مع النبي وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قال قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء.
حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي. جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فى السفر في غزوة تبوك. حدثنا ابن مسهر عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
حدثنا زيد عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله بن أنس قال كنا نسافر مع أنس إلى مكة فكان إذا زالت الشمس وهو فى منزل لم يركب حتى يصلى الظهر، فإذا راح فحضرت العصر صلى العصر، فإن سار من منزله قبل أن تزول الشمس فحضرت الصلاة قلنا الصلاة فيقول سيروا حتى إذا كان بين الصلاتين نزل فجمع بين الظهر والعصر ثم قال: رأيت النبى الله إذا وصل ضحوته بروحته صنع هكذا
حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صل الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في غزوة بني المصطلق.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجوز أن يفعل ذلك).
الجزء 1 · صفحة 54
أقول: فى الصحيحين عن ابن مسعود (ما رأيت رسول الله له صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع (?)، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها، ومنزلة ابن مسعود في الفقه وملازمة النبى الله معروفة فلا يجهل مثله ذلك لو لم يكن معنى الجمع على ما ذكره أصحابنا.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس صلى رسول الله له الظهر والعصر جميعا في غير خوف ولا سفر وليس أحد من الأئمة المتبوعين يقول بجواز الجمع في الحضر فدل ذلك
على أن المراد بالجمع تأخير الظهر إلى آخر وقته وأداء صلاة العصر في أول وقتها - كما ذكره ابن أبي شيبة في حديث جابر بن زيد - وبذلك يجمع بين الأدلة، وهذا ما فعله أبو حنيفة، فهل يلام على أخذه في المسألة بما هو الأوثق الأحوط؟
قال محمد بن الحسن في الموطأ: (والجمع بين الصلاتين أن تؤخر الأولى منهما فتصلي في آخر وقتها، وتعجل الثانية فتصلى في أول وقتها، وقد بلغنا عن ابن عمر أنه صلى المغرب حين أخر الصلاة قبل أن يغيب الشفق خلاف ما روى مالك، وبلغنا عن عمر بن الخطاب أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين وفى وقت واحد كبيرة من الكبائر، أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء ابن الحارث عن مكحول، انتهى.
والبلاغان صحيحان فلعل رواية نافع في حديث مالك سار حتى غاب الشفق) بمعنى غيبوبة الشفق الثاني، والخلاف معروف فى آخر وقت المغرب المردد بين الغيبوبتين أو الأول بمعنى (قارب الشفق أن يغيب فلا يبقى بين روايتي نافع تدافع، فلا تمنع هذه الرواية من التأويل بالجمع الصوري الذي سبق
الجزء 1 · صفحة 55
بيانه.
وإذا فرضنا عدم إمكان الجمع بين روايتي نافع تتساقطان فتبقى باقى الروايات صالحة للحمل على الجمع الصورى، ومن أراد المزيد على ذلك فليراجع معاني الآثار.
الوقف
19 - وقال أيضا: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر، قال أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي الله فسأله عنها فقال: أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط عندى أنفس منه فما تأمرنا؟ فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث فتصدق بها في الفقراء والقربي وفي الرقاب وفى سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه.
حدثنا ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه ألم تر أن حجراً المدرى أخبرني أن في صدقة النبي صلى الله عليه وسلم: يأكل منها أهلها بالمعروف وغير المنكر.
وذكر أن أبا حنيفة قال: يجوز للورثة أن يردوا ذلك).
* **
أقول: يرى أبو حنيفة أن الوقف إنما يكون لازما إذا جرى مجرى الوصية أو حكم بلزومه القاضى وأن للورثة أن يردوا مازاد على الثلث إذا كان حبس الحابس في مرض موته، وكان تابع فى ذلك شريحا القاضى لأحاديث كان يسوقها.
وفي أخبار أبي حنيفة وأصحابه للحافظ ابن أبى العوام (قال لنا أبو جعفر
الجزء 1 · صفحة 56
حكى عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد من الكوفة كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف - في بعض الأحوال - حتى حدثه إسماعيل ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر في صدقة عمر السهامه من خيبر فقال هذا مما لا يسع خلافه ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة لقال به ولما خالفه اهـ.
وقسا محمد على أبي حنيفة وقال: قول أبي حنيفة في الوقف تحكم على الناس من غير حجة، وقال (ما أخذ الناس بقول أبي حنيفة وأصحابه إلا بتركهم التحكم على الناس، فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير أثر ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء، ولو جاز التقليد كان من مضى من قبل أبي حنيفة مثل الحسن البصري وإبراهيم النخعي رحمها الله أحرى أن يقلدوا.
قال السرخسى ولم يحمد على ما قال. فدل قول صاحبيه على أن أصحاب أبي حنيفة لا يحابونه فيما ظهر خطوه فيه، وهكذا يكون الإخلاص في العلم. نذر الجاهلية
20 - وقال أيضا: حدثنا حفص عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال نذرت نذراً في الجاهلية فسألت النبى الله بعد ما أسلمت فأمرني أن أفي بنذرى. حدثنا حفص عن ليث عن طاوس فى رجل نذر نذرا في الجاهلية ثم أسلم قال يفي نذره
وذكر أن أبا حنيفة قال تسقط اليمين اذا أسلم
أقول: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نذر أن يعصى الله فلا يعصه وه إنما النذر ما ابتغي به وجه الله فمن نذر في الجاهلية اعتكافا في المسجد الحرام مثلا إنما يكون نذر لربه الذى يعبده من دون الله وذلك معصية من
الجزء 1 · صفحة 57
غير شك.
وأمره عليه السلام بالوفاء ليس بمعنى استبقاء قصده في الجاهلية بحاله، بل بمعنى توجيه قصده السابق فى عهد الجاهلية إلى ما فيه رضى الله سبحانه، وإلى ما يكون فيه طاعته جل جلاله بعد إسلامه.
فقول النبى الله تحويل لقصد عمر السابق إلى ما يرضى الله سبحانه في حالة إسلامه.
وقول أبي حنيفة نبذ القصد الجاهلي، فلا ينافي هذا ذاك راجع معاني الآثار، وهناك شرح خلاف أهل العلم في ذلك، والواقع أنه ليس فيه خلاف كما قلنا. النكاح من غير ولى
?? - وقال أيضا: (حدثنا معاذ بن معاذ قال أخبرنى ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة لم ينكحها الولى والولاة فنكاحها باطل قالها ثلاثا، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لاولى له. حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلى بولي.
