المولد النبوى والدعوة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المولد النبوى والدعوة النبوية
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من علم ما كانت طوائف البشر وصلت إليه من التدهور في أبواب الاعتقاد والعمل والخلق قبل مولد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ثم لمح إلى ما تم بيده الكريمة من الإصلاح الشامل فى تلك الأبواب في مدة يسيرة بعد قيامه بالدعوة إلى الله سبحانه ازداد تيقنا بأن الله عز وجل ما أرسله إلا ليكون رحمة للعالمين، حقا، فها هى بيئته كانت متوغلة كل التوغل في جاهلية جهلاء ووثنية خرقاء تعبد ما تنحت وتعتقد أن الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك ولا تترفع عن اتخاذ الغارات مصدر ارتزاق، ولا تستنكف البنات مخافة سبي أو خشية إملاق، ولا تأبى أن تبيح اجتماع رجال على امرأة فتعد ولدها ولداً شرعياً لمن يشبهه منهم. ويقول القائل في بني حنيفة إنهم اتخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهراً ثم أكلوه في المجاعة، تعالى الله عما يفترون
وحول تلك البيئة أمم يدينون بأديان شتى محرفة مختلفة، فمنهم أمة تدين بالتثليث وتقول إن الثلاثة، واحد وإن ابن الله قتل ثم رفع إلى السماء وقعد فى جنب أبيه. تعالى الله عما يختلقون ويبيع لهم كهنتهم بقاعا من الجنة وهم لأربابهم مسخرون.
ومنهم من يعتقد أن الله شيخ أشمط قاعد على كرسيه في السماء، وحوله الأملاك يهبط إلى الصخرة ويصعد منها إلى السماء، وقد استراح يوم السبت
مستلقيا على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى لنصب أصابه من خلق الكون. تعالى عما يأفكون.
ومنهم الصابئة عبدة الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يعتقدون أن الشمس إله كل إله وكالحرانية الذين يرون أن الخالق واحد كثير، واحد في الأصل كثير بتكثر الأشخاص فى رأى العين ... فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته وذلك بحلول ذاته أو جزء من ذاته فيها. تعالى عما يشركون.
ومنهم المجوس عبدة النار القائلون بخالقين اثنين: النور خالق الخير والظلمة خالق الشر على اختلاف فرقهم بخلط وتخليط من مانوية وديصانية ومزدكية وغيرها يرون أن النور غير متناه إلا من جهة التحت حيث يلاقي الظلمة، وكان مانى رأس المانوية راهبا بحران مزج النصرانية بالمجوسية، ورئيس المزدكية هو مزدك الداعى إلى الاشتراك فى الأموال والأبضاع تأسيساً للإخاء الشامل بإزالة أسباب العداء في زعمه، وقد بلغت به الوقاحة إلى حد أن يطالب قباد الساساني بتسليم الملكة له فانصاع له قباد الذي كان دان بدينه لكن صعب ذلك على أنوشروان ابنه فانكب على رجلى مزدك يقبلهما ليعفى هذا فأعفاها، وبعد أن تولى الابن الملك أعمل في المزدكية السيف أمه من وقتل رئيسهم شر قتلة.
ومزدك هذا هو السبب الأصلى لانهدام ذلك المجد الشامخ لآل ساسان وانهدام المجد نتيجة ضرورية للإباحة المطلقة حيثما حلت ولو بعد حين ومن معتقد المزدكية أن المعبود قاعد على كرسيه فى العالم الأعلى على هيئة قعود الملك في العالم الأسفل. ومن تلك الأمم الدهريون والطبعيون نفاة الصانع المحرومون من
تعقل الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا منتهى البلاهة، وهم آفة الفضيلة في كل عصر، والمنزلون للبشر منزلة البقر فى عدم التكليف.
ومنهم السمنية والبراهمة القائلون بنفى ما وراء الحس والمنكرون للنبوة وفلسفتهم أم الهوان والمذلة في كل دور. هكذا كان الحجاز وما حوله إلى فلسطين والشام والعراق وبلاد الروم وأرض الفرس والهند وبلاد أفريقية وما والاها حين بعث خاتم رسل الله - فأى منظر يكون أقتم وأظلم من هذا المنظر في تاريخ البشر.
ولا يخفى على البصير مصادر ما نستخفه من المزاعم الشائنة في بعض نحل اليوم من تلك المعتقدات الباطلة، فقام هذا النبى الهاشمى الأبطحي. صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة إلى الإسلام فى تلك البيئة المحاطة بتلك الأمم يقيم الحجة لدعوته بحيث لا يدع عذرا لمعاند ويوقظ العقول إلى المعالى بطريقة لا تعلو على مدارك العامة ولا تستنكرها الخاصة، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل الطوائف بالتي هي أحسن حتى دانوا له تباعا فعلمهم ما يجوز اعتقاده في الله ومالا يجوز، وفهمهم وجوب الله سبحانه عن مشابهة مخلوقاته ومماثلة مصنوعاته وفقههم في أبواب العمل، ودربهم على الفضائل والسجايا الكريمة، واستنهض الجميع نحو رقى مستمر في العلوم والأعمال والأخلاق وما إليها استنهاضا تدريجيا بعيدا عن الطفرة والمفاجأة مستعملا اللطف فى محله والعنف فى موضعه حتى خرقت دعوته ذلك النطاق وانتشر دين الإسلام في جميع الآفاق فدانت الأمم بنور تنزيه هدايته في مشارق الأرض ومغاربها.
وأفاضت هذه الدعوة المباركة والنهضة الميمونة على العالمين مالم يعهد له
مثيل من الخيرات في أيسر مدة، فمن تأمل ذلك يزداد يقينا ويجد في ثنايا تشريع هذا النبي العظيم معجزات تتجدد مدى الدهر، رغم انحراف المنحرفين الفاتنين في هد كيان شرعه في الداخل والخارج. وأمهات ما تلقت الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم - هي العلم بالله وصفاته وما إليها من المعتقدات المقصودة لذاتها، والعلم بالأحكام العلمية من عبادات و معاملات يدور عليها تهذيبهم النفسى وإقامة العدل بين الخليقة والعلم بطرق اكتساب الملكات الفاضلة والتخلى عن الخلال الرديئة النفسية مما يرشد إلى وسائل تزكية النفوس وتصفية القلوب حتى تصدر منها الأعمال المسعدة في النشأتين سجية لا بتكلف فتتم لهم الكمالات العلمية والعملية. كما أشرت إلى ذلك كله عند تحدثى عن الحالة العامة عند البعثة النبوية في مقدمة تبيين كذب المفترى لابن عساكر.
وكان السلف من الأمة المحمدية في غاية من الاعتصام بهذا الدين الحنيف ونهاية التوفيق فى استثمار الخيرات منه فى ساحات العلم والعمل والاعتزاز كما هو معلوم لمن استعرض آثارهم فى فتح البلاد وهداية العباد، ومدوناتهم الخالدة في العلوم تملأ خزانات العالم وتشهد لهم بكل فخر بخلاف خلفهم الذين أضاعوا التراث، وبدأوا يندمجون في أمتهم فهانوا وذلوا حيث أعرضوا عن هذا الدين القويم والشرع الحكيم، فلا حول ولا قوة إلا بالله فندعوه سبحانه أن يوقظنا من غفوتنا ويلهمنا رشدنا، وهو المجيب لمن دعاه.