المولد الشريف النبوى
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المولد الشريف النبوى
للإمام محمد زاهد الكوثري الحنفي (ت1371هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى مولد النبي - صلوات الله وسلامه ـ عليه تجعلنا نستعرض ما كانت عليه طوائف البشر من صنوف الزيغ ووجوه الجاهلية من قبل، وما تم بيده الكريمة من سعادة شاملة لمن تبع دينه ونور وهاج يهدى إلى كل خير في الدارين ويكشف صنوف الظلمات المتراكمة على أبصارهم وبصائرهم من عهد الشقاء الذي ليس بعده شقاء، وكل ذلك بيمن بعثته – صلى الله عليه وسلم- إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
وشهر ربيع الأول لما فاض هو رمز ذلك اليوم المسعود مولد فخر الوجود - صلوات الله وسلامه عليه فنرى المسلمين طول هذا الشهر المبارك مثابرين على الاحتفاء بذكرى ولادته و مطلع نور هدايته - - عرفانا منهم عليهم من نور هدى طلعته الميمونة بعد ظلمة متراكة وزيغ متواصل وضلال ليس فوقه ضلال حتى تبدلت الأرض غير الأرض.
وقد أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس أنه قال: ولد النبي يوم الاثنين، واستنبى يوم الاثنين وخرج مهاجراً يوم الاثنين، وقدم الاثنين، وتوفى - يوم يوم الاثنين وقد اتفق جمهرة النقلة على أن مولده كان عام الفيل وأنه كان يوم الاثنين وأن شهر مولده هو شهر ربيع الأول - وذكر شهر سواه لمولده – عليه السلام - ليس إلا من قبيل سبق القلم عند النقاد فيدور الخلاف المعتد به فى تعيين اليوم من
شهر ربيع الأول أهو عند انقضاء اليوم الثامن أم العاشر أم الثانى عشر فلا يعتدون برواية تقدم مولده على تلك الأيام ولا برواية تأخيره عنها؛ لعدم استنادهما على شيء يلتفت إليه.
فدار البحث في ترجيح الراجح من تلك الروايات الثلاث. لقول بأن ولادته – عليه السلام - عند انقضاء ثمانية أيام من الشهر قدمه ابن عبد البر في الاستيعاب عند سرده لوجوه الخلاف في مولده - لام. واقتصر عليه قبله أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي خازن دار الحكمة المأمونية. وقال عنه الحافظ عمر بن دحية في كتابه التنوير فى مولد السراج المنير» الذى أجازه عليه مظفر الدين صاحب إربل بألف دينار -: هو الذى لا يصح غيره وعليه أجمع أهل التاريخ.
فيكون هذا هو الراجح رواية بل المتعين دراية؛ لأن اليوم التاسع عند انقضاء تلك الأيام الثمانية هو الذى تعين لمولده - بعد إجراء تحقيق رياضي لا يتخلف بمعرفة الرياضي المشهور العلامة محمود باشا الفلكي المصرى -رحمه الله - في رسالة له باللغة الفرنسية في تقويم العرب قبل الإسلام.
لأن وقد ابتدأ المشار إليه في تحقيقه القهقرى من يوم كسوف الشمس عند وفاة إبراهيم بن محمد - في السنة العاشرة من الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم في سن ثلاث وستين سنة كما في صحيح البخاري وعين أن الكسوف في تلك السنة كان فى سلخ، شوال واستمر على تتبعه الرجعي إلى أن وصل إلى نتيجة أنه يلزم أن يكون مولودا فى اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين الذي كانوا اتفقوا عليه هو ذلك اليوم من الشهر المذكور عام الفيل الموافق 20 إبريل سنة 571م وأجاد البحث في تحديد يوم بعد الاستعراض الشامل لأقوال
الفلكيين من الشرق والغرب. فلا معدل عن هذا القول لترجحه رواية وتعينه دراية لأن التحقيق الرياضي لا يتخلف. وقد ترجم. أحمد زكى باشا تلك الرسالة إلى العربية باسم نتائج الأفهام فى تقويم العرب قبل الإسلام وفي تحقيق مولد النبي وعمره – صلى الله عليه وسلم - سنة 1305هـ. وطبعت فى تلك السنة بمصر - فجزاهما الله عن العلم خيرا.