حدثنا يزيد بن هارون عن إسرائيل عن أبي بردة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بولى.
وذكر أن أبا حنيفة كان يقول: جائز إذا كان كفؤاً».
أقول: راوية الحديث الأول عائشة رضى الله عنها لم تعمل بهذا الخبر حيث
الجزء 1 · صفحة 58
زوجت بنت أخيها عبدالرحمن من غير علمه كما فى الموطأ، وترك الراوى العمل بحديثه علة قادحة في الحديث عند جمهرة النقاد السلف.
وحديث أبي بردة منقطع فى رواية سفيان وشعبة عن أبي إسحاق، وكل منهما حجة على إسرائيل فكيف إذا اجتمعا جميعاً، والمنطقع لاخير فيه ولا سيما في مناهضة ما لا انقطاع فيه، ورواية أبى الأحوص عند المصنف على طبق رواية سفيان وشعبة في الانقطاع.
وحديث مسلم والأربعة الأيم أحق بنفسها يرد حديث و لا نكاح إلى بولى» المنقطع.
والكلام فى ذلك طويل الذيل فى معاني الآثار ونصب الراية وعقود الجواهر، وأبو حنيفة إنما أخذ هنا بأقوى الدليلين وغيره هو المخالف للأثر.
الصلاة عن الميت
?? - وقال أيضاً: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أن سعد ابن عبادة استفتى النبي الله فى نذر كان على أمه وتوفيت قبل أن تقضيه فقال اقضه عنها.
حدثنا ابن نمير عن عبد الله. بن عطاء عن ابن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءته امرأة فقالت إنه كان على أمى صوم شهرين، أفأصوم عنها؟ قال صومي عنها، قال: لو كان على أمك دين فقضيته أكان ذلك يجزى عنها؟ قالت بلى. قال فصومي عنها.
حدثنا عبد الرحيم عن محمد بن كريب عن كريب عن ابن عباس عن
الجزء 1 · صفحة 59
سنان بن الله الجهني أنه حدثته عمته أنها أتت النبي الله فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتستطيعين تمشين عنها؟ قالت نعم قال فامشى عن أمك قالت أو يجزئ ذلك عنها؟ قال نعم. قال أرأيت لو كان عليها دين قضيته هل كل يقبل منها؟ قالت. نعم. قال النبي وذكر أن أبا حنيفة قال لا يجزئ ذلك.
فدين الله أحق.
*
أقول: مدارك أئمة الاجتهاد المعترف بإمامتهم فى الفقه أدق وأوسع وهم لا يحكمون في مسألة إلا بعد استيفاء جميع ما ورد فيها من موصول ومقطوع وموقوف ومرسل وعمل متوارث مع استذكار القواعد العامة فى الفقه وهم أقرب إلى عهد المصطفى ع من مدونى الأصول الستة، فلا يفوتهم شيء من ملابسات تلك الروايات.
والحكم على الشيء بعد استعراض جميع ما ورد فيه أبعد عن الزلل ممن يقتصر على كتاب أو كتابين لبعض المحدثين بعد الأئمة المتبوعين، وكثيراً ما يهمل هذا الراوى ناحية لا يهملها غيره. وبالعكس فاستعراض النواحى كلهاشأن المجتهد.
ففى مسألتنا هذه اضطربت الروايات وأصبح العمل مخالفا لبعض المرويات والصحابي إذا عمل بخلاف روايته فلابد أن يكون هناك ناسخ لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواية الصحابي عن الرسول يقينية عنده بخلاف أخبار الآحاد في الطبقات المتأخرة فلا يتصور أن يترك الصحابة رضى الله عنهم
الجزء 1 · صفحة 60
فقول القائل: العبرة بما روى لا بما رأى لا يصح في الصحابة بإطلاقه بل رد الرواية بمخالفتها لعمل الراوى الصحابى هو الطريقة المسلوكة في إعلال الروايات عند السلف كما في شرح علل الترمذي لابن رجب.
وقد قال الشافعى فى الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد لا يصام عنه إلا النذر ومستند مالك في رد الصوم عن الميت عمل أهل المدينة وبه يرد خبر الآحاد في نظره، لكونه فوق المظنون.
قال مالك في الموطأ: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة، أن أحداً منهم أمر أحداً أن يصوم عن أحد ولا أن يصلى عن أحد اهـ.
وأما ما أخرجه الشيخان عن عائشة مرفوعا و من مات وعليه صيام صام عنه وليه ففى الله سنده عبيد بن أبي جعفر وهو منكر الأحاديث عند أحمد والحديث غير محفوظ كما روى عن ابن عمر وابن عباس فقد صح عنهما خلاف هذا. وفى الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم عن أ أحد، كما أخرج النسائي في الكبرى (?) عن ابن عباس مثل ذلك، وإزاء هذا الاضطراب في النقل على ما اعترف بذلك ابن عبد البر وغيره يكون عمل المجتهد شاقا، فأما أن يعرض عن الجميع لاضطرابه فيرجع إلى القواعد العامة، أو يجمع بين الروايتين بما ينثلج به صدره من نحو جعل الصلاة عن الميت على طريق إهداء ثوابها إليه فيكون كأنه صلى عنه، وفي ذلك نفع الميت في الجملة - ويصح ذلك عند الحنفية أيضا – وجعل نفى الصلاة عن الميت محمولا على نفى النيابة فيها عن الغير بحيث تقع عن الميت وتبرأ ذمته.
الجزء 1 · صفحة 61
ويستأنس فى ذلك بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر لا يصلين أحد عن أحد ولا يصو من أحد عن أحد ولكن إن كنت فاعلا تصدقت عنه أو أهديت. وقد أجاد المحدث العثماني تحقيق هذا الموضوع فى فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (3 - 158) والمسألة مشروحة في شروح الصحاح شرحاً وافياً فلا نطيل الكلام بما هو في متناول الأيدي في مسألة لم ينفرد بها أبو حنيفة والله سبحانه هو الهادى.
نفى الزاني والزانية
23 - وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أنهم كانوا عند النبى الله فقام رجل فقال: أنشدك إلا قضيت بيننا بكتاب الله؟ وأذن لى حتى أقول. قال قل. قال إن ابنى كان عسيفا على هذا، وأنه زنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فسألت رجالا من أهل العلم، فأُخبرت أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال النبي له: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
حدثنا شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة ابن الصامت عن النبى الله وسلم قال: خذوا عني قد جعل لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
وذكر أن أبا حنيفة قال: لا ينفى».
*
أقول: الأحاديث متعارضة في الجمع بين الجلد والتغريب في البكر وفي
الجزء 1 · صفحة 62
الجمع بين الجلد والرجم وإفراد الرجم في الثيب، وليس فى حديث الامة الزانية غير الجلد، ولا في حديث الغامدية و العسيف غير الرجم.
فنظر أبو حنيفة في تلك الروايات فرأى أن جلد الزانى والزانية هو عقوبتهما المنصوص عليها في كتاب الله - فيما إذا كانا بكرين بالسنة المتواترة - ولم يزد في الكتاب على تلك العقوبة تغريبهما، ولا يزاد بالظني على القطعي في مذهبه النير المنهاج، وإن رجمهما هو عقوبتهما المتواترة فى السنة فيما إذا كان ثيبين، محصنين، فعد النفى الوارد في بعض الأحاديث من قبيل نفى أهل الدعارة إذا قضت المصلحة بذلك لا كعقوبة أصلية مع الجلد المنصوص عليه فى كتاب ولو كان النفى عقوبة أصلية لذكر مع الجلد في الكتاب المبين.
وقضاء المصلحة بالنفى مما يختلف باختلاف الأحوال حتى إذا نتج من ذلك ما هو عدل إلى أخف الضررين ما دل عليه الكتاب الحكيم بقوله تعالى: (وإثمهما أكبر من نفعهما) وغيره من آيات الذكر الحكيم. ولذا ترى عبد الرزاق يقول فى مصنفه ومحمد بن الحسن في «الآثار»: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعى قال: قال عبدالله بن مسعود في البكر يزني بالبكر، قال: يجلدان مائة، وينفيان سنة، قال. وقال على: حسبهما من الفتنة أن ينفيا. اهـ.
وقال محمد بن الحسن: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال كفى بالنفي فتنة اهـ.
وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال. غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف فى الشراب إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر .. لا أغرب بعده مسلما اهـ وعلى ذلك يحمل النفى المروى، عن بعض
الجزء 1 · صفحة 63
الصحابة رضي الله عنهم في جامع الترمذي وغيره.
والاقتصار على الرجم فى الثيب مذهب أبي بكر وعمر والزهرى والنخعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وسفيان باعتبار ان هذا آخر الأمرين لحديث ماعز والغامدية والعسيف، وما روى عن على من الجمع بين جلد شراحة ورجمها.
ففى البخاري اقتصاره على رجمها نعم وقع في بعض الأحاديث الجمع بين جلد المحصن ورجمه، لكن الجلد أولا لعدم العلم بأن الزاني محصن وبعد العلم بأنه محصن رجم.
كما يظهر من حديث جابر في سنن أبي داود وسنن النسائى، ولعل وجه الصواب في قول أبي حنيفة استبان بعد هذا البيان.
بول الطفل
24 - وقال أيضاً: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أم قيس بنت محصن قالت: دخلت بابن لى على النبي الله لم يأكل الطعام فبال عليه فدعا بماء فرشه.
حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس بن المخارق عن لبابة بنت الحارث قالت: بال الحسين بن على على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أعطنى ثوبك والبس غيره فقال: إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى. حدثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبى الله أتى بصبي، فبال عليه، فاتبعه الماء، ولم يغسله.
الجزء 1 · صفحة 64
حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن جده أبي ليلى قال كنا عند النبي جلوسا فجاء الحسين بن على يحبو، حتى جلس على صدره فبال فابتدرنا لنأخذه فقال النبي ابنى ابنى ثم دعا بماء فصبه عليه.
وذكر أن أبا حنيفة قال: يغسله».
*
أقول: الحديث الأول هنا بلفظ «فرشه) وعند مالك بطريق الزهرى بلفظ «فنضحه ولم يغسله وبطريق هشام بن عروة في صبي فدعا بماء فأتبعه إياه)، وعد الأصيلي لفظ ولم يغسله» من قول الزهرى.
وقال ابن شعبان من قدماء المالكية معنى فبال على ثوبه على ثوب الصبى. وفي رواية الصحيحين في حديث أسماء تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه، ومعنى النضح هنا الغسل.
وفي رواية الترمذى (حتيه ثم اقرضيه ثم رشيه وصلى فيه في حديث أسماء بعينه فيكون الرش هنا بمعنى الغسل، والغسل قد يكون بدون ذلك، وعرك، تقول العرب غسلني السماء عند انصباب المطر عليه.
وأخرج الطحاوى عن ابن المسيب الرش من الرش والصب من الصب» يريد أن مخرج البول من الصبي ضيق فيكون بوله رشا فيكتفى فيه بالرش على موضع الإصابة، ومن الصبية واسع فيكون بولها صبا فيصب فيه الماء صباً على موضع الإصابة.
ولفظ سماك عن قابوس بن المخارق - أو ابن أبى المخارق - عند ابن أبي
الجزء 1 · صفحة 65
شيبة و إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى، وقد وثقه ابن حبان على طريقته في توثيق المجاهيل إذا لم يبلغه عنهم جرح، وهذا غاية التساهل، ومن لا يعتد بتوثيق من هو معاصر للراوى المتحدث عنه لا يعتد بقول النسائي «لا بأس به». وهكذا اتسع نطاق النظر في المسألة مع كثرة ما ورد فى الاستنزاه عن البول مطلقا، فعدم الفرق بين الصبي والصبية مذهب ابن المسيب والنخعى والحسن بن حي والثورى وأبو حنيفة وأصحابه ومالك رضى الله عنهم وهم يعدون الرش والنضح في أحاديث الباب بمعنى الغسل لما سبق، وهذا هو الأحوط الموافق للعزيمة.
والفرق بينهما مذهب طائفة منهم الشافعى فى رواية وأحمد وإسحاق رضى ا الله. وهم يحتجون بظاهر أحاديث الباب وهذا رخصة وتوسعة كما ترى.
قال محمد بن الحسن في الموطأ، قد جاءت رخصة في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام، وأمر بغسل بول الجارية، وغسلهما جميعا أحب إلينا، وهو قول أبي حنيفة اهـ. وقال أيضا في حديث «فدعا بماء فأتبعه إياه»: وبهذا نأخذ نتبعه إياه غسلا، حتى ننقيه، وهو مذهب أبي حنيفة اهـ.