ولادته وأما القول بأن مولده فى اليوم العاشر من الشهر فقد عزاه ابن سعد في طبقاته إلى محمد الباقر - الله لكن في سنده ثلاثة رجال متكلم فيهم. وأما القول بأنه اليوم الثانى عشر من الشهر فقول محمد بن إسحاق لكنه غفل من السند كما في مستدرك الحاكم فيكون شأنه شأن الأقوال التي لا أسانيد لها.
لكن أغلب البلاد أخذ بهذا في الاحتفاء بمولده – عليه السلام-. ليكون في زمن كان بروزه لهذا العالم فى مثله أمرا متفقا عليه عند الجميع. وأما تأخره عن ذلك اليوم فوهم محض ممن ليس فى العير ولا في النفير. ولم يعتد صاحب تلك الرسالة بروايات فى وقوع ذلك الكسوف في أيام وشهور غير سلخ شوال لمنافاة ذلك المسلمات الفن.
فإصرار ابن حجر على تجويز وقوعه في رابع الشهر أو عاشره أو الرابع عشر منه كما ورد في بعض الروايات ورده على الفلكيين وضربه المثل بقول الشافعى فى الأم من احتمال اجتماع العيد والكسوف، ناشئة من بعده عن علم الفلك المأخوذ مما جرت عليه سنة الله فى اختلاف الأيام والشهور والفصول بطريق جرى العادة لا الإمكان العقلى فقط، وقد أصاب البدر العيني في رده على الرواة فى رواياتهم وقوع الكسوف في غير أيامه في جاري العادة. ولا عجب في أن
يهم الثقة في شيء ليس في متناول علمه. كما أنه لا عجب فى اختلاف الرواة فى تاريخ ميلاده – عليه السلام- لأنه ولد أمة أمية لا تحسب ولا تكتب ولا تؤرخ إلا بأحداث معروفة عندهم في بين مبدأ الأمر.
فلا محل في أن يعيبنا البرنس قيتانو على هذا الاختلاف مع سعيه في تكثير الروايات عن كل من هب ودب فى تاريخه الكبير عن الإسلام متناسياً مبلغ الاختلاف العظيم بالسنين لا بالأيام الواقع في ميلاد عيسى – عليه السلام - ما لا طريق معه إلى تحديد زمنه أصلا، لتباعد ما بين رواياتهم من التفاوت الشاسع الذى لا جامع له، بخلاف ما هنا؛ لأن تحديد زمن ولادة نبينا عليه السلام ثبت برواية راجحة أيدتها دراية ناجحة كما سبق.
والملك المعظم مظفر الدين كوكبورى الذئب الأزرق» التركماني صاحب إربل مبتكر ذلك الاحتفال البالغ بمولد حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه المشروح فى وفيات ابن خلكان 1 436 وصف احتفاله وسعة أعطياته ونفقاته كان يحتفل بالمولد الشريف فى الليلة الثامنة من شهر ربيع الأول في عام، وفي الليلة الثانية عشرة منه فى عام آخر عملا بالروايتين.
وقد ألف أهل العلم مؤلفات كثيرة فى الآثار الواردة في مولده عليه السلام، ومن أجمع الكتب المؤلفة فى ذلك: جامع الآثار فى مولد النبي المختار» في ثلاثة مجلدات للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقى رحمه الله. وقد طرقت في هذا المقال مباحث تغنى شهرتها عن ذكرها لكن توالى عدم ذكر المشهور قد يؤدى إلى نسيانه عند الجمهور، وهذا مما لا يستساغ والحاصل أن طرق هذه المباحث إن لم يكن فيه تذكير ففيه استذكار والله سبحانه ولى التسديد.