وبهذ ظهر أنه لا غبار على قول أبي حنيفة فى المسألة وأنه لم ينفرد به بل معه أئمة ومن أراد المزيد فعليه بمعاني الآثار وعمدة القارئ وفيض البارى.
نكاح الملاعن بعد الملاعنة
25- وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهرى سمع سهل بن سعد: أنه شهد المتلاعنين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما قال يا رسول الله: كذبت عليها إن أنا أمسكتها.
الجزء 1 · صفحة 66
حدثنا يزيد عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: فرق النبي بينهما.
حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لا عن النبي الله بين رجل من الأنصار وامرأته ففرق بينهما.
حدثنا ابن نمير عن عبد الملك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين فقال: مالي. فقال: لا مال لك إن كنت صادقا فيما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبا فذلك أبعد لك منها.
وذكر أن أبا حنيفة قال: يتزوجها إذا كذب نفسه.
أقول: الأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة هنا إنما تدل على أن اللعان ليس بقاطع وحده حبل النكاح وإلا لغا التفريق فيكون المصنف استدل لأبي حنيفة حينما أراد أن يقيم حجة ضده، وطلاق الملاعن أمام الرسول الله موسكوته من الدليل على أن الفراق في الملاعنة إما بالطلاق أو بالتفريق ومن لازم هذا الرأى أن لا تكون حرمة الملاعنة على الملاعن مؤبدة، بل جواز نكاحه منها إذا أكذب نفسه وفيه صون نسب ولدهما، كما هو رواية عن أبي حنيفة.
وأما حديث المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً فموقوف على على وابن مسعود رضي الله عنهما.
وأما رفعه بطريق ابن أبي المغراء إلى ابن عمر عنه عليه الصلاة والسلام فلا يصح لأن الراوى عن ابن أبي المغراء هو محمد بن عثمان - وهو ابن أبي شيبة المجسم المتهم بالكذب - فكيف يكون إسناد هذا الحديث جيداً؟ لكن ابن عبد الهادي صاحب التنقيح يتغاضى عنه لاشتراكهما في العقيدة.
الجزء 1 · صفحة 67
وحديث سهل بن سعد في سنده عياض الفهرى وهو لين الحديث، بل منكر الحديث عند البخاري، فلا يكون أبو حنيفة مخالفا للأثر الصحيح على تقدير ثبوت أن ذلك رأيه. وإن كان أناس يقولون إنهما لا يجتمعان أبداً تعويلا على تلك الروايات التي بينا بعض ما فيها.
وعلى كل حال للاجتهاد متسع في مثل هذا الموضوع.
إمامة الجالس
26 - وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهرى قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي عليه عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدا وصلينا وراءه قياما، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإن صلى قاعداً، فصلوا قعودا أجمعون.
حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، فصلوا بصلاته قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الأمام ليؤتم به فإذار كع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا.
حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: صرع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس له، فوقع على جذع فانفكت قدمه. قال: فدخلنا عليه نعوده وهو يصلي في مشربة لعائشة جالسا، فصلينا بصلاته ونحن قيام فأوماً
الجزء 1 · صفحة 68
إلينا أن، اجلسوا، فلما صلى قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا. ولا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها
حدثنا أبو خالد عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوساً، وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يؤم الإمام وهو جالس).
أقول: أطال المصنف في هذا الباب فى غير مطال لأن حديث وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً صحيح من طرق لكن آخر الأمرين صلاة الجماعة قياما عندما يؤمهم الإمام جالساً بعذر كما في حديث عائشة في الصحيحين.
وفي صحيح البخارى التصريح بنسخ الحديث الأول، فلا حاجة إلى إطالة الكلام في الرد على المصنف في هذه المسألة، وأما ابن حبان فتهور في صحيحه في الرد على أبي حنيفة بكلام غير متزن وعد أبا حنيفة يحتج بجابر الجعفي في روايته عن الشعبي و لا يؤمن الناس أحد بعدى جالسا مع أنه صح عنه تكذيبه أغلظ تكذيب في جامع الترمذي، ونسى ابن حبان في تهوره هذا أن مذهب أبي حنيفة منع غير المريض من القعود، وفى نصب الراية (2-41) ما يشفى ويكفى في إيضاح هذه المسألة.
على أن جرح الرجال مما تختلف فيه أنظار أهل العلم، فجابر الذي يكذبه
الجزء 1 · صفحة 69
أبو حنيفة يروى عنه الثورى ومحمد بن الحسن ويحتجان بروايته وهما غير ملزمين بمتابعة أبي حنيفة في تجريح جابر، والمجتهد إنما يتابع اجتهاد نفسه. وكفى ما عند أبي حنيفة من الحجج منها حديث عائشة اصلى آخر صلاته قاعداً والناس خلفه قيام حتى قال الحميدى - في صحيح البخاري – بهذا نسخ حديث إذا صلى جالساً فصلوا جلوسا).
وليس أبو حنيفة بمنفرد في تجويز صلاة القائم خلف القاعد المعذور، بل معه في ذلك أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك فى رواية والأوزاعي رحمهم الله فنكتفى بهذا القدر من البيان فى هذه المسألة الواضحة البرهان.
شهود الرضاعة
27 - وقال أيضا: (حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن سع بن أبي حسين قال: حدثنا ابن أبي مليكة قال: حدثنا عقبة بن الحارث قال: تزوجت بنت أبي إهاب التميمي فلما كانت صبيحة ملكتها جاءت مولاة لأهل مكة فقالت: إني قد أرضعتكما، فركب عقبة إلى النبي بالمدينة فذكر ذلك له، وقال: سألت أهل الجارية فأنكروا فقال: وقد قيل، ففارقها. ونكحت غيره.
حدثنا معتمر عن محمد بن عثيم عن محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: سئل النبي ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ قال: رجل أو امرأة. وذكر عن أبي حنيفة قال: لا يجوز إلا أكثر.
أقول: إن الحديث الأول مخرج في الصحاح والسنن على ألفاظ، وأخذ بظاهره عثمان الله عنه، ففرق بشهادة المرضعة، وهذا مذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي. والجمهور على أنه لا تكفى في ذلك شهادة المرضعة. وأجابوا عن
الجزء 1 · صفحة 70
هذا الحديث بحمل النهي في فنهاه عنها في بعض رواياته على التنزيه. ويحمل الأمر في (دعها عنك في بعض رواياته على الإرشاد ليبتعد عن مواقف التهم.
وقد أسند أبو عبيد من طريق عمر والمغيرة بن شعبة وعلى بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت بينة، وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت اهـ ومعهم الجمهور ولأبي حنيفة أسوة حسنة بهم.
والذين لا يقبلون شهادة المرضعة وحدها يختلفون فيما يزيدون عليها مع فرق بعضهم بين شهادتى المرضعة قبل العقد وبعده، وتفصيل ذلك في شروح كتب الحديث وكتب المذاهب، ولسنا في صدد تفصيل ذلك - راجع فتح البارى (5- ???) وعمدة القاري. (290 - 1)
وأما الحديث الثاني ففي سنده ابن البيلماني وابن عثيم وهما ضعيفان، وقال البدر العيني: قال أصحابنا: يثبت الرضاع بما يثبت به المال وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء المنفردات فلا تثبت الحرمة اهـ لقوله تعالى في الإشهاد على الأموال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان.
استئناف النكاح عند إسلام الزوج بعد إسلام زوجته
??- وقال أيضا: (حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى رد ابنته زينب على أبي العاص بعد سنتين بنكاحها الأول.
الجزء 1 · صفحة 71
حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي أن النبي ردها عليه بنكاحها الأول. وذكر أن أبا حنيفة قال: يستأنف النكاح.
أقول: زينب رضى الله عنها تزوجها أبو العاص بن الربيع – ابن أخت أمها خديجة الكبرى رضى الله عنها - قبل البعثة النبوية بعشر سنين وأبى زوجها أن يسلم، وأسر ببدر فأطلق بشرط إطلاقها، فهاجرت إلى المدينة، وأسر أبو العاص ثاني مرة وهو قافل من الشام في عير لقريش سنة ست في جمادى الأولى منها فأجارته زينب، لكنه أبى الإسلام أيضا حتى رحل إلى مكة فأدى الحقوق ورجع بعد أن أسلم فى مشهد من قريش في أول سنة سبع، فرد عليه زينب.
ثم توفيت زينب رضى الله عنها في أول سنة ثمان من الهجرة، وتوفى أبو العاص سنة اثنتي عشرة من الهجرة في التحقيق في خلافة أبي بكر رضى الله عنه. وابنهما على بن أبي العاص أردفه النبي على راحلته يوم الفتح وتوفى فى حياته عليه السلام وهو قد ناهز الحلم.
وبعد هذا التمهيد أقول: قال أبو حنيفة: إذا أسلم أحد الحربيين، وخرج إلى دار الإسلام، وبقى الآخر كافرا بدار الحرب وقعت الفرقة بينهما باختلاف الدارين لقوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. فإن عدم إعادتهن إلى دار أزواجهن وتحريمهن عليهم ورد مهورهن إلى أزواجهن وإباحة نكاحهن لآخرين
الجزء 1 · صفحة 72
لا تدع مجالا للقول ببقاء الزوجية بين امرأة أتت إلى دار الإسلام مسلمة، وبين زوجها الذي بقى بدار الحرب وهو كافر.
وإيجاب العدة عليها مما لا يدل عليه كتاب ولا سنة لأن العدة إنما هي في الطلاق والوفاة، وهنا انفساخ نکاح بدون طلاق ولا، وفاة فكفى استبراؤها بحيضة لتتزوج من غير حاجة إلى انتظارها إلى انقضاء مدة ثلاث حيض كما يرى ذلك طائفة من الفقهاء. ومن أدلة أبي حنيفة في الاكتفاء بحيضة واحدة حديث ابن عباس في كتاب الطلاق من صحيح البخارى، وفيه (إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح والظاهر منه الحيضة الواحدة.
ولقوة حجة أبى حنيفة فى هذا الباب اضطر ابن حزم المعروف بكثرة خروجه على ما يقوله الفقهاء إلى قبول ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم وجوب العدة هنا، فعلى هذا أن الزوج إذا حضر إلى دار الإسلام مسلما لا تحل له زوجته التي حضرت مسلمة من قبل إلا بعقد جديد ومهر جديد كما هو مقتضى القواعد العامة وكما قال بذلك عطاء، وقواه البخاري في الصحيح.
وإليه ذهب ابن عباس وعطاء وطاوس والثورى وأبو ثور وابن المنذر والبخاري وفقهاء الكوفة كما في فتح البارى (9-340).
وفريق يقول: إنها ترد إليه على النكاح السابق من غير عقد جديد إذا كان مجيئه أثناء العدة، وهذا مما لم يصح فيه خبر مع منافاته لآية الممتحنة السابق ذكرها.
وبنى ابن أبي شيبة اعتراضه على أبي حنيفة على الرأى الثانى، واحتج بخبرين، لكن الخبر الأول في سنده ابن إسحاق، وأقل ما فيه أنه مدلس لا تقبل
الجزء 1 · صفحة 73
عنعنته، وهنا قد عنعن. وقال عبد الحق في الأحكام: لم يروه معه إلا من هو دونه وابن الحصين لين يقول عنه ابن عيينة: كنا نتقى حديثه.
وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير.
وقال أبو حاتم: لولا أن مالكا روى عنه لترك حديثه - يعنى فيه من المآخذ ما يوجب ترك حديثه؛ لكن تساهل مالك فى الرواية عنه حمل الرواة على التساهل معه - عه - ومع ذلك لم يخرج مالك حديثه هذا في الموطأ، بل اكتفى بمرسل الزهري في هذه المسألة، وعاب غير واحد على مالك روايته عن ابن الحصين.
وقال الساجي: منكر الحديث يتهم برأى الخوارج، وعكرمة كثر الكلام فيه، وذكر الذهبي في الميزان في عداد مناكير ابن الحصين حديث الباب وساق بلفظ (أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا) ثم قال: أخرجه الترمذى وقال: لا يعرف وجهه لعله جاء من قبل داود بن الحصين اهـ.
وحاول ابن حجر أن يزيل الاضطراب فى ذكر عدد السنين في الحديث بأن الست من هجرتها إلى إسلام أبي العاص والسنتين أو الثلاث من نزول (لا هن حل لهم) إلى قدومه مسلما، فإن بينهما سنتين وأشهرا، فأهمل الكسر بعضهم، وجبره بعضهم يظهر من الفتح (3429)، وتلك مدد المفارقة بالأبدان وأما البينونة فقبل ذلك بكثير لأنها إن وقعت من حين البعثة النبوية حين آمنت خديجة وبناتها إلى إسلام أبي العاص، فالمدة قريبة من عشرين سنة، وإن وقعت حين نزلت) ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) فأكثر من عشر سنين عند من يرى أن
الجزء 1 · صفحة 74
هذه الآية مكية؛ لكنه حبسها إلى بدر.
فظهر أن ردها على أبي العاص بنكاح جديد حين قدم المدينة مسلما سنة سبع، وكان بذلك بعد نزول آية الممتحنة بعد صلح الحديبية، وتحريم المسلمة على الكافر القاضي بأن لا ترد عليه بعد أن أسلم إلا بعقد جديد وصداق جديد كما هو مقتضى حديث ابن عباس المخرج في صحيح البخارى وقول عطاء المؤيد فيه، وهو الموافق لحديث حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو المصرح فيه بردها عليه بعقد جديد ومهر جديد، ولفظه: (أن النبي رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد) في سنن ابن ماجه و (بمهر جديد ونكاح جديد) في جامع الترمذي. وحكى الترمذي عن يزيد بن هارون: أن حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب اهـ.
وقد سبق بيان ما في إسناد حديث ابن عباس من المآخذ خلال مخالفته لمذهبه المذكور في البخارى وقول عطاء المدون فيه المؤيد عند البخارى.
ومن الغريب تأويل ابن حجر العمل فى كلام يزيد بن هارون بعمل أهل العراق تسوية للمسألة على موافقة مذهبه نفسه والمقال الذى يشير الترمذى إلى وجوده في حديث عمرو بن شعيب هو وجود حجاج بن أرطاة في سنده وكونه لم يسمعه من عمرو بن شعيب.
ولذا ترى أبا بكر بن العربي الحافظ يقول فى شرح الترمذى: هذا باب لم يصح فيه حديث مسند، وصح مرسل ابن شهاب الزهرى فى الموطأ يعنى في رد المسلمة على زوجها الذي أسلم في العدة بالنكاح الأول، وهذا غريب منه حيث لم يلتفت إلى ما يقوى حديث عمرو بن شعيب من حديث ابن عباس فى البخارى،
الجزء 1 · صفحة 75
وقول عطاء فيه أيضا، وإلى عمل الأمة، به وإلى آية الممتحنة القاضية بزوال العصمة بعد أن أسلمت المرأة، وهذا منه ميل مع المذهب.
والباجي بعد أن أشار إلى الضعف فى رواية ابن إسحاق والاضطراب فيها حتى في السنين ذكر حديث عمرو بن شعيب في رد زينب إلى أبي العاص بنكاح جديد وحديث غيره وقال: وهذا أشبه وأقرب ولو ثبت الرد بالنكاح الأول لاحتمل أن يراد به مثل الصداق الأول .. ويحتمل أن يكون منسوخا بالإجماع على البينونة عند انقضاء عدته، راجع المنتقى (3-345).
وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث عمرو بن شعيب وأول حديث ابن إسحاق بمثل ما أول به الباجي، وقال: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل اهـ.
على أن الخطابي يرى فى المعالم أن رواية داود بن الحصين عن عكرمة نسخة ضعفها على بن المديني وغيره من علماء الحديث. اهـ. يعنى أنها غير متلقاة بالسماع.
وقصارى ما يؤاخذ عليه حجاج بن أرطاة أنه مدلس لكن كم من مدلس تقبل روايته إذا حفت بها قرائن تؤيدها، وزد على ذلك ثناء شعبة وغيره عليه بما تجده في كتب الرجال.
ويقول ابن عبد البر في التمهيد: (حديث ابن اسحاق في الرد بالنكاح الأول إن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع اهـ، وفي الجوهر النقى وفتح القدير، بل في المحلى ما يهدئ تهور البيهقي على الطحاوى فى النسخ، فلا نطيل
الجزء 1 · صفحة 76
الكلام هنا بما هو خارج عن موضوعنا.
وأما الخبر الثاني فى كلام ابن أبي شيبة فى هذا الباب فمرسل لا يحتج به في هذا الموضوع خاصة، حيث ثبت إفتاء الشعبي بخلاف هذا في مصنف ابن أبي شيبة وروايته على طبق رواية عمرو بن شعيب عند الطحاوى وابن حزم وغيرهما، وهذا المقام لا يتحمل التوسع بأكثر من هذا.
تأخير المناسك بعضها عن بعض يوجب الدم
طلحة 29- وقال أيضا: (حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عيسى بن عن عبد الله بن عمرو قال أتى النبي رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج. قال: ذبحت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج.
حدثنا عبد الأعلى عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن سائلا سأل النبي رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج. قال: وقال: حلقت قبل أن أنحر. قال: لا حدثنا يحيى بن آدم. حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن على عن الله أبيه عن عبيد بن أبي رافع عن على عن النبي أتاه رجل فقال: إني أفضت قبل أن أحلق فقال احلق أو قصر ولا حرج.
حدثنا أسباط بن محمد عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك أن سأله رجل حلقت قبل أن أذبح قال: لا حرج.
حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر قال: قال رجل يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر. قال: لا حرج. وذكر أن أبا حنيفة قال: عليه دم).
أقول: إن هؤلاء السائلين مجاهيل فى هذه الروايات وفي الروايات المدونة
الجزء 1 · صفحة 77
في الصحاح والسنن، وليس بينهم أحد من مشاهير الصحابة رضى الله عنهم، وورد في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن عمرو (فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج).
وفي حديث آخر فيه) فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا.
وفي رواية مسلم (فما سم سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلا قال افعلوا ذلك ولا حرج).
وقد بوب البخاري على حديث ابن عباس بطريقي طاوس وعكرمة في التقديم والتأخير، وقوله للسائل ولا حرج بلفظ: «باب إذار مى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيا أو جاهلا».
وقال الموفق بن قدامة في المغنى: (قال الأثرم عن أحمد إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان عالما فلا لقوله في الحديث لم أشعر فيختص الحكم بحالتي الجهل والنسيان فلا تعم التوسعة الأحوال كلها من علم وجهل، وذكر ونسيان كما توهم أهل الظاهر ومن سار سيرهم.
ولذا يقول الطحاوى فى معانى الآثار بعد أن أشار إلى أن (لا حرج) يحتمل التوسعة العامة ونفى الإثم لعذر الجهل والنسيان وبعد أن ذكر الأحاديث الدالة على عذر الجهل والنسيان في طرق الحديث المذكور: فدل ما ذكرنا على أنه إنما أسقط الحرج عنهم في ذلك للنسيان لا أنه أباح ذلك لهم حتى يكون لهم مباحا أن يفعلوا ذلك في العمد).
الجزء 1 · صفحة 78
ثم ساق حديث أبي سعيد الخدرى فى هذا الباب وفى آخره (عباد الله وضع الله عز وجل الحرج والضيق تعلموا مناسككم فإنها من دينكم وقال: أفلا ترى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كانوا لا يحسنونها؟ فدل ذلك على أن رفع الحرج عنهم لجهلهم بأمر مناسكهم لا لغير ذلك. ثم ساق حديث أسامة بن شريك وفيه (إن الأعراب سألوا رسول الله له عن أشياء ثم قالوا: هل علينا حرج فى كذا؟ ثم قال: (أفلا ترى أن السائلين لرسول الله إنما كانوا
أعرابا لا علم لهم بمناسك الحج، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لا حرج) يبيح لهم ما فعلوا من تقديم وتأخير. وأمرهم بقوله وتعلموا مناسككم.
ثم قال قد جاء عن ابن عباس ما يدل على هذا المعنى أيضاً.
وقال: حدثنا على بن شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال (من قدم شيئا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دما).
حدثنا نصر بن مرزوق ثنا الخصيب ثنا وهيب عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله فهذا ابن عباس يوجب على من قدم شيئا من نسكه أو أخره دما وهو أحد من روى عن النبي أنه ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر من أمر الحج إلا قال: لا حرج. فلم يكن معنى ذلك عنده معنى الإباحة في تقديم ما قدموا وتأخير ما أخروا مما ذكرنا إذ كان يوجب في ذلك دما، ولكن كان معنى ذلك عنده على أن الذين فعلوه في حجة النبي كانوا فعلوه على الجهل منهم بالحكم فيه كيف هو؟ فعذرهم بجهلهم وأمرهم في المستأنف أن يتعلموا
الجزء 1 · صفحة 79
مناسكهم اهـ وهذا من الوضوح بمكان.
ومن تمسك في تضعيف ثبوته عن ابن عباس بإبراهيم بن مهاجر لم يقطن بأن كلام ابن الجوزى فيه من جهة أنه التبس عليه هذا بآخر يوافقه فى الاسم واسم الأب وإلا فهو لا بأس به عند الثورى وأحمد.
وقد غضب ابن مهدي علي ابن معين حينما رآه يضعفه وقال ابن سعد ثقة.
وقد تهور ابن حزم في رد حديثه هذا من غير حجة.
وفي الجوهر النقى عن حديث ابن مهاجر: هذا سنده صحيح على شرط مسلم. وقد روى عن ابن مهاجر هذا الجماعة غير البخارى كما روى عنه أمثال الثورى وشعبة والأعمش ولو سلم تضعيفه بسوء الحفظ فالسند الذى ذكره الطحاوى لهذا الخبر بعده يدل على أن ابن مهاجر ضبط الحديث، فنصر بن مرزوق من شيوخ ابن أبي حاتم وقال: إنه صدوق، وعن الخصيب بن ناصح شيخه قال أبو زرعة: ما به بأس إن شاء الله وقال ابن حبان ثقة ربما أخطأ، ومن فوقهم جبال فى الثقة وزد على ذلك إخراج ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه كما في عمدة القارئ وهذا يقطع كلام كل خطيب إن لم يكن ناسخ الكتاب رفعه إلى ابن عباس سهوا، لأن فيه رواية ذلك عن ابن جبير بهذا السند.
وقد روى ابن أبي شيبة مثل ذلك بأسانيد صحيحة عن سعيد بن جبير وأبى الشعشاء وإبراهيم.
كما روى ابن جرير فى التهذيب ذلك عن الحسن. فلأبي الشعشاء وإبراهيم
الجزء 1 · صفحة 80
كما روى ابن جرير في التهذيب ذلك عن الحسن. فلأبي حنيفة أسوة حسنة بهؤلاء الأخيار أحبار الأمة بخلاف من حمل كلمة (لا حرج) ما لا تحتمله بدون دليل نير. على أن قول أبي حنيفة هو العزيمة في المسألة والأحوط بخلاف قول الآخرين فلا معنى للاعتراض على أبي حنيفة فيما أخذ فيه بأقوى الدليلين. وليس الفرق بين المناسك باعتبار وجوب الدم في بعضها دون بعض مما يتعلق به غرضنا في هذا الموضوع فنترك ذلك إلى مظانه من كتب الخلاف.
تخليل الخمر
30- وقال أيضا: (حدثنا وكيع عن سفيان عن السدي عن يحيى بن عباد عن أنس ابن مالك أن أيتاما ورثوا خمراً فسأل أبو طلحة النبى لعل الله أن يجعله خلا. قال: لا. وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به».
***
أقول: أخرجه مسلم وغيره لكن في أغلب طرقه السدى واختلفت فيه الأنظار، وملخص ما فصله الطحاوى فى المشكل في أربعة أوراق: أن ذلك كان في مبدأ تحريم الخمر، وكان إذ ذاك تشق الزقاق فيما يكفى فيه الإهراق لمجرد التشديد، وغرس عزيمة الإقلاع في النفوس لا لتحريم التخليل أو الزق.
وقد أخرج أبو يعلى في مسنده عن جابر أن النبي له عوض الأيتام عن خمرهم مالا كما في نصب الراية (4-312).
وفي سنن الدراقطني بطريق فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة في إهاب الميتة أن النبى الله قال: إن دباغها يحله كما يحل خل الخمر، وفي لفظ يحل دباغها كما يحل خل الخمر.
الجزء 1 · صفحة 81
وقال الدراقطني تفرد به فرج بن فضالة عن يحيى وهو ضعيف، لكن في تاريخ الخطيب: قال أبو زكريا فرج بن فضالة صالح، وقال ابن المديني: هو وسط وليس بالقوى. وقال أحمد: هو ثقة اهـ.
وروى عنه شعبة ووكيع وغيرهما، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه والمجتهد قد يترجح عنده رواية مثله إذا احتفت بالقرائن.
وفي المعرفة للبيهقي عن المغيرة بن زيادة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا (خير خلكم خل خمركم).
قال البيهقى تفرد به المغيرة وليس بالقوى، وإن صح يحمل على ما إذا تخلل بنفسه، وعليه أيضا يحمل حديث فرج بن فضالة اهـ. لكن المتتبع ترك المطلق على إطلاقه والمغيرة وإن اختلفوا فيه لكن أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
وفي تهذيب التهذيب وثقه وكيع وابن معين، والعجلي وابن عمار، ويعقوب بن سفيان، وفي التقريب صدوق له أوهام فلا يستغرب أن يتمسك برواية مثله المجتهد، ولاسيما فيما يتفادى به عن ضرر يلحق باليتيم، وسبق تعويض النبي صلى الله عليه وسلم مالا عن إهراقها.
واختلف قول مالك فى التخليل فقال: مرة لا يجوز وإن فعل عصى وطهرت، وقال مرة لا يجوز ولا تطهر وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مرة: يجوز تطهيرها وهو قول أبي حنيفة.
وحكى محمد في الحجج جواز ذلك عن على وابن عباس وأبي الدرداء بلاغا كما روى ذلك بسنده عن عطاء بن أبي رباح والله أعلم. اغتيال ناكح المحارم
الجزء 1 · صفحة 82
31- وقال أيضاً: (حدثنا حفص عن أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء أن النبي أرسل إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمره أن يأتيه برأسه.
حدثنا وكيع عن الحسن بن صالح عن السدى عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالى ومعه الراية فقلت: أين تذهب؟ فقال: أرسلنى النبي له إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله أو أضرب عنقه.
وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس عليه إلا الحد).
أقول: يعنى العقوبة المعروفة للزنى من الرجم أو الجلد على اختلاف حالتي الزاني من إحصان، وغيره وفى سندى الحديثين أشعث بن سوار، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدى، لكن ورد الحديث من غير طرقهما أيضا عند الطحاوى وغيره، ولم يذكر في الحديث غير التزوج، وهو العقد، والعقد على ذات محرم مع العلم، استباحه لنكاحها فيكون هذا العقد وحده كفرا، وردة ولاسيما أنه قد ورد فى بعض طرق الحديث عقد اللواء لمن بعث لقتله كما ورد في بعضها استباحة مال المقتول وهذان لا يكونان إلا ضد المرتد المحارب.
ولم يذكر في طريق من طرقه الفجور بها فيكون قتله على الردة لا على الزني، ولو كان المراد العقوبة على الزنى لكانت عقوبته إما الرجم أو الجلد، فيكون قتله بسبب ردته الموجبة للقتل، وقيامه بالسلاح لا بسبب الزنى لأنه لم يصرح به في طريق من طرق الحديث، فيكون ادعاء أن يكون ذلك القتل للزنى دعوى بلا دليل، ومخالفة صريحة للمنصوص على عقوبة الزاني في الكتاب والسنة.
فلو ورد أنه زنى بذات محرم من غير ذكر ما يدل على الردة والجحد معه معه لكانت عقوبته عقوبة الزناة كما يقول أبو حنيفة، فلا يبقى محل للاعتراض
الجزء 1 · صفحة 83
عليه على هذا التقدير.
وقد يكون اغتياله لأجل أن لا يتحدث عن مثل تلك الفضيحة الفظيعة كما توسع في بيان ذلك المحدث الفقيه: أبو محمد على بن زكريا بن مسعود الخزرجي المنبجي في (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب). وشفى الطحاوي وكفي في هذا الموضوع وحقق ملحظ أبي حنيفة في ذلك في معاني الآثار).
وتوسع في بحث هذا الموضوع أيضا الشيخ عبد الحى اللكنوي في كتابه (القول الجازم في سقوط الحد في نكاح المحارم فليراجع تلك المصادر من أراد المزيد.
ذكاة الجنين
32 - وقال أيضا: حدثنا حفص وعبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف عن أبي سعيد قال قال رسول الله: ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر. وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تكون ذكاته ذكاة أمه).
أقول: قال ابن الأثير فى النهاية يروى هذا الحديث بالرفع والنصب فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (ذكاة (الجنين) فتكون ذكاة الأم هى ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، ومن نصب كان التقدير عنده ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجار نصب المجرور، أو على تقدير أنه يذكى تذكية مثل ذكاة، أمه فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه فلابد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيا.
ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين أى ذكاة الجنين ذكاة أمها. هـ والتذكية الذبح والنحر. فعلى الروايتين الأخيرتين لابد من تذكية الجنين ليحل أكله.
الجزء 1 · صفحة 84
والرواية الأولى تحتمل معنيين: أحدهما إغناء ذكاة الأم عن ذكاة الجنين، والآخر أن ذكاة الجنين تكون على طبق ذكاة الأم بطريق التشبيه البليغ وهو الموافق لمعنى الروايتين اللتين سبق ذكرهما، والجمع بين الروايات لا يدعها منصف.
وأما إغناء ذكاة الأم عن ذكاة الجنين فيفيد على أكل الجنين سواء خرج حيا أو ميتا وهذا يكون مخالفا لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والجنين إذا مات في بطن أمه يكون منخنقا و (المنخنقة) في عداد المحرمات بنص الكتاب، وإذا خرج حيا ثم مات من غير ذبح شرعي يكون القول بحل أكله قولا بحل أكل الميتة.
وليس ذلك الحديث في قوة المعارضة لمدلول الكتاب الصريح لأن طرقه كلها لا تخلو من ضعيف أو هالك.
فمجالد فى سند حديث ابن أبي شيبة هنا ضعيف بالاتفاق بين النقاد، وأبو الوداك ضعيف عند ابن حزم.
ووجوه تضعيف باقي الطرق يظهر من نصب الراية ومن المحلى لابن حزم، ومع أبي حنيفة في القول بعدم إغناء ذكاة الام عن ذكاة الجنين زفر بين أصحابه، وكذا
ابن حزم مع سعى منه في إخفاء متابعته له فى المسألة بأن أوسعه سبا كما هو ديدنه. وكنا نود أن نرى المنذرى أنزه لسانا مما يقول فى هذا الباب من تحامل يبرأ منه الأصحاب، والله في خلقه شئون، وفي حديث ابن عمر عند الدراقطني قول عبيد عمر (ولكنه إذا خرج من بطن أمه يؤمر بذبحه حتى يخرج الدم من جوفه) أهذا شيء غير التذكية عند المنذري؟!.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: قال أبو حنيفة إن خرج حيا ذبح وأكل،